كمْ عدد الأدباء الفقهاء أو الفقهاء الأدباء في تاريخ أمتنا الإسلامية؟ كم عدد أولئك الرجال الذين جمعوا بين الصناعتين الأدبية والفقهية وبرعوا فيهما؟ حتمًا ليس بالعدد الكبير. وقد كان واحد منهم بكل تأكيد هو الشيخ علي الطنطاوي.

“محمد علي مصطفى محمد الطنطاوي”، من مواليد يونيو 1909 بمدينة دمشق. الأديب الفقيه القاضي، ولد في بيت علم ودين؛ فخاله “محب الدين الخطيب” الكاتب والصحفي المعروف صاحب صحيفة الفتح وغيرها من الصحف.

يرجع أصله إلى “طنطا” من أعمال مصر. هاجر جده إلى الشام، وأقام فيها في عام 1810م تقريبًا. وكان جده عسكريًا متقاعدًا من الجيش العثماني، أما والده الشيخ “مصطفى الطنطاوي” فقد كان من العلماء المعدودين في الشام، وصار مفتي دمشق في زمانه، كما شغل منصب مدير المدرسة التجارية، ثم تركها وولي منصب رئيس ديوان محكمة النقض بدمشق، وبقي في هذا المنصب إلى أن توفي.

درس الشيخ الطنطاوي الابتدائية في المدرسة التجارية التي كان أبوه مديرًا لها، ثم تنقل بين مجموعة من المدارس الأخرى حتى نال الثانوية من “مكتب عنبر” عام 1928.  ثم سافر إلى مصر ليدرس في كلية “دار العلوم” عام 1928، لكنه لم يكمل دراسته فيها، بل قرر العودة إلى دمشق للدراسة في كلية الحقوق في سنة 1929، وتخرج منها عام 1933.

بعد عودته من مصر انضم الشيخ إلى الكتلة الوطنية، وكانت هذه الكتلة بمثابة التجمع الذي يجمع المناهضين للاستعمار الفرنسي، ولم يكن الشيخ عضوًا عاديًا فيها، بل كان عضوًا فعالًا؛ فساهم في تشكيل (اللجنة العليا للطلبة) واختير رئيسًا لها لمدة ثلاث سنوات، كما عرفته جوامع وساحات دمشق خطيبًا يحرض الناس ويوعيهم ضد خطر الاستعمار ووجوب التحرك لطرده. وكان من آثاره السياسية الحسنة إبطال تزوير الانتخابات الذي حصل في عام 1931.

المعلم

بدأ الشيخ علي الطنطاوي -رحمه الله- في ممارسة مهنة التدريس وهو في السابعة عشرة من عمره! ويكاد المرء لا يصدق هذا الخبر. ولكن من قرأ شيئًا من مؤلفاته ولامس حلاوة أسلوبه الأدبي علم أن هذا الأمر ليس بغريب أو عجيب على الشيخ -رحمه الله-. وقد بدأ مسيرته التدريسية في المدارس الأهلية بدمشق، ثم انتقل في عام 1931 إلى المدارس الابتدائية وتنقل فيها بين مدارس المدن والقرى، وكان سبب كثرة تنقله وترحاله موقفه المعادي للاستعمار الفرنسي والذي يظل يلاحقه ويضيق عليه الخناق.

وفي عام 1935 انتقل الشيخ -رحمه الله- للتدريس في العراق؛ فدرَّس في المدارس الثانوية. واستمر مدرسًا بها يتنقل بين مدنها حتى عام 1939، تخللتها سنة درَّس في بيروت في الكلية الشرعية. وقد تركت فترة تدريسه في العراق أثرًا بالغًا في نفسه دفعه إلى تأليف كتابه “بغداد مشاهد وذكريات”.

ثم عاد الشيخ بعد ذلك إلى دمشق، وتحديدًا إلى مدرسته الثانوية “مكتب عنبر”. ولكنه لم يلبث إلا قليلًا قبل أن ينتقل منها إلى مدينة دير الزور. ويرجع سبب كثرة تنقلاته بين المدن والقرى في رحلته كمعلم إلى الخطب النارية التي كان يلقيها؛ فتثير حماس الناس وتشعل غضبهم ويتجهون لتفريغ هذه الشحنة في مظاهرات ضد المستعمر. فيمكننا أن نصف شيخنا -رحمه الله- بأنه خطيب وأديب مرحلة الاستقلال السوري من الاحتلال الفرنسي.

