فطرة الانتماء الجماعي متجذرة في الإنسان؛ أي أنه بطبعه ميَّالٌ إلى التعصب لجماعة من الناس، تجمعه بهم فكرة أو دين أو أيديولوجيا أو أهداف معينة. وهذا مُلاحظٌ جدًا في التراث الأدبي للعرب، فإن أشعارهم المأثورة مليئة بالفخر بانتماءاتهم، والتفاخر بقبائلهم، والتعصب لها تعصبًا يصل حد التطرف أحيانا، وذلك كقول قائلهم:

وهل أنا إلا من غزية إن غوت * غويتُ، وإن ترشد غزية أرشدِ!

فكانوا على ذلك حتى بعث الله فيهم نبيه -صلى الله عليه وسلم-، فهذب عصبيتهم ووجه حميتهم نحو الدين الحق.

طبعًا لم يكن هذا قاصرًا على العرب والمسلمين فحسب، بل كان أبناء كل أمة يفتخرون بانتماءاتهم ويتعصبون لأقوامهم ويتغنون بأمجادهم، ويعملون لإعلاء مكانة أممهم. لكن مع تطور الزمن تضاءلت هذه الروح الانتمائية شيئًا فشيئًا، وظلت جذوتها تخبو رويدًا رويدًا حتى بلغنا في عصرنا الحالي من تفكك الروابط الاجتماعية، والانفصال عن قضايا الأمة والوطن، والانكفاء على الشؤون الشخصية درجةً لم تصلها البشرية طيلة تاريخها، سمي هذا التفكك فيما بعد بـ”النزعة الفردانية”.

الفردانية.. باختصار

أصل الفردانية بمعناها الذي نحن بصدده الآن آتٍ من الترجمة عن الإنجليزية لكلمة “individualism”؛ المشتقة بدورها من كلمة “individual” التي تعني الفرد. وهي باختصار تعني الرؤية الاجتماعية التي تعلي من قيمة الفرد المعنوية، وتجعل أهدافه ورغباته، بل شهواته ونزواته، في مكانة أعلى من أفكار مجتمعه وقضايا أمته. وعليه فإنها تعتبر أيَّ إلزامٍ للفرد بمسؤوليات وواجبات نحو القضايا الاجتماعية الكبرى، انتهاكًا لخصوصيته وتقييدًا لحريته.

ويحسُنُ التنبيه هنا إلى ضرورة التفريق بين الفردانية كفلسفة اجتماعية، ورؤية كونية تسعى إلى تحويل أفراد المجتمع إلى عناصر منفصلة عن بعضها، لا يربط بينها رابط أو أيديولوجيا، وهو ما يشبه “نظام كبسولات رائدي الفضاء” كما سماها عالم الاجتماع جيل ليبوفتسكي (1) ، وبين أصل أحقية الإنسان بالتمتع بمساحة خاصة حسيا ومعنويا، والتي قد يصطلح عليها أحيانا بمصطلح الفردانية كذلك.

روافد النزعة الفردانية

فشل الأيديولوجيات الكبرى في تقديم الخلاص للإنسان

إثر الصراع الفكري الذي دام زمنًا طويلًا في الغرب، بين الكنيسة وتصوراتها من جهة، وبين الفلاسفة والعلماء الطبيعيين من جهة أخرى، خرج الإنسان الغربي من مظلة الدين شيئًا فشيئًا، وتطلع للفردوس الأرضي الذي وعد العلماء بأنهم سيصنعونه بواسطة العلم، والذي سيحقق أعلى درجات الرفاهية له.

لكن هذه الآمالَ الوردية ما لبثت أن تكسرت على صخرة الحربين العالميتين، اللتين شكلتا أكثر الكوارث مأساويةً في تاريخ البشرية، وبالتالي كانت الصدمة الكبرى للحالِمين بالفردوس الأرضي. وأمام هذه الإخفاقات المتكررة والتقلبات الفكرية المتنوعة التي شهدها العالم الغربي، بدأ الناس يفقدون الثقة فكريًّا وسياسيًّا ودينيًّا، ويشكون في قدرتها على حل مشاكلهم وتقديم الترياق لأدوائهم الاجتماعية. 

