هذا المقال ترجمة بتصرف لمقال: DIVINE LINK: THE ARGUMENT FROM DEPENDENCY لكاتبته: Hamza Tzortzis موقع: hamzatzortzis.com. الآراء الواردة أدناه تعبّر عن كاتب المقال الأصلي ولا تعبّر بالضرورة عن تبيان.

تصور نفسك خارجًا من منزلك ووجدت في شارعك صفًا من قطع الدومينو التي تمتد إلى أبعد مما يمكن أن تراه عيناك، ثم تردد على مسامعك صوت غريب أخذ يرتفع قليلًا مع مرور الوقت، ولكن هذه الضوضاء مألوفة لك؛ إنه صوت سقوط قطع الدومينو من بعيد كما كنت تلعب بها عندما كنت طفلًا. بعد رؤية هذا العرض المذهل لسقوط قطع الدومينو وهي تقترب منك، أنت معجب جدًا كيف يمكن أن تنتج القوانين الأساسية للفيزياء مثل هذا المشهد الرائع! لكنك أيضًا حزين لأن قطعة الدومينو الأخيرة قد سقطت الآن على بعد بضع سنتيمترات من قدميك، وعلى الرغم من ذلك فأنت الآن ما زلت متحمسًا لما حدث للتو وقررت السير في الشارع للعثور على قطعة الدومينو الأولى، آملًا أن تقابل الشخص المسؤول عن إنتاج هذه التجربة الرائعة.

لنضع المثال السابق في عين الاعتبار، بدايةً أود أن أطرح عليك بعض الأسئلة: أثناء سيرك في الشارع هل تظن أنك ستصل في النهاية إلى حيث بدأت سلسلة الدومينو سقوطها؟ أم أنك ستستمر في السير إلى الأبد؟

من الواضح أنك ستجد القطعة الأولى ولكن مع ذلك أريد حثك على طرح الأسئلة. أنت تدرك أنّه إذا استّمرت هذه السلسلة إلى الأبد فإن آخر قطعة دومينو سقطت أمام قدميك لم تكن لتسقط أبدًا؛ لأنه يجب أن يسقط عدد لامتناهي من قطع الدومينو الواحدة تلو الأخرى والتي ستأخذ وقتًا غير منتهٍ قبل سقوط القطعة الأخيرة، مما يعني أنها لن تسقط أبدًا.

دعني أطرح عليك سؤالًا آخر: لنفترض أنّه أثناء سيرك في الشارع وجدت قطعة الدومينو الأولى التي أدّت إلى سقوط السلسلة بأكملها، ماذا ستكون أفكارك حولها؟ هل ستظنّ أنها سقطت من تلقاء نفسها؟ أيّ هل ستعتقد أن سقوطها يمكن أن يتم تفسيره دون وجود سبب خارجي أرغمها على السقوط؟

طبعًا لا؛ فهذا يتعارض مع البديهة، لا شيء يحدث من تلقاء نفسه، كل شيء يحتاج لتفسير ما، وسقوط الدومينو الأول لم يكن دون سبب خارجي، من المؤكد أنه قد تم حثه من قبل شخص أو حركته الرياح، حتى أنه من الممكن أن يكون قد اصطدم به شيء ما. في النهاية مهما كان نوع السبب الخارجي فهو يشكل جزءًا أساسيًا في عملية تفسير سقوطها.

تلخيصًا لما سبق: لا يمكن لسلسلة قطع الدومينو أن تحتوي على عدد غير متناهٍ من العناصر، ولا يمكن لقطعة الدومينو الأولى أن تسقط لوحدها دون سبب على الإطلاق. قياسًا على ذلك، إن الكون يشبه هذه السلسلة إلى حد ما، فالكون وكل ما عليه ليس مستقلًا بحد ذاته بل على العكس تمامًا؛ يحتاج لسبب ما قوي ومتفرد بنفسه ليضمن استمراريته؛ لأنه ببساطة إن لم يكن هناك شيء يعتمد عليه كل شيء في الوجود إذًا ستتكرر السلسلة ذاتها من التفسيرات والأسباب وبهذا لن نتوصل لإجابة أبدًا. لفهم مفصل أكثر سأقوم بداية بتحديد ما أعنيه بكلمة تابع.

ماذا نقصد عندما نقول أنّ هذا الشيء تابع؟

التبعية

أولًا: “ليس هناك ضرورة لوجوده”، الشيء الذي نستطيع أن نعيش بدونه ليس هناك ضرورة لوجوده. الكرسي الذي تجلس عليه يمكنك تخيل عدم امتلاكه، أو عدم تصنيعه وتسويقه على الإطلاق.

فالسمة الأساسية للأشياء التابعة هي “تقبل عدم وجودها”؛ فالأمور القابلة للنقاش تحمل في طياتها عدم ضرورة وجودها. ويمكنك ببساطة التساؤل عن ضرورة وجود شيء ما، لكن الإجابة على مثل هذه الأسئلة يجب أن تكون مدروسة، كما قد قلنا من قبل أنّه من المنافي للعقل وجود شيء ما من تلقاء نفسه، فالأشياء لا تقدم تفسيرًا لوجودها من تلقاء نفسها بل تعتمد على أسباب خارجية تقوم بتأويلها. بالعودة إلى مثال الكرسي، يمكننا أن نعتبر الشركة التي قامت بتصنيع الكرسي والتاجر الذي عرضه للبيع هي الأسباب الخارجية. خلاصة القول: إن كان هناك ضرورة لتقديم تفسيرات والبحث عن أسباب لوجود شيء ما فهذا يعني أنّه تابع لغيره.

لنأخذ العلماء على سبيل المثال، أنهم يميلون للتمييز بين الأشياء في الحياة عن طريق طرح الأسئلة، مثلًا، لماذا تنمو هذه الزهرة على هذا النحو؟ ولماذا تسبب هذه البكتيريا هذا المرض؟ ولماذا يتوسع العالم على هذا المعدل الحالي؟ ليس من الضروري طرح جميع هذه الأسئلة؛ لأن الإجابة عليها قابلة للتفاوت.

مثلًا، ذات يوم استيقظت صباحًا وذهبت للمطبخ وفتحت الثلاجة، لاحظت وجود قلم فوق صندوق البيض، فلم تغلق باب الثلاجة، واستنتجت أنّ وجود القلم له سبب ضروري، فالقلم لم يصل إلى هناك من تلقاء نفسه، تتساءل في نفسك عن سبب وضع القلم فوق صحن البيض، وسبب طرحك لهذا السؤال هو أن وجود القلم في مثل هذا المكان ليس له أهمية.

وبالطبع ستجد تفسيرات كثيرة، ولكن الحاجة إلى وجود تفسير ما يعني أن القلم تابع، وأنه يحتاج إلى مجموعة من العوامل الخارجية لتفسير سبب وضعه في الثلاجة ولماذا هو على هذا الحال، وإضافةً لذلك لا نستطيع إنكار أن القلم مصنوع، وأن أحد من أفراد عائلتك قام بشرائه من متجر الأدوات المكتبية ومن ثم وضعه في الثلاجة. كل هذه الحقائق توفر مجموعة من العوامل الخارجية التي تعود علينا بتفسير وجود القلم في البراد.

ثانيًا: نعلم بأنّ شيء ما هو تابع عندما نستطيع ترتيب مكوناته بطريقة مغايرة عن الّذي هو عليها؛ لأن هناك شيء خارجي متحكم به هو من قام بترتيبه على هذا النحو، سأوضح بمثال آخر:

فلنقل إنك الآن تقود إلى المنزل وتمر بطريق دائري، شد انتباهك حزمة من الزهور المرتبة على نحو معين مشكلة كلمة “أحبك” فيتبادر إلى ذهنك إمكانية ترتيبها بطريقة مختلفة، على سبيل المثال يمكن استبدال كلمة “أحبك” ب “أعشقك”، أو احتمالية أنها لم ترتب على الإطلاق بل تبعثرت عشوائيًا، وبما أنه قد تحتمل إمكانية ترتيبها بطرق مختلفة فهذا يعني وجود سبب خارجي متحكم بها، قد يكون البستاني أو نتيجة لمشروع حكومي محلي. هذه الفكرة قد تنطبق على كل ما نعيشه إلى حد كبير، سواء كانت ذرة أو حاسوبًا محمولًا أو كائنًا حيًا، كل شيء تابع يحتاج لمجموعة تفسيرات وأسباب تتعلق بوجوده.

ثالثًا: يطلق مسمى تابع على الأشياء التي لا يمكنها الاعتماد على نفسها، على سبيل المثال، القطة لا تستطيع الاعتناء بنفسها؛ فهي تحتاج إلى أسباب خارجية للبقاء على قيد الحياة؛ منها الطعام، المياه، الأكسجين والمأوى.

