هذا المقال ترجمة بتصرف لمقال: Revolution Betrayed لكاتبه: Brian Stewart في موقع: quillette.com. الآراء الواردة أدناه تعبّر عن كاتب المقال الأصلي ولا تعبّر بالضرورة عن تبيان.

مراجعة لكتاب “اليمين: حرب المائة عام من أجل المحافظة الأمريكية”، ماثيو كونتيتي، 496 صفحة، (أبريل 2022).

“لقد كانت أمرًا لا مفر منه، ولكن غير متوقع أبدًا في الوقت ذاته”؛ كان هذا حُكم أليكسيس دي توكفيل على الثورة الفرنسية. ويمكن قول الشيء نفسه عن استيلاء دونالد ترامب العدائي على الحزب الجمهوري والمؤسسة المحافظة في أمريكا، التي فقدت بحلول عام 2016 القوة والإرادة اللازمتين لاحتواء أميرٍ يتصرف كوحش، على حد تعبير ميكافيللي، في وسطها.

منذ نهاية الحرب الباردة، كان مسار اليمين الأمريكي قاتمًا بلا ريب: حركة سياسيةٌ عالقة في حنينٍ أيديولوجي تتضاءل قاعدتها الانتخابية التقليدية مع كل انتخابات تمر. وبدلًا من الاستجابة للظروف الجديدة في بلد سريع التغير بأجندة تطلعية، قُيِّدَ اليمين “بجثة السياسات الميتة”، كما قال المحافظ البريطاني العظيم اللورد سالزبوري. وبدعمٍ حماسي من بنية فوقية مؤسسية محافظة معزولة، قدم الحزب الجمهوري برنامجًا عفا عليه الزمن بنبرة منمقة صدت الناخبين الذين كانت في أمس الحاجة إليهم للفوز.

مهما بدا صعود ترامب السياسي بعيد المنال قبل دخوله البيت الأبيض بموافقة الحزب الجمهوري، فقد أصبح ذلك ممكنًا، ولا مفر منه إلى حد ما، من قبل اليمين الذي توقف لفترة طويلة عن إظهار الكثير من النبض. في عصر العجز غير المسبوق، والحراك الاجتماعي المتوقف، ومستويات العمر المذهبة من عدم المساواة. كان الحزب القديم الكبير -الأداة العرفية التي سعت الحركة المحافظة من خلالها للتأثير على السياسة الوطنية- يمثل سياسة رجعية للاستياء الثقافي والتقشف الاقتصادي. ربما كان هذا التوليف الغريب قد تجسد بشكل أفضل من خلال مرشحي الحزب لمنصب نائب الرئيس في عامي 2008 و2012: سارة بالين وبول رايان، على التوالي. على خلفية الانقسام الاجتماعي المتصاعد والانحلال، أصبح الجمهوريون في نفس الوقت أكثر شعبوية وأكثر ثراءً، وقدموا فرصًا لا تضاهى ليس فقط لحزب المعارضة ولكن للغرباء وعديمي الضمير.

الجمهوريين

عندما بدأ أكثر هؤلاء الديماغوجيين موهبة تحركه، شعر العديد من الأمريكيين داخل الطيف السياسي بالحيرة وعدم الاستيعاب. ومع ذلك، فإن انتصار ترامب الأولي وتأثيره الثابت لا يشهدان فقط على الثقافة السياسية المعاد توجيهها ولكن أيضًا على اليمين الذي أصبح، بطريقة غير محافظة بلا ريب، عبدًا لدوافعه وليس لسيده. إن تراجع وسقوط النزعة المحافظة الأمريكية في عصرنا يذكرنا بوصف همنغواي لعملية الإفلاس؛ فهي تقترب في البداية بشكل تدريجي، ثم تَهُمُّ فجأة.

هذه هي قصة “اليمين”، التاريخ المهم والمثير للقلق لماثيو كونتيتي عن النزعة المحافظة الأمريكية الحديثة. وهو متفوق على أي مجلد سابق حول هذا الموضوع النقدي، فهو يجلب نظرة ثابتة ومتغلغلة إلى انهيار التيار المحافظ في أمريكا في القرن الحادي والعشرين، ويوضح كيف أن الحزب السياسي الذي كان مُكرَّسًا لقضيته لفترة طويلة قد تولى عنها تمامًا في سبيل عبادة شخصيةٍ لا ينقشع عنها ضباب الاستبداد.

