لقد تعرفنا فيما مضى على المؤهلات الشخصية التي يساعدك اكتسابها على الخروج من الظلمات إلى النور، فما كانت حرارة العطاء والإخلاص للدعوة يكفيانها للصمود والنجاح؛ ولكن الحاجة كل الحاجة للفطنة والذكاء والحنكة، وللتكملة سنتعرف اليوم على الصفات التي ولابد أن يتحلّى بها نفس كلّ مسلم لتهيئة روحه للفلاح والاستقامة.

إن هذا الدّين يحضّ على الاستقامة والتقوى وطاعة الله واتباع الطريق الواصل إليه، لكنّه لا يجعل هذا الحضّ عامًا مرسلًا وإنّما يقيمه على أركان في صفات المسلم حتى يكون المرء مستعدًا لاستقبال الاستقامة وتحمّلها، ومثل ذلك كالأرض الخصبة إذا زُرع فيها بذور الاستقامة نمت وربت.

وبناءً على هذا الحضّ أراد الله لهذا الدين أن يكون مطابقًا لخطة الخلق، فقد جعل سبحانه الإنسان كالبنيان يبنيه وفق تصميم محكم أوضحه في القرآن الكريم رسمًا إنشائيًا عليه مجرى البناء، يقول تعالى في مُفتتح سورة الرحمن: (الرَّحْمَـنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ) ويعجب القارئ من هذا الترتيب إذ خلق الإنسان أولى وأعقل، ولكن القصد من النّظم خلق الإنسان بناءً على الرسم الإنشائي الذي أتى به القرآن الكريم.

وعليه، كان الإسلام في حضّ العباد على الاستقامة يسعى إلى تكوينهم بصفات تمكنهم من حمل خيرات الدين وقطف ثماره، وأولى هذه الصفات:

العدل

مسلم

إن العدل صفة رفيعة تتجلّى في مؤمن وكافر بشهادة خير الخلق صلى الله عليه وسلم في ملك الحبشة بالإنصاف والعدالة إذ قال: “مَلكٌ لا يُظلم عندَه أحَدٌ” وذلك في كُفره قبل إسلامه، وبيان ذلك أيضًا في كتاب الله لقوله تعالى: (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا)، وبذلك كانت صفة العدل أوجب الصفات إذ أخطر ما يعتري المرء صفة الميل والحيد وكل ما يضادّ الإنصاف، فقد أمر سبحانه بالعدل بين الأولاد والزوجات وبين كل قريب وعدوّ سواء، لقوله تعالى: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا) والآيات في ذلك صريحة محكمة تحذر من كل بغض أو حبّ يجعل بالمرء مُجاوزًا للعدل مُلتويَ النّفس.

المُعايَرة (الاتّزان)

والمُعايرة أن يكون رد فعلك بقَدر الفعل لا مبالغة ولا زيادة، يقول سبحانه وتعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ)، إن هذه الآية وحي ودرس للنبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه يحذرهم فيها الله من الردّ المبالغ والمُفرط، ولنا في رد الرسول على من آذاهُ أسوةً إذ جعل ردّه سؤالًا:

كيفَ يُفلِحُ قومٌ خضَّبوا وجهَ نبيِّهِم بالدَّمِ.

لا مكيدة ولا شرّ فعل! وفي كلام الله تأكيد على أهميّة إدراك منطق الأحكام وترتيبها مُخاطبًا إيّاه صلى الله عليه وسلم: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ)؛ إقامةً للنّفس المؤمنة على الضبط والاتّزان في ردود الفعل وقياسها، إذ كان من آيات المُنافق إذا خُوطب لم يحفظ القدر المطلوب من المعايرة.

الاقتصاد

مسلم

عن عبد الله بن سرجس رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم:

السَّمْتُ الحَسَنُ والتُّؤَدَةُ والاقتصادُ جزءٌ من أربعةٍ وعشرينَ جُزءًا من النبوةِ.

