هل جلست مرة وتأملت أحوالك السابقة وعقدت مقارنة بين حال قلبك اليوم وأمس؟ هل تألمت لفقدانك هوية الطريق؟ هل شعرت بالحسرة على حالك؟ كيف كنت وكيف أصبحت؟ وكل مرة تشعر بالضيق والانكسار، ولكن شيئًا ما يمنعك من التقدم في الطريق بنفس الروح التي بدأت بها. تُرى ما ذلك الشيء؟ ولماذا يهرول البعض في الطريق بحماس شديد وما يلبث بعد فترة فتضيع بعض النفوس وينجرف القلب بين شلالات الفتور وتيه القلوب، فما الذي يصيب النفوس التي عاهدت الله أن تموت على الطريق؟

البدايات هي الأجمل دائمًا

أتذْكر المرة الأولى التي خشعت فيها في الصلاة وشعرت أن قلبك متصل بالله، وأن الأصوات من حولك تنخفض، ثم صرت لا تسمعها وروحك مُحلقة في رحاب الخشية ومحبة الله؟ بالتأكيد كلنا عاصرنا تلك الفترة التي ذقنا فيها حلاوة الإيمان ولذة الطاعات. ولنتخيل مثالًا قد تكرر مع الكثير، نرى أن شابًا قد تعرف على شاب آخر يظهر عليه السمت الملتزم فأصبحا يحضران درسًا في المسجد فيتأثر الشاب الأول، ثم يحضر مؤتمرات وندوات في الجامعة تناقش أمور الأمة كالمسجد الأقصى وبورما وحال المسلمين وما إلى ذلك. بالتأكيد قد يختلف ذلك المشهد في كثير من الأحوال، ولكن دعنا نتأمل هذا المثال: ذلك الشاب قد بدأ يشعر أن أعداء الإسلام قد تكالبوا ضد الدين ويجب أن يفعل شيئًا!

ذلك الشاب قد فهم حقيقة الأمر، وأصبح يردد بعض المصطلحات كالحاكمية والعلمانية، وبدأ عهده مع الطريق. وبالرغم من الصعوبات التي قد واجهها فقد كان إيمانه وعزيمته أكبر منها، وبالرغم من السخرية التي سمعها وعن المُحبِطين الذين قابلهم والعبارة المحفوظة التي تطارد أي أحد قد سار في الطريق: “هل تظن أنك قادرعلى تغيير الكون؟”

بالرغم من كل ذلك كان الشاب قوي الإيمان، وهمته في الدعوة كبيرة، وإقباله على العبادات والدروس والقراءة من الأساسيات في يومه. إن من عاش تلك الأيام ثم انتكس سيشعر بغصّة في قلبه، وإما أن يحاول العودة مجددًا أو ينسى الأمر ويدعى أنها كانت مرحلة اندفاع، ولكنه لا يستطيع نسيان تلك الفترة المميزة في حياته؛ فيزداد همًا كلما استعاد عقله بعض الذكريات. والبعض للأسف قد يستهزأ بتلك الأفكار ويُصنفها بالقديمة غير الملائمة لزماننا الحالي!

اكسر قيود الغفلة

ضعفت همة البدايات... كيف نجدد عهدنا مع الطريق إلى الله؟ 3حقيقة الأمر أن الغفلة التي تصيبنا لم تأتِ بين عشية وضحاها، بل كانت الضربات التي تلقاها القلب كثيرة ولم يستطِع الدفاع بالشكل المطلوب. لماذا؟!

الجواب في كلمة واحدة «الزاد»، إذا لم يتحصن القلب بالزاد كيف سيستطيع المواجهة؟

إذا أردت العودة مجددًا فتزود، وسُدّ كل طرق الشيطان. قد ينسى البعض أهمية هذا الأمر، ولكن الكل يصيبه الفتور، والحريص على دينه من يخرج من المشكلة قبل أن تتفاقم. كلنا نحتاج إلى سماع الدروس والخطب الوعظية، وليس هناك أحد كبير على ذلك، فقد قال الله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الذاريات 55]. فكلما سنحت لك الفرصة تزود بالكثير من الطاعات والدروس الوعظية والمداومة على القراءة. وفي الحديث القدسي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “إن الله قال: (من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه)” [رواه البخاري].

ومن المهم جدًا أن تعلم أن جدار الغفلة لن ينكسر سريعًا من أول درس أو كتاب، ولكن الأمر يحتاج إلى مجاهدة كبيرة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الروم 69].