كونتينيتي صحفي وزميل كبير في معهد أمريكان إنتربرايز، وهو شاهد خبير ضمن أيديولوجية “العقول الحرة والأسواق الحرة” التي ميّزت النزعة المحافظة الأمريكية منذ فترة طويلة. بصراحة في التصور ودقة رائعة في التفاصيل، يلقي الكتاب نظرة مستهترة إلى حد ما على هذا التقليد لكنه يظهر تعاطفًا عنيدًا مع ذلك كله. على الأقل كمسألة تاريخية، تميز اليمين الأمريكي بتكريسه لتقليد الحكم الذاتي الدستوري والحقوق الفردية. إذا كان هناك أي عار يمكن الشعور به حول أو داخل هذا الفصيل السياسي، فهذا يرجع أساسًا إلى أنه ابتعد عن تلك المراسي السليمة في اللحظة التي كان التمسك فيها بها ضرورة مُلِحّة.

لكن القصة المتشابكة لكيفية وصول الحزب الجمهوري إلى ما وصل إليه في المقام الأول تتطلب إعادة النظر. كان مهندسو النظام الدستوري الأمريكي رجالًا ذوي عقلية محافظة ولديهم شك سليم في الجماهير التي سعت إلى ابتكار نظام يناسب الطبيعة البشرية. على الرغم من أن المؤسسين ينحدرون من تقليد سياسي محافظ أنجلو أمريكي معروف، إلا أنهم جرّدوا أنفسهم من خلال الدفاع عن حقيقة بدائية تُعتبر “بديهية”: أن جميع الرجال خلقوا سواسية، وأن الحكومة مهما كانت مكلفة بحماية الفرد في بلده، في سعيه الخاص من أجل السعادة. بعبارة أخرى، كانت النزعة المحافظة في أمريكا هي الاتجاه المحافظ الاستثنائي لجمهورية تتطلع إلى الأمام أكثر من كونها جمهورية لحافظي أوروبا القديمة.

الجمهوريين

من الصور المنتشرة لوضع الأمريكيين في الكساد الكبير.

ما يسميه كونتينيتي “حرب المائة عام من أجل اليمين” اندلعت بشكل جدي عندما رفض الحزب الجمهوري محاولة التقدمية لقلب هذا الإرث السياسي. على منصة الحرية الاقتصادية وعدم التدخل في الخارج، وعد الرئيسان وارين هاردينغ وكالفين كوليدج بالعودة إلى “الحياة الطبيعية”. لم يمض وقت طويل قبل أن يتآمر التاريخ على هدم هذا الوضع الراهن الهش، أولًا مع الكساد الكبير وبعد ذلك مع اندلاع الحرب العالمية الثانية. على الرغم من أن الحقائق القاسية في العالم جعلت هذه العقيدة الضيقة تدفع الثمن، إلا أنها لم تفقد بريقها أبدًا في الخيال المحافظ.

حافظت اليمين الأمريكي في فترة ما بعد الحرب على معارضتها العميقة للتقدمية في الداخل، لكنها تبنت مقاومة متشددة ضد الاستبداد السوفييتي في الخارج، قضت بها على إهمالها القديم للمسؤولية والنشاط العالميين. كان هذا التعديل الأخير هو الذي جعل من اليمين قوة فعالة في الحياة الأمريكية طوال فترة الحرب الباردة؛ حيث أصبحت مناهضة الشيوعية نقطة تجمع للمحافظين المتدينين والمحافظين الاقتصاديين والواقعيين في السياسة الخارجية. زمرة من المفكرين الشيوعيين السابقين، بما في ذلك جيمس بورنهام، ويتاكر تشامبرز، و(لاحقًا) إيرفينغ كريستول، هاجروا أيضًا إلى اليمين، مما وفر مفردات فكرية كانت تفتقر سابقًا (ولمسة من التطور الثقافي) للمحافظين المجندين في الكفاح من أجل العالم الحر.

