كثيرة هي التحديات التي تجابهنا في الحياة، تطرح أسئلة متباينة علينا، بعضها بسيط وبعضها معقد، شائك ومرهق، يمكن أن يؤدي بالإنسان إلى التشتت والشعور بالضياع وربما الغرق في مستنقع الإلحاد، إن لم يحسن تناولها والإجابة عليها بما يريح النفس ويقنع العقل ويملأ القلب طمأنينة.

لذلك كان على المرء أن يتنبه لطريقة بحثه الأسئلة العويصة، وعدم الاستعجال أو التعامل معها بسطحية، وإلى التركيز على ما يعينه على القيام بدوره في الحياة، كمستخلف في أرض الله لعمارتها وعبادته عن وعي وعلم وإيمان.

فعندما نشاهد وجود شخص معاق في الحياة يجب أن ينصرف جهدنا إلى بحث كيفية معالجته ورعايته وإعانته على تجاوز إعاقته وتحمل أعباء الحياة، لا الإنكار على الله بأنه خلقه معاقًا والبدء بالتشكيك بعدل الله وحكمته! وعندما نشاهد إنسانًا فقيرًا معتراً فإن المطلوب فهم أسباب فقره وتعتيره ومعالجتها، ومنها الإنفاق عليه وإيجاد وسيلة دائمة لكفايته وحفظ كرامته، لا تحميل الله مسؤولية إفقاره، وأنه لو شاء لأغناه وكساه وأطعمه، فهذا – أي صرف النظر عما ينبغي علينا القيام به إلى ما هو من شأن الله وتدبيره – من شأنه خلط الأمور وتضييع حقوق الناس!

كذلك عندما نخسر في معركة ضد الأعداء، فإن علينا تدبر أسباب الهزيمة والتخطيط والإعداد للنصر، لا القعود مذمومين مدحورين نشكك بمشيئة الله، مدعين خذلانه المؤمنين! فالمطلوب تطوير مشيئتنا وتحفيز قدراتنا ورفع مستوى إمكانياتنا لدفع أعدائنا، أما مشيئة الله فمرجعها إليه، يصرف شؤون الناس بحكمة وسعت السماوات والأرض وما فيهن.

على نفس الخط، عندما نشاهد ظالمًا يطغى في البلاد ويعتدي على العباد فإن علينا التفكير في ردعه ورده عن ظلمه وطغيانه بدل ادعاء أن الله تعالى تخلى عن مسؤوليته تجاه المستضعفين ولومه على ذلك والعياذ بالله! وعندما نفشل في إنجاز مشاريعنا في الحياة (تجارة، دراسة، زواج الخ) فإن المطلوب دراسة أسباب إخفاقنا وكيفية تجاوز أزماتنا والأخذ بأسباب النجاح.

وهكذا … فإن السبيل الصحيح يكون في التركيز على دورنا، وعدم إلقاء فشلنا وخيباتنا على الله والتشكيك في حكمته وعدله وقضائه، فذلك سلوك العابثين والجاحدين الذين لم يعرفوا قدر الله، وطبقوا عليه معايير الإنسان الناقصة التي تعجز عن الإلمام بمغزى أمر الله وعلمه وحكمته وتدبيره. فضلاً عن ذلك فإن هذا السلوك المشين ينعكس أثره سلبًا على صاحبه فيجعل شخصيته هشة، تميل إلى الكِبْرِ والغطرسة والجحود، فيدمر فطرته الإنسانية ويحيا في عبث ويغرق في عالم التيه والضلال.

استعمال المنطق المغلوط

إن استعمال المنطق المغلوط آفة كبيرة، وأشكاله كثيرة، منها ما هو بسيط شائع كالتشكيك بالفكرة من خلال الطعن والتشكيك بقائلها لتشويش أذهان الناس، حينها تصبح الفكرة محل البحث ساقطة أو ضعيفة أو غير جديرة بالتقدير عند هؤلاء لمجرد أن فلاناً قائلها، لا لكونها صحيحة أم فاسدة من خلال الأدلة المتعلقة بها، لذلك ترى المغرضين يعملون على تشويه صورة الدعاة إلى الله، مع التركيز على سقطاتهم الشخصية وتضخيمها، بغية إسقاط دعوتهم وتنفير الناس منها.

