قبل أنْ نطالع باب التوبة عند إمامنا “النوويّ” نُعمل معًا بعضَ التفكُّر في معنى التوبة. تَوْبَة اسم مَرَّة تدلُّ عمومًا على الرجوع، فمعنى تابَ أحمد إلى بيته أيْ رجع أحمد إلى بيته. وهُنا ندرك المعنى العميق لكلمة التوبة فهي تقتضي جهةً أو حالاً كانت مُستقرًّا للشخص -أو للمَحلّ- ثمَّ غادرها، والتوبة تعني عودته إليها. لذا يدلُّنا استخدام القرآن والسُّنَّة المتكرِّر لكلمة التوبة على أنَّ الإسلام يجعل للإنسان مَحلًّا أصيلاً هو استظلاله بظلّ الله -تعالى-، فهذا هو مكانه، ويجعل للإنسان حالاً أصيلةً هي مَعِيَّتُه مع الله -تعالى- ومُراقبته إيَّاه متى كان وأينما حلَّ، فهذه هي حالُه.

ومتى ترك المُسلم مكانه الأصيل وحاله الأصيلة وجب عليه أنْ يعود إليها مرَّةً أخرى؛ مِمَّا يُسمَّى التوبة أيْ العودة إلى المحلّ الرئيس. وهذا يعطينا إشارةً كذلك بأنَّ الله قد قسَّم الخلائق حسب أحوالهم وولائهم، وفصلهم فصلاً رُوحيًّا لا يُدرك بالحسّ المُباشر؛ فلا تراه العين ولا تسمع به الأذن، بل يحسُّه القلب تشعر به الفِطرة. هذا هو السِّرُّ وراء أنَّ الله يدعوك إليه يا عبد الله في كلّ وقت وحين، فهو يدعوك إلى التوبة لتكون في محلِّك الأصيل وتكون في حالِك الأصيلة. وهيًّا الآن نتعرَّف كيف صاغ الإمام “النوويّ” باب التوبة.

قواعد التّوبة، وكيف تتوب؟

خرج النووي عن اعتياده في الكتاب في هذا الباب ليتحدَّث إلى القارئ بصورة صريحة ويخبره فيها قواعد التوبة في الإسلام. ويجب قبل أن نتعرَّف على القواعد أنْ ندرك أنَّ التوبة هي الواجب الأوَّل من حيث الأداء في الإسلام دون مُنازع؛ فلكُلِّ واجب وقت مُحدَّد (الصلاة في وقتها، الصوم كذلك، الحجّ وإخراج المال وقت الاستطاعة) أمَّا التوبة فلا وقت لها وهي دومًا لازمة لإخبار النبي أنَّ كلَّ ابن آدم خطَّاء أيْ كثير الخطأ. والتوبة تكون عن الذنوب من الفعل والقول وحديث النفس بالأمر السيِّء، فكلُّها تحتاج توبة عنها.

قسَّم النووي التوبة إلى حالَيْن: توبة من فعل ذاتيّ، وتوبة من فعل يتعلَّق بالغير. والتوبة من الفعل الذاتيّ -أيْ أنَّ معصيتك بينك وبين الله وحسب لا تتعلَّق بإنسان آخر- لها ثلاثة شروط يجب اجتماعها كلّها عند التائب:

  • أنْ تُقلع عن المعصية أو الذنب تمامًا -أيْ تتركها ولا تفعلها-.
  • أنْ تندم على فعل ما فعلت من ذنب.
  • أنْ تعزم على عدم العودة إلى هذا الفعل مرَّةً أخرى.

أمَّا إذا تعلَّق الذنب بالغير فأوقعتَ ضررًا عليه، أو اغتبتَه، أو كذبتَ عليه، أو أخذتَ ماله دون حق فتفعل كلّ السابق مع شرط رابع وهو طلب البراءة من الذنب من هذا الذي أوقعتَ الضرر عليه؛ وكأنَّه إجراء “إخلاء طرف” الذي تستصدره من جهات كانت بينك وبينها علاقات ماليَّة. ولك أنْ تجعل هذا الشرط دومًا أمامك قبل أنْ تقع في معصية تُجاه الآخرين أو تُوقِع ضررًا بهم. كما يُخبرنا النووي أنَّ التوبة نوعان: فرديَّة أيْ على كلّ نوع ذنب فتتوب من الكذب مثلاً، وشاملة وفيها تتوب من جميع الذنوب -وبالقطع لا يدخل النوع الثاني فيها إلا عند استبراء صاحبه لك-.

دعوة القرآن والسُّنَّة إلى التوبة

فإذا أتيت إلى أوَّل آية أوردها -النور 31- :

(وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)

أحسستَ ما فيها من دفع واستنهاض؛ وكأنَّ الآية تدفعك دفعًا إلى التوبة. ويشبه -تصوُّرًا- هذا الموقف عندما يقول الإمام في المسجد: “قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله” فلا يسعك ساعتَها إلا أنْ تقوم. فهكذا “توبوا إلى الله” وهي أمر غرضه الحثّ والدفع، ثمَّ أشفعت الآية الأمر بكلمة “جميعًا” فالكلُّ مأمور بالتوبة، ثمَّ أردفتها “أيُّها المؤمنون” لتدلَّ على أنَّ التوبة هي فعل أهل الإيمان بالله، ثمَّ أتتْ بالجزاء “لعلَّكم تُفلحون” فالفلاح في الدنيا والآخرة هي جزاء التوبة.

والدعوة إلى التوبة بالدرجة نفسها أتتْ في الحديث الثاني الذي أورده في الباب ونقرأ أنَّ الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- يقول: “يا أيُّها الناس توبوا إلى الله”، وبعد أنْ يدعونا الرسول بقولٍ مُشابه للآية يدعونا بنموذج عَمَليّ وهو قوله: “فإنِّي أتوب إليه في اليوم مائة مرَّة”. وقول الرسول هذا لا يطلب به أنْ تتوب مائة مرَّة في اليوم -فالأعداد الكثيرة عند العرب تُقال للمُبالغة لا لقصد العدد نفسه-، بل هو دعوة إلى دوام التوبة.

ليس للتوبة وقت

يبلغنا النووي أنَّ التوبة ليس لها وقت مُعيِّن؛ فهي مُتاحة في كلّ وقت. ومن جهة أخرى ليس لها وقت -أيْ حدّ- تظنُّ فواته، وتقول لنفسك: لقد يئستُ ولا يمكن أن أتوب بعد هذه الذنوب الكثيرة التي فعلتُها! .. فها هو النووي يورد حديث الرجل الذي قتل مائة نفس -وقتل النفس أعلى ما يُؤتى من الذنوب- في باب التوبة ليدلَّنا أنْ ليس للتوبة وقت تظنُّ فواته بكثير ذنوبك مهما فعلتَ، وها هو يضيف حديث:

إنَّ الله يقبل توبة العبد ما لمْ يُغرغِر.

أيْ يأتي وقتُ احتضاره. فظُنَّ بالله خيرًا وأقدِمْ.

تُبْ توبةً صادقةً من قلبك

وإذا تُبتَ فتُبْ توبةً صادقةً، وتأمَّلْ أثرها من بعد أنْ تفعل. نرى ذلك في أحد أطول أحاديث الكتاب (يُقال عنه حديث مع كونه من رواية راوٍ عن نفسه لأنَّ به قول الرسول وفعله) وهو حديث “كعب بن مالك” -رضي الله عنه-. ويشتهر هذا الحديث بحديث الثلاثة الذين خُلِّفوا؛ حيث تخلَّف كثيرون عن غزوة تبوك مع الرسول لشدَّة ظروفها. وحاول الكثير منهم انتحال أعذار يكذبون بها على رسول الله ليُبرِّروا عدم خروجهم للغزوة معه، وكان من بين مَنْ تخلَّفوا ثلاثة رجال هُم: كعب بن مالك، ومُرارة بن ربيع العامريّ، وهِلال بن أُمَيَّة الواقفيّ. هؤلاء الرجال لمْ يرضوا أنْ يفعلوا مثل الآخرين ويكذبوا على رسول الله، بل قالوا إنَّهم تخلَّفوا دون عُذر -للرواية قصة يضيق عنها المقام هنا-.

فماذا فعل الرسول معهم؟ تركهم أيامًا كثيرةً؛ في أوَّلها تلقَّى صاحب الحديث “كعب” لومًا من الناس قائلين: لِمَ لمْ تعتذر كما اعتذر الآخرون دون أنْ تصدق كلّ الصدق؟ لكنَّ كعبًا ظلَّ على إرادة الصدق والتوبة إلى الله من مخالفة الدعوة إلى الخروج مع رسوله. ثمَّ ضاق عليهم الخناق أكثر فنهى الرسول عن كلامهم فأصبحوا معزولين من المُجتمع، ثمَّ باعتزال نسائهم لهم، وفي هذا الوقت كتب لكعبٍ مَلِكُ “الغَسَاسِنَة” -وهي مملكة في شمال الجزيرة العربيَّة تخضع للرُّوم- يحاول فيها استمالته عن الرسول وجماعة المؤمنين.

وعلى كل هذه التضييقات إلا أنَّ توبة هؤلاء الرجال صدقتْ حتى جاءهم الجزاء -وهو الفلاح الذي صرَّحتْ به أوَّل آية سبقت- وجاءتهم الآيتانِ: (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) -التّوبة 119،118-. وها نحن نسمع أثر التّوبة الصادقة في قول “كعب”: “والله ما تعمَّدتُ كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله إلى يومي”.

أثر التّوبة على النفس البشريَّة

ونطالع في حديث المرأة من جُهَينة -قبيلة عربيَّة ومنها أتى المثل الشهير: وعند جُهَيْنَة الخبرُ اليقينُ- التي أتتْ النبيَّ تُصارحه بحملها سفاحًا وهي حُبْلَى. فأمر النبيّ بإحسان التعامُل معها حتى تَلِدَ، ثمَّ أمر برجمها بعد ولادتها. ونقرأ في الحديث عن عُمق التّوبة والرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- يقول:

لقد تابتْ توبةً لو قُسِّمتْ بين سبعين من أهل المدينة لَوَسِعتْهم.

-وتذكَّر أنَّ السبعين للمُبالغة والكثرة لا لتعيين العدد-. ثمَّ ذكر الرسول سبب هذا في قوله: “وهل وجدتَ أفضل من أنَّها جادتْ بنفسها لله عزَّ وجلَّ؟”.

من هُنا نتعلَّم شيئًا أخيرًا عن عُمق التّوبة؛ فالتّوبة تقتضي شجاعةً مع النفس أيُّها المؤمن؛ شجاعة في مواجهة نفسك بذنبك وتصريحك به لنفسك ولله، ومبدأ “الاعتراف بالخطأ”. وإذا كنتَ تنظر إلى هذه المبادئ بتواضع؛ فاعلمْ أنَّ كثيرًا من كبار المسئولين والحُكَّام يقعون في عِظام الأخطاء والكوارث لعدم امتلاكهم لهذه القِيَم التي تُعلِّمك إيَّاها التوبة في دينك.

فانظر إلى كيف يُربِّيك فعلُك نفسُه متى اخترتَ فعل الخير؟ ولعلَّك هنا تدرك أنَّ التوبة تغيِّر النفس البشريَّة من داخلها، وتجعل منك إنسانًا أفضل متى كشفتَ خطأك، واعترفتَ به أمام نفسك، وعاهدتَ ربَّك على عدم العودة إليه، ووقفتَ في محلِّك الأصيل وحالِك الأصيلة مع الله، يا عبدَ الله.

157

الكاتب

عبد المنعم أديب

كاتب مصريّ، درس اللغة العربيَّة وتخصص في الفلسفة. صدرت له كتب أدبيَّة، وأكثر من مائة وثلاثين مقالاً، وله مئات من القصائد، وما يقرب من عشرين بحثًا علميًّا.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.