 وأخيرًا، من الصفات التي تميز الأجسام التابعة؛ أنها تمتلك قدرات بدنية محدودة مثل الشكل، الحجم، اللون، الحرارة، الطاقة، وما إلى ذلك.

 لماذا؟ حسنًا، عندما نجد شيئًا في الكون له صفات محددة، فهذه الصفات قد تم تحديدها من قبل شخص ما أو قوة معينة، يتم طرح أسئلة كثيرة حول هذه الفكرة، مثلًا؛ من فرض عليها هذه الصفات؟ أو لماذا لا تمتلك لونًا وشكلًا وحجمًا آخر؟ إن التابع لا يعطي لنفسه هذه القيود، مثال على هذا؛ إذا اخترت قطعة كيك بصفاتها المادية المحدودة من حيث الحجم والشكل واللون والملمس، وقلت لك أن هذه الصفات وجودها ضروري، ستعتقد بأني أحمق؛ أنت تعلم أن حجمها ولونها وملمسها قد تم التحكم فيه من قبل مصدر خارجي كالخباز، الأجسام التابعة لا تتحكم بنفسها وتختار مواصفاتها، ولابد من وجود تفسير لإيضاح سبب اختيار هذه الصفات ومن قام بوضعها.

ومن المنطقي الاعتقاد أن جميع الأجسام التابعة غير قابلة للتغيير؛ لأنها مقيدة بفترة زمنية محددة وبقوة خارجية أزلية قامت بتحديد صفاتها من قبل.

تخيل أني قمت باختيار نبتة معينة وقلت لك أنها لن تذبل أبدًا، كيف سيكون ردك؟ ستسخر مني بالتأكيد؛ لأنك حتى لو لم تكن موجودًا عند بداية حياة هذه النبتة فأنت تعلم أنها فانية بسبب صفاتها المحدودة، ومع هذا حتى لو كانت الأشياء المحدودة أبدية -بما فيها الكون- فلن يغير حقيقة أنها تابعة ووجودها ليس ضروري.

الكون وما عليه تابع

التبعية

إن تطبيقنا للافتراضات السابقة يقودنا لنتيجة واحدة؛ وهي أن الكون وكل ما عليه تابع.

مثلًا؛ الشجرة، الشمس، الإلكترون، وحتى المجال الكمي، كل هذه الأشياء هي تابعة بطريقة ما. وعلى هذا المنوال فكل ما يجول في خاطرنا بما في ذلك الكون يمكن أن يفسر بإحدى الطرق التالية:

  1. هل الكون وكل ما ندركه أبدي، ضروري ومستقل؟
  2. يعتمد وجود الكون وكل ما ندركه على شيء آخر والذي هو أيضًا تابع.
  3. الكون وكل ما ندركه يستمد وجوده من شيء آخر موجود بطبيعته، وبالتالي فهو أبدي ومستقل.

سوف آخذ كل فكرة على حدى، وسأناقش الأفضل لتفسير تبعية الكون وكل شيء بداخله.

هل الكون وكل ما ندركه أزلي، ضروري ومستقل؟

هل يمكن للكون وكل ما ندركه أن يكون خالدًا ومعتمدًا على نفسه؟ هذا ليس بالتفكير السليم؛ لأن الكون وكل ما هو عليه ليس بالضرورة أن يكون موجودًا أصلًا؛ فهم بالأساس يمتلكون صفات محدودة. ونظرًا لعدم قدرتهم على التحكم في صفاتهم فيجب أن يكون هناك شي خارجي حدد صفاتهم لذلك هم تابعون، والأشياء التابعة لا توجد بشكل مستقل.

حتى لو كان الكون خالدًا، فإنه لابد من وجود مجموعة من العوامل الخارجية التي أدت إلى ظهور صفاته المادية المحدودة، أو من الممكن أن تتكون أجزائه بطريقة مختلفة، كذلك احتمالية عدم وجوده؛ فكونه موجود لا يعطيه القدرة لتفسير نفسه بنفسه.

يعتمد وجود الكون وكل ما ندركه على شيء آخر والذي هو أيضًا تابع

من المستحيل أن يكون الكون وكل ما يحتويه يعتمد على شيء تابع، فإذا كان الكون وكل شيء ندركه هو تابع لشيء ما، فمن غير المعقول أن يكون هذا الشيء تابعًا أيضًا؛ يجب أن يكون مستقلًا وضروريًا، فإذا كان وجوده غير ضروري ويتطلب تفسيرًا لوجوده فسيكون تابعًا أيضًا.

