قبل أشهر قليلة شارك رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي في احتفال الذكرى الـ 400 لميلاد Guru Tegh Bahadur (جورو تيج بهادور) الذي قتل عام 1675 في عهد الإمبراطور المغولي المسلم ” أورنك زيب” لرفضه حكمه وتمرده عليه.

وأصدر مودي بهذه المناسبة عملة تذكارية وطابعًا بريديًا باسم الشاعر السيخي، وألقى كلمة في الحفل قال فيها: “الشهيد “جورو تيج بهادور جي” كان أحد الشجعان الذين ماتوا من أجل هذه البلاد، ففي فترة حكم “أورنك زيب” كان الناس يُضطهدون باسم الدين، وربما قَتل “أورنك زيب” الكثير من الناس، لكنه لم يستطع تدمير إيماننا، لقد ألهمت تضحية “جورو تيج بهادور جي” أجيالًا عديدة في الهند للعيش والموت لحماية كرامة عقيدتهم، من أجل شرفها واحترامها.

وقال مودي: لقد وقف “جورو تيج بهادور جي” أمام تفكير “أورنك زيب” الاستبدادي، وقف مثل الصخر، وهذه القلعة الحمراء شاهد على أنه بالرغم من أن “أورنك زيب” قطع العديد من الرؤوس، إلا أنه لم يستطع زعزعة إيماننا.

التقاط الرسالة.. ومواصلة الهجوم

في نهاية شهر مايو 2022 الماضي صدر عدد مجلة Open الهندية وعلى غلافها صورة الإمبراطور المسلم “أورنك زيب” مع عنوان “محاكمة أورنك زيب”! واحتوى الملف على 5 مقالات في 26 صفحة كاملة للهجوم والنيل من هذا الإمبراطور المسلم وتاريخه العظيم.

ونستعرض هنا بعض ما جاء في هذا الملف المنظم والمتناغم مع أداء رئيس الوزراء الهندي وحزبه: “إن ما نعيشه في حاضرنا هو تذكير دائم بماض قاس، وبالمظالم العالقة التي ارتكبها أشخاص هم الأكثر رعبًا والأسوأ ممن عذبونا، وإن صفات العظمة التي منحناها لهم ذات مرة قد أصبحت بالفعل زائدة عن الحاجة، فهم ما زالوا يحاصروننا كاللعنة في الوقت الذي نكافح فيه من أجل التبرؤ منهم، إنهم كمنازل مسكونة بلعنة قديمة”.

وتستطرد المجلة: “لقد عادت الأمة الهندوسية لهويتها، ويجب أن يقابل المقدس المدنس، وعندما يتم استعادة الهوية الحضارية، فإن محاكمة الماضي تكون إلزامية، وبالنسبة للهندوس فإن “أورانك زيب” الإمبراطور الإسلامي الشرير الذي لا يرحم، الذي حل محل الآلهة الهندوسية، لم يبن إمبراطورية الأكثر روعة فحسب، بل دمج الوحشية في الحكم أيضًا، ربما كان “أورانك زيب” رائدًا في الإسلاموية التي لا ترحم، فقد كان سيف العدالة الذي استخدمه حادًا مثل السيف الذي يستخدمه الجهاديون الآن”.

هذا الكلام وبهذه اللهجة ينم عن عقلية ونفسية مسكونة بالكراهية ومشحونة بالغضب، ترى أن قرابة ألف سنة من تاريخ الإسلام في الهند “مدنس” ويجب أن تتم محاكمته من “المقدس” الهندوسي!

السلطان المسلم.. المحبوب عند الهندوس

ثم تعقد المجلة مقارنة بين “أورانك زيب” وبين جد والده السلطان “جلال الدين أكبر” الذي يعد مثالًا جميلًا للمسلمين المقبولين لدى الهندوس، فتقول:

سعى “أكبر” إلى بناء أرضية مشتركة بين الأديان المختلفة، لقد مد يده لربط المجتمعات، وألغى التمييز ضد غير المسلمين، ففي عام 1564 عندما كان عمره 22 عامًا فقط، ألغى الجزية على الهندوس، ورفض ضغوط العلماء المتشددين، وسمح لأولئك الذين تحولوا إلى الإسلام بالعودة إلى دينهم الأصلي، وحظر ذبح الأبقار، وقلل الإمبراطور “أكبر” من كمية اللحوم في نظامه الغذائي، وأصبح نباتيًا إلى حد كبير، وشرب الماء الذي جلبه من نهر الجانج المقدس عند الهندوس! وكان أول سلطان مغولي يتزوج من طائفة الراجبوت الهندوسية، وبنى لزوجاته معبدًا في القصر لأداء صلواتهم الهندوسية”.