فـ”الأفكار القومية كانت وراء اشتعال الحربين العالميتين اللتين حصدتا أرواح عشرات الملايين، والشيوعية كانت سجنًا للإنسان عندما طُبقتْ، والرأسمالية شجعت على الاستغلال، والتجارب الدينية كانت في أكثرها مخيفةً، كل هذه المآسي دفعت الإنسان للثقة في ذاته دون غيرها”. (2)

ثم استمرت الرغبة في التحرر من الروابط الجماعية في التزايد؛ لتنتقل من عدم الاهتمام بالقضايا المجتمعية الكبرى إلى التخلي عن الروابط الأسرية والتهرب منها، ومن ثم كان العزوف الكبير عن الزواج، ورمي الآباء كبار السن في دور العجزة.

المغالاة في مفهوم الحرية

الفردانية

على الطرف النقيض من الشمولية، التي تنصّ على ضرورة تذويب الفرد في المجتمع، مع عدم السماح له بامتلاك أي مساحة خاصة، نجد الليبرالية تدعو إلى الفردانية كقيمة مركزية، وتجعل الفرد بأهوائه ورغباته مقدمًا على المجتمع بقيمه وأعرافه، باعتبار أن هذا الانتماء الاجتماعي قد تم فرضه على الإنسان عن طريق الحتمية الجغرافية، ومن ثم فإن أي إلزام بمقتضيات هذا الانتماء لا يعتمد على أسس موضوعية. (3)

وهذا المبدأ كما هو ظاهر لا يهتم بما هو صواب وما هو خطأ، إما من جهة عدم الاكتراث، وإما من جهة إنكار وجود حقيقة أصلًا، وهذا أحد أهم مخرجات ما بعد الحداثة، ومن هنا نجد أن شعار الفردانية: أن يعيش الإنسان كما يريد، لا كما يجب عليه.

نسبية الحقيقة

إذا كانت الحقيقة نسبيةً، ولا أحد يملك الصواب، ولا حق لأحد في تخطئة غيره؛ فإن الانتماء لمنظومة فكرية معينة (أمة من الأمم) يكون حينئذٍ بلا معنى، ويكون في نظر الإنسان الحديث تقييدًا للحرية وإلزامًا بشيء لا يستحق أن يتم إلزام الناس به.
وعليه، فإن النِّسبَوِيَّة والسيولة المعرفية، تشكلان بعض أهم روافد النزعة الفردانية؛ لأنهما تعززان في الإنسان التمرد على كل دين أو مذهب، ومن ثم انكبابه على ذاته وانفصاله عن مجتمعه، الذي لم يعد يرى له حقًا عليه أو رابطًا يربطه به.

الثورة التكنولوجية والعالم الافتراضي

في حديثنا عن العوامل المساهمة في تنامي النزعة الفردانية، لا يمكننا أن نغفل دور الثورة التكنولوجية وطغيان المواقع الافتراضية على الإنترنت؛ إذ صار الناس -خصوصًا الشباب- يعيشون معظم يومهم في هذه المواقع، ويشكلون أغلب علاقاتهم داخلها، وبالتالي نجد الإنسان عندما يعود إلى حياته الواقعية مصابًا بنوع من “التخمة” العاطفية؛ إذ إن الإشباع الاجتماعي الذي يحتاجه قد تم تحصيله داخل مواقع التواصل، وبالتالي يزهد في العلاقات الأسرية والاجتماعية. 

بل إن الأمر قد وصل إلى أن الإنسان صار يحصل على انتماءات أيديولوجية وفكرية داخل مواقع التواصل، وبات بإمكانه الانضمام إلى تكتلات افتراضية، تبعده شيئًا فشيئًا عن الانتماء الحقيقي للأمة، وتجعله منعزلًا عن قضاياها وهمومها.