كانت المنصة الأكثر حيوية، وغرفة النقاش المزدهرة في عالم المحافظة الفكرية هي مجلة National Review، التي أصدرت بيانًا مدويًا في عام 1955: المجلة “تقف في وجه التاريخ القديم، تصرخ في وجهه بالتوقف”. في تصويره للمؤسسة المحافظة، يضع كونتينيتي التأكيد المناسب على المجلة ومحررها الذي لا يعرف الكلل، ويليام باكلي، الذي استطاع أن يعمم الرّوع والرعب من موضة الإلحاد التي بدأت تنتشر في جميع أنحاء العالم الغربي. لقد سعى باكلي إلى تحويل المحافظة الأمريكية بعد أن كانت ضجيجًا من العقائد الإقليمية إلى قانون وطني حقيقي (ومن هنا جاء عنوان مجلته)..

أصبح باكلي الفتى الشقي في سنوات أيزنهاور عندما حاول -بجزء من النجاح- أن يوجه التيار المحافظ في أمريكا. وصف محررو مجلة National Review أنفسهم بأنهم “محافظون راديكاليون” يسعون إلى “استعادة” روح ما قبل الصفقة الجديدة. على الرغم من أن هذا المشروع مثير للإعجاب من حيث النطاق، فقد شابته أخطاء وتجاوزات حدت من نطاقه وتركته داخل دائرة من التضاؤل الأخلاقي زهّدت البعض فيه. في المناخ المشحون في بداية الحرب الباردة، تم قبول جوزيف مكارثي في الخنادق المحافظة جنبًا إلى جنب مع الجنرال فرانكو. وكان من “العار الدائم” للحراك، كما يؤكد كونتيتي بحق، أن المجلة الرئيسية للمحافظين جعلت قضية الحقوق المدنية مشتركة مع الديمقراطيين الجنوبيين العنصريين. زعمًا أن المساواة الإنسانية ستقود أمريكا على طول طريق القنانة، تجاهل باكلي بحماقة الحقائق الأساسية للمؤسسة الأمريكية بالإضافة إلى قوى ستراوس على اليمين التي عارضت التقدمية ودعمت الحقوق المدنية.

في سياق الاستنكار للجمهوريات الوسطية التي قادها أيزنهاور، صاغ باكلي مفهوم “الانصهار”، من المكونات الثلاثة المكونة للفكر المحافظ الجديد: التقليدية، والليبرتارية، ومعاداة الشيوعية. بعد أن ضم مجموعة من الأصدقاء والحلفاء ضمن تياره المحافظ، لم يتردد باكلي في إقامة بعض الحواجز أمام بوابة الدخول، فعلى الرغم من ميزتها الحزبية الطبيعية، فإن مجلته National Review لم تتبع النسخة اليمينية السائدة في ذلك الوقت: “Pas d’ennemis a gauche، pas d’amis a droit” (“لا أعداء من اليسار، لا أصدقاء من اليمين”).

لم يرافق الصرامة الفكرية للحركة المحافظة إلا الثقة بالنفس العظيمة التي غشت جوانب الحزب. وانخرط ويليام راشر، ناشر مجلة National Review، في ما أسماه بـ “عملية جذرية” من أجل إعادة تصميم المقدمات الفكرية للعالم الحديث”. تم توسيع وتعميق هذا الإحساس القوي بالهدف من خلال الدوائر الأخرى التابعة لليمين، بما في ذلك المجلات الأخرى مثل The Public Interest وThe Commentary ولاحقًا The Weekly Standard. لقد كان تأثير المحافظين الجدد على اليمين فلسفيًا كما كان عمليًّا: هؤلاء الكتاب والمثقفون الساخطون، الذين كانوا يتخذون من نيويورك مقرًا لهم في البداية، “اعتقدوا أنهم كانوا يدافعون عن الليبرالية، ولم ينفوها كما سعى المحافظون التقليديون سابقًا”، وبدلًا من التوق إلى “التقليد المجرد”، جلبوا تركيزًا حيًّا للسياسات الاجتماعية الملموسة التي كانت تغذي التهميش والتبعية داخل الطبقة الدنيا.