ثم تعقد المجلة مقارنة أخرى لنموذج آخر يحبه الهندوس ويقدرونه، وهو الأمير “محمد دارا شكوه” شقيق “أورانك زيب” الذي كان وليًا لعهد والده “شاه جهان” فتنقل عن كتاب محمد مجيب “المسلمون الهنود” مديحًا عن “دارا شكوه” فتقول:

“كان لدى “دارا شكوه” العديد من الأخطاء، التي نشأ معظمها عن عدم قدرته على مواجهة المواقف الصعبة، فقد كان ضعيفًا وغير كفء وغير قادر على السيطرة على الآخرين أو على نفسه! لكننا لا نحكم عليه هنا كسياسي أو إداري، بل بما مثله اجتماعيًا، وهو تتويج للتفاهم بين المسلمين وغير المسلمين الذي وضع جده “أكبر” أساسه، وقد بلغ هذا الفهم لدى “دارا شكوه” أعلى مستوياته بإيمانه بما كان يسميه نبي “نعمة الإنسانية جمعاء” الذي جعله لا يميز بين رعاياه المسلمين وغير المسلمين، وكان من اقواله: “لا تكن شيخًا، ولا تكن قديسًا، ولا حاملًا للمعجزات”.. نعم لقد كان “دارا شكوه” فاسقًا، ولكنه كان متواضعًا ومخلصًا!

هذا الحب الهندوسي لـ “دارا شكوه” لأمرين: لحاله التي كان عليها، ولأن “أورانك زيب” انقلب عليه لعدم كفاءته -التي يعترف بها الهندوس- لقيادة الإمبراطورية المغولية المسلمة.

وهذا “دارا شكوه” المتواضع المخلص! يقول المؤرخ المغولي محمد كاظم في كتابه “عالم كير نامة”: “ورسخ في قلبه الإلحاد والنظريات الإباحية التي كان يسميها تصوفًا، وولع بعادات الهنادكة، فكان على خطى جده أكبر، ولم تقتصر جهود “دارا شكوه” على الجوانب العملية بحكم إمارته في ترسيخ دين جده أكبر، وإنما عززها بقدرته الفكرية حين ألف عددًا من الكتب ليدافع فيها عن مشروعه الإلحادي ودين جده أكبر”.

ألهذا كرهوا الإمبراطور “أورانك زيب”؟!

ثم تعود المجلة لذكر بعض ما أسمته “التشدد والحقد” الذي كان يقوم به السلطان “أورانك زيب” فتقول:

  • “في عام 1670 أمر “أورانك زيب” رجال الحاشية بالتوقف عن تحيته بالتحية الهندوسية بقول ” Namaste- ناماستي ” والتي يضمون فيها أيديهم وينحنون أمامه، واستبدلها بـ “السلام عليكم”!
  • وإلى الجنوب، كان الشيعة، الذين اندمجوا في الطبقة الحاكمة المغولية منذ عهد همايون منبوذين تمامًا بسبب عداء “أورانك زيب” الذي لا هوادة فيه (نصير الدين همايون سلطان دولة مغول الهند المولود سنة 1508م وتولى السلطنة عام 1530م) واشتدت حدة حقده عليهم، فأصبح الصوفيون والبهرة والشيعة ضحايًا لحملة “التطهير” ضد أولئك الذين انحرفوا عن منهج أهل السنة”.
  • “إن قرارات “أورانك زيب” بمنع الخمور والمسكرات، وتعيين محتسب، أو رئيس شرطة الآداب، لفرض الصلاة والصيام، ومراقبة الأفكار الإلحادية عن كثب، أثرت على المسلمين أكثر من الهندوس”.