ومن الأنواع الرائج استعمالها من المغالطات هو المصادرة على المطلوب، ولها أشكال كثيرة تتقصد الوصول إلى نتيجة ما بناء على مقدمات غير متفق على صحتها أو على كيفية تفسيرها أو استعمالها. مثلاً، قول بعض المشككين بالدين، إن كل الحروب عبر التاريخ سببها الدين، بالتالي فإن الدين يسبب مأساة مستمرة للإنسان ولا بد من فصله عن الدولة والحياة وقصره على الناحية الفردية الروحية! والناظر إلى هذا الزعم – الذي تتم إشاعته بين الناس وجعله مسلمة بينهم – يفتقد إلى الصدقية.

فهل كل الحروب في التاريخ بسبب الدين؟ بالتأكيد لا، وهل كل الحروب التي تمت باسم الدين كانت مأساوية أو الأكثر مأساوية؟ بالتأكيد لا، وهل كل الحروب التي تمت باسم الدين كان الباعث عليها دينياً حقاً؟ بالتأكيد لا … فأسباب الحروب كثيرة، على رأسها السيطرة والاستئثار وتحقيق المصالح الاقتصادية، وأكثر الحروب مأساوية في عصرنا الحديث أخذت طابعاً مختلفاً تماماً كالحرب العالمية الأولى والثانية، ومنها ما أخذ شكلاً دينياً لكنها كانت غطاء لصراعات دولية.

للأسف إن هذا الأسلوب الخبيث من أكثر الأساليب شيوعاً لتشويه الإسلام في أيامنا هذه، وقد ينطلي على كثير من البسطاء وبعض من يدعي التفكير، إذ أن الناس لا تميل بطبعها إلى التفكير العميق وتنصرف عما يحتاج إلى بذل جهد في الدراسة والتحليل.

ومن الأمثلة المتعلقة بموضوعنا قول بعض المشككين، لو أن الله موجود لما رضي باستفحال الظلم في هذا العالم، معتبرين أن عدم تدخل الله ضد الظالمين حجة لهم على نفي وجود الله. وتقع المغالطة هنا في كون الأدلة على وجود الله ترجع إلى شواهد كثيرة متضافرة، بسيطة ومعقدة، يستحيل ردها، منها وجود مخلوقات محدودة بحاجة لخالق أزلي قدير، مع وجود نظام يحكم حركة الكون يحتاج إلى منظم حكيم، وطبيعة مدهشة تعمل كائناتها وفق آليات وقوانين ثابتة ومنتظمة ودقيقة تحتاج إلى خالق مدبر.

وقد لفت الإسلام نظر الإنسان إلى كل ذلك في العديد من الآيات، كقوله تعالى في سورة الأعراف آية 190: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ) وقوله في سورة الأعراف آية 54: (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِه). وقوله في سورة النحل آية 11 (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ۖ لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ، يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ).

لهذا فإنه بغض النظر عن تفسير الإنسان لواقع ما يجري في الحياة وعلاقته بمدى عدل الله وقدرته وعلمه وحكمته مثلًا، لا يمكن أن يكون ذلك نافيًا بحال لحقيقة ثابتة راسخة تفيض الأدلة بها، أي وجود الله سبحانه.

عرض البحث على غير صعيده

حكمة الله

إن الإجابة على أي سؤال تقتضي تحديد صعيد البحث، إذ يقودنا ذلك إلى الاعتناء بالأدلة والشواهد المتعلقة بالإجابة المطلوبة. فمثلاً حين تناول موضوع انخفاض أسعار الذهب وارتفاعها عالمياً، فإن صعيد البحث مرتبط بالعوامل المؤثرة في عملية العرض والطلب على هذا المعدن في الأسواق. وحين تناول السياسة الدولية فإن صعيد البحث يكون الدول الكبرى المؤثرة في العلاقات الدولية، وحين تناول الأسئلة المتصلة بالعقيدة التي تحدد واقع الإنسان ودوره في الحياة ومصيره بعدها؟ فإن صعيد البحث هنا متعلق بالإنسان نفسه، وبكيفية بحثه عن الأجوبة المتعلقة بكل سؤال.

في هذا السياق، لا بد من التنبه إلى أن العقل هو سر تميز الإنسان عن بقية المخلوقات، وأن مجال عمل العقل هو الواقع المتصل بالحس (مباشرة أو غير مباشرة)، لذلك كان العقل قادراً على الحكم بأن الكون مخلوق إذ يلمس محدودية مكوناته وخضوعها لأنظمة وقوانين قاهرة، بالتالي فإنها بحاجة لموجد ومنظم ومدبر، وإلا عمت الفوضى وأصاب الكون دمار كبير، وما كان شأنه كذلك فهو مخلوق حتما.

وقد خاطب الإسلام عقل الإنسان، لافتًا نظره إلى عظيم آيات الله في الكون كقوله (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ).

من الجدير ذكره، عندما ننبه إلى أهمية العقل ودوره، فإن صعيد البحث هو المخلوق لا الخالق، بمعنى أن دائرة البحث العقلي هو المخلوق حصراً، بما فيه وصولنا إلى الإيمان بالله سبحانه، فمنطلق الإيمان به سبحانه هو إدراك احتياج الكائنات المادية إلى خالق مدبر، على نحو قول الأعرابي عندما سُئِلَ، كيفَ عرفتَ الله؟ فقال:

البَعَرَةُ تَدُلُّ على البعير، والأَثَرُ يَدُلُّ على المَسير، فَسماءٌ ذاتُ أبراج، وأرضٌ ذاتُ فِجاج، أفلا تَدلُّ على العَلّي الخَبير!

فقد انطلق هذا الأعرابي من إحساسه بواقع المخلوق ومن بديهيات عقلية ملزمة لكل عاقل على نحو أن لكل سبب مسبب، وأن لكل حادث محدث، وأن لكل نظام منظم… ولا يقال هنا استطرادًا إذا كانت الكائنات محدثة مخلوقة لله فمن خلق الله؟ لا يقال ذلك، لأن القول بأن الله هو خالق يعني أنه الأصل في الوجود الذي ترجع المخلوقات إليه، وصفات الخالق تتضاد مع صفات المخلوق، فالمخلوق محدود أما الخالق أزلي لا بداية له ولا نهاية، والمخلوق عاجز بينما الخالق قدير لا يعجزه شيء، والمخلوق محتاج فيما الخالق غني عن كل شيء، والجمع بين كون الله خالقاً ومخلوقاً في آن معاً هو جمع بين صفات متناقضة بحق الله، وهذا مستحيل عقلاً.

 وعدم التنبه إلى دور العقل ومجال عمله، أدى إلى ضياع كثيرين من المفكرين عبر العصور، نحو ما ذهب إليه أصحاب عقيدة وحدة الوجود، الذين اعتبروا أن العالم امتداد لله وأنهما شيء واحد في جوهره، مختلف في مظاهره، تسير جميع مكوناته ضمن حتميات تاريخية تخضع لقوانين الطبيعة. فقد ذهبوا إلى هذا القول الباطل انطلاقًا من تطبيق فهمهم لصفات المخلوق على الخالق، لذلك كان علم الله وخلقه وإرادته وذاته وغيرها من أفعاله وصفاته كلها وحدة واحدة عندهم، تعبر عن الله وتجلياته في صور مختلفة، وهذا تحكم تخيلي لا علاقة له بالعقل ولا يستقيم مع صفات الله الخالق الأزلي، وكل ما هو غير الله مخلوق له، محكوم بعلمه وإرادته وتدبيره.

وقد أدى عدم التمييز بين ما يمكن بحثه بالعقل وما يستحيل، إلى حدوث مشاكل كثيرة وكبيرة بين الفلاسفة والعلماء والمفكرين في أبحاثهم المتعلقة بالله سبحانه، منها تلك الفتنة الرهيبة التي وقعت في التاريخ الإسلامي بشأن البحث في صفات الله، هل هي عين ذاته، أم أنها غير ذلك، وما زالت آثارها قائمة ليومنا هذا، فقد انقسم علماء الإسلام فيها بشكل مأساوي، أدى إلى سفك دماء بعضهم، فضلًا عن تضليل بعضهم البعض، وصولًا إلى إصدار فتاوى تكفير بحق المخالف منهم للآخر، رغم أن منطلق كل منهم كان تنزيه الله سبحانه، إلا أنهم ضاعوا وأضاعوا بسبب غياب مرجعية واضحة للبحث وعرضه على غير صعيده.

خلاصة متطلبات منهج البحث الصحيح

ينبع الإيمان بالله سبحانه من فطرة الإنسان التي تفرض عليه اللجوء إلى الخالق القوي القاهر المتحكم في الكون، ما يمنحه شعورًا بالأمن والسكينة. إلا أن تعقيدات مشاكل الحياة ومفارقاتها وتحدياتها وتداخلاتها تدفع الإنسان إلى طرح أسئلة تتجاوز الركون إلى الإيمان المرتبط بالمشاعر الوجدانية، لا سيما فيما يتعلق بالخالق ذاته ومراده وعلاقة الإنسان به.

في هذا الإطار يتوجب على المرء أن يتنبه لمنهج بحث الأسئلة المطروحة حتى لا يقع في حبائل الوهم والشك والضياع. بهذا الصدد، يمكن تلخيص متطلبات منهج البحث الصحيح في الأمور التالية:

1- تحديد مجال العقل؛ إذ أن العقل هو مصنع الأفكار، ويتطلب إعماله وجود واقع متصل بالحس حتى يتمكن من إصدار الحكم عليه. فيما يجد الناظر إلى أغلب الأسئلة المطروحة من قبيل لماذا يفعل الله هذا ولا يفعل ذاك، لماذا يسمح الله بهذا، أو يمنع ذاك؟ يجدها تتعلق بعلم الله سبحانه وحكمته الذي تعجز العقول عن الإحاطة به، لذلك لا سبيل للعقل إليها. إضافة لهذا، فإن أسئلة الإنسان المتمحورة حول “لماذا” (المتعلقة بالله) مرتبطة كلها بمدى علم الإنسان القاصر، وحكمته المتأثرة بعوامل مؤقتة ومتغيرة، ولو كان الإنسان مطلعًا على الغيب لاستدرك كثيرًا من أحكامه وغير كثيرًا من قراراته وألغى كثيرًا من أسئلته.

2- عدم تطبيق معايير المخلوق على الخالق؛ إذ لا تصح محاولات فهم صفات الله من خلال تطبيق صفات المخلوق عليه. وجل الأسئلة الشائعة في المسائل المتصلة بالله، من مثل من خلق الله وأين الله ولم لا نرى الله … ؟ منبعها فهم المخلوق والتأثر بصفاته والانطلاق منها لفهم صفات الله سبحانه، وهذا كله خطأ، فالكائنات المخلوقة كائنات مادية، تأخذ حيزاً، وتتسم بالمحدودية، وتحتاج مكانًا وزمانًا تتحرك فيه، أما الله سبحانه فليس كمثله شيء، ولو أنه احتاج إلى شيء من ذلك لانتفى كونه خالقًا.