لم تكن هذه الفورة من النشاط محصورة في عالم الأفكار. اندلع اليمين الحديث في الساحة السياسية أولًا مع باري جولدووتر ثم بشكل مثمر مع رونالد ريغان. أعطيت الحركة المحافظة فرصتها عندما ساعدت الفوضى في أواخر الستينيات والسبعينيات على تشويه سمعة اليسار الجديد والحزب الديمقراطي. لاقت العقيدة المحافظة صدى عميقًا لدى الجمهور الذي كان غاضبًا ومتأثرًا بشدة من الارتفاع الجامح في الجريمة، والتضخم، والإذلال الوطني.

الجمهوريين

رونالد ويلسون ريغان ‏سياسي وممثل أمريكي راحل شغل منصب الرئيس الأربعين للولايات المتحدة في الفترة من 1981 إلى 1989.

تحت ظل الأزمة التي وجد المجتمع الأمريكي نفسه فيها، ومع مكانته العالمية، تمكن اليمين، المدعوم بموجات من المنشقين من المحافظين الجدد من اليسار، من اجتذاب التيار السائد من خلال تبيان الكوائن التي أصابت المجتمع الأمريكي فأوصلته إلى ما هو عليه من سوء حالٍ وبوار، وعملوا على تبيان الدواء والعلاج. بعد انتخاب ريغان عام 1980، تم تجهيز قضية الحرية الاقتصادية والسياسية ليس فقط بحركة ولكن بحزب. وللمرة الأولى، دانت مقاليد البيت الأبيض إلى محاربٍ جمهوريٍّ أدرك أن الأخلاق والسلطة عنصران حيويان لسياسة خارجية فعالة.

كان النضال ضد الشيوعية حيويًا لأن التيار المحافظ الأمريكي لم يكن متماسكًا أكثر مما هو عليه اليوم. وقد أشار كونتينيتي إلى أنه “لا يوجد يمين أمريكي واحد؛ هناك العديد.” لطالما جذبت السياسة المحافظة قبائل متنوعة وحتى متناقضة تحت لوائها. لكن الأيديولوجية الشيوعية الغريبة والمعادية أثبتت أنها رصيد فريد للمحافظين الأمريكيين – “التحيز المُسخِّر” للتحالف، حسب تقدير باكلي. أثارت القوى المفترسة للماركسية اللينينية وإمبراطورية الشر التي ولّدتها حفيظةَ المحافظين لأسباب مختلفة: السوق الحرة، لأنها كانت مناهضة للرأسمالية، وحفيظةَ المحافظين المتدينين لأنها كانت معادية للإيمان، والمحافظين العاديين لأنها كانت معاديةً لأمريكا.

يعود الفضل في النهاية السلمية للحرب الباردة إلى حد كبير إلى تصميم المحافظين على إعادة تأكيد المشروع الليبرالي الأصلي للحرب السياسية الأيديولوجية ضد موسكو وإنهاء حقبة الانفراج و “التعايش” من خلال دحر الهيمنة السوفيتية.

الجرح الذي أحدثه سقوط جدار برلين على التيار المحافظ الأمريكي لم يكن سطحيًا. لقد بيّن كونتينيتي في عرضه أن الانهيار السوفييتي ترك الحركة “تبحث عن هدف جديد”، لكنه في الوقت ذاته، قد يكون تسبب في مزيد من الخراب الأيديولوجي الذي نجم نتيجة لهذا التطور التاريخي. وبسبب تلاشي الخطر الأحمر، لم يعد اليمين إلا مجموعة متنامية من “المناهضين للعولمة”، الذين حادوا عن طابع الحزب الدولي، وتولوا عن نجاحاته الاقتصادية في الداخل، وعن النجاحات في الخارج التي لم تتحقق إلا بشق الأنفس.

