لم تقع منطقة غرب إفريقيا في مرمى أهداف الاحتلال الأوروبي من فراغ، فقد تميّزت هذه المنطقة بصعود الممالك الإسلامية الزاهرة التي شكلت قفزة من تخلف الوثنية الجاهلية إلى تقدم الحضارة الإسلامية، وانتقلت معها البلاد إلى مستويات مبهرة لقوة العلم والعمل حيث ساعدتها مقوماتها الطبيعية من موقع جغرافي وثروات في الأرض وملوك نجباء وعلاقات سياسية ممتدة على التفوق والاستمرار.

منذ القرون الوسطى إلى غاية القرن الخامس عشر عرفت غرب إفريقيا أوج تألقها قبل أن تنحدر في حقبة مظلمة بغزو جحافل الاحتلال الأوروبي الجشعة تعيث في الأرض فسادًا.

وكانت البرتغال أول من أطلق حملات الاحتلال الأوروبي، تدفعها عداوة شديدة للمسلمين وجشع لنهب الذهب وتأمين طرق التجارة مع الهند. كما كان لغرب إفريقيا بعد تمدد سرطان الاحتلال الفرنسي واقع آخر أشد مرارة لا تزال تداعياته مزمنة إلى اليوم ومع ذلك كله استمرت شعلة الإيمان متوقدة وتضحيات أبناء غرب إفريقيا متواصلة.

غرب إفريقيا بلغة الجغرافيا

دول غرب إفريقيا.

تحد أراضي غرب إفريقيا من الشمال الصحراء الكبرى ومن الشرق الكاميرون وبحيرة تشاد ومن الجنوب خليج غينيا ومن الغرب المحيط الأطلسي.

وتنقسم سياسيًا إلى:

  • الجزء الغربي ويعرف بالسودان الغربي وهو كل البلاد الإفريقية غير العربية التي تقع في الصحراء الكبرى.
  • والمنطقة الساحلية وتعرف بساحل غينيا.

ويتضمن الجزء الغربي الدول الواقعة غرب السودان وهي بوركينا فاسو، الرأس الأخضر، غامبيا، مالي، النيجر، السنغال، موريتانيا. أما المنطقة الساحلية فهي الدول الواقعة على الساحل الغيني وهي بنين، ساحل العاج (كوت ديفوار)، غانا، غينيا (بيساو)، ليبريا، نيجيريا، سيراليون، توغو، غينيا (كوناكري) والجابون.

أما عن سكان غرب إفريقيا فيقطن المنطقة خليط المجموعات السكانية من الزنوج، والحاميون، والفولانيون (وهم العرب والبربر والطوارق وينتشرون في المنطقة الممتدة من السنغال إلى الكاميرون، والسواد الأعظم لهم يتواجد الآن في نيجيريا) والمور [1] (أغلبهم في موريتانيا وبنسبة أقل في السنغال وغامبيا ومالي، وهم مزيج من العرب والبربر).

إضافة إلى جاليات من دول أخرى، أبرزهم العرب اللبنانيون الذين يمتلكون تجارة ونفوذًا في غرب إفريقيا بالموازاة مع الجالية اليهودية، وأغلبها مرتبط بدولة الاحتلال الإسرائيلي.

وتتحدث هذه المجموعات السكانية أكثر من 150 لغة، ومع ذلك فلا تزال لغة دول الاحتلال الأوروبي مسيطرة على الألسن والأكثر شيوعًا. ومن لغات غرب إفريقيا: لغة الهوسا، في نيجيريا والنيجر وبعض مناطق الكاميرون وغانا. واللغة العربية التي تعتبر اللغة الرسمية في موريتانيا وهي الدولة العربية الوحيدة في المنطقة، كما تسود العربية الأوساط الإسلامية في باقي الدول بالخصوص السنغال ومالي والنيجر.

الإسلام في غرب إفريقيا

طرق الإسلام أبواب غرب إفريقيا مبكرًا في عام 46هـ، مع وصول طلائع المسلمين بقيادة عقبة بن نافع إلى إقليم كوار [2] شمال شرق بحيرة تشاد.

ودخل المنطقة بشكل أوضح في القرن الرابع هجري (العاشر ميلادي)، وهو اليوم دين الأكثرية في كل من بوركينا فاسو وغامبيا وغينيا (كونكاري)، ومالي وموريتانيا والنيجر والسنغال وسيراليون وبشكل أقل في بقية دول المنطقة.

ويرجع أول نص إسلامي صحيح عن إفريقيا إلى المؤرخ العربي المسلم ابن عبد الحكم، في كتابه فتوح مصر والمغرب ويعرف أيضًا بفتوح مصر وأخبارها، الذي يعد أقدم وثيقة محفوظة في فتوح مصر وإفريقيا الشمالية والأندلس.

وانتشر الإسلام عن طريق عدة طرق:

عن طريق الفاتحين

كان أبرزهم عقبة بن نافع، الذي ولاَّه عمرو بن العاص رضي الله عنه على شمال إفريقيا، ففتحها وأسس بها مدينة القيروان التي تحولت لقاعدة لفتوحاته ثم توسعت بشكل أفضل حين تولى مرَّة ثانية في عهد يزيد بن معاوية فواصل تقدمه صوب الغرب حتى انتهى إلى المحيط، فنزل بفرسه فيه حتى بلغ الماء نحره، وقال قولته المشهورة: “اللهم إني أشهدك أن لا مجاز، ولو وجدت مجازًا لجزت”.

ثم غيّر وجهته نحو الجنوب فالتقى قبائل صنهاجة، فأسلموا على يديه، ثم استمر جنوبًا في أطراف بلاد السودان، ودخل بلاد غانا، وغينيا، وتكرور، وأسلمت على يديه بعض القبائل الأمازيغية، ويعد أول قائد إسلامي يستشهد في إفريقيا. فخلفه موسى بن نُصَيْر فأسلمت على يده القبائل الأمازيغية وحَسُن إسلامها، وشاركت في فتح إفريقيا والأندلس.

ثم خلفه زُهَيْر بن قيس في عهد عبد الملك بن مروان، وتوسَّع في فتوحاته حتى استُشهد بها، وخلفه عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة، فسار إلى بلاد السوس، وحفر سلسلة من الآبار في الصحراء، ليصل شمال إفريقيا بجنوب الصحراء.

وكان غرب إفريقيا خلال عهد الخلفاء الراشدين وبني أمية في التنظيم الإداري تابعًا لمصر، ثم توالت فتوحات المرابطين في عمق المنطقة، وارتفع ذكر الدول الإسلامية. ويذكر الجغرافي الأندلسي عبد الله البكري، أن بني أمية أرسلوا جيشًا لفتح بلاد السودان فاستقرت ذرية من هذا الجيش في بلاد غانا، واستقر معها الإسلام.

وبعدما دخل المرابطون مملكة غانا الوثنية في القرن الرابع الهجري، أسلم أغلب سكانها يقول القلقشندي في ذلك: “وكان أهلها أسلموا في أول الفتح، وبذلك لم يظهر الإسلام مرة واحدة في إمبراطورية غانا وفي وقت قصير”.

ويمكن القول أن الانتشار الفعلي للإسلام عن طريق الفتوحات جاء عن طريق الحملتين على مملكة غانا الوثنية، الأولى بقيادة الأمويين في صدر الإسلام والثانية في القرن الحادي عشر الميلادي بقيادة المرابطين.

واستمر نشر الدعوة الإسلامية عن طريق الدعاة والتجار والممالك الإسلامية حتى ترسخ الإسلام شجرة عظيمة امتدت ظلالها لقرون في كل اتجاه في تلك الأصقاع.

عن طريق الدعاة والصوفية

نشطت الحركة الدعوية على مذهب الإمام مالك في دعوة الناس للإسلام في غرب إفريقيا حيث توالى الدعاة والعلماء على المنطقة سواء باجتهاد شخصي أو بدعوة من الحكام المسلمين للدول التي كانت تحكم آنذاك، كما ظهرت الصوفية أيضًا والتي أنشأت المساجد والزوايا وفتحت المدارس، وكانت أشهر الطرق الصوفية النشطة في غرب إفريقيا الطريقة القادرية، والتيجانية، والسنوسية.

عن طريق التجار والهجرات

لعب التجار دورًا رئيسيًا في نشر الإسلام في غرب إفريقيا مع حركة القوافل التجارية التي كانت تنقل البضائع من شمال إفريقيا إلى غربها، وقد اختلطوا بسكان المنطقة وتزوَّجوا منهم، بل وأنشئوا قرىً جديدة في طريقهم، وشيّدوا لأنفسهم مراكز تِجارية ومرافئ للمركب والسفن، وبنوا المساجد والمدارس القرآنية فدخل الكثير من الوثنيين للإسلام بفضل تفاني هؤلاء التجار وحسن دعوتهم. كما ساهمت هجرات العرب والبربر إلى هذه المناطق في نشر رسالة الإسلام.

وبتأمل خارطة الحركة الإسلامية باتجاه غرب القارة نجد أن الإسلام وصل للمنطقة من شمال إفريقيا في أغلب الأحيان وذلك من خلال 3 مواقع هي:

  1. الثنية الشمالية لنهر السنغال: حيث وصل الإسلام على يد التجار والبربر والعرب الأوائل والمرابطين.
  2. المنحنى الشمالي لنهر النيجر، حيث يصل النهر إلى أطراف الصحراء عند تمبكتو وغاو، وجني، وهي في بلاد مالي الآن.
  3. منطقة بحيرة تشاد وشمال نيجيريا، حيث وصل الإسلام مع التجار والدعاة إلى مناطق المجاري المائية التي تصب في البحيرة.

ولم تعرف منطقة غرب إفريقيا إلا الإسلام والوثنية قبل الاحتلال الأوروبي، لكن الأخير جلب معه حملات التنصير، التي استغلت ظروف الأفارقة في القرن الخامس عشر والسادس عشر، فتحولت معها النصرانية للديانة الثانية في غرب إفريقيا بعد الدين الإسلامي، حيث تتركز في ليبيريا وسواحل غانا وساحل العاج ونيجيريا وتوغو وبنين إلى اليوم.