ولكن قد يعترض أحدهم ويقول: إن الكون وكل ما عليه هم توابع، ولكن إن لم يكن هناك أصلًا يسيطر على كل هذه التوابع إذًا سنبقى في حلقة مفرغة لا نهاية لها، وهذا الاعتقاد خاطئ. مثلًا؛ هل من الممكن أن يتم تفسير الكون عن طريق كون آخر والّذي بدوره تابع لكون آخر، هكذا مع استمرار السلسلة إلى الأبد؟ هذا لن يعطي حلًا جذريًا للمشكلة، حتى مع وجود عدد من الأكوان التابعة لبعضها البعض فلا يزال يمكننا التساؤل عن سبب وجودها، حتى لو كانت الأكوان أبدية فلابد من سبب لوجودها.

لنأخذ مثالًا آخر؛ تخيل وجود عدد لا متناهٍ من البشر، نحن نعلم أن كل إنسان تم إنجابه بواسطة والديه، ووالديه تم إنجابهم من قبل والديهم. سيكون من المنطقي تمامًا أن نسأل: لماذا يوجد بشر؟ حتى لو لم يكن لهذه السلسلة بداية، تظل الحقيقة أن هذه السلسلة تتطلب تفسيرًا؛ نظرًا لأن كل كائن بشري في السلسلة يمكن أن يكون غير موجود ويمتلك صفات جسدية محدودة، فهم تابعون ووجودهم غير ضروري، ولا يزالون بحاجة إلى تفسير. إن القول بأن سلسلة البشر لا نهائية لا يغير شيئًا من حقيقة أنها بحاجة إلى تفسير سبب وجودها.[1]

لنفترض وجود كون معتمد على كون آخر، وهذا الكون معتمد على غيره أيضًا، ستتكرر هذه السلسلة إلى الأبد، فهل سيتواجد الكون الأخير قط؟ طبعًا لا؛ لأن سلسلة غير منتهية من الأكوان يجب أن تتواجد قبل وجود الكون الأخير. تذكر أن عددًا لا حصر له من الأشياء لا ينتهي؛ لذلك لا يمكن لهذا الكون أن يوجد إذا لم تحصر سلسلة الأكوان بعدد معين وبسبب قوي متحكم بها..

الكون يستمد وجوده من شيء آخر موجود من تلقاء نفسه، وبالتالي فهو أبدي ومستقل

طالما أن كل شيء ندركه هو تابع بطريقة ما، فإن التفسير الأكثر عقلانية؛ هو أن كل شيء تابع يعتمد على شيء آخر مستقل وبالتالي أبدي. ويجب أن يكون مستقلًا؛ لأنه إذا كان تابعًا فإنه سيتطلب تفسيرًا كما يجب أن يكون أبديًا؛ لأنه إذا لم يكن كذلك بمعنى آخر إذا كان محدودًا فإنه سيعتمد على الأشياء المحدودة التي تتطلب تفسيرًا لوجودها؛ لذلك يمكننا أن نستنتج أن الكون وكل ما ندركه يعتمد على شيء أبدي ومستقل. وأفضل تفسير لذلك هو وجود الله.

إن حجة التبعية يدعمها الفكر الإسلامي التقليدي، إذ تم تسليط الضوء على مفهوم الكائن المستقل المسؤول عن إحضار كل شيء إلى الوجود في أماكن مختلفة من القرآن. على سبيل المثال قال تعالى:

  • (وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ)
  • (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)

فسر ابن كثير الآية السابقة على الشكل التالي: أي هم محتاجون إليه (إلى الله سبحانه وتعالى) في جميع الحركات والسكنات وهو تعالى الغني عنهم بالذات.

أنتج الفكر الإسلامي التقليدي أناسًا مثل ابن سينا فيرى أنه لابد من أن يكون هناك “واجب الوجود” بما معناه أن وجود الله ضروري وأنه مسؤول عن وجود كل شيء. يميز البرهان بين ما يحتاج وجوده سبب خارجيًا وهو “ممكن الوجود” وبين ما هو موجود ذاتيًا “واجب الوجود”. كما تبنى العديد من العلماء المسلمين المؤثرين حجة التبعية مثل الرازي والغزالي والإمام الحرمين الجويني.

يقدم الغزالي ملخصًا موجزًا ​​لهذه الحجة:

لا يوجد إنكار للوجود في حد ذاته، يجب أن يكون هناك شيء موجود، وأي شخص يقول عدا ذلك فهو ينافي المنطق. إن الافتراض بعدم إنكار الوجود هو فرضية ضرورية.

الآن هذا الكائن الذي تم الاعتراف به من حيث المبدأ إما ضروري أو مشروط هذا يعني أن الكائن يجب أن يكون مستقلًا أو تابعًا… من هنا نجادل: إذا كان وجودها مشروطًا، فإن كل كائن تابع يعتمد على كائن ضروري؛ لأن معنى تابع هو أن وجوده وعدمه واحد. كل ما له مثل هذه الخاصية لا يمكنه اختيار وجوده بإرادته. ومن هنا نستنتج أن وجود الكائن الحي قد تم خلقه.

باختصار، وفقًا لعلم التوحيد الإسلامي، فإن الله هو:

  • مستقل
  • الكيان الذي يعتمد عليه كل شيء
  • يدعم كل شيء
  • دائم
  • مكتفي ذاتيًا
  • واجب الوجود (موجود بالضرورة)

انتقادات على حجة التبعية

سأتناول الآن بعض الانتقادات الرئيسية ضد هذه الحجة:

لم لا يكون الكون مستقل بذاته؟

الخلاف النموذجي للملحدين هو: إذا كنا نقول أن الله عز وجل مستقل وضروري، فلماذا لا يمكننا قول نفس الشيء عن الكون؟ هذا قول في غير محله للأسباب التالية. أولًا، لا يوجد شيء ضروري في الكون.

ثانيًا، كان من الممكن ترتيب مكونات الكون بطريقة مختلفة. سواء اعتبر المرء هذه المكونات ذرات أو نوعًا من المجال الكمي، فإنه لا يزال يثير السؤال: لماذا يتم ترتيبها بالطريقة التي هي عليها؟ مجرد إمكانية تشكيل ترتيب مختلف للذرات أو الحقول، فهذا يعني أن الكون تابع.

كل ما ندركه داخل الكون له صفات جسدية محدودة؛ وهذا يشمل المجرات والنجوم، والأشجار، والحيوانات، والإلكترونات. لديهم شكل وحجم وشكل مادي معين. على هذا النحو، هذه الأشياء التي تشكل الكون بأسره محدودة وتابعة.

الكون حقيقة ثابتة!

ويشير خلاف آخر أننا لا ينبغي أن نسأل أي أسئلة حول الكون، حيث ذكر الفيلسوف برتراند راسل خلال مناظرته الإذاعية الشهيرة مع الأب كوبليستون “يجب أن أقول أن الكون موجود فقط، وهذا كل شيء”. هذا الموقف هو بصراحة انسحاب فكري.

ضع في اعتبارك المثال التالي عن الكرة الخضراء:

تخيل أنك تمشي في حديقتك المحلية ورأيت كرة خضراء تحوم في منتصف ملعب الأطفال. كيف سيكون رد فعلك؟ هل ستمشي وتتقبلها كجزء ضروري من الملعب؟ بالطبع لا؛ سوف تتساءل عن سبب وجودها وما الذي آتى بها. الآن ضع الكون محل الكرة، يبقى السؤال: لماذا الكرة موجودة ولماذا هي على هذا النحو؟ ومن ثم، فإن ضرورة التساؤل عن سبب وجود الكون على ما هو عليه لازمة.

علاوة على ذلك، فإن هذا الجدال مغلوط لأنه يستخف بالعلم نفسه حيث يوجد مجال دراسة مخصص لمحاولة شرح وجود الكون وخصائصه الأساسية يطلق عليه علم الكونيات وتسمية الكون بأنه “حقيقة موجودة” يقيد المجال البحوث العلمية وينفي عملها.

سيجد العلم الإجابة في النهاية!

التبعية

صورة تعبيرية عن نظرية الأكوان المتعددة.

يناقش هذا الاتجاه أن جهلنا بالظواهر العلمية لا ينبغي أن يؤخذ كدليل على وجود الله، لأن العلم سيقدم في النهاية تفسيرًا وهذا اعتراض في غير محله لأن حجة التبعية لا تهدف إلى معالجة سؤال علمي، بل تسعى إلى فهم طبيعة الأشياء التابعة. يمكن تطبيق هذه الحجة على جميع التفسيرات والظواهر العلمية.

