وأوَّل الرياض الصالحة التي نشرها الإمام النووي عند قارئه هي “باب الإخلاص، وإحضار النية في جميع الأعمال والأقوال والأحوال البارزة والخفيَّة”. وقد أحسن النووي بالبدء بهذا الباب لسبب ظاهر هو أنَّ النية أوَّل العمل، ولأسباب أخرى نكتشفها حين نتأمَّل الأحاديث التي أوردها في الباب.

لكنْ يهمُّنا هنا التنبيه على أوَّل آيات كتاب رياض الصالحين وهي قوله -تعالى- (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) -البيِّنة 5- وهي آية تُلخِّص مطلوب العبادة -الذي أتى به اسم الباب- وهو الإخلاص، وتبلغنا أنَّ محض المطلوب منَّا هو أنْ نعبد الله بإخلاص واستقامة “حُنفاء”.

وأوَّل باب العبادة المُستقيمة الحنيفيَّة هو النية؛ ولهذا كانت لها الصدارة. لكنْ لعلَّنا نسأل ما العلاقة بين الإخلاص والنية ليقرن بينهما النووي؟ دعونا نتأمل لنجيب. وكذلك قد يغمض على القارئ علاقة بعض الأحاديث الواردة بفكرة النية، ولنحاول أنْ نرفع هذا الغموض.

ما الإخلاص؟ وما النية؟

النية التي ستخبرك المعاجم أنَّها تدور حول عقد العزم على فعل شيء أو طاعة لا يستبين صحيحُ معناها ودقيقُ مُرادها في الإسلام إلا باقترانها بالإخلاص. والإخلاص -دون دخول في تعقيدات لُغويَّة- جاء من الخُلُوص وعمليَّة التخلُّص، والمُراد به -هُنا- توحُّد الهدف والغاية. أيْ أنْ تتخلَّص من أيَّة غاية أخرى في عبادتك إلا أنْ تكون لله وحده.

ولعلَّنا نستحضر في هذا السياق اسم سورة (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) فإنَّها “الإخلاص” فقد خلَّصتْ الرؤيةَ العقديَّة الإسلاميَّة من أيّ تصوُّر خاطئ في الإله، وخَلُصَتْ به إلى غاية ما تريد. وهذا بدقَّة هو فكرة الإخلاص في العبادة؛ وهي التخلُّص من كلّ إرادة من فعلك إلا إرادة وجه الله.

وإنْ تساءلتَ: أليس الإخلاص شعورًا نحسُّه بولاء نحو الشيء؟ الإجابة نعم، لكنَّ هذه هي نتيجة الفكرة الأولى. فمتى عرفتَ الهدف الرئيس ولُبَّ الشيء تفانيتَ فيه، وعملتَ له، وحملك هذا على شعور الولاء الذي ارتبط بالإخلاص. وطبِّقْ هذا الفكر على الإخلاص لله -يا عبد الله- ثمَّ اشعر بالمعنى يتسرَّب إلى قلبك.

ما علاقة الإخلاص بالنية؟

ويبقى هنا السؤال: إلى أيّ حدّ يرتبط الإخلاص بالنية في رؤية الإسلام لجميع عبادة المسلم؟ الإجابة أنَّ ارتباطهما لا انفكاك له في رؤية الإسلام؛ فإنَّ مقصود مجموع النصوص ومعرفة غرض الشارع تدُلَّانِ على أنَّ المطلوب من المُسلم هو التوجُّه لله وحده لا شريك له في جميع أفعال عبادته. ومن هُنا تُفسَّر لك أهميَّة النية التي تجدها عند الفقهاء؛ فليس المطلوب من المُسلم أنْ يُخبر نفسه أنَّه سيصلي العشاء، أو أنْ يكشف لنفسه أنَّه سيذهب للحجّ -مثلاً-. فهذا الفعل فقط لا قيمة له أصلاً فهذا المُسلم قد أقدم بالفعل على أداء صلاة العشاء أو الحجّ.

لكنَّ مَقصودَهم من مَركزيَّة النية: هو عنصر “القصد” في فعلك -ما يُشتهر الآن بلفظ العَمد-، وأنْ تتوجَّه بقلب صادق مُخلص لله وحده لا شريك له في كلّ عبادة تقدم عليها، مُعلنًا أنَّه الدافع لفعلك وأنَّه الهدف من فعلك. ولعلَّك تفهم الآن أهميَّة تنبيههم على خطورة أنْ تتحوَّل العبادات إلى مجرَّد عادات تُؤدَّى دون هذه النية.

