وكَمْ في “رياض الصالحين” من نفحات! هذه النفحات تحتاج إلى تأمُّل وإمعان نظر. فلا تفتح الكُتبُ أبواب المعرفة لكُلّ قارئ يطرق بابها عابرًا، بل لا بُدَّ من طول الوقوف، واتخاذ العدَّة، وسلامة النيَّة. وفيه باب من أرقّ الأبواب إذا أعملنا التدبُّر فيه سنكتشف ما بين يدَيْنا من كنوز الخير، وما بين يدَيْنا من جنَّة حاضرة أمامنا، ليس عليك إلا أنْ تنتظم في سلك ما أمرك الله به حتى تراها وتذهب إليها طاهرًا مُطهَّرًا بإذن الله تعالى يا عبد الله الصالح.

ما هو الخير؟

لنْ أخوض هنا في تعريفات منطقيَّة أو حدِّيَّة؛ بل طرحتُ هذا العنوان الفرعيّ للتنبيه على محاسن الإسلام، أكثر من غرض الإجابة على السؤال. فالسؤال الذي أمامك قد حيَّر الأوليْنَ والآخرِيْنَ، وهو أكثر تعقيدًا مِمَّا يظنُّ الشخص في نظرته المبدئيَّة. لكنَّ هذه الحيرة تنتفي جميعها مع الإسلام؛ فهو يقوم بعمليَّة الإجابة عنه. فإنَّ جزءًا ضخمًا من الحيرة هي في مصدر الخير، ومُقيِّمه، والنموذج المُتَّبع في فعل الخير، وبلفظ آخر: أيُّ خير نتَّبع؟ وعليه فإذا ما اهتديتَ إلى الإسلام فقد اهتديت في الوقت نفسه إلى الحلّ. فالإسلام هو مصدر معرفة الخير، وهو الذي يُحدِّد معيار الخير، وهو الذي يوجِّهك إليه.

مجموع الأحاديث والآيات يؤدِّي بنا إلى تعريف الخير بأنَّه كلُّ فعل صالح وجَّه إليه الإسلامُ، وعمِلَه العبدُ في سبيل الله. فإنَّ الإسلام يُسمِّي مُطلَقَ العمل الصالح -أيًّا كان نوعه- خيرًا. وإليكم بعض الآيات التي تثبت هذا التعريف. حيث يسأل نبيّ الله “موسى” -عليه السلام- سؤالاً استنكاريًّا لقومه (قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ) -البقرة 61- فسمَّى طريق الله بالخير، وفي السورة نفسها سمَّى الإيمان والتقوى خيرًا (وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ) -103-.

وسمَّى تنزيل الله على عباده خيرًا (مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ) -105-، وسمَّى -وكلمة سمَّى أيْ وصف أيضًا؛ فبين الاسم والوصف الكثير من الإبدال- الفرائض مُفردةً خيرًا (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ)، وسمَّى عبادات التطوُّع خيرًا (فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ) -184-.

وبالعموم سمَّى هداية الله خيرًا (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ) -آل عمران 104-. وهكذا غيره الكثرة الكثيرة البالغة من الآيات، وكلُّها تثبت أنَّ كلَّ أفعال المُكلَّف ما دامت مقصودًا بها وجه الله فهي الخير.

فلسفة الخير في الإسلام

الخير

د. عبد الرحمن السميط في إفريقيا.

وهنا يجب التنبه إلى اختلاف بين الإسلام وبين غيره في رؤية “الخير”، ومدى وضوح تلك الرؤية. حيث تعتمد على هذيْن الأساسَيْن:

  1. تقسيم الإسلام الحياة: إلى أفعال مُباحة وأمور طيِّبة وهي غالب الحياة (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) -الأعراف 32-، وأفعال مُحرَّمة وأمور خبيثة. وتلخِّص الآية الآتية الدُّنيا: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) -الأعراف 157-. فهذا هو الأصل أنَّ الإسلام قد قسَّم الحياة إلى خير وشرّ، وإلى شقّ طيِّب وشقّ خبيث.
    وقد قرَّر هو أيضًا ما هي الخبائث المطلوب الابتعاد عنها، وكلّ ما دونها مباح، يكون خيرًا متى أخلصتَ النيَّة في عمله لله. وعلى ذلك فمطلوب الشرع هو أنْ يأتي المُسلم الطيِّبات التي هي الخير، وكذلك أنْ يمتنع عن الخبائث التي هي الشرّ. وأنْ يستبدل بتلك الخبائث هذه الطيِّبات المَشروعة. فهل يقف الإسلام عند هذا الحدّ في تحديد الخير؟
  2. في الحين الذي يميل فيه التصوُّر إلى اعتبار “الخير” فعلاً إيجابيًّا فقط، ينظر الإسلام إلى الجانب السلبيّ في الأفعال على أنَّه خير. والجانب السلبيّ هو الجانب الامتناعيّ؛ أقصد أنَّ الشرع قد نهى المُسلمين عن أفعال وأشياء، واعتبر “مَحض امتناعهم” عنها خيرًا، فلمْ يقصُرْ الخير على الفعل الإيجابيّ -مثل الصلاة أو مُساعدة الغير- بل اعتبر الامتناع عن الفعل المنهيّ عنه فعلاً خيِّرًا، وكتب للمُسلم الثواب عليه، شرط أنْ يكون امتناعُه بنيَّة. فانظر يا عبد الله إلى فيض الكرم الإلهيّ وأقدم.

وقد أورد الإمام النووي أحاديث كثيرة توضِّح هذيْن الأساسيْنِ أذكر منها حديثًا للاختصار يجمع بينهما. حيث اشتكى أناس أتقياء يسارعون ويتنافسون في فعل الخير من أنَّ الأغنياء يَقدِرُون على كلّ ما يقدِرُون هُم عليه، إلا أنَّهم يمتلكون فوق هذا أموالاً يقدرون بها على التصدُّق وإحراز الأجر دون الفقراء الذين لا يملكون هذا المال. فأخبر النبيّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- بين ما أخبر من وجوه الخير والصدقة جِماعَ الرجُل زوجته على أنَّه صدقة، وبذلك يكون خيرًا.

فتعجَّب القوم سائلين: هل يعدُّ من الصدقة أنْ يُجامع الرجُل زوجته؟ وتأتي إجابة الرسول حاملةً خلاصة فلسفة الإسلام في الخير:

أرأيتُم لو وضعها في حرام أكان عليه وِزرٌ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر.

فهُنا نرى أنَّ المُقابلة بين الشِّقَّيْن من العالَم: الذي اعتبره الشارع طيِّبًا، والذي اعتبره الشارع خبيثًا. وأنَّ مجرَّد بقائك في الشقّ الطيِّب الذي رسمه الإسلام لك خيرٌ وعبادةٌ مُعتبرة، وأنَّ مقياس ذلك هو مُقارنتها بالفعل البديل من الشقّ الخبيث: أنْ تقضي وقتك في طاعة الله مثلاً مقابل أنْ تقضي وقتك في سَخطه.

مفهوم العبادة في الإسلام

الخير

ومُطالعةُ باب الخير وأحاديثه، والتعرُّفُ على فلسفة تقسيم الإسلام للدنيا وأفعالها تدُلَّانِك على مفهوم العبادة في الإسلام؛ حيث تشمل العبادةُ كلّ أفعال المُكلَّف في الدنيا. فكما نرى وصف أداء الشعائر خيرًا في آيات وأحاديث عديدة، نرى أحاديث أخرى تصف كلَّ ما يفعل المُكلَّف بأنَّه عبادة وصدقة وخير. نذكرها لأهميَّتها البالغة أدرجها الإمام في هذا الباب تقريرًا للمعنى.

فنرى حديثًا يقول:

لقد رأيت رجلاً يتقلَّب في الجنَّة في شجرةٍ قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي المُسلمين.

ونرى الحديث الشهير للرجُل الذي دخل الجنَّة في كلب عطشان سقاه، ونرى حديثًا فيه “وأمرٌ بمَعروفٍ صدقة، ونهيٌ عن المُنكر صدقة” فنعرف أنَّ الخير أيضًا في مجرَّد النُّصح والتوجيه، وإعمال التناصُح في المُجتمع. ونرى حديث “عُرضتْ عليَّ أعمالُ أُمَّتي حَسَنُها وسيِّئُها.