على سبيل المثال؛ حتى لو وضعنا نظرية للعديد من الأكوان كتفسير للظواهر الطبيعية، فإنها ستظل تابعة، لماذا؟ لأن صياغة هذه التفسيرات يمكن ترتيبها بطريقة مختلفة وتمتلك صفات مادية محدودة. لذلك فهم تابعون، وكما قلنا من قبل لا يمكنك شرح شيء تابع بشيء آخر تابع. وإذا ادعى أفراد المجتمع العلمي وجود شيء مستقل وأبدي، وشرحوا بدورهم وجود الكون، فسأطلب إثباتًا.

ومن المثير للاهتمام أن اللحظة التي يقدمون فيها بعض الأدلة التجريبية ستكون اللحظة التي يتناقضون فيها مع أنفسهم، لأن الأشياء التي يمكن الشعور بها لها صفات جسدية محدودة، وبالتالي يمكن اعتبارها تابعة.

لا يستطيع العلم إثبات وجود أي شيء مستقل وأبدي، ليس فقط لأنه سيكون تجريبيًا، ولكن أيضًا لأن العلم يعمل فقط على الأشياء التابعة التي يمكنه ملاحظتها. لذلك ليس من المنطقي أن نقول إن العلم سيكتشف شيئًا غير علمي! دعونا نتوقف لحظة ونفكر في ماهية العلم.

العلم، كتخصص يعمل في تقديم الإجابات والتفسيرات. فقط الأشياء التابعة يمكن أن يكون لها تفسيرات. مع وضع هذا في الاعتبار، ندرك أن نطاق العلم يقتصر على عالم الأشياء التابعة. لذلك، لا يمكن للعلم سوى تقديم إجابة تتعلق بشيء آخر تابع. لا يمكنها معالجة الطبيعة الميتافيزيقية لهذه الحجة.

كما أوضحنا، لا يمكنك شرح كائن تابع مع كائن تابع آخر؛ لأن هذا الكائن التابع سيتطلب أيضًا تفسيرًا (وإذا كنت تتذكر، فقد ناقشنا بالفعل أنه لا يمكن أن يكون هناك شيء يعتمد على شيء آخر في الوجود، والذي بدوره يعتمد على شيء آخر، إلى ما لا نهاية).

عندما تتعلق مسألة ما بوجود شيء غير أبدي ومستقل فلا يمكن للعلم التدخل في المناقشة لأنه يحتوي على نطاق محدود من الأشياء التجريبية والتابعة.

لقد افترضت أن الله موجود، كأنه الشيء الوحيد الموجود بالضرورة

 الحجة في هذا الفصل لم تختلق فكرة الضرورة من أجل الوصول إلى الله. بل على العكس تمامًا فإن تبعية الكون أدت إلى فكرة ضرورة وجود كائن أبدي ومستقل. فهذا الاستنتاج يوافق الشريعة الإسلامية بإقرار وجود الله عزّ وجل.

وجود الله تعالى لا يتطلّب تفسيرًا

الحجة المقدمة في هذا الفصل تبرهن على أنه يجب أن يكون هناك كائن أبدي ومستقل موجود بالضرورة وهذا يؤكد مفهوم الله عند الإسلام. الله هو الخالق لكل شيء فهل سيحتاج لأسباب خارجية تشرح سبب وجوده.

مغالطة التكوين

إن مغالطة التكوين هي الاستنتاج الخاطئ القائل بأن الشيء الكامل يجب أن يكون له نفس خصائص أجزائه الفردية، وعلى الرغم من صحة هذا الادعاء أحيانًا حيث يمكن أن تحتوي بعض الأشياء على الخصائص الموجودة داخل أجزائها الفردية؛ ولكن ليس هذا هو الحال دائمًا.

على سبيل المثال؛ الجدار (الكل) مصنوع من الطوب (الأجزاء الفردية). والطوب صلب لذلك فإن الجدار صلب. هذا صحيح. على العكس من ذلك، ضع في اعتبارك السجاد الفارسي. السجادة (كلها) مصنوعة من خيوط (أجزاء فردية)؛ سيكون من الخطأ الاستنتاج أن السجادة خفيفة نظرًا لأن الخيوط الفردية خفيفة.