لكن المجلة رغم كراهيتها الشديدة لعهده الذي استمر 50 سنة وتعصبها للهندوسية، لم تتمالك نفسها عن ذكر بعض محاسنة فتقول:

“القوة الصلبة لها معجبوها، فقد كان “أورانك زيب” داهية بما فيه الكفاية شخصيًا وسياسيًا، وقد وضع العديد من النبلاء الأقوياء تحفظاتهم عليه جانبًا، واعترفوا بفطنة “أورانك زيب” المتفوقة والقيادة العسكرية والمهارات الإدارية، والصفات المطلوبة لإدارة إمبراطورية واسعة”.

معركة المساجد التاريخية

وفي مقال بعنوان “المسجد الذي ليس مسجدًا”! تعرج المجلة على محور آخر مرتبط بالإمبراطور “أورانك زيب” وهو ملف “مسجد جيانفابي” الذي بُني في عهده، ويطالب بعض المتطرفين الهندوس بهدم المسجد التاريخي في ولاية أوتار براديش التي يحكمها الراهب الهندوسي المتطرف “يوغي أديتياناث” حليف رئيس الوزراء “مودي” وخليفته المحتمل، وذلك بعد أن ادعى فريق مسحي أنه عثر على آثار للإله الهندوسي شيفا ورموز هندوسية أخرى، ومسجد جيانفابي، هو واحد من عدة مساجد في ولاية أوتار براديش الشمالية التي يعتقد المتشددون الهندوس أنها بُنيت فوق معابد هندوسية مهدمة.

فتقول المجلة: “بالنسبة للنفسية الهندوسية التي حافظت على الذاكرة المقدسة لأروع ما فيها من أماكن الحج، فإن مصطلح “جيانفابي” يستحضر على الفور قوس قزح مقدس من الدلالات المقدسة، ولتوضيح الحقيقة ففي عام 1669 هدم الإمبراطور المغولي “أورانك زيب” معبد “كاشي فيشواناث” الأصلي، وبنى مسجد جيانفابي مستخدمًا أنقاض المعبد في البناء”.

من هو “أورانك زيب” الذي يحاربه الهندوس اليوم؟

وبعد هذا التجوال السريع حول منهج رئيس الوزراء الهندي الحالي ناريندرا مودي الاستدعائي لأجزاء محددة فقط من تاريخ المسلمين في الهند، ثم ترويج هذا المجتزأ والمشوه لإثارة الأحقاد وبث الكراهية على ما كل هو إسلامي في الهند اليوم، دعونا نلقي نظرة سريعة أيضًا لنتعرف على جزء من تاريخ هذا الإمبراطور المسلم الذي يحاكمه الهندوس الآن ويريدون إزالة كل آثاره، ويجعلونه سببًا في الانتقام من المسلمين في الهند .

ونبدأ بعرض ما جاء في ترجمته ضمن موقع (الهند الثقافية – Cultural India) وهو موقع هندوسي “شاهد من أهلها”:

“كان محي الدين محمد، المشهور باسم “أورنك زيب” الإمبراطور المغولي السادس، وكان آخر إمبراطور فعّال من سلالة المغول، حكم ما يقرب من خمسة عقود، من عام 1658 حتى عام 1707، ونظرًا لكونه واحدًا من أكبر التوسعيين، فقد وصلت إمبراطورية المغول المسلمين إلى حد كبير خلال عهد “أورنك زيب” فقد كان قادرًا على توسيع إمبراطورية المغول إلى أربعة ملايين كيلومتر مربع خلال حياته، والتي شملت أيضًا عدة أجزاء من جنوب الهند، وخلال فترة حكمه، سيطرت إمبراطورية المغول القوية على 155 مليون شخص، وأصبحت الهند أكبر اقتصاد في العالم، متجاوزة بذلك الصين.

ويقال -بصيغة التضعيف- إنه وظف الهندوس في إدارته أكثر من سابقيه، فقد شكل الهندوس ما يقرب من 31 في المئة من رجال الدولة، وهي أعلى نسبة لهم خلال حكم المغول”.

ثم ننتقل بعد ذلك لبعض المصادر الإسلامية التي تحدثت عن هذا الإمبراطور العظيم وترجمت له وعرضت تاريخه، ومن أبرزها:

  • سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر، لمؤلفه: خليل بن علي المرادي.
  • السلطان أورنك زيب عالمكير حياته وعصره، لمؤلفه: صاحب علم الندوي.
  • تاريخ دولة أباطرة المغول الإسلامية في الهند، لمؤلفه: د جمال الدين الشيال.
  • أورانك زيب إمبراطور الهند الكبير، لمؤلفه: أ.د. أحمد محمد الجوارنة.
  • حياة السلطان الأعظم الشيخ الإمام أورنك زيب عالمكير، لمؤلفه: معين الدين القادري.
  • رجال من التاريخ، لمؤلفه: الشيخ علي الطنطاوي.
  • تاريخ الإسلام في الهند، لمؤلفه: د عبد المنعم النمر.

وملخص ما جاء فيها:

السلطان “أورنك زيب” هو أبو المظفر محي الدين محمد “عالَم كير” سلطان مملكة شبه القارة الهندية وما حولها، وهو أحد أحفاد “تيمور لنك” الطاغية المغولي المعروف، ولد في 15 من ذي القعدة عام 1028هـ الموافق 24 من أكتوبر 1619م وتوفي في 28 من ذي القعدة عام 1118 هـ الموافق 20 من فبراير 1707م.

و”أُورنْك زِيْب” ويقال “أورنج زيب” معناها بالفارسية “زينة العرش” فـ “أورنج” معناها: عرش، و “زيب” معناها: زينة، وأما “عالَم كير” فمعناها بالفارسية: فاتح العالم، وهو ابن السلطان “شاه جيهان” أحد أعظم سلاطين دولة المغول المسلمين في الهند، وهو الذي بنى مقبرة “تاج محل” الشهيرة التي تعد من عجائب الدنيا.

لم يكن السلطان “أورنك زيب” كباقي سلاطين المغول، بل المعروف من سيرته أنه كان عالِمًا عابدًا زاهدًا تقيًّا شاعرًا، وكان حنفي المذهب في الفروع، فهو ليس كباقي سلاطين المغول، بل هو خير منهم جميعًا.

ومن أفعاله الجليلة: أنه حارب البدع والخرافات، وترك الاستماع للموسيقى والغناء وأبطل الاحتفالات الوثنية والبدعية، كما أبطل عادة الانحناء وتقبيل الأرض مما كان يُفعل للملوك قبله، وأمر أن يحييه الناس بتحية الإسلام “السلام عليكم” ولعلَّ هذا ما جعل بعض الكتَّاب من الحاقدين على الإسلام يصفه بالتعصب!

وذكر من ترجموا له أشياء كثيرة حميدة، فإذا أضيف إليها محاربته للبدع والخرافات، وقضاؤه على الدويلات الرافضية، ومنعه للاحتفالات البدعية والوثنية، تبيَّن أنه ملك يستحق الاحترام والتقدير.

شهادة علماء عصره

ومن أقرب مَن ترجم للسلطان مِن أهل عصره، أبو الفضل محمد خليل بن علي المرادي، رحمه الله، حيث قال في كتابه “سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر” ( ج 4 / 113 ):

“سلطان الهند في عصرنا، وأمير المؤمنين وإمامهم، وركن المسلمين ونظامهم، المجاهد في سبيل الملك القائم بنصرة الدين، وأيد الإسلام وأعلى في الهند مناره، وجعل كلمة الله هي العليا، وقام بنصرة الدين، وفتح الفتوحات العظيمة، إلى أن نقله الله إلى دار كرامته وهو في الجهاد، وصرف أوقاته للقيام بمصالح الدين وخدمة رب العالمين من الصيام والقيام والرياضة التي لا يتيسر بعضها لآحاد الناس فضلاً عنه، وكان موزعًا لأوقاته: فوقت للعبادة، ووقت للتدريس، ووقت لمصالح العسكر، ووقت للشكاة، ووقت لقراءة الكتب والأخبار الواردة عليه كل يوم وليلة من مملكته، لا يخلط شيئًا بشيء.

والحاصل: أنه كان حسنة من حسنات الزمان، ليس له نظير في نظام سلطنته”.

ثم يقول: “واشتغل بالمملكة من سنة ثمان وستين وألف، وأراد الله بأهل الهند خيرًا؛ فإنه رفع المظالم والمكوس، وطلع من الأفق الهندي فجره، وظهر من البرج التيموري بدره، وفلك مجده دائر، ونجم سعده سائر، وأَسَر غالب ملوك الهند المشهورين، وصارت بلادهم تحت طاعته، وجُبِيَت إليه الأموال، وأطاعته البلاد والعباد، ولم يزل في الاجتهاد في الجهاد، ولم يرجع إلى مقر ملكه وسلطنته بعد أن خرج منه، وكلما فتح بلادًا، أشرع في فتح أخرى، وعساكره لا يحصون كثرة، وعظمته وقوته لا يمكن التعبير عنها بعبارة تؤديها حقها، والملك لله وحده، وأقام في الهند دولة العلم وبالغ في تعظيم أهله حتى قصده الناس من كل البلاد .

والحاصل: أنه ليس له نظير في عصره في ملوك الاسلام في حسن السيرة والخوف من الله سبحانه والجد في العبادة، وأمر علماء بلاده الحنفية أن يجمعوا باسمه فتاوى تجمع جل مذهبهم مما يحتاج إليه من الأحكام الشرعية فجمعت في مجلدات وسماها بـ “الفتاوى العالمكيرية” واشتهرت في الأقطار الحجازية والمصرية والشامية والرومية، وعمَّ النفع بها وصارت مرجعًا للمفتين، ولم يزل على ذلك حتى توفي في شهر ذي القعدة الحرام سنة ثماني عشرة ومائة وألف، وأقام في الملك خمسين سنة رحمه الله تعالى.

شهادة علماء عصرنا

ولعله من المناسب هنا نقل ملخص ما ذكره الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله، في كتابه رجال من التاريخ (ج 2 ص 15-26) بصيغته الأدبية الراقية، فتحت عنوان “بقية الخلفاء الراشدين” وبعد أن ذكر أصنافًا متعددة من صفات عظماء الرجال قال:

“… وهذا عظيم جمع هذا كله، فكان خطاطًا، وكـان كـاتبًـا شـاعـرًا، وكان فقيهًا، وكان ملكًا، وكان قائدًا مظفرًا، وكان زاهدًا متعبدًا، حكم الهند كلها خمسين سنة، فأقام فيها العدل، ونشر الأمن، وأعز الصالحين، وقهر الطغـاة الجبارين، وترك آثارًا على الأرض، وآثارًا في الحكم، وآثارًا في العقول، ملأ الهند مساجدًا ومشافي، وملاجئًا للعاجزين، ومدارسًا للمتعلمين، وسن في أساليب الحكم سنن الخير، فنظم القضاء، وأصلح قوانين الضرائب.

لبس لأمة الحرب من أول يوم، وكان يومئذ في الأربعين، ونهض بنفسه يقضى على الخارجين، ويقمع المتمردين، ويفتح البلاد ويقرر العدالة والأمن في الأرض، وما زال ينتقل من معركة يخوضها إلى معركة، ومن بلد يصلحه إلى بلد، حتى امتد سلطانه من سفوح الهمالايا، إلى سيف البحر من جنوب الهند، وكاد يملك الهند كلها، حتى قضى شهيدًا في سبيل الله في أقصى الجنوب بعيدًا عن عاصمته بأكثر من ألف وخمسمائة كيلو.

حقق “أورانك زيب” مع ذلك من الإصلاح الداخلي ما لم يحقق مثله إلا قليل من الملوك، كان ينظر في شؤون الرعية من أدنى بلاده إلى أقصاها بمثل عين العقاب، كما كان يبطش بالمفسدين بمثل كف الأسد، فأسكن كل نأمة فساد، وقضى على كل بادرة اضطراب، ثم أخذ بالإصلاح فأزال ما كان باقيًا من الزندقة التي جاء بها جده “أكبر” وكانت الضرائب الظالمة ترهق الناس، فأبطل منها ثمانين نوعًا، وسن للضرائب سنة عادلة، وأوجـبها على الجميع.