الاستعانة بالله هي الأصل

ومن المهم أن تدرك أن الأمر كله بيد الله عز وجل، فبعد أن تتزود في طريقك مجددًا تذكر الله دائمًا، واسأله التوفيق والرشد كما سأل أصحاب الكهف الله عندما فروا بدينهم واستعانوا بالله أن يرحمهم ويلطف بهم ويرزقهم الرشد فالأمر: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف 10]

وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أُصَلِّي، وَلَهُ حَاجَةٌ، فَأَبْطَأْتُ عَلَيْهِ، قَالَ: “يَا عَائِشَةُ، عَلَيْكِ بِجُمَلِ الدُّعَاءِ وَجَوَامِعِهِ” فَلَمَّا انْصَرَفْتُ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا جُمَلُ الدُّعَاءِ وَجَوَامِعُهُ؟ قَالَ: “قُولِي: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ، عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمُ، وَأَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَسْأَلُكَ مِمَّا سَأَلَكَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِمَّا تَعَوَّذَ مِنْهُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا قَضَيْتَ لِي مِنْ قَضَاءٍ فَاجْعَلْ عَاقِبَتَهُ رُشْدًا”.

لا تكن وحيدًا واستشر المؤتمن

يحتاج الطريق إلى جهد وعلم، ومن الضروري أن يتحلى المسلم بالصبر على العلم، ويتمتع بالذاتية والقدرة على انتقاء المعلومات من المصادر الصحيحة حتى لا يحدث تشتت. وقد يكون الأمر صعبًا في البداية، فلذلك من المهم أن يكون لديك شخص مؤتمن قوي الهمة تستشيره من حين لآخر. تخير وقتًا أسبوعيًا للحديث والمتابعة معه في القراءة وسماع المحاضرات.

أعمال الخير من مفاتيح العودة أيضًا

أتذكْر العهد الذي أخذته على نفسك  في بداية الطريق؟ أول مرة شعرت أن آيات القرآن تخاطبك أنت؟ والصحبة الصالحة والهمة في جمع أموال للفقراء والمساكين، وزيارتك لأهالي المأسورين وأعمال الخير عامة؟ أتذكر كيف كان حال قلبك آنذاك؟ لِمَ لا تُجدد تلك الأمور من حين لآخر وترى فاعليتها المؤثرة بإذن الله؟!

تواصل مع صحبة الطريق

ضعفت همة البدايات... كيف نجدد عهدنا مع الطريق إلى الله؟ 5بعد التخرج خاصة، وبعد أن يسير كل شخص في طريق العمل أو مشاريع الزواج، تضعف البنيات القوية مع أهل الطريق الذين قد شعرنا معهم بالمحبة الخالصة لله.

فلمَ لا تتواصل معهم لتشتركوا في عمل خير أو التشجيع مثلًا على إنهاء سلسلة محاضرات؟ ستجد العديد منهم يريد العودة ويحن لأيام السعادة الإيمانية.

ابدأ بالقليل

في بداية عودتك عليك البدء بتخطيط برنامج بسيط على مدار اليوم والأسبوع والشهر، مثال: الأوراد اليومية،وقيام الليل وقراءة لمدة نصف ساعة، وأسبوعيًا التواصل مع صديق من أهل الهمم للمتابعة والتحدث في أحوال الأمة، وشهريًا الذهاب لزيارة أسرة فقيرة ومساعدتهم أو الذهاب للسؤال عن أسر المأسورين. من المهم جدًا متابعة أحوال الأمة حتى لا ينشغل قلبك عن المصائب التي يعاصرها الإسلام.

لا بد من البذل

إن الطريق إلى الله تحتاج إلى بذل وتضحية، ولكن ضع أمامك دائمًا أنك تريد الجنة، والمطلوب منك أن تسعى دائمًا في الطريق. والمقصود بالبذل في شتى مناحي الحياة، فرفض المحرمات والبحث عن الوسائل التي يبيحها الشرع بذل!

والدنيا لا تخلو من المصائب، ولا بد من البذل في سبيل الله. وكما قال صاحب الظلال: “إنَّ طريقَ الدعوة إلى الله عزَّ وجل ليس هينًا لينًا، وليس مفروشًا بالزهور والورود والرياحين، ولا خاليًا من المكذبين والمعاندين والمحاربين”.

خاتمة

إننا في طريق طويلة، ولكنها تستحق الصبر والمجاهدة، وإذا أردت أن تُكمل الرحلة فعليك بالزاد وغذاء الروح. إن الهدف هو تمكين دين الله، ولكن لكي تستطيع أن تخوض المعارك عليك التذكر أن ما عليك غير السعي، والأمر بيد الله. والإيمان بالله ليس كلمة تُقال، بل في الحقيقة هي كلمة لها تكاليف، والتهافت على الدنيا والوصول لأعلى المناصب الدنيوية وإهمال العمل للدين من الفتن المُضللة. فتذكر أنك لله، واستعن بلطفه وقوته، وابتعد عن المُحبطين والزم الطريق.

﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرين﴾ [آل عمران 146]

 

337

الكاتب

الزهراء محمد

خريجة، مهتمة بوعى الأمة.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.