الإخلاص في القرآن

وترتبط هذه الفكرة عقديًّا بأصل التوحيد في الإسلام، وأنَّ الله وحده هو المُستحقّ للعبادة. كما تستدعي هذه الفكرة في أذهاننا إنكار الإسلام على مُشركِيْ العرب توجُّهَهُم إلى أصنام “وسيلةً” إلى الله، فالعرب كانوا يعرفون الله لا ينكرونه لكنَّهم كانوا يعبدون معه شيئًا، أو يتوسَّطون بشيء في عبادتهم إيَّاه.

وفي آيات كثيرة تظهر فكرة ارتباط الإخلاص بأصل العقيدة (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ) -الزمر 2-، (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ) -الزمر 11-، (قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي) -الزمر 14-، وقد وصف الله أنبياءه بصفة الإخلاص (إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا) -مريم 51-.

أهميَّة النية في العمل

النية

وبعد أن رأينا أنَّ النية التي نُوعَظ بها دومًا لها أصل فكريّ متين، وترتيب منطقيّ واضح كلَّ الوضوح، دعونا نصوغ ما وصلنا إليه من فكرة في الآتي:

  1. النية في الإسلام ترتبط بالإخلاص لله وليست فقط إعلانًا عن قيام عبادة من المُسلم.
  2. النية هي ميثاق العمل وإطاره العظيم؛ لأنَّها تسوق العبادة في مساقها الصحيح، وتُؤطِّرها بإطار إرادة الله فيها.
  3. النية ومُداومتك عليها تخلِّصُك -إذا التزمتَ بها- من أيَّة شائبة في إرادة العمل؛ فلن تؤدِّي عملاً لوجاهة بين الناس، أو سُمعة تريدها، أو خشية أنْ يقول عنك الناس شيئًا. بل ستصفِّي -بالتزامك بها ومعرفتك الهدف الواضح منها- نفسَك إلا من إرادة وجه الله الكريم.

وفي هذه المعاني جميعًا أتى النووي بالحديث الشهير “إنَّما الأعمال بالنيَّات، وإنَّما لكُلّ امرئ ما نوى”. وهُنا تنقسم التفسيرات حول: إنَّما الأعمال بالنيَّات تُحتسَب أيْ تُقبَل، وإنِّما بها وعلى أساسها يكون الحساب والجزاء. وقد أكمل النووي الأحاديث ليؤكِّد المعاني.

تأكيد الأحاديث على اعتبار النيّة قيمة ماديَّة

وقد أكَّدت الأحاديث على أنَّ النية ليست معيارًا معنويًّا أو قليل الأهميَّة، بل هي معيار ماديّ حقيقيّ يكون عليه الحساب، بل يتغيَّر على أساسه صُلب الحساب. ومنها حديث “إنَّ الله لا ينظر إلى أجسامكم، ولا إلى صُوركم. ولكنْ ينظر إلى قلوبكم” أيْ ما فيها من نيَّة وإخلاص لله وحده. ومنها حديثٌ أخبَرَ عن جيش سيحاول غزو الكعبة، فيخسَف بأوَّلهم وآخرهم. فسُئل النبيّ: كيف يُخسف بأولهم وآخرهم وفيهم مَن لم يخرج للقتال؟ فقال:

يُخسَف أوَّلُهم وآخرُهم ثُمَّ يُبعَثون على نيَّاتهم.

وفيه دلالة على أنَّ النية معيار الحساب والنجاة في الآخرة.

وفي حديث آخر يُخبر: “إنَّ بالمدينة لَرجالاً ما سِرتُم مَسيرًا ولا قطعتُم واديًا إلا كانوا معكم حَبَسَهم المرض” والمقصد أنَّ جزاءهم كجزائكم لحُسن نيَّتهم مع أنَّهم لمْ يفعلوا ما فعلتُم؛ لأنَّ المرض حبسهم عن الخروج. ومنها حديث أبي يزيد الذي أخرج نقودًا صدقةً، فظنَّ يزيد -ابنُه- أنَّها لأبيه فأرجعها له، فقال له النبيّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: لكَ ما نويتَ يا يزيد، ولك ما أخذتَ يا مَعْن”.

ومن دلائل أنَّ النية معيار للأجر ما جاء في الحديث: “لنْ تنفق نفقةً تبتغي بها وجه الله إلا أُجرتَ عليها، حتى ما تجعل في امرأتك” -أيْ ما تعطيها من نفقة-.

ومنها الحديث الذي نصَّ على تحكيم النية في الأجر:

إنَّ الله كتب الحسنات والسيِّئات ثمَّ بيَّن ذلك. فمَنْ هَمَّ بحَسَنةٍ فلمْ يعملها كتَبَها الله -تبارَكَ وتعالى- عنده حسنةً كاملةً، وإنْ همَّ بها فعَمِلَها كتبها الله عشر حسناتٍ إلى سبعمائة ضعفٍ إلى أضعاف كثيرة. وإنْ هَمَّ بسيِّئة فلمْ يعملها كتبها الله -تعالى- عنده حسنةً كاملةً، وإنْ هَمَّ بها فعَمِلَها كتبها الله سيِّئةً واحدةً.