وأصلح الطرق القديمة، وشق طرقًا جديدة، ويكفي لتدركوا طول الطرق في الهند أن تعرفوا أن طريقًا واحدًا كان يمشى فيه المسافر ثلاثة أشهر تحف به الأشجار من الجانبين على طوله وتتعاقب فيه المساجد والخانات، وبنى المساجد في أقطار الهند، وأقام لها الأئمة والمدرسين، وأسس دورا للعجزة، ومارستانات للمجانين، ومستشفيات للمرضى.

وأقـام العـدل في الناس جميعًا، فلا يكبـر أحـد عن أن ينفـذ فـيـه حـكـم القضاء، وكان أول من جعل للقضاء قانونًا، فكان يحكم في القضاء بنفسه لا حكمًا كيفيًا بل حكمًا بالمذهب الحنفي معللًا له مدللًا عليه، ونصب القضاة للناس في كل بلدة وقرية، وكان للإمبراطور امتيازات، فألغاها كلها، وجعل نفسه تابعًا للمحاكم العادية، ولمن له عليه حق أن يقاضيه به أمام القاضي مع السُوقة والعامة من الناس.

وكـان الـرجل عالمًا، فـقـيـهـًا بـارعـًا في الـفـقـه الحنفي، فـأدنى العلماء ولازمهم، وجعلهم خاصته ومن مستشاريه، وبنى لهم المدارس، وجعل لهم الرواتب، ووفق إلى أمرين لم يسبقه إليهما أحد من ملوك المسلمين:

  • الأول: أنه لم يكن يعطى عالمًا عطية أو راتبًا إلا طالبه بعمل، بتأليف أو تدريس، لئلا يأخذ المال ويتكاسل، فيكون قد جمع بين السيئتين: أخذ المال بلا حق، وكتمان العلم.
  • والثاني: أنه أول من عمل على تدوين الأحكام الشرعية في كـتـاب واحد، يتخذ قانونًا فوضعت له -وبأمره وبإشرافه ونظره- الفتاوى التي نسبت إليه، فسميت الفتاوى العالمكيرية، واشتهرت بالفتاوى الهندية، ويعرفها كل العلماء؛ لأنهـا من أشـهـر كـتـب الأحكام في الفـقـه الإسلامي، وأجودها ترتيبًا وتصنيفًا.

بعـد ذلك كله ألف كتابًا في الحديث وشرحه وترجمه إلى الفارسية، ويكتب الرسائل البليغة، التي تعد في لسانهم من روائع البيان، ويكتب بخطه المصاحف ويبيعها ليعيش بثمنها لما زهد في أموال المسلمين وترك الأخذ منها.

وحفظ القرآن بعد أن ولى الملك، وكان شاعرًا موسيقيًا، ولكنه ترك ذلك وكرهه، وأبطل ما كان للشعراء والموسيقيين من هبات وعطايا، ولم يكن يراهم لازمين لأمة لا تزال تبني في الأرض صرح مجدها.

وكان يصلى الفرائض في أول وقتها الجماعة لا يترك ذلك بحال والجمعة في المسجد الكبير، ولو كان غائبًا عن المصر لأمر من الأمور، يأتيه يوم الخميس ليصلي الجمعة ثم يذهب حيث شاء، وكان يصوم رمضان مهما اشتد الحر، وما أدراكم ما حر الهند!؟ ويحيى الليالي بالتراويح، ويعتكف في العشر الأواخر من رمضان في المسجد، ويصوم الإثنين والخميس والجمعة من كل أسـبـوع من أسابيع السنة، ويداوم على الطهارة بالوضـوء ويحافظ على الأذكار، ويمد أهل الحرمين بالصلات المتكررة الدائمة.

وكان مع ذلك آية في الحزم والـعـزم، والبـراعـة في فنون الحرب، وفي التنظيم الإداري.