الصحفي

علي الطنطاوي

نشر الشيخ علي الطنطاوي أول مقال صحفي له وهو في عمر السادسة عشر في صحيفة “المقتبس”. ومنذ ذلك الوقت استمر في نشر مقالاته في مختلف الصحف والمجلات؛ فشارك في النشر في مجلات مثل “الفتح” و”الزهراء”، وجرائد مثل “فتى العرب” و”ألف باء”. كما عمل مدير تحرير لجريدة “الأيام” التي أصدرتها الكتلة الوطنية. كما شارك في تحرير مجلات أخرى مثل “الرسالة” و”المسلمون” و”الحج”، كما نشر الشيخ -رحمه الله- ذكرياته في مجلة “الشرق الأوسط” على مدار نصف قرن!

ومن خلال هذا الكم الهائل من المجلات والجرائد يتبين لنا شغف الشيخ -رحمه الله- في كتابة المقالات. ومن تأمل كتبه فسيجد بعضها يشبه مقالات متناثرة قام بضمها في كتاب واحد.

تأثر شيخنا الطنطاوي بـ”مصطفى الرافعي” الأديب المشهور، وكان ممن يذود بقلمه عنه في المعارك الأدبية التي كانت تجري بين أبناء المدرستين العقادية والرافعية كما روى طرفًا منها الدكتور صلاح الخالدي.

ولكن لم يكن الشيخ علي الطنطاوي من المقلدين لأحد من الأدباء، بل كان له أسلوبه الخاص والبسيط، والذي يشد به انتباه القارئ في كل مقالة وفي كل كتاب.

القاضي

اتجه الشيخ إلى القضاء مرغمًا عنه بسبب رغبة الاحتلال الفرنسي في إبعاده عن العامة والجماهير التي كان يحتك بها في عمله مدرسًا وخطيبًا؛ فاتجه للعمل في القضاء الذي استمر فيه قرابة الربع قرن. بدأه كقاضٍ في “النبك” بلبنان، ولبث فيها سنة إلا شهرًا، ثم انتقل إلى “دوما” من أعمال دمشق؛ والتي كانت محطة انتقاله إلى قضاء دمشق التي صار القاضي الأول فيها لمدة عشرة سنوات.

لم تكن مهنة القاضي التي اتجه عليها الشيخ علي الطنطاوي تقتصر على الفصل بين الخصومات والنزاعات والقضايا التي ترد عليه؛ إنما اتخذ الشيخ منها وسيلة لإجراء إصلاحات مجتمعية لم يكن يقدر عليها لولا منصبه هذا؛ حيث عمل على تغيير طاقم الديوان كاملًا لما رأى من فساد مستشر بينهم، ثم عرض إقامة قانون للأحوال الشخصية فكلف بعمله. واتجه سنة 1947 إلى مصر لدراسة قانونها هناك؛ فأتم مهمته ووضع أسس قانون الأحوال الشخصية الحالي.

وبحكم منصبه كقاضي دمشق الأول؛ فقد كان مسؤولًا عن رئاسة مجلس الأوقاف وعميدًا للثانويات الشرعية بها. فعدل قانون الأوقاف ووضع أنظمة جديدة للامتحانات والمناهج الثانوية، ثم سافر إلى الأزهر ليدرس نظام المناهج به وعاد ليقوم بوضع نظام للمناهج خاصًّا بالثانويات الشرعية في دمشق وقام بهذا العمل وحده!

أهم القضايا التي تبناها

مما سبق تكونت لنا صورة عن شخصية الشيخ -رحمه الله-؛ فهو ليس من المشايخ الذين يننشغلون بعلوم بعيدة عن الواقع، ولا من مشايخ السوء المثبِّطين لأبناء الأمة العاملين؛ بل كان رجلًا شديدًا في الحق لا تأخذه في الله لومة لائم.