وبيان الحديث أن صفات الاتزان والاقتصاد أشرف الصفات لكونها أجزاءً من النبوة وأضدادها من أبعد السمات عن المسلم السويّ، والقصد صفة المسلم في أقواله وأفعاله وحركاته جميعها، يقول تعالى: (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ)، (وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا) كلها آيات تحرص بالمسلم على التشبث بالقدر المطلوب من الاتزان والاقتصاد دون الاضطراب والاعوجاج.

اتهام الظواهر

والمقصود باتهام الظواهر عدم اليقين والإعجاب بالتصّور والآراء، فكثيرًا ما تجد النّاس تعترف بالقصور في الصحة والفعل، وقليلًا ما تجدها تعترف بالقصور في الفهم والتصوّر والإدراك، وقد جاء الإسلام لمنع الاغترار بالنفس والعجب بها لنقصها واستحالة كمالها، يقول عز وجلّ: (وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ) فلا قطع أو تحديد أو جزم في التصور إنّما تؤخذ الظواهر بالحُسبان، ومن السنّة كذلك أن يُفوّض المسلم العلم المطلق لربه ولا يستعلي عليه بعلم أو ظنّ، فالله الواحد الوحيد علاّم الغيوب والخفايا.

وهذه الصّفة من الصفات التي تعوّد المرء على أن يُرجع كلّ أحواله إلى الله تعالى وهي نتيجة تسليم المؤمن لعلم الله وحكمته المطلقة، وصفة تذكّره بالشكّ في صلاح النفس وعدم تبرئتها إذ لا يأمن مؤمن ثبات حال واستقراره، يقول تعالى:

(الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)

فالعبد المؤمن لا يترك شيئًا إلاّ ويرجعه لله تعالى.

البيئة الصالحة / الفاسدة

مسلم

إبليس، الدّنيا، النفس والهَوَى كلّها أعداءٌ للمُسلم، فكيف لعاقل أن يزيد على أعدائه أعداءً؟ 

إنّ من أركان الاستقامة ألاّ يقف المسلم أمام يدي ربّه متلبسًا بوجوده وسط السّيّئين، فالمؤمن لا يصاحب من ظهر عليه قلة الإيمان والانحراف وإنّما يصاحب أهل العزائم والصلاح، ومن أشدّ البيئات فسادًا التي جرى ذكرها في القرآن الكريم -بيت فرعون- إذ يمدّ الله يده لهذه الواقعة ويجعل صمود امرأة فرعون وسط الكفر والطغيان عبرةً للمؤمنين كافةً إلى يوم البعث، يقول تعالى:

(وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)

فسطوة البيئة الفاسدة تتطلب قوة وإيمانًا وعزيمة جبّارة للمواجهة، ومثال آخر لذلك، واقعة أصحاب الكهف؛ الصبية الصفوة الذين أدركوا شرك قومهم فآثروا النجاة بدينهم فامتدت إليهم يد رحمة المولى وجعلتهم موعظة وذكرى للعالمين، يقول سبحانه وتعالى: (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا) هجروا بيوتهم وولّوا الوجهة إلى الكهف -حيث الخشونة والظلمة والثأر بالدين- كما آثرت امرأة فرعون بيتًا في الجنّة على قصور الدنيا وزينتها.

ختَامًا

ما تفاوتت درجات الاستقامة بين العباد إلاّ بضعف وقوّة الصّفات المذكورة التي تهيّئ النفس وتشرحها لاستقبال أوامر الله تعالى والتسليم لها والعمل بها على أكمل وأصحّ وجه، فالواجب على المسلم بعد علمه بها أن يراجع نفسه حتى يسدّ الخلل في صفاته وحتى تستقبل نفسه الانقياد لله دون وجه تعنت أو اضطراب.

وبعد عرض هذه الصّفات سنتعرّف إن شاء الله على أهميّة تعلّم المنهج العلمي وطريقة التفكير السليمة قبل كلمة التوحيد وباقي النّسك، لا تجعلوا الفائدة تفوتكم.

138

الكاتب

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.