الصراع من أجل الخلاص من مجتمع الديون

يتلّخص معنى مصطلح مجتمع الدّيون في غرق المجتمع بطبقتيه المتوسطة والفقيرة في ديونٍ متراكمةٍ ناتجة عن أقساطٍ أو مبالغٍ كانوا قد اقترضوها لحاجةٍ ما، والتي تضنيهم بالتفكير في كيفية الخلاص منها، والانتقال إلى حالة مالية مستقرة، لا تهددها أقساط شهرية للدولة أو الشركات، ولا تعكّرها فوائد بنكية مضنية ومضاعَفة.

ولتحقيق ذلك لا بد من الانتباه جيدًا إلى الطريقة التي تُصرف بها الأموال، وكيفية توزيعها توزيعًا سليمًا يغني عن الاقتراض والاستدانة.

أخطاء تؤدي إلى صناعة مجتمع الديون

هناك بعض الأخطاء التي لا ينتبه لها الجميع لكنها تساهم مساهمة مباشرة في صنع مجتمع الديون، وهي:

عدم تقدير القدرة المالية

من المهم جداً تحديد القدرة المالية للفرد قبل الإقدام على أي أمر يستلزم الدفع، حيث إن شراء أو تكلُّف مصاريف أكبر من قدرة الفرد المالية، يجعله بحاجة دائمة للمال كي يؤدي الالتزامات المالية المترتبة عليه.

ومن الأمثلة على ذلك: التسجيل في جامعة أقساطها لا تتناسب مع القدرة المالية للشخص، أو تسجيل الأطفال في مدارس ذات أقساط مرتفعة لا تتناسب مع دخل الأسرة، أو شراء منزل غالي الثمن أو سيارة فارهة لا تملك القدرة الكافية على شرائها.

لذلك، من الأفضل تحديد قدرتك المالية قبل اتخاذ القرار بالشراء أو الدفع، وتحديد ما إذا كنت تستطيع السداد بشكل مريح، ولا يحمّلك أي أعباء مالية إضافية، تدفعك للاقتراض.

تأجيل الدفع المباشر

ويأخذ تأجيل الدفع العديد من الأشكال سواءً باستخدام البطاقات الائتمانية، أو من خلال التسديد بالأقساط؛ فالبطاقات الائتمانية تشجع الناس على الصرف الكثير بدون وعي أو رقابة، مما يؤدي إلى تراكم المبالغ وإضافة فائدة عليها، كذلك السداد عن طريق الأقساط يترتب عليه إضافة فوائد لقاء تسديد المبلغ كاملًا على مراحل تتوزع على عدة شهور، وربما على سنوات، مما يثقل الكاهل في الدفع لفترات طويلة، مع نقص الدخل الشهري بشكل دائم لتسديد القسط أو لدفع فواتير البطاقة الائتمانية.

وقد يأخذ تأجيل الدفع شكلًا آخر وهو عدم الدفع فورًا للبائع، والتسديد لاحقًا، ولهذا عواقب تتمثل في استسهال الديون، مع تراكمها عليك، وقد تضطر للاستدانة مرة أخرى من شخص آخر لتسديد دينك الأول، فتجد نفسك أخيراً في دوامة من الديون لا تستطيع الخلاص منها.

الاقتراض من البنوك

من أهم الأسباب التي تؤدي لصناعة مجتمع الديون، فالاقتراض من البنوك لأجل شراء حاجةٍ ما، أو لأجل دفع قسطٍ كبيرٍ، من أسوأ القرارات المالية، لما له من عواقب غير محمودة؛ فالبنوك تغريك بالاقتراض عن طريق الكثير من العروض الوهمية، وذلك لأجل هدفٍ واحدٍ فقط، وهو تضخيم المبلغ المُقترض بوضع فوائد ربوية كبيرة عليه، وكلما تأخر السداد، تضاعفت قيمة الربا على القرض، وتضاعف معها عجزك عن التسديد نظراً لحجم المبلغ الذي تخطى قدراتك المالية؛ لتجد نفسك غارقاً بدينٍ طويل الأمد.

والجدير بالذكر هنا أن الإسلام قد حذر من هذه القروض التي تستخدم الأسلوب الربوي في الدفع، لذلك لا بد من الوعي جيداً بالآثار المترتبة على الاقتراض من البنوك، دينياً ودنيوياً.

حب الشراء

حبّ الإنفاق في شراء حاجيات جديدة يعتبر من أكثر الأسباب المؤدية إلى الغرق في الديون، وهذا متفشٍ كثيراً بين أغلب الناس، فتراهم يشترون الأشياء سواء كانوا بحاجتها أم لا، وذلك فقط لأنهم يحبون التسوق والشراء، ويشعرهم بالسعادة، أو ليروا بأن حياتهم أفضل خاصةً في ظل انتشار المثاليات والحياة الفارهة على وسائل التواصل الاجتماعي.