كما لا تزال الوثنية متواجدة بشكل كبير في المناطق الداخلية مثل غانا وساحل العاج وليبيريا وبنين وغينيا بيساو. وبعد الإسلام والنصرانية تأتي ديانات بنسب أقل بكثير، كالهندوسية والبوذية والكونفوشية واليهودية، والبهائية.

لماذا انتشر الإسلام بقوة في غرب إفريقيا؟

لقد ترسخ الإسلام في قلوب سكان غرب إفريقيا بشكل لافت، حيث لاقت الدعوة للإسلام قبولًا لم يسبق له مثيل مع جميع الأديان الأخرى، ويرجع ذلك بداية لهمة الدعاة الذين ما أن تسلّحوا بنصاب العلم الذي يسمح لهم بالدعوة حتى انتشروا في البلاد لدعوة الناس، وإلى أن تعاليم الإسلام بسيطة وسهلة يتقبلها كل عقل وتتماشى والفطرة البشرية التي فطر الله الناس عليها، لا فرق فيها بين أبيض وأسود ولا عربي وأعجمي، على عكس الكهنوت الغربي المعقد للغاية والعنصري فتنفر منه الفطرة السليمة، فضلًا عن نظرة الاحتقار والامتهان التي كانت تظهر في ملامح المحتلين الأوروبيين تجاه الأفارقة.

كما أن المسلمين في غرب القارة عاينوا بركات إيمانهم ومعية الله لهم حين استمسكوا بدينه وتفانوا في نشر رسالته، ونشاهد ذلك عندما تحول القتال لدى الأفارقة في الغرب من مفاخر الحياة الصحراوية إلى الجهاد ضد الوثنيين والمحتلين وبعثات التنصير. كما تحولت الدولة الوثنية المضطربة إلى دولة إسلامية متحضرة متميزة راقية تحكمها نظم وإدارات استقرت معها المجتمعات وازدهرت.

مملكة غانا الإسلامية

ألقت دولة المرابطين في شمال إفريقيا بظلالها على غرب إفريقيا، ففي القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) أسست قوة إسلامية متينة امتدت من غرب القارة إلى بلاد المغرب ووصلت إلى الأندلس في جنوب أوروبا.

وكان لهذا الصعود بركاته في نشر الإسلام، حيث وصل دعاة المرابطين إلى غاية السنغال وما يسمى اليوم غينيا (كونكاري)، وساحل العاج والنيجر، ودخلوا إمبراطورية غانا الوثنية في عام 469هـ (1076م)، فاعتنق الرعية الإسلام وظهرت ملامحه بين السكان، إلى أن أسلم حكامها الوثنيين، فأشرقت مملكة غانا الإسلامية وتوقد الحماس في قلوب أبنائها الذين تحولوا إلى دعاة لله ينشرون رسالته في السودان الغربي.

وأشار المؤرخون لانقسام مملكة غانا لقسمين قبل إسلام ملوكها، حيث كان لكل قسم منها عاصمته، أما الأول فعاصمته غانا وهي المقر الرسمي للمملكة، ويقطنها الملك ووزراؤه ورجال الدين، أما الثانية فيقطنها المسلمون وعاصمتهم كومبي صالح وقد بنيت على طراز مدن المغرب.

وتعتبر مملكة غانا أقدم دولة عرفت في غرب إفريقيا، وأول إمبراطورية إسلامية ظهرت في تلك المنطقة في العصور الوسطى. وحكمت مساحة شاسعة امتدت إلى ما هو الآن جنوب شرق موريتانيا وغرب مالي وغرب السنغال وشرق غينيا (كونكاري). وسميت بـ “غانا” نسبة لعاصمتها غانا والتي تحولت بعد القرن الرابع الهجري إلى “كومبي صالح”، وهي الآن مندثرة وتقع في جنوب شرق موريتانيا.

ومعنى كلمة غانا بلغة قبيلة السوننكي[3] هو القيادة العسكرية وبالفعل كانت هذه العاصمة تحتضن مركز القيادة، وقد ذكرها المؤرخون والرحالة المسلمون، كأمثار الفزاري في القرن الثاني هجري، والخوارزمي واليعقوبي وابن الفقيه الهمذاني في القرن الثالث هجري، والرحالة ابن حوقل الذي زار غانا في القرن الخامس هجري، وكذلك المسعودي وغيرهم الكثير.

واختلف المؤرخون في تاريخ بدايتها وقال المؤرخ الإفريقي المسلم عبد الرحمن السعدي في القرن الحادي عشر هجري، أن عدد ملوك غانا، أربعة وأربعون، نصفهم كانوا قبل البعثة المحمدية [4].

وامتلكت مملكة غانا ثروات طبيعية ساعدتها في البقاء والتمدد كالذهب والملح ثم موقعها الإستراتيجي على أهم الطرق التجارية فقد كانت تصلها القوافل من مصر والقيروان وأعالي نهري السنغال والنيجر إضافة لنشاطها الزراعي وإيرادات الضرائب، فانتعش اقتصادها وازدهرت وتوسعت أملاكها وتوزعت على عدة ولايات وإمارات بين أعالي نهري السنغال والنيجر.

ظهور المرابطين وأثره في سقوط غانا الوثنية وولادة غانا الإسلامية

تواجه الملثمون [5] بقيادة قبيلة لمتونة مع ملك غانا الوثنية وجيشه في عام 380هـ (990م) فكانت الهزيمة وتصدعت صفوف المسلمين، ولكن بعد نزاع مرير بين قبائلهم استطاعت قبيلة جدالة بزعامة أميرها يحيى بن إبراهيم أن تتولى قيادة الملثمين.

فعمل القائد يحيى بداية على توحيد أبناء القبائل على الإسلام الذي كانوا لا يعرفون منه إلا الاسم، وساعده في ذلك الفقيه المالكي ابن عمران الفاسي الذي التقاه أثناء رحلته للحج في القيروان، فطلب منه فقيهًا من تلاميذه يصاحبه إلى بلاده ويعلم الناس الإسلام، ووقع الاختيار على الفقيه عبد الله بن ياسين فكان نعم الطلب ونعم الرجل.

وبالفعل أقبل عبد الله بن ياسين متفانيًا لهذا الثغر، واعتبره من قبيل الجهاد في سبيل إعلاء كلمة الإسلام، ولأنه كان ملمًا باللهجات البربرية ومخلصًا في سعيه، تحولت حلقاته ودروسه لقبلة المسلمين من كافة المناطق.

لكن بعض القادة الملثمين انزعجوا من مطالبة عبد الله بن ياسين بتطبيق أحكام الشريعة خشية على أنفسهم أن يحرموا من شهواتهم وملذاتهم، وظهرت هذه الخشية بشكل حملة سخط على عبد الله ويحيى ومن معهم فاضطروا للخروج من المنطقة والاتجاه جنوبًا حيث استقر بهم المقام على ربوة في جزيرة تقع على مصب نهر السنغال. وتحولت هذه المنطقة لمركز رباط للعبادة والجهاد، وكانت منطقة قريبة من ممالك الزنوج الوثنية، وأبرزها مملكة غانا.

واستمر عبد الله بن ياسين في الجمع والإعداد النفسي والعسكري لمدة عشر سنوات حتى أصبح لديه أكثر من 3 آلاف مقاتل ملتزم، فأمرهم بالخروج إلى الجهاد وتطهير المجتمع من الفساد قائلًا: “اخرجوا على بركة الله وأنذروا قومكم، وخوفوهم عقاب الله وأبلغوهم حجته فإن تابوا وأنابوا ورجعوا إلى الحق وأطاعوا فخلوا سبيلهم وإن أبوا وتمادوا في غيهم ولجوا في طغيانهم استعنا بالله تعالى عليهم وجاهدناهم حتى يحكم الله بيننا”[6]، وبذلك دخلت هذه الجماعة التاريخ الإسلامي باسم “المرابطون”.

وتوجه عبد الله بن ياسين نحو الشرق فهاجم مملكة غانا، وفتح مدينة أوداغست عام 448هـ (1056م)، واستبسل المرابطون في فتحها استبسالًا عظيمًا فأسلمت، وانطلقت دعوة الإسلام بعد ذلك بين صفوف الوثنيين، كما قدمت المدينة مركزًا إستراتيجيًا لدعوة المرابطين حيث كانت محط التقاء الطرق التجارية التي تجتاز الصحراء.

ثم تحول تركيز المرابطين بعدها لمهاجمة مناطق قبيلة جدالة في الشمال بعد أن حموا ظهرهم من الوثنيين. وكانت صفوف المرابطين قد استقوت بمن أسلم من هؤلاء الوثنيين.

وكان عبد الله بن ياسين بمثابة إمام المرابطين وشيخهم بينما كان يحيى بن إبراهيم أميرهم وحاكمهم الذي فارق قبيلته وهاجر مع الفقيه ابن ياسين يسيحون في الأرض لإعلاء كلمة الله حتى استشهد في معركة ضد الوثنيين في عام 440هـ (1048م)، فخلفه يحيى بن عمر من قبيلة لمتونة [7]. وفي سنة 448هـ (1056م) قتل الأمير يحيى بن عمر في قتال مع قبيلة جدالة فنصب ابن ياسين شقيقه الشيخ أبي بكر بن عمر اللمتوني خليفة له وأميرًا للمرابطين.

واستشهد عبد الله بن ياسين سنة 450هـ (1058م)، خلال معركة مع قبيلة برغواطة الضالة والتي كانت تسيطر على الطرق المؤدية إلى مدينة طنجة على المحيط الأطلسي في أقصى شمال المغرب.

واستغلت حدث موته بعض الممالك الوثنية للزنوج، فثارت ضد المرابطين لكن سرعان ما عالجها أبو بكر أمير المرابطين، تاركًا قيادة الشمال لابن عمه يوسف بن تاشفين، وبعد أن فرغ أبو بكر من القتال، في الجنوب عاد إلى الشمال سنة 465هـ (1072م) فوجد يوسف قد أصبح أميرًا مهيمنًا على إقليم المغرب، ولما علم بقدوم ابن عمه استقبله بالهدايا الكثيرة، فتجنب أبو بكر التصادم معه لورعه، وترك له حكم المغرب، وحينها اعتبر يوسف بن تاشفين المؤسس الحقيقي لدولة المرابطين في المغرب حيث عبر من هناك لاحقًا إلى الأندلس وهزم الملك ألفونسو السادس ملك قشتالة في معركة الزلاقة الشهيرة عام 479هـ (1086م).

ولو قدر الله واصطدم أمير المرابطين أبو بكر بن عمر مع القائد يوسف بن تاشفين على الملك، لما شهد التاريخ قيام دولة المرابطين ولا انتصار جيشهم في الزلاقة على ملك قشتالة في الأندلس ولما دخل الناس في دين الله أفواجًا وتحولت مملكة غانا لسلطان المسلمين.

لقد كان هم الأميرين القريبين الإسلام ونصرته وانتشاره، لا حب الإمارة والتنازع على الملك فبارك الله في سعيهما فبلغ صيت دولة المرابطين الآفاق.

وفي ذلك درس مهم للعاملين للإسلام بالترفع عن حظوظ النفس والسعي بإخلاص في سبيل الله.

ورجع أبو بكر إلى الجنوب وأخذ ينشر الإسلام بيقين مبهر فدخل الناس في دين الله أفواجًا، وبخاصة في منطقة نهر السنغال، حيث تحول كثير من شعب الفولاني إلى الإسلام عام 469هـ (1076م).

قال عنه الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية: “أبو بكر بن عمر أمير الملثمين كان في أرض غانا، اتفق له من الناموس ما لم يتفق لغيره من الملوك، كان يركب معه إذا سار لقتال عدو خمسمائة ألف مقاتل، كان يعتقد طاعته، وكان مع هذا يقيم الحدود ويحفظ محارم الإسلام، ويحوط الدين ويسير في الناس سيرة شرعية، مع صحة اعتقاده ودينه، وموالاة الدولة العباسية، أصابته نشابة في بعض غزواته في حلقه فقتلته.”

وفي نفس العام 469هـ سقطت مدينة كومبي صالح عاصمة غانا وضمها المرابطون إلى أراضيهم قبل أن يسلم تانكامنين ملك غانا، ثم ما لبث أن تأثر بالإسلام فأسلم وقَبِل بسلطان المرابطين، وفتح إسلام ملك غانا الباب واسعًا لإسلام رعيته وتحولت مملكة غانا من الوثنية للإسلام وأضحت جزءًا من مملكة المرابطين الإسلامية.

وتوفي أبو بكر في عام 480هـ (1087م) بعد مسيرة فاخرة بالعطاء والمسابقة، فتنازع أتباعه بينهم وضعف شأنهم، واستغل ذلك الغانيون فسيطروا على عاصمتهم، وأعلنوا تبعيتهم للخليفة العباسي في بغداد مباشرة. ونلاحظ أن إسلامهم كان صحيحًا إنما اختلفوا على القيادة فقطـ وهو ما يتجلى لاحقًا بالحماسة الشديدة التي أظهرها مسلمو غانا وتفرغ بعضهم للدعوة، حتى انتشر اسم سوننكي كمرادف لكلمة داعية عند القبائل الإفريقية وارتفع العمران الإسلامي والمآذن وانتشرت المساجد ومدارس تعليم القرآن وأصبحت اللغة العربية اللغة الوحيدة للعبادة والثقافة والتجارة.

وسجل التاريخ استقدام ملك غانا الإسلامية المهندسين المعماريين من فاس لبناء معالم مملكته، المعمارية فتميزت من بين ممالك غرب إفريقيا.

لكن كتب الله لكل دولة صعودًا ونزولًا، وكان هذا مصير مملكة غانا، حيث كانت قبائل الصوصو في مقاطعة كانياغا، تدفع الجزية لغانا لأنها لم تدخل الإسلام، ولكنها كانت في نفس الوقت تضمر لها الشر وتجمع لها.

 والتف حول ملك الصوصو الكثير من الوثنيين من مملكة غالام ومملكة ديارا، بين نهري النيجر والسنغال، ليشنوا هجومهم على عاصمة غانا، كومبي صالح، في عام 600هـ، 1203م، فاستولوا عليها ودمروها تدميرًا وهرب الناس من المدينة إلى الصحراء أين أسسوا مركزًا تجاريًا جديدًا في بلدة ولاتة، إلى الشمال الشرقي من كومبي صالح، ومحُي أثر أول مملكة إسلامية في غرب إفريقيا على يد جيرانها الوثنيين في القرن الخامس هجري.

مملكة مالي الإسلامية

من الممالك الإسلامية الزاهرة في غرب إفريقيا مملكة مالي الإسلامية التي تعد من أقوى وأغنى الدول التي ظهرت في غرب القارة الإفريقية قبل الاحتلال الأوروبي.

وبسطت مملكة مالي حكمها من المحيط الأطلسي غربًا إلى أواسط الصحراء الكبرى شرقًا بما في ذلك ما يعرف اليوم بدول مالي والسنغال وغامبيا وشمال بوركينافاسو وغرب النيجر وجنوب موريتانيا وشمال غينيا وغربي وشمالي نهر النيجر ومدن تمبكتو وجني وغاو. زارها العديد من الرحالة والمؤرخين منهم الرحالة المسلم ابن بطوطة بين عامي 753هـ و734 (1352م – 1353م).

وكلمة مالي تعني بلغة أهل البلاد فرس النهر، وهو رمز للقوة والبأس في البر والبحر. وعرفت مالي باسم دولة الماندينغ وأيضًا باسم دولة التُكرور، وفي الواقع فإن تكرور لم تكن سوى إحدى الأقاليم أو المدن التي خضعت لسلطان مالي.

وإضافة لامتلاكها مقومات مملكة غانا الطبيعية تميزت مملكة مالي بخصوبة أراضيها الزراعية، وشكلت نقطة وصل مهمة على الطرق التجارية التي تصل غرب وجنوب إفريقيا بشرق وشمال القارة ثم إلى سائر العالم الإسلامي.

وامتلكت مملكة مالي أيضًا السيطرة على خطوط تجارة الذهب التي ازدهرت على ضفاف نهر النيجر. وتأسست مملكة مالي بحسب الموسوعة البريطانية قبل عام 1000 ق.م. وكان العرق الغالب على سكانها، قبائل الماندينغ. وكما كان الحال مع مملكة غانا فقد كانت مملكة مالي وثنية ثم تحولت للإسلام.

وتقول الروايات التاريخية أن مملكة مالي تعرضت لجفاف شديد في عام 447هـ (1050م). فتأذى أهلها وبحث ملكها عن حلول، فسأل أحد التجار المسلمين النصيحة، فاقترح عليه اعتناق الإسلام وإقامة صلاة الاستسقاء، وبالفعل ما لبث أن أسلم الملك وصلى صلاة الاستسقاء حتى هطلت الأمطار وسقى الله العباد وعادت الحياة للأرض، فرسّخ هذا الأمر الإيمان في قلب ملك مالي وأصبح أكثر تمسكًا به.

ويجدر الإشارة إلى أن مملكة مالي خضعت لمملكة غانا فترة من الزمن لكنها لم تنهار مع حملة قبائل الصوصو الزنجية الوثنية على المملكة بل حمت حدودها واستقلت عن غانا، بقيادة ملكها سوندياتا، ويعرف أيضًا باسم ماري جاطة، وماري تعني أمير وجاطة تعني الأسد.

وكان سوندياتا من قادة الماندينغ ينتسب لأسرة كيتيا وهي آخر أسرة حكمت مملكة مالي أيام خضوعها لمملكة غانا. وجمع سوندياتا قواته وأسس جيشًا قويًا فقاده لقتال قبائل الصوصو، وانتصر عليهم في معركة كيرينا التي تقع إلى الشمال من كانغابا وذلك في عام 633هـ (1235م).

وقتل في المعركة ملك الصوصو وضعفت دولته وفي عام 638هـ (1240م)، توجه سوندياتا نحو كومبي صالح وفتحها من جديد وأسس دولة إسلامية جديدة من قبائل المندينغ لَمَعَ نجمها بين القرنين 5 و7 هجري، وتوزع نفوذها على معظم أراضي مملكة غانا المنهارة كما كان لها الدور البارز في نشر الإسلام غرب القارة.

وبصعود النفوذ المالي في المنطقة دانت جميع الممالك الإفريقية في غرب إفريقيا لها، فشكل ذلك سببًا آخر في توسع مواردها ومدخراتها، واستفادتها من الثروات الطبيعية التي تمتلكها المنطقة كالذهب والزراعة والتجارة والضرائب التي كان يدفعها السكان.

مملكة مالي الإسلامية في عهد سوندياتا (638-653هـ) (1240-1255م)

يعتبر الملك سوندياتا بطلًا قوميًا اقترن اسمه بالحكايات الشعبية لكونه المؤسس الأول لمملكة مالي، حتى بالغت الأساطير في مدحه. وعرفت البلاد تحت حكمه الاستقرار والأمان، كما نقل العاصمة من مدينة جارب إلى نياني وهي تقع شرقًا على نهر ساكاراني، واشتهرت باسم مالي وعليها سميت مملكة مالي.

وازدهرت العاصمة الجديدة بإقبال التجار من كل مكان، وعمد سوندياتا لتقسيم المملكة بشكل مقاطعات يحكمها أقرباؤه وجعل نظام الحكم في المملكة وراثيًا. كما حافظ على تآلف النسيج الاجتماعي عن طريق الزواج والمصاهرة بين مختلف القبائل. وطور في دولته الزراعة وحياكة القطن، واهتم بالحروب وعوامل القوة.

وازدهرت تجارة الذهب في عصره وكانت أثمن وأهم تجارة في البلاد، كما انتعش نشاط العلماء الذين كانوا يجوبون مقاطعات المملكة لنشر العلم والإسلام.

فانعكست هذه الثروات الطبيعية والحركة العلمية تمكينًا وهيبة على مملكة مالي وتحولت لقوة ضاربة في الأرض ومضربًا للأمثال، ولشكر الله على ما أنعم عليه من استقرار وأمن وازدهار خرج سوندياتا لأداء فريضة الحج وبقيت مملكة مالي في هذا العز وتوفي سوندياتا عام 653ه.

مملكة مالي الإسلامية في عهد منسى علي (653-668هـ) (1255-1270م)

ورث ملك سوندياتا ابنه البكر أولين ويدعى علي وهو الذي أدخل لقب “منسى” على ملوك مالي فأصبح مشتهرًا باسم منسى علي.