ومن هذا الباب، قد يجادل المعترض بأنه لا ينبغي اعتبار الكون تابعًا لأنه يتكون من أجزاء تابعة. لكن هذا الاعتراض ضرب من الخيال. من واقع خبرتنا، فإن الأجزاء الصغيرة التابعة تشكل دائمًا تابعًا كاملًا.

على سبيل المثال؛ يتكون المنزل من مواد تابعة والمنزل تابع. مواده لها صفات مادية محدودة، ويمكن الاستغناء عنها، ومن الممكن ترتيب اللبنات الأساسية الخاصة به بطريقة مختلفة. وبالمثل، يتكون الكون من أشياء تابعة لذلك فهو تابع. الآن يقع عبء إثبات أن الأجزاء التابعة لا تشكل تابعًا كاملًا على عاتق المعترض.

الإنهاء بملاحظة روحانية

هذا الشرح عن الله سبحانه وتعالى ليس مجرد عظة عقلية. بل يجب أن يغرس إحساسًا عميقًا بالحنين إلى الله ومحبته. في هذا الفصل، توصّلنا إلى أن الله عزّ وجل موجود بالضرورة وأن كل شيء يمكن أن يوجد فقط بسببه، نحن كبشر لا نعتمد فقط على الله بالمعنى الفلسفي، ولكن أيضًا لا يمكننا أن نكون هنا بدونه، وكل ما لدينا في النهاية يرجع إليه وحده.

ستعلمنا القصة التالية أنه بما أننا نعتمد في النهاية على الله، ونجاحنا في هذه الحياة والآخرة يكمن في رحمته التي لا حدود لها، ويجب أن نخضع لله ونحقق إرادته:

ذات يوم هممت في رعاية حقلي برفقة كلبي الصغير؛ العدو اللدود للقرود التي دمرت المزارع. كان موسم الصيف وكنت أنا وكلبي نشعر بالحر الشديد لدرجة أننا كنا بالكاد نتنفس. بدأت أشعر أنه سيغمى علينا من الحر. ثم الحمد لله، رأيت شجرة تيايكي التي كانت أغصانها تشكل قبة من الخضرة المنعشة. أطلق كلبي صرخات فرح صغيرة واتجه نحو ظلالها.

ولكن بدلاً من البقاء هناك، عاد إليَّ ولسانه خارج فمه. أدركت تمامًا كم كان منهكًا عندما رأيت كيف كان يرتعش. كان كلبي سعيدًا عندما مشيت نحو الظل. ثم للحظة تظاهرت بالاستمرار في الطريق المعاكس. تأوه الكلب المسكين بحزن، ولكنه تبعني وهو يجر ذيله بين رجليه وهو في حالة جلية من اليأس، لكنه مصمم على ملاحقتي إلى وجهتي. هذا الإخلاص حرك مشاعري بعمق. كيف يمكن للمرء أن يقدّر تمامًا استعداد هذا الحيوان لمرافقتي حتى الموت، على الرغم من أنه لم يكن مجبرًا على القيام بذلك؟ قلت لنفسي إنه مخلص لي، لأنه يعتبرني سيده ويخاطر بحياته لمجرد البقاء بجانبي.

صرخت يا إلهي، “اشف روحي المضطربة”! اجعل إخلاصي مثل هذا الكلب. أعطني كما أعطيته، القوة للسيطرة على حياتي حتى أتمكن من تحقيق إرادتك واتبعك دون أن أسأل إلى أين أنا ذاهب، الطريق الذي ترشدني إليه! أنا لست خالق هذا الكلب، لكنه يتبعني في الانقياد، على حساب ألف معاناة.

أنت يا رب من وهبته بهذه الفضيلة. أعطني يا رب فضيلة الحب وشجاعة الطاعة! وكل من يطلبها منك ثم عدت إلى الظل. ممتلئًا بالبهجة، استلقى رفيقي الصغير قبالتي ونظر نحوي بعينيه الصغيرتين كما لو كان يرغب في التحدث معي بجدية.

266

الكاتب

أويس فاكهاني

مهندس ميكاترونيكس ومترجم مستقل لدى تبيان، يرى أن للترجمة أثر ثقافي يسهم في تشكيل الوعي ويعزز من وسائل فهم العالم الآخر واستيعاب مافيه من تقدم ومعرفة، ويسعى لإغناء المحتوى العربي والحفاظ على الهوية العربية.

اترك تعليق

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.