وفي ضوء هذا سنتذكر قصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع جابر بن عبد الله رضي الله عنه، حيث رأى معه لحماً معلّقاً بيديه، فقال له: “ما هذا يا جابر؟” قال: “اشتهيتُ لحماً فاشتريته”، فقال عمر رضي الله عنه: “أو كلما اشتهيت اشتريت يا جابر”

وفي القصة السابقة دعوة لكبح النفس وضبطها أمام حب الشراء للأشياء، فهذا من أهم الأسباب التي تجعلنا عاجزين عن التحكم بأموالنا من خلال صرفها على أشياء لا نحتاجها بالأصل.

الخلط بين الكماليات والضروريات

عدم تحديد الضروريات بشكل مسبق، واعتبار الكماليات ضروريات من أكثر ما يؤدي إلى عدم كفاية الوارد المالي الشهري، واللجوء للاستدانة لتلبية بقية الاحتياجات.

وتختلف الكماليات والضروريات من فردٍ لآخر، ومن أسرةٍ لأخرى، ومن أهم الضروريات: سداد أقساط التعليم، أو شراء حاجيات المنزل، كذلك تأمين مستلزمات التعليم للجامعات أو المدارس وغيرها..

ومن الأشياء التي يمكن اعتبارها من الكماليات حضور الفعاليات والمهرجانات التي تشجع على المزيد من الشراء، أو ارتياد المطاعم على نحو مستمر، وتغيير أثاث المنزل والهواتف المحمولة أو السيارة.

حلول مساعدة للتخلص من مجتمع الديون

وضع خطة مالية

يساعد وضع خطة مالية للتحكم بالصرف الشهري، على الصرف بعقلانية، ومن الخطط المالية الفعّالة خطة (50- 30- 20)، وهي من القواعد المالية التي تساعد على تقسيم المصروف الشهري تقسيمًا صحيحًا، وتنص هذه القاعدة على ما يلي:

  • 50% من الدخل مخصص للحاجات الضرورية، مثل إيجار المنزل وحاجياته، ومصاريف التعليم والأطفال.
  • 30% للترفيه أو يمكن القول: للكماليات.
  • 20% للادخار.

حاول تقسيم دخلك الشهري بهذه الطريقة، من أجل المحافظة على مبلغ للادخار للحالات الطارئة، فذلك سيجعلك غنيًا عن الاستدانة من أحد.

الابتعاد عن بطاقة الائتمان والاقتراض من البنوك

حاول استبدال بطاقتك الائتمانية بأخذ مبلغ معين من المال معك عوضاً عنها، فذلك يعوِّدك على عدم تجاوز المبلغ المتاح معك، وبالتالي عدم الإسراف في الشراء.

كذلك ينبغي الابتعاد عن القروض البنكية، والاستعاضة عنها بمحاولة الادخار الشهري لتوفير المبلغ الذي تحتاجه.

الحصول على وارد إضافي

من الممكن البحث عن عمل إضافي لتحقيق مدخول شهري أعلى لتغطية مصاريفك، أو التفكير في إنشاء استثمارك الخاص، والذي سيعود عليك بأرباح إضافية حتى وإن كانت صغيرة لكن تساعدك على تجنب اللجوء إلى الديون، فهذا الاستثمار يمكن أن يكبر مع الوقت ويعود عليك بأرباح أكبر.

دفع ديونك السابقة بدون تأخير

فالتأخير في دفع الديون يجعلك دائم التأجيل لها وربما يضطرك إلى الاستدانة مجدداً لتسديدها، فلا بدّ من تسديد ديونك فورًا، وعلى قدر استطاعتك، كي لا يترتب عليك ديون جديدة.

موقف الإسلام من الديون

شرع الإسلام الديون وأباحها، ولكن بشرط خلوّها من الربا أو المحظورات الشرعية، وذلك للمساعدة على قضاء حاجات الأفراد وتفريج كرباتهم.

وشدَّد الإسلام على عدم التهاون في سداد الدين ووضع له ضوابط لحفظ حقوق الأفراد، فنصَّ على كتابة الدين لأجلٍ مسمى أي إلى وقتٍ محدد، حتى يتمكن المستدين من التسديد، مع وجود الشهود على ذلك، كما حذَّر من كتم الشهادة على الدَّين واعتبارها إثما، ونجد ذلك في القرآن الكريم في سورة البقرة في الآيتين (282 – 283) اللتين ورد فيهما شروط الاستدانة.

وأما عن الربا فقد أكدّ القرآن الكريم على تحريم الربا بصورةٍ صريحةٍ في سورة البقرة في الآية (275) بقوله تعالى: {وأحلّ الله البيع وحرّم الربا}، لذلك لا بدَّ من تجنّب أي ديون تترتب عليها الربا.

وختاماً نود التأكيد على اتباع الحلول الواردة لبناء مجتمع مستقر مالياً، وخالٍ من الديون، ليكون أكثر قوةً وقدرةً على الإنتاج.

المصادر:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى