تطارد الدعاية الناس في كل مكان على شاشات التلفاز، وعلى الإنترنت، وفي الطرقات، وعلى الجدران؛ في كل الأماكن تتم المطاردة. هذه المطاردة تولد داخل الإنسان رغبات ملحة لشراء الشيء المعلن عنه. ويتفنن المسوقون في اللعب على الأوتار الحساسة لدى الناس حتى يُوجدوا داخل الناس الرغبات في الشراء.

وعند تعرض الشخص إلى الدعاية الموجهة، والتي تعرف إلى أين تصوب في عقل ونفسية الإنسان؛ تتولد بداخله رغبة في الشراء، ويبدأ في التفكير كيف يحصل على هذه السلع. ثم يبدأ في أخذ الخطوات الفعلية لامتلاك السلعة، ثم يبدأ في الغوص في بحار الاستهلاك للسلع التي يتعرض لإعلاناتها.

الاستهلاك العقلاني والاستهلاك الشهواني

في الأصل أن الاستهلاك من أهم الأمور التي يحتاجها الاقتصاد لكي يستمر؛ وذلك لأن الاستهلاك يعني شراء السلع والخدمات. وشراء السلع والخدمات هو الذي يحفز المنتجين على الاستمرار في الإنتاج للحصول على الأرباح.

ولكن الاستهلاك المهم للاقتصاد هو الاستهلاك العقلاني وليس الاستهلاك الشهواني. الاستهلاك العقلاني يتم فيه استهلاك السلع والخدمات الضرورية أو الحاجية أو الكمالية بصورة معتدلة. أما الاستهلاك الشهواني الذي يناقض العقل فيتم بناء على الشهوة. والشهوة الاستهلاكية يتم توليدها في داخل الأشخاص عن طريق محترفي التسويق؛ الذين يتفننون في عمل إعلانات دعائية تلعب على مشاعر الناس، وتحفز فيهم الرغبة للشراء حتى إن لم يكن للشخص حاجة في الشراء.

وهذا الاستهلاك الشهواني بدأ يغزو العالم بصورة مخيفة عن طريق شعارات براقة ظاهرها النفع وباطنها الانتهازية، تحوي في ظاهرها الرغبة في نفع الأشخاص، ولكن هي في حقيقتها امتداد لجشع الشركات الكبرى التي تكدس ثرواتها عن طريق اللعب على عواطف ومشاعر البسطاء. ومن أشهر الشعارات التي ظهرت في الفترة الأخيرة شعار “اشترِ الآن .. وادفع لاحقًا”.

كيف ظهرت فكرة “اشترِ الآن .. وادفع لاحقًا”؟

يحكي لنا التاريخ أن المستهلكين كانوا يسعون إلى شراء المنتجات التي يتم إنتاجها من المتاجر أو المصانع بصورة دورية، ففي القديم كان الطلب على المنتجات أكبر؛ لذا كان المشتري أو طالب السلعة هو الذي يسعى للحصول عليها.

وهذا لأن التصنيع كان إلى حد ما بدائيًا وكانت المعدات والآلات التي تعمل في التصنيع بدائية فكانت دورة الإنتاج بطيئة، ثم مع التطور الكبير الذي حدث في التصنيع والإنتاج زادت المنتجات السلعية في الأسواق بصورة كبيرة، فتحول حال السوق إلى العكس وأصبح المعروض هو الأكثر في الأسواق. فأصبحت السلع في الأسواق كثيرة جدًا ومتنوعة بصورة كبيرة. هذا الأمر ساعد في ظهور مهنة جديدة في الأسواق؛ وهي مهنة التسويق، والتي ستعمل على ترويج السلع التي أصبحت كثيرة في الأسواق. فأصبح التسويق هو حجر الزاوية لجميع المنتجات الموجودة في الأسواق اليوم، لأن زحام الأسواق بالمنتجات يجعل فرص البيع قليلة، فيأتي دور التسويق الذي يساعد على ترويج السلع.

وبسبب كون السوق مزدحمة بصورة كبيرة بالسلع والخدمات لذا عمد المسوق إلى ابتكار طُرق جديدة في التسويق. وآخر ما تفتقت عنه أذهان المسوقين هي فكرة “اشترِ الآن .. وادفع لاحقًا”.

ما هي فكرة “اشترِ الآن وادفع لاحقًا”؟

هي إحدى خدمات التكنولوجيا المالية الجدية FinTech، والخدمة أصبحت اليوم في أغلب متاجر التجزئة حول العالم. وخدمة “اشترِ الآن .. وادفع لاحقًا” تعني Buy Now Pay Later. وأشهر مقدمي هذه الخدمة في العالم شركات Afterpay – Affirm – sezzle. وقد انتشرت أيضًا في الوطن العربي بصورة كبيرة وتقدمها شركات: تمارا، وتابي، بوست باي.