فوجدتُ في محاسن أعمالها الأذى يُماط عن الطريق”، ثمَّ نختم -للاختصار فقط- بحديث عموميّ “كُلُّ مَعروفٍ صدقة”. مع العلم أنَّ الصدقة والخير كثيرًا ما يقع بينهما إبدال يقصد المعنى نفسه، وبالعموم فإنَّ كافَّة الصدقات هي خير، وكلُّها تدخل في العبادة متى أخلصتَ النيَّة لله -تعالى- في فعلك.

الخير في الإسلام يفارق مبدأ العلمانيَّة

وهذا الفارقُ الجوهريُّ في تصوُّر العبادة في الإسلام، واعتبارُ الإسلام الخيرَ في الفعل الإيجابيّ والسلبيّ معًا يُوضحانِ التباين والمُفارقة الكُليَّة للإسلام وتعاريفِه الأساسيَّة مع مبدأ العلمانيَّة. فلا فارق في الإسلام بين دُنيا وآخرة، ولا وجود لمَّا يُسمَّى “فعلاً تعبُّديًّا” وآخر “دُنيويًّا يخلو من التعبُّد”. بل كلُّ أفعال المُسلم هي خير ومطلوب فيها الآخرة من خلال الدنيا والعمل فيها.

على هذا الأساس يبطل كلَّ البُطلان أنْ يكون هُناك توافق بين العلمانيَّة والإسلام، أو أنْ يُخدع مُسلم فيعتقد صلاحية أن يكون مُسلمًا وعلمانيًّا في الوقت نفسه. فهذا باطل على كلّ أقيسة الفلسفة والمنطق والدين. فعلى مَن خُدع بهذه الخدعة أنْ يقلع عنها فورًا وأنْ يصفو لله مُسلِمًا له الوجه.

علاقة الإيمان بالعمل الصالح

الخير

ويطرح الباب مسألة أخرى هي علاقة الإيمان بالخير، أو علاقة الإيمان بالعمل الصالح. يقول الحديث في هذا: “الإيمان بضع وسبعون شُعبةً؛ فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. والحياء شُعبة من الإيمان”. ثمَّ يفسِّر الإمام النووي كلمة الشُّعبة بأنَّها القِطعة. وفي هذا دلالة على أنَّ العمل مُعضِّد لليقين الاعتقاديّ. ولا يبدو مُستقيمًا أبدًا أنْ تؤمن بالإسلام ثمَّ تعمل على مقتضى هواك، بل المُستقيم مع كلّ تصوُّر أنْ تؤمن بالإسلام وتعمل على مُقتضى أمر الله ونهيه.

عدم احتقار الخير مهما صغر

وفي الباب أحاديث تأمر المُسلم على أنْ يفعل الخير مهما كان صغيرًا في نظره، يقول الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم-: “اتَّقوا النار ولو بشِقّ تمرة، فمَن لمْ يجد فبكلمةٍ طيِّبة”. وكذلك أدرج الإمام أحاديث تنهى عن احتقار فعل الخير من النفس أو الغير مهما كان صغيرًا. يقول الحديث: “لا تحقرنَّ من المعروف شيئًا، ولو أنْ تلقى أخاك بوجه طَلْق”، ويقول حديث آخر:

يا نساء المُسلمات لا تَحقِرَنَّ جارةٌ لجارتها ولو فِرسنَ شاة.

وفِرسِن الشاة عَظمٌ من قَدَم الشاة قليل اللحم. والمقصود عدم احتقار الخير من الآخرين وقبول هديَّة الآخر الحلال مهما صغرت.

هدف الخير إقامة الحياة الخيِّرة

وإذا سألنا: ما نتيجة هذه الأحاديث والآيات الكثيرة التي تُسمِّي كلّ فعل الصلاح خيرًا؟ وما الهدف من فعل الخير؟ لعلَّ أهمَّ ما نصل إليه في الدنيا من أغراض فعل الخير هو إقامة مُجتمع الصلاح، أو إقامة ما يُسمَّى بالحياة الخيِّرة فردًا وجماعةً. وذكر الإمام حديثَيْن في غاية الرِّقَّة يدلَّان على هذه الحياة الخَيِّرة.