فكيف استطاع أن يجمع هذا كله؟ كيف قدر أن يتعبد هذه العبادة؟ ويقضى بين الناس؟ ويؤلف في العلم؟ ويكتب المصاحف ويحفظ القرآن؟ ويدير هذه القارة الهائلة؟ ويخوض هذه المعارك الكثيرة؟

لقـد كـان يقسم بين ذلك أوقاته، ويعيش حياة مرتبة، فوقت لنفسه، ووقت لأهله، ووقت لربه، وللإدارة والقتال والقضاء أوقاتها. حكم الهند كلها خمسين سنة، وكان أعظم ملوك الدنيا في عصره، وكانت بيده مفاتيح الكنوز، وكان يمر عليه رمضان كله لا يأكل إلا أرغفة معدودة من خبز الشعير، من كسب يمينه من كتابة المصاحف لا من أموال الدولة!

هذا هو الملك الذي قلت: إنه كان بقية الخلفاء الراشدين، وما رأى الناس بعده وقلمًا رأوا قبله مثله رحمة الله على روحه الطاهرة”.

دوافع التحريض على التاريخ الإسلامي في الهند

نشر موقع BBC العربي في27 مايو 2022 الماضي تقريرًا تحت عنوان: “لماذا يثير الإمبراطور المغولي المسلم أورانك زيب الذي حكم الهند جدلًا ساخنًا؟” وعلق الموقع على الكلمة التي ألقاها ناريندرا مودي في احتفال الذكرى الـ 400 لميلاد الشاعر السيخي “جورو تيج بهادور” وهجومه على السلطان المسلم “أورانك زيب” ومما جاء في هذا التقرير:

“أصبح إمبراطور مغولي مسلم توفي قبل أكثر من 300 عام موضوعًا ساخنًا للنقاش في الهند في الأشهر الأخيرة، والآن بات اسم “أورانك زيب” شائعًا على مواقع التواصل الاجتماعي مع الآلاف من الإشارات المسيئة له والتي يمكن العثور عليها في ملفات قضائية يستشهد بها حكام الهند القوميين الهندوس في الوقت الحاضر، وقد تحدث رئيس الوزراء ناريندرا مودي عن “فظائع أورانك زيب وإرهابه” في فعالية أقيمت في فاراناسي، قال مودي فيه:

“لقد حاول تغيير الحضارة بحد السيف، حاول سحق الثقافة بالتعصب”! انظر من يتكلم!؟

يقول تقرير BBC:

وقد بدت تعليقات مودي محيرة لصحفي كندي أمريكي سأل على تويتر: لماذا ألقى رئيس الوزراء الهندي “خطابًا طويلًا يهاجم فيه إمبراطورًا مغوليًا توفي قبل 300 عام”؟.

وردت المؤرخة “أودري تروشكي” في سلسلة تغريدات على موقع تويتر قائلة: “إن القوميين الهندوس يعتقدون أن المسلمين اضطهدوا الهندوس لمئات السنين، لذا فهم يستحقون أن يُضطهدوا اليوم عقابًا على ما حدث في الماضي، إن اسم أورانك زيب يستخدم كضوء أخضر للإشارة إلى أنه من المقبول اضطهاد مسلمي الهند اليوم واستخدام العنف ضدهم”.

ويتابع التقرير: وفي الأيام التي تلت تلك الحوارات على موقع تويتر تزايدت الكراهية للإمبراطور المغولي أورانك زيب، فقد وصفه عمدة مدينة أغرا -تقع في شمال ولاية أتر براديش- بأنه “جزار” وقال إنه يجب إزالة كل آثاره من الأماكن العامة.

ومن جانبه، قال المؤرخ نديم رضوي مؤلف وأستاذ تاريخ القرون الوسطى في جامعة عليكرة الإسلامية لـ BBC: إن “أورانك زيب” اسم مناسب للغاية كتبرير لشيطنة الأقلية المسلمة في الهند والتي تُعد -في السنوات الأخيرة- هي الطرف المتلقي للعنف، لقد قدم “أورانك زيب” أكبر عدد من المنح للحفاظ على المعابد الهندوسية، وكان هو نفسه يحمل دمًا هندوسيًا لأن جده “أكبر” تزوج من طائفة الراجبوت الهندوسية، وكان عدد المنتمين لطائفة الراجبوت في المناصب العليا خلال حكمه أكثر من إمبراطور مغولي آخر”.