واستمر على نهج أبيه فتابع الفتوحات وتمكن من السيطرة على مناجم جديدة للذهب زادت من قوة دولته وسلطانها، وازداد الأمن والرخاء في عصره وعلى غرار والده، أقام فريضة الحج في عام 658هـ (1259م)، ومر في طريقه بمصر في عصر سلطان المماليك الظاهر بيبرس.

ويعتبر منسى علي من أعظم حكام مملكة مالي، عرف بالتقوى والصلاح والتفاني في نشر الدعوة، وقد انتشر الإسلام في عصره بشكل واسع. وامتد نفوذ دولته إلى منطقتي بامبوك ووانغرا، اللتان تقعان على نهر السنغال إضافة إلى سيطرته على دولة صنغاي الناشئة. واستمرت المملكة في تألق وانسجام وتوفي منسى علي عام 669هـ (1270م).

مملكة مالي الإسلامية في عهد خلفاء منسى علي (669-710هـ) (1270-1311م)

بعد وفاة منسى علي اضطربت مملكة مالي، وتناوب على حكمها عدد من الملوك الضعفاء، كان أولهم، أخوان لمنسى علي وهما منسى واتي، ثم منسى خليفه، وكان الأخير معتوهًا، يتسلى بإطلاق النبال على العامة، فثار عليه شعبه وقتله.

 تولى الحكم بعد ذلك حفيد سوندياتا أو بكر واستمر حكمه حتى عام 568هـ (1285م) فانتزع الحكم منه ساكورا وهو أحد القادة من العائلة المالكة، واستمر حكم هذا الأخير حتى عام 700هـ (1300م).

وخلال حكمه قام بغزو منطقة التكرور في السنغال، ومنطقة وانقارة ومدينة غاو على نهر النيجر. وازدهرت البلاد في حقبته وعرفت الاستقرار والرخاء فخرج للحج في عام 700هـ، لكنه ما لبث أن قتل في طريق عودته لمملكته.

وبمقتل ساكورا تناوب الحكم ملوك ضعفاء كان آخرهم أبو بكر الثاني الذي خرج في سفينة في المحيط الأطلسي عام 710هـ ليكتشف ما بعده ولكنه لم يعد أبدًا.

مملكة مالي الإسلامية في عصر منسى موسى (711-736هـ) (1312-1337م)

استلم الحكم بعد أبو بكر الثاني منسى موسى، أحد أقارب سوندياتا، وتحولت مملكة مالي على يديه إلى إمبراطورية إسلامية قوية مترامية الأطراف تمتد من غاو في الشرق إلى المحيط الأطلسي في الغرب مرورًا بمدينتي تمبكتو وجني ومنطقة فوتا جالون. وامتدت مملكة مالي خلال عصره شمالًا داخل الصحراء فوضعت يدها على مناجم الملح والنحاس حتى وصلت إلى مدينة ولاتة. ومن جهة الجنوب، التقت حدود مملكة مالي مع حدود نيجيريا وما يسمى اليوم بدولة بنين.

ومن غريب ما عرف عن غرب إفريقيا نسبتهم الولد لأخواله، حيث عرف الملك منسى موسى باسم كانكان موسى أيضًا، فقد كان رائجًا أن يسمى الولد في قبيلة الماندينغ باسم أمه إن كانت من أصل نبيل وهو ما استغربه الرحالة المسلمون. حيث إن الإسلام لم يمحو تمامًا العديد من العادات الوثنية التي كانت تتوارثها القبائل في غرب إفريقيا رغم حماسة أبنائها للإسلام.

ويوصف الملك منسى موسى بأنه من أعظم ملوك مملكة مالي، وكان رجلًا كريمًا صالحًا صفته الورع والعفو. تميّز عصره باعتماده الإسلام نظام حكم في البلاط الملكي بشكل رسمي، فاكتست المملكة الطابع الإسلامي، وأضحت مملكة مالي الإسلامية جزءًا لا يتجزأ من العالم الإسلامي بعد عناية ملكها بمد علاقات الأخوة والمودة مع مصر والمغرب، ويسجل له التاريخ مواقف مروءة ونصرة للمسلمين حيث فتح بلاده بسخاء للفارين من الأندلس.

وازدهرت حركة الدعوة الإسلامية في عهده، وكان من بركاته أن وصل الإسلام إلى أكثر بلاد نيجيريا، ولا شك أن مثل هذا التألق وهذه القوة التي ازدانت بها مملكة مالي في عصر منسى موسى جعلتها مضرب الأمثال في العالم الإسلامي من الأندلس إلى خراسان وظهر اسمها واسم ملكها على الخرائط الأوروبية التي صدرت في القرن الثامن هجري (14م).

وانتشرت خلال عهد موسى اللغة العربية، وارتفعت مآذن المساجد، وانتشرت المدارس الإسلامية والمكتبات، وكان من أشهر صروح العلم في المملكة جامعة سنكوري في تمبتكو حيث اعتنت الجامعة العريقة بإرسال الطلاب لتلقي العلوم في فاس والقاهرة على نفقة المملكة.

وكان الطلبة يرجعون لبلادهم وقد أصبحوا أئمة ومعلمين فيسدون الثغور في المدارس والمساجد في كل من العاصمة نياني ومدن تمبكتو وغاو وجني التي تحولت بفضل الاهتمام بالعلم إلى حواضر ثقافية وحضارية بارزة.

ويوازي هذا التألق في الحياة العلمية والمدنية، اشتداد المعركة مع الوثنيين، حيث لم تزل سيوف المسلمين في مالي مرفوعة مع توالي الحروب التي كان يقودها منسى موسى لنشر الإسلام وبسط نفوذ المملكة الإسلامية، وبذلك ضمن الجهاد حفظ سلطان دولته وقهر أعدائها بل والتمدد أوسع. وأينما بحثت عن سر قوة أي دولة إسلامية عبر التاريخ وجدته في الجهاد في سبيل الله فما ترك قوم هذه الفريضة إلا ذلّوا.

وأينما استتب الأمن والاستقرار ازدهرت التجارة وانتعشت قوافل التجار بمختلف أنواع البضائع والثروات. ووصلت قوافل مملكة مالي الإسلامية بدورها لبقية المناطق في العالم الإسلامي. بل ووصلت شبكات التجارة المزدهرة إلى الجنوب الوثني، مما أدى لتنقل الوفود والسفارات لضمان مصالحهم التجارية مع أكبر قوة في المنطقة. وساعد هذا النفوذ التجار المسلمين في إقامة مستعمرات تجارية لهم داخل مناطق الوثنيين فكان لذلك بركاته في الدعوة للإسلام.

وتناقل المؤرخون خبر رحلة منسى موسى العجيبة كأشهر رحلة للحج في التاريخ وكانت في سنة 743هـ (1342م) حيث لفت بها أنظار العالم الإسلامي لما امتلكه من ثروة طائلة ولما تبرع به من عطاءات وصدقات للمسلمين، فبحسب المؤرخ المملوكي العمري، أخذ مسنى موسى معه في رحلته إلى الحج كميات هائلة من الذهب تقدر بمائة جمل واصطحب معه زوجته وخدمها و60 ألف شخص من رعاياه بمن فيهم الوزراء والقادة والعلماء، وكان يبني مسجدًا في كل يوم جمعة يتوقف فيه في مكان ما.

ويذكر المؤرخون أن منسى موسى خلال مروره على مصر للحج، التقى بالسلطان الناصر محمد بن قلاوون سنة 724هـ – 1324م فاستقبله بحفاوة بالغة وأكرم موسى بدوره المماليك بالهدايا الثمينة.

وعرف موسى نفسه على أنه المدافع الأكبر عن الإسلام وأنه يحارب الكفرة الوثنيين في جنوب بلاده وأن مملكته تعد بقعة صغيرة بيضاء في جسم بقرة سوداء.

ومما يعكس بصيرة منسى موسى خلال رحلته للحج حرصه على نقل 4 أسر من قريش للاستقرار في مملكة مالي، كما اشترى الكثير من الكتب الإسلامية في المذهب المالكي من مصر ليثري مكتبات مملكته.

وكذلك اصطحب الشاعر والمعماري الأندلسي أبو إسحاق إبراهيم الساحلي المعروف باسم الطويجن، حيث أوكل له مهمة تشييد المساجد والمباني الفاخرة، فاكتست مملكة مالي لمسة جمالية معمارية تعتبر الأولى في المنطقة، بإدخال أبو إسحاق فن عمارة جديد قائم على القرميد المحروق والسقوف المنبسطة والمآذن ذات الشكل الهرمي.

وفي الواقع تجلت عبقرية موسى منسي من خلال اصطحابه الفقيه أبي عبد الله الكومي الموحدي في غدامس ليصبح مع المعماري أبو إسحاق كبار مستشاريه وداعميه. فلا عجب أن بلغت مملكة مالي في عصره أوج تألقها وحضارتها المتميزة. وتوفي منسى موسى المحب للعلم واللغة العربية، عام 736ه.

مالي في عهد خلفاء منسى موسى (736-789هـ) (1312-1337م)

ورث حكم مملكة مالي الإسلامية بعد منسى موسى، ابنه مغان الأول الذي كان ولي العهد خلال وجود والده في مكة ودام حكمه حتى عام 740هـ (1341م) ولكنه مع الأسف كان ضعيفًا وعديم الخبرة والحكمة فاشتعلت نيران الخلاف والفرقة وبدأ الضعف يتسلل لأركان المملكة، واشتدت معه الفتن الداخلية واختل ميزان الأمن والرخاء فافتُقد الولاء للملك.

وتزامن مع هذا الضعف الداخلي والتصدع، استغلال القبائل الوثنية للوضع وشنها هجمات قوية شكلت خطرًا حقيقيًا على مملكة مالي، وعاثت القبائل الوثنية في الأرض فسادًا ووصلت تمبكتو فأحرقتها وأبادت حاميتها. ثم تسلم الحكم في هذا الاضطراب والضعف، سليمان وهو أخ لمنسى موسى وعم لمغان الأول وذلك في عام 740هـ واستمر ملكًا لمالي حتى عام 759هـ.

وتمكن سليمان بفضل صلاحه وتقواه وتفقهه في الدين من استقطاب عدد من أئمة المالكية لمملكته واهتم ببناء المساجد والمدارس كما تمكن من استرجاع معظم المناطق التي خرجت عن سيطرته ما عدا مدينة غاو، وأدى الحج في عام 572هـ (1352م) وجمعته علاقات ودية طيبة مع ملوك المغرب.

ثم بعد وفاة سلميان ورثه ابنه سقا لكنه ما لبث أن توفي في معركة مع ابن مغان الأول ويدعى ماري جاطة الثاني، في عام 580هـ، واستولى هذا الأخير على الحكم وبقي فيه حتى توفي في عام 593 – 594هـ.

وكما هي سنة الله في الأرض لا يدوم ملك لأحد، فبعد وفاة ماري جاطة الثاني انتقل الحكم لابنه موسى الثاني وبالرغم من أنه أظهر سيرة أفضل من أبيه إلا أنه ابتلي بوزير مستبد، اسمه ماري دياتا، فحجر عليه وأعلن الحرب على دولة صنغاي التي كانت قد احتلت أجزاء واسعة من مالي وتميز عهده بهجوم الطوارق على مملكته.

توفي موسى الثاني في عام 607هـ (1387م)، وخلفه أخوه مغان الثاني وقد انشغل في حكمه بالحروب الأهلية على العرش حتى قتل على إثرها في عام 608هـ. واستلم الحكم من بعده صندكي، وهو زوج أم مغان الثاني، وتميزت فترة حكمه بحدوث فتن كثيرة فصعد خلالها أحد أحفاد سوندياتا، واسمه محمود وعرف بمغان الثالث، في عام 610هـ.

وتسبب هذا التناقل السريع للسلطة في ظرف قصير في ضعف مفاصل المملكة وتدهورها.

وكان أبرز سبب لانهيار الدولة انهيار جيشها، فتعرضت بسبب ذلك مملكة مالي إلى الهجمات وتفككت وتمزق شملها بإعلان الإمارات والأقاليم الاستقلال عنها.

ومما سجل من هجمات في هذه الحقبة، هجمات الطوارق المتلاحقة التي مكنتهم من الاستيلاء على مدينتي تومبكتو وولاتة، ونهبهم وسيطرتهم على معظم مناطق مالي الشمالية.

إضافة إلى هجمات الفولانيين والتكارنة، في الجنوب الغربي والتي مكنتهم من السيطرة على أجزاء منها. وهجمات القبائل الوثنية في الجنوب التي دمرت ونهبت أجزاء من المملكة. وهجمات دولة صنغاي في الشرق التي بدأت بالصعود على بقايا مملكة مالي.

مملكة مالي الإسلامية في القرن 9هـ حتى 14هـ (15-20م)

في الوقت الذي كانت تنحدر فيه مملكة مالي نحو الهاوية كانت دولة صنغاي الإسلامية تعيش مرحلة الصعود حيث امتدت على ضفتي نهر النيجر منذ القرن السادس هجري. واستقلت صنغاي عن مملكة مالي في القرن التاسع هجري، فانكمشت الأخيرة بشكل تدريجي في إقليم كانغابا وهو نفس الإقليم الذي كانت عليه مملكة مالي حينما كانت مملكة غانا في أوج قوتها.

وخاف ملك مملكة مالي من خطر صنغاي فاستنجد بالعثمانيين وطلب حمايتهم في عام 886هـ (1481م)، ولم يظهر تجاوب من العثمانيين مع طلبه، ومما زاد الطين بلة استغاثته بالبرتغاليين الذين كانوا في بداية زحفهم إلى السواحل الغربية للقارة الإفريقية من خلال إقامة مراكز لتجارة العبيد هناك.

وبحسب المصادر التاريخية البرتغالية فإن علاقة مملكة مالي مع البرتغال تشكلت منذ القرن 9 و10 هجري من خلال العلاقات التجارية بين ملوك مالي وملوك البرتغال الذين كانت مالي في مرمى أهداف أطماعهم.

ومما يجدر تسجيله في هذا المقام أن البرتغال مهدت لاحتلال المنطقة من خلال توطيد العلاقات مع ملك مالي وتبادل الهدايا والثناءات، ثم من خلال إرسال سفيرين إلى نياني عاصمة مالي، بينما لعب السفيران دور الجاسوس المستخفي بهيئة المستكشف، فدونا جميع المعلومات التي شكلت كنزًا إستراتيجيًا بالنسبة للبرتغاليين لاحقًا عند غزوهم البلاد.

وسجل أول توغل للبرتغال بمعية السلطان المالي محمود الثاني عام 938هـ (1533م)، حيث استجابوا لطلبه المساعدة ولكن ليس لقتال دولة صنغاي بل للتصدي لهجوم قبائل الموسي الوثنية، وضد أحد زعماء الفولانيين، الذي سيطر على منطقة فوتا جالون واستقل بحكمه وحارب محمود الثاني، وكان نتيجة هذا التخطيط اللامسؤول دخول البرتغاليين غامبيا وإجلاء الفولانيين التكارنة عن نهر فالم.

واستغل منسى مالي هذه الظروف وأعلن الثورة على مملكة صنغاي لكنها باءت بالفشل، حيث أجهضتها وتوسعت على حساب الأراضي المالية.

وإلى غاية النصف الثاني من القرن العاشر هجري، فشل سلطان مالي محمود الثالث في استرجاع تمبكتو من صنغاي، ولكنه تمكن من استرجاع بعض المناطق مكنته من الحصول على موطأ قدم على المحيط الأطلسي وطد فيه خطوط تجارته مع البرتغاليين.

واستمرت هذه المرحلة في الصراعات والاقتتال على الأراضي والنفوذ بين لاعبين شتى في المشهد المالي، وكان فيها انتصار مملكة سيغو الواقعة في أواسط حوض نهر النيجر والتي تتألف من قبائل البامبارا الوثنية على مملكة مالي بعد هجومها على العاصمة كانغابا في عام 1108هـ (1696م) وانتهى الأمر بدفع مالي الجزية للوثنين.

واستمر تسلط القبائل الوثنية واعتداءاتهم على مملكة مالي حتى دبّ الخلاف والضعف في مملكة سيغو بسبب التنافس القبلي، فانتهز سلاطين مالي الفرصة وأعادوا بناء عاصمتهم واستقروا فيها قرابة قرن ونصف عرفوا خلالها الهدوء نسبيًا حتى فاجأهم الاحتلال الفرنسي الذي احتل كانغابا عام 1311هـ (1893م)، ونقل العاصمة إلى بامكو وبدأت مرحلة طويلة للمقاومة والجهاد ضد المحتل التي انتهت بالاستقلال في عام 1380هـ (1960م).

ومع انهيار مملكة مالي يجب الإشارة إلى جهودها الكبيرة في نشر الإسلام لاهتمامها بالعلم والدعوة والجهاد، حتى وصلت بركات جهودها بين قبائل الهوسا التي كانت تسكن شمال نيجيريا. ولكن لكل بداية دولة نهاية.

مملكة صنغاي الإسلامية

كما قامت مملكة مالي على أنقاض مملكة غانا، كذلك قامت مملكة صنغاي على أنقاض مملكة مالي، وشهدت هذه المملكة مرحلة صعود مبهر قادها للعز والسؤدد، بفضل جهود شعب صنغاي الذي اعتنى بنشر الإسلام في المنطقة.

وتعد مملكة صنغاي من أطول الدول بقاء قبل الاحتلال الأوروبي، وقد بسطت نفوذها شمالًا على ما يسمى اليوم بنين وبوركينا فاسو وغرب النيجر، وامتدت في الشرق إلى أطراف غامبيا والسنغال وكانت عاصمتها مدينة غاو التي تقع على نهر النيجر.

وعلى غرار مملكتي غانا ومالي، ظهرت مملكة صنغاي في القرون الميلادية الأولى، وعاصرت كلا المملكتين الإسلاميتين الكبيرتين، ولكن غانا ومالي اندثرتا وبقيت صنغاي حتى عام 1003هـ (1594م).

وقد طرق الإسلام قلوب أبناء شعب صنغاي تمامًا كما طرق قلوب شعبي غانا ومالي وغيرهما من شعوب السودان الغربي، وأخذ الإسلام في الرسوخ والانتشار، وساعدها في ذلك العلاقات التجارية القوية مع التجار المسلمين القادمين من الشمال والشمال الشرقي الذين كانوا يفدون إلى عاصمة صنغاي، كوكو، وما حولها من المدن والبلدان.

وسجل التاريخ استقرار عدد من الأسر المسلمة التي عملت في التجارة، وكذلك العلماء والدعاة فاختلطوا بسكان المنطقة وتوطدت العلاقات بينهم بالزواج والمصاهرة.

وبفضل تفاني التجار المسلمين المخلصين لدينهم تسرب ذلك الحب الشديد للإسلام إلى شعب صنغاي قبل حكامهم، وما أن أسلم الحكام حتى انعكست أنوار الحضارة الإسلامية رقيًا وازدهارًا في المملكة الإسلامية الجديدة. وازدادت قوةً وتألقًا.

وكان أول اعتناق للإسلام من حكام صنغاي في عام 756هـ (1009م) عندما أعلن ملكها زاكوس عن إسلامه ونقل عاصمة البلاد من كوكو، إلى مدينة غاو، للاستفادة من موقعها الإستراتيجي في وسط المملكة، ولقربها من طرق القوافل الرئيسية التي تصل المغرب ببلاد السودان الغربي.

فاستفادت صنغاي من قوافل التجار والدعاة والعلماء الذين نذروا حياتهم وأنفسهم لنشر دين الإسلام وخدمته فخرج معهم في رحلاتهم طلاب العلم من غرب إفريقيا إلى غاية الأزهر والقيروان وفاس ومراكش. وكان في كل هذا الفضل يد للمرابطين الذين كانوا من أوائل الدعاة للإسلام في المنطقة.

ولا شك أن بداية صعود صنغاي ولّد احتكاكات مع مملكة مالي آنذاك، وللأسف كان الخلاف بينهم أكثر منه مع الوثنيين ولكن صراع النفوذ بين صنغاي الفتية ومالي المتمكنة انتهى بانتصار الأخيرة التي هيمنت إلى أجل مسمى.

وكان أول سلطان لمملكة صنغاي علي كولن الذي تسمى بـ “سني علي”، ولكن توفي سريعًا لكبر سنه فورث ملكه أخوه سلمان نار، وأعلن الاستقلال عن مالي التي ما لبثت أن عادت لهيمنتها.

واستقلت صنغاي تمامًا عن مالي في عصر ملكها محمد دوغو الذي شن في عام 823هـ (1420م)، حملة ضد مالي كانت سببًا في تثبيت دعائم دولة صنغاي.

مملكة صنغاي الإسلامية في عهد سني علي (869-897هـ) (1464-1492م)

توفي ملك صنغاي محمد دوغو في عام 869هـ، فخلفه ابنه سني علي الذي يُعد المؤسس الحقيقي لمملكة صنغاي، فسيطر على تمبكتو في عام 873هـ وطرد منها الطوارق الذين كانوا قد استولوا عليها من يد الماليين في عام 838هـ، وارتفع شأن مملكة سني علي فأخضعت منطقة النيجر برمتها ومدينة جني عام 878هـ – 880م.

وعرف سني علي بعدم حماسته للإسلام رغم كونه مسلمًا، فلم يكن يكترث لشعائر الإسلام وحين انتقده العلماء والشيوخ واتهموه بضعف الإيمان وعارضوه فتآمر عليهم وتخلص من عدد كبير منهم بالقتل، فجلب لنفسه كراهية وبغض أهل العلم.

وكان في الجانب العسكري محاربًا قويًا، تمكن من صد هجمات أشد أعدائه، ولكن ضعفه العقدي في قيادة الدولة عوضه وزيره المسلم عظيم الشأن محمد أبو بكر ويعرف باسم محمد الطوري من قبيلة السوننكي، وكان قوي الإيمان واسع الثقافة وحكيم العقل. اشتهر بعدله وإنصافه وشفقته فكسب سلطة واسعة ونفوذًا في الدولة التي كان يدير شؤونها بدراية وذكاء.

وتوفي سني علي أثناء عودته من أحد غزواته في عام 897هـ حيث قطع طريقه سيل جارف فقضى فيه نحبه.

مملكة صنغاي بعد وفاة سني علي

تسلم ابن سني علي، واسمه أبو بكر الحكم لكن قادة والده ثاروا عليهم ولم يجد من يسانده من العلماء بسبب ما كان من الجفاء، فوجد وزير والده محمد أبو بكر الوقت مناسبًا لاستلام قيادة البلاد، وبالفعل تسلم حكم صنغاي رغم محاولات بعض القادة منعه وأصبح ملك المملكة الإسلامية الصاعدة في عام 898هـ، وأصبح معه لقب الحكام في صنغاي هو “أسكيا” وتعني “لا يكون إياه” أو “غضب وقاهر”.

مملكة صنغاي الإسلامية في عهد أسكيا محمد أبو بكر

بلغت مملكة صنغاي الإسلامية أوج قوتها في عصر أسكيا محمد، الذي نظم الإدارة وجهز الجيش بشكل مبهر وبسط نفوذ دولته على أراضي جديدة في الشمال وعلى سواحل المحيط الأطلسي وبلغ حكمه إلى قبائل الفولاني وحوض السنغال في الغرب، ومنطقتي أغداس ودندي، وحدود إمارات الهوسا في الشرق. فكانت مرحلة الازدهار والتوسع، واجتذبت هذه التطورات العلماء، وقويت شوكة أسكيا محمد بهم حتى بلغت مملكته من بلاد الموسي الوثنية على حوض النيجر حتى عمق الصحراء الجزائرية شمالًا وانتشرت مع هذا الصعود الدعوة للإسلام كما ازدهرت الزراعة وقَوِي الاقتصاد.

وبعد إقامته لفريضة الحج، عاد أسكيا محمد للجهاد ضد قبائل الموسي الوثنية الزنجية، وحاربهم بعد أن رفضوا الجزية وانتصر عليهم لتتوسع مملكته إلى سواحل المحيط في الغرب وإلى الصحراء في الشمال وإلى بحيرة تشاد في الشرق بعد أن ضم إمارات الهوسا لسلطانه.

ويجدر الإشارة للتفكير المسبق في أسباب صناعة القوة الذي تميز به أسكيا محمد، فقد أسر ملك صنغاي الكثير من الأطفال الوثنيين في الحروب، فعلمهم وهداهم للإسلام ثم دربهم ليصبحوا جنودًا أوفياء له في جيشه فكان قرارًا ذكيًا ومشروعًا ناجحًا.

مملكة صنغاي الإسلامية بعد أسكيا محمد

استمر أسكيا في قيادة بلاده للرخاء والاستقرار حتى تقدم في السن وضعف جسمه وفقد بصره فانقلب عليهم أولاده في عام 935هـ (1528م) لإجباره على التنازل عن الحكم لابنه موسى، ومنذ ظهور التنازع على الملك إلى عام 998هـ (1591م) سقطت الدولة في مستنقع الضعف والتمزق، وتصدعت أركانها واعتلى كرسي الحكم ملوك جهلة جشعون فاجرون، أمعنوا في قتل بعضهم بعضًا ومضوا في الدنيا خلف شهواتهم ورغباتهم الأنانية.

وتزامن هذا الضعف بمحاولة مملكة مالي الاستعانة بالبرتغال في عام 942هـ (1534م) للتخلص من سلطان صنغاي والثورة عليها إلا أنها فشلت بقمع ملك صنغاي لها آنذاك محمد بنكة.

سقوط مملكة صنغاي الإسلامية

أطمعت حالة الضعف التي تعيشها مملكة صنغاي الأعداء في الاستيلاء عليها ولكنها فتحت شهية لاعب جديد في المشهد لم يكن في الحسبان، فقد تحول تركيز سلطان المغرب آنذاك منصور السعدي، للاستيلاء على مناجم الملح والذهب في منطقتي تغازي ووانقارا تحت يد صنغاي، كما كان يروم الاستيلاء على العبيد الوثنيين لنشاط تجارة العبيد في ذلك الزمان، إضافة لدوافع سياسية، كان أبرزها أن هذه الحرب شكلت فرصة للسلطان السعدي لإبعاد قادته العسكريين عن دائرة البلاط وشغلهم عن مشاريعهم في شن حروب لم يكن مقتنعًا بها، ولذلك أرسل حملة تضمن من 3 إلى 4 آلاف جندي مقاتل من غير المغاربة يقودهم ضابط اسمه جودور باشا، وهو إسباني الأصل، حيث تواجه مع جيش صنغاي البدائي في عام 998هـ (1591م)، في معركة تعرف باسم معركة تنديبي، شمال غاو، وكانت صنغاي حينها تحت حكم أسكيا إسحاق الثاني.

وجمع ملك صنغاي من 30 إلى 40 ألف مقاتل بالسيوف والحراب والرماح والسهام، ليتفاجأوا بجيش المغاربة مدججًا بأسلحة نارية لم يسبق لهم أن رأوها أو تعاملوا معها والتي عوضت ضعف الجيش بعد خسائره في رحلته الطويلة والشاقة تحت الحر قبل الوصول من المغرب إلى غرب القارة الإفريقية جنوبًا.

وبمجرد إطلاق النار، فزعت الدواب التي كانت في معسكر جيش صنغاي وأحدثت الفوضى فقتل عدد كبير من الجنود. وتمكن الجيش المغربي من الاستيلاء على تمبكتو، بعد تسطيرهم مجزرة دموية بحق شعب صنغاي حوصر خلالها العلماء في المساجد وسيق من تبقى من الأسرى إلى غاية مراكش. وكان من بينهم المؤرخ أحمد بابا.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك فقد فرضت المغرب ضرائب طائلة على السكان وتسببت درجة الصدمة والقوة التي جاء بها المغاربة من دخول الجيش المغربي لمدينة غاو عاصمة صنغاي دون أن يكلفهم ذلك طلقة واحدة.

وسارع ملك المغرب لتغيير القائد قبل أن يتأثر بدعوات من حوله حيث بدأ يميل لتخفيف الضغط على شعب صنغاي، وهكذا فرضت الجزية على هذه المملكة الإسلامية على يد مملكة إسلامية أخرى!

وقتل ملك صنغاي إسحاق في موقعة بامبا فخلفه أسكيا نوح الذي عمل على إذكاء روح المقاومة الشعبية، وبدأت حرب مقاومة شرسة استطاعت خلال 4 سنوات أن تكبد الجيش المغربي الكثير من الخسائر، لكن الحملات المغربة توالت لكسرها مما اضطر إسكيا نوح إلى الهرب وانتهت مقاومته في عام 1004هـ (1595م) وبوفاته انتهت دولة صنغاي.

مصير الجيش المغربي

استمرت المغرب في إرسال الحملات العسكرية إلى السودان الغربي حتى بعد سقوط صنغاي، حيث تشير بعض التقارير إلى وصول 23 ألف جندي بين عامي 999هـ و1027هـ (1590 و1618م).

وكانت سياسة الجيش إما دفع الجزية أو تدمير المدن، وكذلك كان حال مدينة جني، التي فرض المغاربة على سكانها إتاوات ضخمة، فدمرت مدينتهم لرفضهم لها.

ومع ذلك لم يتمكن الجيش المغربي من السيطرة على كامل مساحة مملكة صنغاي واكتفى بالسيطرة على المدن الرئيسية، غاو وتمبكتو وجني، فانفلتت البلاد واشتدت المعارك، وآل الحكم لرجال القبائل، وانتشر الظلم ومعه المجاعة والطاعون في تمبكتو، فقضى نصف السكان نحبهم في هذه النازلة. وتلاشى إرث حضاري مهيب.

وبالنظر لحجم الخسائر التي تكبدها المغاربة وقلة الفوائد التي جنوها من هذه الحملات أوقفوا تمامًا إرسال الجنود لمملكة صنغاي، وقطعوا إمدادات المؤمن والمساعدات لقواتهم في المنطقة، فتركوها تواجه مصيرها.

ويشار إلى أن بين القوات المغربية ظهرت طبقة من الجنود تعرف باسم آرما، وهي تدين بالتبعية لسلطان مراكش، وبفضل سماح هؤلاء الباشوات لأبناء السودان الغربي بالانخراط في مناصب كبيرة وبفضل علاقات الزواج والمصاهرة مع أهل المنطقة، في وقت انشغل فيه الباشوات في جمع المال ومطاردة الإتاوات، انحسر نفوذهم تدريجيًا.

