يمثل رمضان، عند الأمة المسلمة مورد للاستزادة من الطاقة الروحية التي تعدها في طريقها لمكافحة الطغيان، بما لهذا الشهر ولشعيرة الصيام من تجليات على الفرد المسلم وعلى المجتمعات المسلمة، وعلى حركة المسلمين في قضية الإسلام في كل مكان على هذه الأرض.

وإذا كنا نعيش في واقع عنوانه الرئيسي هو التدافع، إذ يمكن في مثل هذا الواقع استشعار مشاهد التدافع على كل المستويات، يبدأ بما يبث بين الشباب من أفكار دخيلة لإنتاج الشبهات وإثارة الشهوات وصناعة مفاهيم مشوهة تستبد بأغلالها على العقول التائقة للحرية، وتتواصل إلى تجريم التفكير خارج الأطر المرسومة من أعدائنا، وقد تنتهي إلى تحريك الجيوش لمحاربة الذين يرفعوا راية التحرر، الذين تمردوا على ظلم الظالمين واستكبار الجبابرة المجرمين، والذين رفضوا العبودية بكامل أشكالها.

وفي هذا التدافع يواجه أعداء الاسلام كل ما يمكنه أن يؤدي إلى إفاقة الجماهير من الخدر، أو الى إنعاش القلوب والأرواح، بالتالي يواجهون رمضان وشعيرة الصيام بكل ما أمكنهم من جهد. فما هي القوة الدافعة التي يمثلها رمضان، وكيف تمثل فريضة الصيام وسيلة لإعداد المسلمين؟

فريضة الصيام جعلت آدم يصلح للخلافة

رمضان

لقد خلق الله سبحانه وتعالى عبده آدم لمهمة كبيرة، وهي مهمة الاستخلاف في الأرض (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) وأعده للقيام بهذه المهمة، وكان من الإعداد أن أمره بأول أمر وهو الامتناع عن الأكل من شجرة بعينها وأباح له بقية الشجر، وكان قبل الصيام عن هذه الشجرة مستضاف في الجنة، ثم بعده نزل للقيام بتكاليف المهمة الكبيرة في الأرض (وَقُلنَا اهبِطوا بَعضُكُم لِبَعضٍ عَدُوٌّ وَلَكُم فِي الأَرضِ مُستَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حينٍ).

وبهذا تكمن أهمية عبادة الصيام في إعداد الجنس البشري للقيام بمهمة الخلافة في الأرض، وإقامة دين الله في واقع الحياة، وهي مهمة ستعترضها العقبات، وسيعترض من سيحملونها من ذرية آدم المكائد التي سيكيدها جنود إبليس لحملة دعوة التوحيد، وللعاملين على تحقيق الاستخلاف لدين الله، ما يعني أن البشر من بعد آدم لن يقدروا على القيام بهذه المهمة، لولا عبادة الصوم، وبهذا يبرز شهر رمضان كعدة وزاد للمكلفين بإقامة دين الله على أرضه.

فريضة الصيام نقلة من الاستضعاف إلى التمكين

رمضان

قص علينا القرآن أنباء أمم كانت قبلنا، كنماذج وصور واقعية، واجهتها عقبات وتحديات في تجارب بشرية متشابهة، وفي هذه التجارب مخزون من الخبرة الواقعية الحركية، وجملة من العبر لأمة الإسلام، وأمثلة عن العقبات التي ستواجهها في طريقها نحو الغايات التي كلفها الله تعالى وتعبدها بها، ومن هذه الأنباء نبأ بني إسرائيل من بعد سيدنا موسى عليه السلام، وقد طلبوا من نبي لهم أن يبعث لهم ملك يقاتلوا معه في سبيل الله، (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا ۖ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ).

ثم بعث لهم الله سبحانه مبعوثه طالوت، وبعثه ليخرجهم به من الذل والهوان وسطوة الفراعنة والطغاة، إلى الحرية والكرامة (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا( وأرسل الله معه  علامة ملكه التي تعجز اعتراضات بني اسرائيل واستكبارهم (فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ) فكان هذا الاختبار والامتحان للجنود قبل دخولهم المعارك، بأمرهم بالصيام والامتناع عن الشرب من النهر، ليتمحص به تسليمهم لأمر الله واستعداد قلوبهم للمواجهة وخوض المعركة.

ولكن أكثر الجنود شربوا من النهر وجاوزوا حتى مقدار الغرفة وعصوا أمر طالوت (فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ) إلا قليلًا صبروا على الابتلاء، (فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ، قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ)، والفئة القليلة هي التي صبرت على ابتلاء الصيام عن الشرب من النهر، (وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) (فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ  وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ۚ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ),

فقد كانت عبادة الصوم أول عبادة خوطب بها بنو إسرائيل، عبر مبعوث الله طالوت، وانتقل بني إسرائيل عبر هذه العبادة في الخروج من مرحلة القهر إلى مرحلة التمكين، ومن الاستعباد إلى التحرر. ولهذا يعتبر شهر رمضان والصيام عدة وزاد للمسلمين في طريق انتقالهم من الاستضعاف إلى ارتفاع أرواحهم وتساميهم إلى آفاق العمل للتمكين ولمواجهة فراعنة العصر وجبابرته.