ومن أهم القضايا التي ناضل الشيخ من أجلها؛ الدعوة إلى الله بالقول الحسن. وكان جزء كبير من دعوته مخصصًا لإصلاح العلماء؛ لأن في إصلاح العلماء إصلاحًا للأمة كلها. فدعا العلماء إلى الاهتمام بأصول الدين والبُعد عن الخوض في المسائل الفقهية الفرعية، مقتديًا بسُنة سيد الخلق -صلى الله عليه وسلم- الذي أخذ يدعو إلى العقيدة الصحيحة ثلاث عشرة سنة في مكة.

كما دعا الشيخ -رحمه الله- علماء عصره إلى الاهتمام بالقضايا المعاصرة، والبعد عن الخوض فيما مضى عليه الدهر. والناظر في حياة الشيخ يعلم أن هذا أصل ثابت عنده، فقد كان جنديًا في الصف الأمامي في معركة الاستقلال. 

كما اهتم الشيخ بموضوع التربية، وكان له أثر بالغ فيه دعويًا وعمليًا؛ فقد اهتم بدعوة الوالدين وخصص لهما نصيبًا من نصحه وإرشاده، كما كان مربيًا عظيمًا، كما نقل عنه ذلك بناته وأحفاده.

كما كان للشيخ -رحمه الله- اهتمام بدعوة النساء اقتداءً بسنة سيد الخلق -صلى الله عليه وسلم- الذي كان يخصص مجالس خاصة لوعظ النساء ودعوتهن. وكان شعار الشيخ علي الطنطاوي في ذلك أن في إصلاح المرأة إصلاحًا للأمة لأنها الحاضنة المعلمة الأولى للأطفال.

التراث الزاخر

وقد ترك الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله تراثًا زاخرًا من بعده في شتى المجالات الإسلامية؛ فقد أبدع في التاريخ والأدب والصحافة وتحقيق الكتب، ووضع قانون الأحوال المدني أثناء وحدة سوريا ومصر، كما عمل في سلك الإذاعة كما حكى هو عن نفسه في كتاب “صور وخواطر”، كما كان له نصيب من برامج التلفزيون من خلال برنامج “نور وهداية” الذي يصنف على أنه أطول البرامج عمرًا على التلفزيون السعودي.

ومن مؤلفاته -رحمه الله-:

  1. صور وخواطر.
  2. فتاوى علي الطنطاوي.
  3. أعلام التاريخ.
  4. حكايات من التاريخ.
  5. بغداد مشاهد وذكريات.
  6. دمشق صور من جمالها وعبر من نضالها.
  7. صور من التاريخ.
  8. مقالات وكلمات.
  9. مع الناس.
  10. من حديث النفس.

حياته الشخصية

رزق الشيخ علي الطنطاوي -رحمه الله- بخمس بنات، توفيت إحداهن “بنان” في ألمانيا في عملية اغتيال استهدفت زوجها المعارض الإسلامي “عصام العطار”. وقد تأثر الشيخ لفقدها جدًا لكنه صبر واحتسب. وقد رزق بعدد من الأحفاد اهتموا بتراث جدهم منهم “مجاهد مأمون ديرانية” الباحث الأردني المعروف، وأيضًا “عابدة المؤيد العظم” المفكرة الإسلامية، وكلاهما عني بخدمة تراث جدهما وألَّفا كتبًا عنه.

وفاته

انتقل الشيخ -رحمه الله- للعيش في السعودية منذ عام 1993، وعمل هناك أستاذًا في المعاهد والكليات، وداعية يلقي الخطب والدروس الدعوية ويفتي. واستمر حتى وافته المنية في يوم الجمعة 19 من يونيو عام 1999 في مكة. وبها دفن -رحمه الله- تاركًا وراءه بصمة لا تنسى في تاريخ الأمة الإسلامية المعاصرة فقيهًا وأديبًا وداعيةً.

137

الكاتب

صفي الدين محمد

مهندس برمجيات ليبي، مهتم بالتاريخ والفكر الإسلامي.

التعليقات

  • إسلام منذ شهرين

    مقال ممتاز ماشاء الله ✨

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.