صعد المحافظون القدماء إلى الصدارة في العقد الذي تلا الحرب الباردة، بقيادة كاتب خطابات نيكسون السابق باتريك بوكانان. دعت الحركة إلى “قومية جديدة” وإلى العودة مرة أخرى إلى الإيمان بأمريكا أولًا، والتخلي عن الآخرين، أو على الأقل، أمريكا أولًا قبل الآخرين”. ويعود هذا إلى إيديولوجية المحافظين المنهكة في فترة ما بين الحربين، المتمثلة في شعبوية ضيقة تضع يدًا بيد مع قومية مُترفِّعة، ولكن من دون ولاء للمبدأ الدستوري. وباتباع صريح لتقاليد السياسة الخارجية لتشارلز ليندبيرغ وروبرت تافت، دعت عودة هذا اليمين القديم إلى وضع حد للنفقات والمجهودات اللازمة للحفاظ على السلام الأمريكي. هذه الرؤية، رؤية أمريكا المحصنة، كانت الفكر الأساس الذي نجم عنه إحياء القاعدة الصناعية للأمة بتمكين الجسر المتحرك أمام التجارة الخارجية والعمالة الأجنبية.

خلال تسعينيات القرن الماضي، واجهت المؤسسة الجمهورية هذا التمرد الشعبوي، ولكن بينما تخلت عن جوهر سياسة بوكانان، انتهجت بعضًا من أسلوبه، الذي كان فعّالًا في إثارة مشاعر الرعاع. عمليًا، كل أمريكي محافظ ذي مكانة في المجتمع انغمس في هذا النفاق العاطفي بدرجة أو بأخرى، حتى أن محرري National Review حثوا على “تصويت تكتيكي” لِبوكانان في الانتخابات التمهيدية الجمهورية. (وقد حاول عدد قليل من المناصرين، دون جدوى، أن يشيروا إلى زملائهم المحافظين إلى أن حملة بوكانان هذه هي يسارية أكثر مما هي يمينية، وقد كانت كذلك بشكل جذري). لتولي المهمة التي قام بها باكلي ذات مرة، لجعل الحركة محترمة من جديد، خلال مواجهة وقمع “الدخلاء” على الروح الأمريكية.

يُظهر كتاب “اليمين” أن النزعة المحافظة الأمريكية لم تكن قادرة على الفصل بين الأفكار والمُثل، وبين الأشخاص. قبل الثورة الأخيرة على اليمين، احتوت المؤسسة طبقاتٍ من النُظم الجدلية: التزمت بالمؤسسات الموروثة، دافعت عن نظرية “التدمير الخلاق” في السوق، ولأنها ملتزمة بحكومة محدودة، فقد كشفت أيضًا عما أسماه المؤرخ ألان ليختمان “قومية ملتزمة” تليق بجمهورية إمبريالية، وكانت مرتاحة للتدخلات العسكري والالتزامات في الخارج. لكن هذا “الفسطاط الكبير” للحزب الجمهوري، بكل ما جمع، أصبح كبيرًا للغاية، وهذا ما جعله غير عمليّ البتة. ومن غير البيّن اليوم إن كان حزب أبراهام لينكولن سيمتثل جديًّا بهذه النظم مرة أخرى، أم أنه قد تخلى عنها.

الجمهوريين

سقوط تمثال صدام حسين خلال حرب العراق.

ظهرت الطبيعة المتغيرة لليمين على مراحل. أولًا، أدت حرب العراق، على الرغم من أنها لم تُخض إلا بدعم واسع من الحزبين، إلى تصدع التحالف الجمهوري تمامًا مثلما أدت حرب فيتنام إلى تشرذم الحزب الديمقراطي سابقًا. وأشعل السخط الشعبي المتذمر من تطاول مدة الحرب صعودًا سياسيًا ليس فقط لباراك أوباما ولكن أيضًا للعديد من الشخصيات المناهضة للحرب في اليمين. بعد ذلك، تسبب الركود العظيم في أزمة مالية عالمية في سبتمبر 2008 مما أدى إلى تفاقم التمرد ضد النخبوية. لكن أوضح دليل على الانعطاف الشعبوي لليمين كان ترقية حاكمة ألاسكا سارة بالين، التي انضمت إلى بطاقة ماكين في عام 2008.