وفي عام 1021ه‍ (1612م) استقل الباشوات عن سلطان المغرب واستفردوا بتامبكتو ومع الوقت امتزج المغاربة مع السكان الأصليين وذابوا بينهم وعاشوا معًا حتى عام 1169هـ (1760م) حيث استرد الطوارق المدينة وأزالوا عنها سلطة مراكش.

وانقلب الزمان وتحول الباشوات لدفع الإتاوات للحكام الوثنيين من ملوك البامبارا جنوب كانغابا في حوض نهر النيجر، واستمر الحال على ما هو عليه حتى دخلت جحافل الفرنسيين في القرن 13 هجري (19ميلادي) وبسطوا نفوذهم على كل المنطقة وألقوا عليها اسم “إفريقيا الاستوائية الفرنسية”.

وقفة مع قبائل الفولاني

ومما يجدر تسجيله هو أن سقوط مملكة صنغاي، تسبب في حالة من الفوضى في السودان الغربي استمرت حوالي قرنين من الزمن، وتشتت شمل المسلمين بسبب الاضطهاد الذي ضيق عليهم معيشتهم، وفي هذه الأثناء برز الدور الحاسم لقبائل الفولاني، والتي أسملت منذ القرن 5 هجري، وكانت تعيش بشكل مجموعات منتشرة في المنطقة التي تصل تشاد مع السنغال مرورًا بشمال نيجيريا.

وبدأت نهضة الفولانيين في قلب الضعف بثورتهم الكبرى مع بداية القرن 13 هجري، بقيادة الفقيه الشيخ عثمان دان فودي، حيث انطلقت شرارة الثورة بعد اصطدام عثمان مع حاكم إمارة غوبر الوثنية من إمارات الهوسا شمال نيجيريا انتفاضًا لممارساتها القبيحة في اضطهاد المسلمين وبالفعل فتحها وأمن المسلمون وقاد الحركة الإصلاحية الفولانية لتعليم الناس دينهم الصحيح ونشر الإسلام. كما وضع نظامًا إداريًّا إسلاميًا متقدمًا ووحَّد البلاد تحت راية واحدة، وجعل اللغة العربية لغة الدولة الرسمية، واستمرَّت دولته حوالي مئة سنة حتى دخول الاحتلال البريطاني إلى تلك المنطقة، فأعلن الجهاد على المحتلين فكان من قادته في غرب إفريقيا.

ممالك إسلامية أخرى في غرب إفريقيا

يدفعنا عرض تاريخ الإسلام والممالك الإسلامية في غرب إفريقيا للحديث عن مملكة كانم وبرنو، وهي إمبراطورية السودان الأوسط، حيث لعبت دورًا عظيمًا وفعالًا في تاريخ كل من وسط وغرب إفريقيا. وساهمت بشكل مباشر في الرقي الحضاري في المنطقة مع بقية السلطنات الإسلامية في جنوب الصحراء الكبرى.

مملكة كانم وبرنو الإسلامية

حدود مملكة كانم في أقصى امتداد لها.

استقرت مملكة كانم وبرنو قبل الإسلام في الشمال الشرقي من بحيرة تشاد بين بحر الغزال وبحيرة تشاد في السودان الأوسط وهي الآن دولة تشاد، وبعد الإسلام توسعت لتشمل مناطق جنوب غربي بحيرة تشاد أي ما يعرف بمنطقة برنو، وأراضي واسعة في منطقة السودان الأوسط والسودان الغربي.

وخولها هذا الامتداد نحو الغرب الدخول في قائمة الممالك الإسلامية في غرب إفريقيا. وهي أكبر دولة نشأت في منطقة المراعي بين نهري النيل والنيجر.

وكانت مصادر ثرائها من موقعها الاستراتيجي الذي مكنها من السيطرة على الطرق التجارية والقوافل المتجهة شمالًا إلى فزان في ليبيا ومن ثم إلى البحر الأبيض المتوسط وشرقًا إلى حوض نهر النيل. وأيضًا بفضل ازدهار قطاعها الزراعي في وقت كانت تفتقد فيه مناجم الملح والذهب على عكس ما كانت تتمتع به ممالك غانا ومالي وصنغاي.

وأسلمت مملكة كانم بدخول الأسرة الحاكمة للإسلام في القرن 5 هـ. ويقال أن إسلامهم جاء على يد شخص ينحدر من أصل أموي يدعى الهادي العثماني، حيث هاجرت أسر أموية فارة من بطش العباسيين حتى وصلت إلى المملكة.

وارتفع شأن مملكة كانم بعد الإسلام فانتظم حكمها وإدارتها وامتد سلطانها إلى غاية حدود مصر وبلاد النوبة شرقًا، واستعان أهل كانم بحكام تونس الحفصيين، وفتحوا الصحراء كلها في نهاية القرن السادس هجري. واعتنى الكانميون بالعلم والدعوة وإنشاء المساجد والمدارس وكانوا على مذهب الإمام مالك.

وكان أول ملك مسلم لكانم حسب المقريزي هو محمد بن جبل بن عبد الله بن عثمان بن حمد دوناما أوميمي بن هومه، واتخذت الأسرة المالكة لنفسها لقبًا “السيفية” نسبة إلى سيف بن ذي يزن العربي اليمني، ويقر ذلك أحد ملوكها وهو عثمان بن إدريس في خطاب أرسله للسلطان برقوق، في مصر، بينما ينفي ارتباطهم به آخرون.

وتوالى الملوك على حكم المملكة الإسلامية، منهم الضعيف والقوي، كان منهم حفيد هومة، بري الأول 544هـ – 570هـ (1150- 1176م) والذي اضطرت أمه لحبسه بسبب ضعفه أمام اللصوص وعدم إقامته حد السرقة عليهم كما تنص الشريعة الإسلامية.

وكان منهم خلف عبد الجليل وكان ميالًا للمشاحنات فاشتهرت فترته بالحروب والمنازعات، ولكنه حافظ على حلفه مع الحفصيين في تونس ودعموه، وقد أرسل زرافة هدية لأحد للمستنصر الحفصي، ونشر الإسلام وحارب الوثنية، وطارد معتقداتها التي كانت لا تزال تعيش بين المسلمين، وامتد حكمه قويًا وشابه حكم أسكيا محمد حاكم صنغاي، حيث عرفت مملكته علوًا وعزًا في أيامه ولذلك بعد وفاته دخلت المملكة في الضعف والتنازع والانقسام.

وأدت هجمات قبائل البولالا، بين عامي 789-792هـ (1387-1400م) إلى قتل خمسة من ملوك كانم واحتلال العاصمة، فنزح الملك عمر بن إدريس، الملك آنذاك، إلى غربي بحيرة تشاد حيث أقام في بلاد برنو، فأفل نجم مملكة كانم في نهاية القرن العاشر ميلادي وبدأ نجم مملكة برنو بالبزوغ.

ويعتبر علي غازي بن دوناما (868-895هـ، 1476-1503م) المؤسس الحقيقي للدولة الجديدة في برنو، وذلك لقدراته الكبيرة في تنظيم الدولة والقضاء على الفتن الداخلية والتوسع، وفي عصره شيد عاصمة جديدة، على نهر يو، وسماها نغازاغامو، ووصل نفوذه إلى بعض دول الهوسا، التي تقع الآن في شمال غربي نيجيريا وأخذ منها الجزية.

وفي عصر إدريس علومه الذي حكم، من عام 962هـ إلى 994هـ (1570-1602م) وكان قد اعتلى العرش صغيرًا وتولت أمه أثناءها الوصاية عليه، وعرفت الأسرة السيفية قمة المجد خلال عهده، وذكره المؤرخ أحمد بن فرتوا ووصف نجاحه الباهر وفتوحاته الرائعة، وقال أنه كان عادلًا وحكيمًا وذهب للحج. واشترى في طرقه الأسلحة النارية الجديدة من الأتراك العثمانيين. كما استخدم العرب في جيشه وهزم الطوارق، لكنه لم يتمكن من الاستيلاء على مدينتهم وكذلك لم يتمكن من البربر.

وقال أحمد بن فرتوا، أن إدريس علومة كان ملكًا شهمًا أنجد أبناء عمومته شعب صنغاي وهم في محنتهم أثناء دفاعهم عن بلادهم ضد الغزو المغربي. ووحد جميع القبائل التي تسكن في مملكته محققًا بذلك نصرًا سياسيًا انعكست بركاته في قوة دولته.

وقد بذل جهده ليجعل الإسلام دين هذه الدولة وينشره في جميع ربوعها، وبعد وفاته ورث الملك أبناؤه الثلاثة لكنهم لم يكونوا أصحاب شأن مثله، وضعفت الدولة في أيديهم حتى تسلم الحكم علي بن عمر، وكان كجده إدريس علومه في الكفاءة والبطولة فأعاد للملكة مكانتها وهيبتها، وقاتل الطوارق بشدة وطردهم إلى الصحراء.

وأدى علي الحج 3 مرات، واستمر حكمه 40 عامًا (1037هـ-1077هـ، 1645م -1685م) وخلفه إدريس بن علي ودونمة بن علي وحمدون بن دونمة وعُرف الأخير بشغف القراءة، والمطالعة ومات عام 1130هـ (1738م). وفي عصر دومة بن حمدون ضعفت المملكة، ونالت منها المجاعة ومع حسن اهتمامه بالعلم والعلماء إلا أنه أرخى قبضته الأمنية فاشتد قطاع الطرق وقبائل البولالا.

في بداية القرن التاسع عشر الميلادي لمع نجم عثمان دان فديو، زعيم قبائل الفولاني، في أقاليم الهوسا إلى الغرب من برنو، ووسع سلطانه، فحرر جمع الأقاليم التي كانت خاضعة لحكم برنو وتدفع الجزية لها. وفي عام 1200ه (1808م) هاجم عثمان، برنو وهزمها وفر جيشها منها فامتد نفوذه إلى مملكة برنو.

ظهور محمد الكانمي واستلامه الحكم

على خلفية هذه المعطيات ظهر شيخ من كانم وأصله عربي يدعى محمد الأمين وعرف بالكانمي، وكان عالمـًا واسع المعرفة في العلوم العقلية والنقلية، وحثّ الناس على التمسك بالإسلام وقيمه وأسس فرقة للمقاومة، وهاجم قوات عثمان الفولاني، وتمكن بذلك من أن يعيد الاعتبار لمملكة برنو وملكها الهارب إلا أن الكلمة الأخيرة أضحت في يده وحكم البلاد من العاصمة كوكا، التي بناها عام 1206هـ (1814م).