رمضان إعلان التحرر من الهيمنة

رمضان

بعث الله تعالى النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- على فترة من الرسل، ولم تتلقى الأرض إرسال السماء لستة قرون قبل أن يبدأ نزول الوحي على النبي -صلى الله عليه وسلم-، وغاب التوحيد عن الأرض طيلة هذه المدة التي لم ينزل فيها كتاب ولم يرسل فيها نبي، (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ ۖ فَقَدْ جَاءَكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).

ثم بدأ نزول الوحي، ثم بدأ إعلان التوحيد من جديد، وعاش النبي -صلى الله عليه وسلم- والصحابة الكرام ما حصل من استضعاف وإيذاء من المشركين وحلفائهم في مكة، ثم جاءت اللحظة التي سيأذن الله فيها للمسلمين أن يبدأ الاصطراع والمقارعة بين الحق والباطل، وذلك في غزوة بدر والتي كانت أول لقاء حقيقي بين صف المسلمين وصف قريش، وبين الحق والباطل، في معركة ما رؤي الشيطان أخزى وأدحر مما كان فيها، وكتب الله من الكرامة لأهل بدر ما كتبه، وقد كانت معركة بدر بعد فرض الصيام على المسلمين، فصام المسلمون اليوم الأول من رمضان، ثم في اليوم الموالي فجرًا تحركوا لمعركة بدر، وأراد الله أن تكون حركتهم هي الإعلان لامتلاك أمة التوحيد لأمر نفسها، بعد ستة قرون من غياب التوحيد على الأرض.

فكانت عبادة الصيام ودخول رمضان مقدمة الحركة لإقامة الدين، ونقل الأمة، بل البشرية بعد ستة قرون من الخور والضعف إلى أن يقوم الاصطراع بين الحق والباطل، وإعلان لبداية التدافع مع قوى الطغيان، وإعلان لامتلاك الأمة لأمر نفسها وتحررها من هيمنة أعدائها، وتحدي من يقف في طريق تحقيق رسالتها في كل الأرض.

رمضان حركة لحياة القلوب بالتوحيد

إن ما يقدم في رمضان من وجبات إعلامية، وما يشاع من أجواء تحيد بهذا الشهر من معانيه، لهو عمل مركز لاستنزاف الفاعلية التي تكمن وراء هذا الشهر الكريم، خاصة والأمة أحوج ما تكون إلى استعادة التدفق في شرايينها لتتحرك من جديد للغايات الكبرى.

إن رمضان هو المورد الذي على المسلمين أن يردوه للتزود من خلال معاملة القلوب، بالزاد الذي يخفف من عبء العبادة، للارتفاع بالنفوس، ولتجديد الطاقات والعزائم، حتى تتجهز النفوس إلى الحركة في سبيل الحق، ولمدافعة الظلم والطغيان، وللتحرر من الهيمنة.

310

الكاتب

مؤمن سحنون

أرجو أن أكون من الساعين لأن ننال يوما الحرية، الحرية بمعناها الشامل لأمة تعرف رسالتها.

التعليقات

  • Os منذ 7 أشهر

    استنتاجات غريبة…واحكام عجيبة!
    الامتناع عن محرم لا يسمى صياما…فلماذا الخنزير محرم وامتناعنا عنه ليس صياما..وكذلك امتناع ادم عليه السلام عن اكل الشجرة ليس صياما .
    باختصار الكاتب لم يوفق في مقاله.

    رد
  • مؤمن سحنون منذ 7 أشهر

    حياك الله
    الصيام في اللغة هو الامتناع، والله أمرنا بالامتناع في نهار شهر رمضان عن مباحات في سائر الأيام.

    أما المحرمات كأكل لحم الخنزير فأمر الامتناع عنها دائم، الفرق بينهما أن الصيام هو امتناع عن أشياء الأصل فيها الإباحة، ولوقت مخصوص، أما المحرم فالأمر بالامتناع دائم، إلا لرخصة.

    الله سبحانه خصص شجرة بعينها وأمر آدم عليه السلام بالامتناع عن الأكل منها، آدم الذي خلقه الله لغاية الاستخلاف في الأرض، فكان اختبار الامتناع عن الأكل من الشجرة في سياق التأهيل لمهمته القادمة وهي الاستخلاف، هذا محل الشاهد في القصة.

    وهو محل الشاهد في قصة طالوت وبني إسرائيل، اذ أمرهم بالامتناع عن الشرب من النهر، والأصل في الشرب من النهر الإباحة، وجاء الصوم عن الشرب بغرض غربلة الصف الذي سيصبر على الامتناع تسليما لأمر الله وانقيادا، ولتأهيلهم لمواجهة القوم الجبارين.

    وفقنا الله وإياك لما يحبه ويرضاه

    رد
  • زيد منذ 7 أشهر

    مقال جميل ومفيد، وواضح العمق في الاستنتاجات بارك الله بكم.

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.