كتب كوننتيتي، الذي ألّف سابقًا كتاب “سيرةُ قداسة سارة بالين”، أن تدينها البسيط وأسلوبها الشعبي عنى أنها “كانت تشترك مع العديد من الناخبين الجمهوريين (وبعض الديمقراطيين) أكثر من اشتراكها مع النخب”. الأمر الأكثر إثارة للقلق بالنسبة لكونتينتي كان “افتقارها للخبرة” و”عدم إلمامها بتفاصيل السياسة الداخلية والخارجية”. عندما طُلب منها ذات مرة أن تحدد، من بين الآباء المؤسسين لأمريكا، المفضل عندها، أجابت: “جميعهم”. ثم يقترح كونتينيتي أن مثل هذه المزالق “أثارت قلق كل من النخب الديمقراطية والجمهورية”.

من القوميين الإقليميين إلى المسيحيين السكارى، انتشرت الأصوات الملتهبة على ضفاف حركة المحافظة. أصبحت قناة فوكس نيوز مشهورة بسرد الروايات الخيالية التي لا تخلو من المبالغات. ولكن بشكلٍ مثير للفضول، صور كونتينيتي مقدم البرامج الإذاعية الحوارية راش لامبو في صورة نيِّرة، وكتب أن لامبو “تعامل مع السياسة ليس فقط على أنها صراع أفكار ولكن أيضًا صراع بين الشعب الأمريكي والنخب الليبرالية”. ولكن كيف يمكن القول إن الرجل الذي حرض واستغل أسوأ عواطف قبيلته -بل ادعى أن الرئيس أوباما “يكره هذا البلد”- مهتمًا بصراع الأفكار؟ إن افتقار لامبو للحكمة والاعتدال، ناهيك عن اللباقة واللياقة، كانت تؤدي إلى تبرير ملاحظة جون ستيوارت ميل المتغطرسة بأن المحافظين يشكلون “الحزب الغبي”.

تزامن صعود ما يُسمى بـ “حركة الشاي” المحافظة مع تنصيب أوباما، وبرزت حركتها الاحتجاجية المعادية لكل من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، والمؤيدة لدعم المرشحين المناهضين للمؤسسة الرسمية، والداعمين للقضايا التي تخدم “الليبرتارية الشعبية” المعادية للسلطة من جميع الأطياف. إن هذه الحركة قد استسلمت لنظريات المؤامرة القائلة بأن أوباما، أول رئيس أسود للولايات المتحدة، كان عميلًا أجنبيًا ولا يهدف لخدمة مصالح أمريكا الحقيقية. وفي السياسة الخارجية، كانت “حركة الشاي” المحافظة، تحرص بحزم على عدم التدخل في شؤون الدول، بينما كانت، في الوقت ذاته، مستودعًا للأوهام المروعة المبنية على أن الولايات المتحدة مهددة من طرف الإخوان المسلمين الذين يهدفون لتطبيق الشريعة الإسلامية في البلاد. وكانت توقعاتها الاقتصادية جشعة، ولعل الحدث الذي يجسد ذلك، هو ما حدث في ولاية كارولاينا خلال اجتماع مجلس المدينة عام 2009، عندما أخبر أحد المتظاهرين عضوًا في الكونغرس الجمهوري “أن يبقي يديه الحكوميتين بعيدة عن الرعاية الصحية”. وقد تم إدراج هذا البند الأخير في جدول أعمال الحزب الجمهوري، خلال عهد أوباما، من قبل المتحدث باسم الحزب بول رايان.

بحلول عام 2016، بعد سنوات من التطرف المتخبط في اليمين، ظهر الاختبار الأكثر صرامة مع دونالد ترامب. وعلى الرغم من أن إصدار مجلة The National Review الذي زامن تلك الفترة كان غير مؤيدٍ لترامب، إلا أن المجلة أذعنت بعد أُعلن أن دونالد ترامب هو مرشح الحزب الجمهوري. وأيد لامبو ترامب دون تردد، ولم تكن سارة بالين والشعبويون الآخرون بعيدين عن الركب. قام بول رايان مع معظم أجهزة الحزب الجمهوري بالتجلد من أجل أجندة خفض الضرائب وتأمين التعيينات القضائية المحافظة. ظاهريًا، لقد اختار أولئك الذي يسمون بالمحافظين القدامى وذوي الخبرة والمُجَرَّبين، رجلًا جديدًا غير مجرب، وهكذا، تولى أقل الناس لياقة أرفع المناصب في الولايات المتحدة الأمريكية.