ومضى يقول: “لقد كان هذا قبل 300 عام، وفي ذلك الوقت لم تكن هناك ديمقراطية حديثة، ولم يكن هناك دستور يوجهه، ولكننا اليوم نسترشد بالدستور الهندي وقوانين البرلمان، فكيف يمكنك تكرار الأعمال التي تمت في القرنين السادس عشر والسابع عشر؟! وبالتالي إذا مارس شخص ما -يقصد مودي وحزبه- سياسات القرن السابع عشر في الوقت الراهن، فإنه يرتكب جريمة أكبر بكثير من جريمة “أورانك زيب” في القرن السابع عشر”.

أخيرًا

في الأيام الأخيرة وبعد تطاول المتحدثة باسم الحزب الحاكم في الهند الذي يرأسه رئيس الوزراء مودي، على رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجه عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، وبعد الحملة الشعبية #إلا_رسول_الله_يا_مودي، وبعد بعض بيانات الإدانة التي أطلقتها وزرات خارجية بعض الدول العربية، أصدر الحزب الحاكم في الهند “بيانًا توضيحيًا وليس اعتذارًا” قال فيه أنه “يحترم جميع الأديان ويدين بشدة إهانة أي من الشخصيات الدينية لأي دين!

وبعد ما رأيناه في هذا المقال، وبعد ما نراه من جرائم ترتكب ضد كل ما هو إسلامي في الهند -والذي يخفى علينا أكبر منه- فهل يمكن أن يصدق عاقل بيان حزب مودي!؟

إن مودي وحزبه ورجاله من القوميين الهندوس المتطرفين يتحركون من خلال استراتيجية واضحة ومنهج ثابت يتمثل في عقيدة الـ “هندوتفا” وهي عقيدة دينية قومية متطرِّفة، تجمع بين التطرف الديني الهندوسي، والغلو القومي الهندي، منتجة أعمالًا عنصريَّة دموية إرهابية.

ويعد مودي رئيس وزراء الهند الحالي أحد الأتباع الأوفياء لمليشيات RSS (آر إس إس – راشتريا سوايا مسيفاك سانج – منظمة التطوع الوطنية) وهي منظمة يمينية هندية وقومية هندوسية شبه عسكرية تطوعية، ومودي من المتشبعين بعقيدة الـ”هندوتفا” وقد انتمى إلى (RSS) منذ سن الثامنة من عمره، وتدرَّج ليصبح أحد قياداتها قبل أن يدخل الحياة السياسية، بل وشارك في عدد من أنشطتها، على رأسها أحداث هدم مسجد بابري سنة 1992.

ومنذ 2014 ومع اعتلاء ناريندرا مودي رئاسة حكومة الهند عرفت عقيدة الـ “هندوتفا” انتشارًا واسعًا، وبسطت مليشيات “RSS” نفوذها على الساحة السياسية والاجتماعية الهندية.

وترى هذه العقيدة وأتباعها بأن الهند للهندوس فقط، وفي سبيل ذلك يتم التعامل مع المسلمين في الهند على أنهم دخلاء أو متحولين دينيًا، فإما أن يعودوا للهندوسية، أو يختاروا بين الرحيل أو القتل.

ليس غريبًا أن يجتزأ متطرف بعض أحداث التاريخ ليسوغ به تطرفه وأحقاده وأهدافه العنصرية الآثمة. وليس غريبًا أن يتقبل العالم حزبًا حاكمًا يمينيًا متطرفًا ويتولى رئيسه زعامة الدولة الهندية.

الغريب أن تتقبل الدول والشعوب العربية والإسلامية هذا التطرف والإجرام الهندوسي الذي يوجه إلى المسلمين في الهند، وتتعايش معه سياسيًا واقتصاديًا وكأنه ليس هناك 200 مليون مسلم يواجهون خطر الإبادة أو التذويب في الهندوسية.

544

الكاتب

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.