وبفضل حزمه توسع نفوذه شرقًا وغربًا واستعاد أغلب أملاك دولته التي كانت تحتها في عصر إدريس علومه. ثم اعتزل الكانمي الحكم قبل وفاته في عام 1231هـ (1839م) وأورث الحكم لابنه الشيخ عمر (1229هـ-1274هـ)، (1835م-1880م) والذي أنهى نفوذ السيفية تمامًا، واستعمل لقب “الشيخ” لحكام المملكة تيمنًا بمبادئ الشيخ أمين.

وبعد عمر ورث الملك عدد من الملوك حتى حكم الشيخ هاشم 1279-1287هـ (1885-1893م) والذي دبّ الضعف في برنو خلال عهده لأنه شغل نفسه بالقصر والحريم وأهمل شؤون الحكم والإدارة.

سقوط مملكة برنو الإسلامية

تعرضت برنو تزامنًا مع حالة الضعف التي سيطرت عليها في نهاية القرن الثالث عشر هجري لهجوم غير متوقع من زعيم سوداني يدعى رابح الزبيري، وكان قائدًا لدى الزبير باشا، وهو تاجر كبير صاحب نفوذ مكنه من الحصول على مكانة سياسية مرموقة وفتح منطقة دارفور باسم سلطان مصر، وكان رابح يسعى للانتقام من غدر غوردن باشا حاكم السودان، إبان عهد الخديوي إسماعيل لسيده الزبير وابنه، فقاد فيلقًا ضخمًا وتجاوز حدود السودان غربًا حتى وصل إلى كانم وفي عام 1287هـ قضى على سلطنة برنو وقضى على حكم آخر ملوكها ليصبح رابح حاكم هذه الإمبراطورية الإسلامية.

ولم يدم حكم رابح طويلًا جدًا، فقد قتل في عام 1294هـ (1900م) في معركة مع الاحتلال الفرنسي في مطلع الرابع عشر هجري (القرن العشرين ميلادي) واشتعلت بعدها ملحمة المقاومة والجهاد ضد الغزاة.

ممالك إسلامية في جنوب شرق منطقة الساحل

دول الساحل الأفريقي بالحدود الجديدة.

شهدت منطقة جنوب شرق الساحل وبالتحديد ما يسمى اليوم دولة نيجيريا ودولة بنين عدة ممالك إسلامية كان لها الدور البارز سياسيًا واقتصاديًا وحضاريًا في المنطقة. وشكلت هذه الممالك نموذجًا فريدًا في التاريخ الإسلامي.

إمارات الهوسا

ظهرت إمارات الهوسا بشكل عدد من الدول المدنية محاطة بسور وتدعى بيرني، يرأسها ملك يدعى ساركي، واستمرت منفصلة عن بعضها البعض ولم تجتمع يومًا، لكنها لعبت دورًا هامًا في انتشار الإسلام في غرب إفريقيا.

وتعد حضارتها الإسلامية أهم ما تبقى من تراث لتلك المنطقة، حيث تقع اليوم في شمال نيجيريا والقسم الجنوبي من النيجر. وتاريخيًا كانت إمارات الهوسا تقع بين مملكتي صنغاي غربًا وبرنو شرقًا ولكنها نجت من أطماع الدولتين ولم تخضع لهما.

وعرفت إمارات الهوسا الإسلام تدريجيًا في القرن الثامن هجري (14م)، وكانت أول إمارة استقبلت الإسلام إمارة كانوا عن طريق علماء ينتمون إلى قبائل الماندينغ القاطنة في منطقة وانغارا.

وباعتناق الإسلام ازدهرت الحركة الدعوية وارتفعت معها روح الحماسة للدين فشيّدت المساجد والمدارس وشن الهوسيون هجمات على الجنوب ووصلوا إلى نهر النيجر وساهم الفولانيون في ترسيخ حب الإسلام في قلوب أهالي الهوسا إضافة لجهود أهل صنغاي وبعض المصريين وتعاليم المرابط التواتي محمد بن عبد القادر المغيلي، الذي أدخل الشريعة وبعض عنصر القانون الإسلامي لها.

وتحولت إمارات الهوسا لحكم أسكيا محمد ملك صنغاي الشهير في القرن العاشر هجري (16م)، فتوطد الإسلام في هذه الإمارات وانتشر بشكل أفضل خاصة بعد نزوح علماء تمبكتو وجني إليها بعد حملة الاضطهاد التي تعرضوا لها.

وكانت من آخر إمارات الهوسا اعتناقًا للإسلام إمارة كاتسينا حيث لم تصلها الدعوة إلا في أواخر القرن التاسع هجري، وذلك لفضل بعثة دعوية من مصر. وإمارة غوير في أقصى الشمال والتي لم يدخلها الإسلام إلا في القرن 13 هجري على يد الفولانيين تحت حكم عثمان فودي حين فتح المنطقة.

ومنذ القرن 11 إلى أوائل القرن 13 هجري، خضعت هذه الإمارات لحكم مملكة برنو ما عدا إمارة غوبر التي بقيت مستقلة. في الربع الأخير من القرن 13 هجري، اجتاحت جيوش فرنسا وبريطانيا بلاد الهوسا والنيجر واحتلتها.

مملكة يوريا

كانت مملكة يوريا عبارة عن إمارة صغيرة ليس لها كبير أثر في غرب إفريقيا مقارنة مع غيرها من ممالك وإمارات وقد دخلها الإسلام على يد تجار مسلمين من صنغاي في القرن 10 هجري، وامتد ملكها من جنوب نهر النيجر وحتى ما يمسي اليوم بدولة بنين.

واستولى على الحكم فيها مسلمون وافدون من الفولانيين والبربر وشيّدوا مدنها وميزوها بمدارسها الإسلامية ونشاط العلماء فأصبحت مركزًا إسلاميًا دعويًا بارزًا ومن أشهر حواضرها إيبادان وإيلورين، وذلك بين عام 1212-1252هـ (1797-1837م).

وكان مصير هذه الإمارة الإسلامية الوقوع في شراك الاحتلال الفرنسي، الذي نشر حملات التنصير لمحو آثار الإسلام من أرضها. ومع ذلك لم يفلح في اقتلاع هذا الدين من قلوب من اعتنقه، فقد كان في عام 1323هـ (1908م) عدد المساجد يفوق عدد الكنائس بثلاث مرات، واليوم هذه المناطق هي جزء من غرب دولة نيجيريا.

خلاصة تاريخ الإسلام في غرب إفريقيا

إن استشعار أمانة الإسلام والدعوة لله التي كان يزدان بها السابقون، كانت السبب الأول في دخول سكان غرب إفريقيا إلى الإسلام ثم إن صدق إقبالهم وحماستهم للدين هي التي رفعت من ذكر ممالكهم الإسلامية راقية زاهرة، ساعدهم في ذلك مدد الهمم الوفية من العلماء والدعاة والتجار وكل صاحب فن أو خبرة وظّفه في سبيل نهضة الأمة المسلمة في هذا الركن من القارة السمراء.

وإن أجمل درس يلقننا إياه تاريخ الإسلام في إفريقيا هو كيف صنع هذا الدين من إمارات بدائية إمبراطوريات ممتدة بحضارة ماجدة. كيف صنع العلم من همم الشعوب جسورًا من التآخي والتواصي يجمعهم دين واحد وحماسة واحدة.

كيف طهّر الإسلام منطقة غرب إفريقيا من تخلفها ووثنيتها، كيف كسا أبناءها بعد عري مشين، عفة ووقارًا، وكيف نظم الزواج وكفل للنساء حقوقهن وخلصهن من بطش الجاهلية وكيف ضبط العلاقات بقيم الإسلام وأحكامه أسريًا ومجتمعيًا، وكيف أمّن الشعوب والدول بتطبيق الحدود ونشر العلم والدعوة.

ولم ينزع هذا الجمال إلا حب الإمارة والتنازع على الملك فكانت نتائجه كارثية على الأمة ومع ذلك سرعان ما كان يستلم المهمة حاكم نبيل فيعيد البناء والبهجة، حتى أطل شبح الاحتلال البغيض فتغيرت قواعد اللعبة.

وقد شاهدنا نماذج مختلفة للحكام، كلٌّ وهمته، فمنهم من بلغت مملكته لتفانيه وإخلاصه ذروة المجد ومنهم من تحطمت أسوارها وهدمت معالمها لسوء التدبير أو الجهل.

ورأينا كيف تعمي المطامع الجشعة الحكام وتلقي بهم في مستنقعات سفك الدماء والهدم، وردم كل آثار جليلة لمن سبق. ولكن سيبقى التاريخ ممتنا لأولئك النبلاء الذي تفانوا في صناعة مجد أمتهم وحافظوا على أمانة الدين والعلم والسلطان.

ويلعن تلك النماذج البشعة للجشع والجهل والغرور والظلم.

وخلاصة رحلتنا مع الممالك الإسلامية في غرب إفريقيا تؤكد على أن كل دولة إسلامية لم تستقو عبر التاريخ إلا حين اتخذ العلماء موقعهم الطبيعي في هيكل الدولة ومفاصلها. فكان له بركاته.

وإنما هذه تفاصيل للاعتبار والتدبر واستخلاص الدروس والعبر والمعاني الملهمة. ولم تنته معها قصة الإسلام في غرب إفريقيا، بل سنواصل في الجزء الثاني واقع المنطقة تحت زحف الاحتلال الأوروبي، وحركات المقاومة والجهاد التي خرجت من رحم هذه الممالك الإسلامية.

256

الكاتب

د. ليلى حمدان

كاتبة وباحثة في قضايا الفكر الإسلامي، شغوفة بالإعلام وصناعة الوعي، صدر لي ثمانية كُتب حتى الآن (نجوم على الطريق، وصفحات من دفتر الالتزام، وإليكِ أنتِ، وقبس من خاطر، وأمريكا التي رأيت، وقراءات مختصرات، والمختصر في الملاحم والفتن، وخربشات على جدار الصمت).

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.