أثناء مهرجان صدور الكتاب في معهد أمريكان إنتربرايز في واشنطن العاصمة الأسبوع الماضي، حصل بول رايان على مقعد شرف بجوار المؤلف، لمناقشة موضوع الخطر الشديد الذي يهدد النظام الدستوري.. القادم من اليسار. لقد قيلت كلمة واحدة عن التمرد الذي قاده ترامب والذي تمثل في اجتياح حشود من الحمقى والمتعصبين مبنى الكابيتول الأمريكي في السادس من يناير 2021، في محاولة فاشلة لإلغاء انتخابات شرعية. مع بقاء ترامب الرئيس المفترض للحزب، لم يكن لدى رايان ما يقوله عن الفساد المزمن للجمهورية النابع من اليمين. وبدلًا من ذلك، ردد رئيس مجلس النواب السابق العبارة التي لا معنى لها والتي كانت مفيدة جدًا لترامب في محاولته الأولية للرئاسة: أننا في عام 2022 (كما كنا في عام 2012) عند “نقطة انعطاف” نظرًا لخطورة المرحلة الراهنة، بسبب أزمة ديون. لقد كان من الواضح لفترة طويلة أن ترامب كان ولا يزال عرَضًا وليس سببًا لخلل وظيفي عميق في اليمين.

إن ترامب هو أحدث مظهر من مظاهر التقليد الشعبوي الذي يعود إلى عهد ويليام جينينغز بريان. بعد أن دخل المعركة السياسية خلال سنوات أوباما التي روج فيها لمؤامرة “بيرثر”، يُظهر ترامب شخصية مضطربة منذ ذلك الحين. بعد المسار الذي قاده بات بوكانان قبل عقدين من الزمان، شجب ترامب اتفاقيات التجارة الخارجية الأمريكية ونظام الهجرة وإدارة النظام الدولي الليبرالي، لكنه لم يعد تعريف العلامة التجارية للجمهوريين في أي مكان، ولم يفعل إلا أن عزز نفحة الوطنية والقيادة السياسية المحيطة بالحزب. جهله البائس بالنظام السياسي الأمريكي لا يكْبُرُه إلا ازدراؤه لمبادئ هذا النظام. لكن هذه العيوب لم تحُل دون فوز ترامب بالترشح لقيادة الحزب الجمهوري، وفوزه للسلطة التنفيذية التي تأتي مع ذلك. خلال هذه العملية، جرد ترامب حزبه والسياسة الأمريكية جميعًا من هدفها الرفيع، ومن ونبلها.

كتاب اليمين

لكونتينيتي فكرة مؤصلة عن العواقب المروعة لهذا الانتهاك الذي تعرض له الحزب وتعرضت له الأمة. لقد كانت عملية إعادة تشكيل اليمين التي قادها ترامب ديمغرافية بقدر ما كانت أيديولوجية. كما أشار جون ميكلثويت وأدريان وولدريدج منذ ما يقرب من 20 عامًا في مجلة Right Nation، لا يوجد في أي بلدٍ آخر تعريف لليمين مُؤطَّرٌ بالقيم، “بدلًا من الطبقة الاجتماعية”. عندما كتبوا ما كتبوا، لم يكن المؤشر على ما إذا كان هذا المواطن الأمريكي الأبيض سيصوت لصالح الحزب الجمهوري الطبقة الاجتماعية ومعدل الدخل، ولكن كم مرة يذهب إلى الكنيسة.