الأول يقول: “إسباغُ الوضوء على المَكاره، وكثرةُ الخُطا إلى المساجد، وانتظارُ الصلاة بعد الصلاة. فذلكُم الرِّباط” أيْ المُرابطة في سبيل الله -تعالى-، والآخر يقول: “لا يغرس المُسلم غرسًا، ولا يزرع زرعًا فيأكل منه إنسانٌ ولا دابَّةٌ ولا شيءٌ إلا كانت له صدقة”. فانظر إلى مُجتمع الإسلام كيف هو؛ واعملْ عليه أدركتَه أمْ لمْ تدرِكه فأنتَ مَن سيُحاسَب وحده يا عبد الله الصالح.

الخير مُتاح بين يدَيْك في كلّ وقت

إنَّ مُطالعة باب الخير في “رياض الصالحين” تُرينا كيف هو الخير قريب مُتاح بين يدَيْك في كلّ مكان وزمان، وحدك أو في جماعة. وإنَّ مُطالعته تُحرجنا فما بقي لنا كي نرجع عن طريق الخير، والخير في كلّ شيء كامن؟! وهذا شقّ الحياة الطيِّبة فكُن دومًا فيه، ولا تُبارحه إلى شقّ الخبائث.

ونختم بأحاديث تدلُّ على إتاحة الخير في كلّ وقت ومكان ومن أبسط أفعالنا. منها حديث:

مَن غدا إلى المسجد أو راح أعدَّ الله له في الجنَّة نُزُلاً كُلَّما غدا أو راح.

وأحاديث أُخر تتعلَّق بالوضوء والصلاة. وحديث ستدمع عيناك متى تأملَّته حقًّا من حبّ الله الكريم العظيم المَنَّان، يقول فيه رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: “إنَّ الله يرضى عن العبد أنْ يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشَّرْبَة فيحمده عليها”.

وهذا حديث سأفرده سطرًا بسطر يُجيب فيه الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- عن وجوه الخير في الحياة:

“على كُل مُسلم صدقة.
قال: أرأيتَ إنْ لمْ يجِد؟
قال -أيْ الرسول-: يعمل بيدَيْهِ فينفع نفسَه ويتصدَّق. (أيْ مِمَّا قد عمل وصنع).
قال: أرأيتَ إنْ لمْ يستطع؟
قال: يُعين ذا الحاجة المَلهوف. (أيْ صاحب الحاجة الراجي قضاءها).
قال: أرأيتَ إنْ لمْ يستطع؟
قال: يأمر بالمعروف أو الخير.
قال: أرأيتَ إنْ لمْ يفعل؟
قال: يُمسك عن الشرّ فإنَّها صدقة”.

ويا له من شعور طيِّب! ينشأ في نفوسنا عند علمنا أنَّ الله -تبارك وتعالى- يبسط لنا أبواب الخير أمامنا ويدعونا إلى الحياة الطيِّبة وإلى الجنَّة بإذن الله. فلنُرِ اللهَ مِنَّا خيرًا أمرنا به، ولنُشهده أفعالنا الطيِّبات.

265

الكاتب

عبد المنعم أديب

كاتب مصريّ، درس اللغة العربيَّة وتخصص في الفلسفة. صدرت له كتب أدبيَّة، وأكثر من مائة وثلاثين مقالاً، وله مئات من القصائد، وما يقرب من عشرين بحثًا علميًّا.

التعليقات

  • موسى ادريس منذ 7 أشهر

    هذه المقالة ذكرتني بحديث جامع (أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه دينا أو تطرد عنه جوعا ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلى من أن أعتكف فى هذا المسجد شهرا ومن كف غضبه ستر الله عورته ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رضا يوم القيامة ومن مشى مع أخيه المسلم فى حاجة حتى تتهيأ له أثبت الله قدمه يوم تزل الأقدام وإن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل)

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.