طبعًا لا يفوتنا هنا أن نشير إلى نقطة محورية: ماذا عن استخدام مواقع التواصل من أجل تقوية أواصر الانتماء للأمة؟ ومن أجل متابعة مستجداتها والتفاعل مع نوازلها، الواقع أن هذا الشكل من الانتماء كثيرًا ما يصير مبالغًا فيه، حتى يصدق عليه المثل الشهير: إذا زاد الشيء عن حده انقلب إلى ضده! حيث إن الانغماس في مواقع التواصل من أجل متابعة قضايا الأمة، يشغل عن العمل الحقيقي لنصرتها، من ذلك مثلًا إصلاح النفس وتزكيتها، وطلب العلوم المختلفة، وقد فصل إبراهيم السكران هذه النقطة في كتاب “الماجريات”، يُرجع إليه للاستزادة.

آثار النزعة الفردانية

استعرضنا فيما سبق من المقال لمحات عن نشأة النزعة الفردانية، وعن العوامل التي سرَّعت انتشارها ورسختها في وعي المجتمعات الحديثة، وبالنظر إلى حالة العولمة التي يعيشها العالم اليوم، فقد انتشرت تلك النزعة في كل المجتمعات تقريبًا، على درجات متفاوتة، وتراوحت آثارها بين ضعف الانتماء لقضايا الأمة أو الانسلاخ منه كليًّا، هذا على المستوى الفكري.

أما على مستوى العلاقات الاجتماعية، فقد انتشر بشكل خطير العزوف عن الزواج، واحتقار مؤسسة الأسرة، يقول جيل ليبوفتسكي واصفًا هذا التفكك الاجتماعي والفكري: “من لا يزال يؤمن بالعمل حينما نعرف نسب الغياب والدوران الوظيفي، وعندما نرى تزايد الحماسة للعطل وعطل نهاية الأسبوع وأنشطة الترفيه، وحينما تصبح الإحالة على التقاعد تطلُّعًا جماهيريًّا، بل مثلًا أعلى؟ ومن لا يزال يؤمن بالأسرة عندما نرى تزايد نسب الطلاق، وإرسال المسنين لدار العجزة، وعندما يرغب الآباء في البقاء “شبابًا”، ويلجؤون إلى المختصين النفسيين، وعندما تصبح الزيجات “حرة”، وحينما يصبح الإجهاض ومنع الحمل والتعقيم أمورًا مُشرعنةً بقوة القانون؟ ومن لا يزال يؤمن بالجيش عندما توظف جميع الوسائل في سبيل إصلاحه، وحينما لا يعود التهرب من الخدمة العسكرية عارًا؟ ومن لا يزال يؤمن بفضائل الجهد والادخار والضمير المهني والسلطة والعقوبات؟”. (4) 

ولا يفوتنا أيضًا أن نذكر ما تشهده الأمة حاليًّا من التجاهل التام لقضاياها من طرف أبنائها وبناتها من جيل الشباب، حتى صار أقصى طموحات الشاب هو الحصول على الوظيفة وتحقيق الأهداف الشخصية، خصوصًا مع انتشار خطابات التنمية الذاتية، وترسيخها لمفاهيم “الإيمان بالذات” و”تحقيق الذات”، حتى صار الشباب يحيون بمبدأ “عاش ليموت” كما سماه الدكتور سامي عامري في إحدى تدويناته على “فيسبوك”.

وقد عبر جون ألترمان عن هذا الواقع قائلًا: (6)

ظاهرة الفردانية تتسارع في الشرق الأوسط، فالأجيال الصغيرة لم تعد مقيدةً بالروابط الاجتماعية التقليدية، هؤلاء يتجهون نحو تنظيم اجتماعي ذَرِّيّ، فالشباب أكثر قابليةً للتنقل، والعائلات مفككة بطريقة أكثر مما كانت عليه من قبل.

552

المصادر
الكاتب

عبد الصمد حدوش

طالب هندسة، مهتم بالقضايا الشرعية والفكرية المعاصرة.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.