وانظر فكرة “الهمّ” بالحسنة أو السيِّئة فهي تدلُّ على الشروع في الفعل أو إعداد مُقدِّمات الفعل.

وضوح النيّة عند العبادة

وهناك حديثانِ قد يسأل السائل: ما دافع إدراجهما في الباب؟ .. وهُما قد سِيقا في الباب للتنبيه على فكرة “وضوح النية” وحسمها بأنْ تكون لله خالصةً لا شراكةَ فيها، وفيهما حثّ على البُعد عن مَواطن اختلاط نيَّة الله بغيره أيْ “الاشتباه في عقد النية”.

منها حديث سُئل فيه النبيّ عن الرجُل الذي يُقاتل عن شجاعة أو عن حَمِيَّة أيْ عصبيَّة ومُساندة لقومه أو عائلته، أو عن رِياء أيْ ليُقال عنه إنَّه مُقاتل أو كي لا يقول عنه الناس إنَّه لمْ يُقاتل مع مَن قاتلوا. وحدَّد السائلُ سؤاله: أيُّ ذلك في سبيل الله؟

فجاءت كلمة الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- حاسمةً قاطعةً مُزيلةً كلَّ شُبهة في أمر النية: “مَن قاتَلَ لتكون كلمةُ الله هي العُليا فهو في سبيل الله”. فأجهَزَ على كلّ قول آخر؛ فكما تلحظ يا عبد الله معنى قوله هذا أنَّ كلّ هؤلاء ليسوا في سبيل الله، ولا يُحتَسَب قتالهم في العمل الصالح آخرةً -أيْ في الآخرة-. بل الحال الوحيدة التي تُحتَسب هو أنْ يكون عملك صريحًا واضحًا لله -تعالى-.

أمَّا الآخر فقد يبدو أشدَّ غموضًا والتباسًا. وفيه “إذا التقى المُسلمان بسَيْفَيْهِما فالقاتل والمَقتول في النار”، فسُئل النبيّ الكريم: “هذا القاتل، فما بال المَقتول؟!” أيْ لماذا يدخل النار وقد قُتِل ولَمْ يقتُل؟ فردَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: “إنَّه كان حريصًا على قَتْل صاحبه”. فانظر إلى تسبيبِه النية -أيْ أنَّه جعلها سببًا في دخول النار أو النجاة منها- في العمل. وبالقطع لا يدخل في النصّ مَن لمْ يكُن حريصًا على قتل أخيه، بل أراد دفع الضرر المُهلِك عنه وحاول ألا يقتله بكل طريق مُمكن.

أنسى النيّة من دون قصد

وهناك الكثير من الناس تنسى النية عند أدائها العمل، عن غير قصد. وتسأل ماذا أفعل؟ وهنا يجب أنْ نذكِّر أنفسنا أنَّ أحد أهمّ أسباب ذلك هو أنَّنا نؤدِّي العبادة من قبيل العادة، أيْ اعتدنا أنْ نقوم لتأدية الصلاة عندما يؤذِّن المُؤذِّن، وثاني الأسباب هو إطباقُ الدنيا وهُمومها ومشاغلها علينا، وغيرهما كثير.

والحلُّ أنْ نفهم إسلامنا فهمًا صحيحًا وندرك كمْ هو مُترابط مُقنع، ثمَّ نستحضر الله في أحوالنا جميعًا حتى نصل إلى مُعايشة العبادة. وكُلَّما نسينا استغفرنا، وحرصنا على التذكُّر. والأهمُّ هو الحرص على النية العموميَّة والالتزام بتعاليم الإسلام فهذا الالتزام يمثِّل إعلانًا أنَّ حياتك مُنضبطة على معيار الإسلام ووجهته.

وبعدُ يا عبد الله الكريم، انظر إلى حالك وحال نيِّتك متى علمتَ ما سبق. واعلمْ أنَّ أمر العمل كُلِّه مرهون بنيَّتك فلا تنسَها، ولا تُشرك فيها غير وجه الله. واعلمْ أنَّ كلَّ شيء زائل إلا وجهه (وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) -الرحمن 27-.

100

الكاتب

عبد المنعم أديب

كاتب مصريّ، درس اللغة العربيَّة وتخصص في الفلسفة. صدرت له كتب أدبيَّة، وأكثر من مائة وثلاثين مقالاً، وله مئات من القصائد، وما يقرب من عشرين بحثًا علميًّا.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.