من الواضح أن هذا لم يعد هو الحال بعد صعود ترامب، وقد قام كونتينيتي بتحديث هذه الصورة للناخب الجمهوري العادي، “في عام 1992، بيّنت دراسة أن 50 في المائة من الناخبين البيض الحاصلين على شهادة الثانوية العامة أو أقل هم ديمقراطيون – أي أعلى بتسع نقاط من النسبة المئوية للجمهوريين. ولكن بحلول عام 2016، تغير الأمر جذريًّا، وبنسبة لا تصدق: 59 إلى 33 في المائة”. والقواعد الديمقراطية في نيو إنجلد والوسط الغربي في أمريكا استُبدلت بقواعد جديدة مكونة من الطبقة العاملة البيضاء والناخبين الريفيين الذين كانوا في السابق نواة القاعدة الديمقراطية في هذه المناطق.

هذا التغيير الديموغرافي أعاد أيضًا توجيه أجندة الحزب الجمهوري السياسية وطابعه السياسي. خوفًا من العولمة، وارتيابًا من التزامات أمريكا الخارجية ، ومعاداةً لقضية الحكومة المحدودة، ترك اليمين الجديد أمريكا بدون حزب مجنَّدٍ للحريات المنظمة، والقوة الوطنية. إن الحزب الجمهوري ليس أقرب مما كان عليه منذ عقود من التوصل إلى إجماع يعالج التحديات الرهيبة في عصرنا. وترامب، الذي طرده الناخبون من منصبه قبل أن يتم توجيه الاتهام إليه للمرة الثانية، أخذ إجازته مع “خروج الحزب الجمهوري من السلطة، وعلق الحركة المحافظة في حالة من الفوضى، واليمين داخل حفرة عميقة”، واستنتج كونتينيتي استنتاجًا قاسيًّا: “إن اليمين لم يكن فقط غير قادر على الخروج من الحفرة، لكنه لم يكن يريد ذلك”.

بالنسبة لأي شخص مطلع على قصة “الحزب القديم الكبير”، فإن هذا الفصل الدنيء الأخير من الجمهورية، المتمثل في تقويض الديمقراطية الأمريكية وتراجع القيادة الأمريكية في العالم، يمكن أن يكون غريبًا ومربكًا. بالنسبة لأي شخص كان جزءًا من هذا التقليد الأمريكي الفريد للفكر السياسي، فإن المسار كان مدمرًا. ومع ذلك، فهذه هي النتيجة الطبيعية للإرهاق والتصدع اللذين يجتاحان الحزب الجمهوري إلى جانب التحيزات المؤذية لقاعدته الجديدة، المتأثرة بحامل لوائه الجديد. على الرغم من هزيمته في عام 2020، وأعماله الوقحة المناهضة للديمقراطية التي أعقبتها، مازال دونالد ترامب محتفظًا بقبضته القوية على الحزب، مازال هو المرشح الأكثر ترجيحًا في السباق الرئاسي المقبل. مهما كانت الآفاق الانتخابية لحزب جمهوري مدفوعة باحتياجات رجل واحد، فمن غير المرجح أن تظهر مرة أخرى في أي وقت قريب بصمة “الحركة المحافظة” السليمة والصائبة. ومادام دونالد ترامب مازال مُكرَّمًا ومُبَجَّلًا داخل الأمة اليمينية، سوف تستمر المؤسسة في تلويث نفسها، وسيكون هذا عقابًا مستحقًّا كذلك.

كتب الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو أن التاريخ ليس محكومًا بالصدفة، بل بالأسباب الكامنة. وقال:

إنه إذا أدت معركةٌ واحدة خاسرة إلى فناء دولة، فإنه قد كانت هناك أسباب كامنة أوصلت الدولة إلى حالة تفنى فيها بمعركة واحدة.

الشيء ذاته ينطبق على اليمين الأمريكي اليوم، الذي لم يعهد أن ينهار من ضربة واحدة، وحرب المائة عام في سبيل المحافظة الأمريكية قد استغرقت طويلًا قبل أن تؤدي بالمؤسسة بأن تتعرض للغدر، وتخسر الحرب بشكلٍ حاسم.

98

الكاتب

كودري محمد رفيق

من الجزائر، أكتب في الدين والفكر والتاريخ، أرجو أن أكون مِن الذين تُسدُّ بهم الثغور.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.