3- التركيز على دور الإنسان وجعله محور البحث؛ فمن شأن ذلك أن يحول دون عبثه في الحياة وغرقه في عالم الوهم والخيال. فمهمة الإنسان هي خلافة الله في أرضه ليطبق ما يحقق رضوانه ويعمرها بما يصلح أحوال الناس، وقد سخر الله لهم ما في السماوات وما في الأرض جميعًا لأداء أمانة هذا الاستخلاف، الذي يفرض على الإنسان الجد والاجتهاد فيما كتب له من حياة لتأمل سنن الله في خلقه، والوقوف على رسالته، والعمل بمقتضاها.

4- الوحي هو مرجعية معرفة مراد الله وتحديد دور الإنسان ومصيره بعد الحياة؛ يقول تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ). فالوحي هو الصلة بين الله تعالى وبين رسله الذين اختارهم لتبليغ رسالته للبشر، تلك التي تتضمن أمر الله ونهيه، حلاله وحرامه، نشوء الكون وما فيه، وقيام الساعة وما يليها من سؤال وحساب، ونعيم وعذاب. وكان الحكم له في الأول والآخر، في الظاهر والباطن (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)، له الخلق وله الأمر، يرزق وينصر من يشاء بعلمه وحكمته، ويحاسب فيثيب ويعاقب بعدله ويغفر لمن يشاء برحمته، ولا يظلم ربك أحدًا.

5- التمييز بين أحكام العقل وأحكام الوحي؛ من الخطأ الفادح الخلط بين وصف الشيء الذي يقع عليه الحس وبين بيان حكم التعامل معه.

فمثلًا إن العقل هو الذي يحدد إذا كان الحيوان الذي تم اصطياده غزالًا أم خنزيرًا، فيما يمثل الوحي المرجع في بيان جواز أكل لحم الغزال وحرمة أكل لحم الخنزير.

كذلك فإن العقل هو الذي يحدد إذا كان النصر ممكنًا في المعركة، فيما يأتي الوحي لبيان أحكام القتال، متى يكون واجبًا ومتى يكون جائزًا ومتى يكون محرمًا. والعقل هو الذي يحدد معايير المشروع التجاري الناجح فيما يحدد الوحي أحكام المشاريع من حيث جواز أو حرمة القيام بها. وفيما يقوم الإنسان بكل ما من شأنه الانتصار في المعركة والنجاح في التجارة والتفوق في التعليم، فإن الإيمان بأن النصر والرزق والتوفيق من عند الله هو جزء من عقيدة المسلم، لا ليقعده عن التفكير والعمل، بل ليحفزه على ذلك، فمن وعى ذلك لا يقعده عن تحقيق المنجزات العظام شيء. إنه الإيمان الدافع للقيام بدور الإنسان في الحياة على أتم وجه، لا إيمان الكسالى والمتواكلين والمتخلفين عن الأخذ بسنن الله وشريعته.

526

الكاتب

حسن الحسن

أكاديمي من فلسطين يعمل أستاذاً جامعياً في بريطانيا في مجال العلوم والتكنولوجيا. بكالوريوس هندسة كمبيوتر وماجستير في أنظمة المعلومات. كاتب في مجال الفكر والسياسة.

التعليقات

  • جمعان منذ 3 أشهر

    اقحام العقل في معرفة تدبير الله في الخلق يبعث الخبال ولكن التدبر في ايات الله والحكمة من الخلق مثلاً تدبر ايات سورة الملك تدبر ايات سورة اي التدبر في سورة الليل ولا استثناء في قول الله، واهمال السنة وفعل وقول وتقرير والتصديق واحسان الضن بخا فيها الخير الكثير على سبيلا المثلا فهي تقطع الطريق لمن يبحث عن شخص الله فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم في التحذير من الدجال (تعلمون انه لن يرى احدكم منكم ربه عز وجل حتى يموت)

    رد
  • معاوية الحاضر منذ 3 أشهر

    صدقت يا أخي الكريم

    رد

    اترك تعليق

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.