تقوم فلسفة هذه الخدمة على أن الأشخاص الذي يرغبون في شراء حاجياتهم وليس لديهم الأموال الكافية لشرائها الآن، كان في القديم عليهم أن ينتظروا مدة حتى يتم تجميع ثمن السلعة المطلوبة عن طريق الادخار. هذا يجعل الشخص يتأخر في الحصول على السلعة بسبب الانتظار حتى يجمع ثمن السلعة، بسبب هذا التأخير ربما يزيد ثمن السلعة، أو ربما يظهر منتج جديد بإمكانيات جديدة يجعل الشخص يفكر مرة أخرى في عملية الشراء. لذا ابتكر المسوقون فكرة “اشترِ الآن .. وادفع لاحقًا”؛ فليس من الضروري أن يكون لدى الشخص الأموال المطلوبة للشراء الآن، ولكن يمكن الشراء الآن ودفع المقابل بعد مدة معينة -شهر مثلًا-، على أن يكون السداد على دفعات بدون فوائد، هذه هي الفكرة العامة لطريقة “اشترِ الآن .. وادفع لاحقًا”.

وحديثًا انتقلت خدمة “اشترِ الآن .. وادفع لاحقًا” إلى الشرق الأوسط بصورة كبيرة؛ فتم إنشاء شركات في كثير من الدول العربية منها السعودية، ومصر، وغيرهما. ومن أشهر هذه الشركات:

  • شركة “تمارا Tamara” وهي إحدى الشركات الموجودة في السعودية. وشعارها “اشترِ الآن .. وادفع بعدين”. وتملك أكبر حصة في السوق السعودية للبيع عن طريقة خدمة “اشترِ الآن .. وادفع لاحقًا”.
  • شركة “تابي Tabby” تم تأسيسها في عام 2019، ومقرها في دولة الإمارات. وتعد من أكبر شركات الدفع اللاحق في الخليج العربي.
  • شركة “سبوتي Spotii” هي إحدى الشركات الحديثة نسبيًا التي بدأ نشاطها بعد انتشار خدمات الدفع الآجل.
  • شركة “سيمبلي Symbl” وهي أول شركة مصرية تقدم خدمة الدفع اللاحق للمشتريات تحت شعار “اشترِ الآن .. وادفع لاحقًا”.
  • شركة “شهري Shahry” هي إحدى الشركات الحديثة في خدمة اشترِ الآن .. وادفع لاحقًا. وهي شركة مصرية تقدم خدماتها بأقل الضمانات بصورة البطاقة فقط.

المشكلات التي تسببها “اشترِ الآن وادفع لاحقًا”

عند النظر إلى هذه الفكرة لأول وهلة تشعر وكأنها مفيدة للمستهلكين الذين لا يملكون الأموال الآن؛ خاصة وأن السداد سوف يكون بدون فوائد حتى لا يزيد سعر السلعة فيشعر المستهلك بالغبن، وحتى لا يكون هناك حساسية دينية بسبب حرمة الربا. ولكن في الحقيقة هذا غير صحيح بالمرة، لأسباب كثيرة منها.

1- التورط في الشراء بسهولة

إن هذا الخدمة تعمل على توريط الناس في شراء كثير من الأشياء هم في غنى عنها، لأن الشخص عندما يذهب إلى الشراء يحسب عادة حسابات للمدفوعات التي سيقوم بدفعها، وينظر في واردته ومصروفاته لكي يأخذ قرار الشراء بصورة سليمة، لكن الشراء عن طريق خدمة “اشترِ الآن .. وادفع لاحقًا” يقطع على الأشخاص التفكير في الواردات والمصروفات ويغريهم بالشراء سريعًا، خاصة وأن الشخص سيأخذ السلعة ويذهب دون أن يخرج من جيبه مليمًا واحدًا؛ مما يجعل عملية الشراء خفيفة الوطأة على قلبه، فيجعل الإنسان يأخذ قرار الشراء دون تفكير مناسب لظروفه.

وعدم التفكير هذا مقصود في عملية التسويق بل تجد كثيرًا من الإعلانات تصرح به وتقول “هذا فرصة .. لا تفكر” أو تقول “لا تفكر .. السعر لا يقارن” أو ما شابه من العبارات حتى يأخذ الشخص قرار الشراء بصورة متسرعة دون روية وتفكير.

2- الربا في معاملة “اشترِ الآن .. وادفع لاحقًا”

سداد ثمن هذا المنتجات التي حصل عليه الشخص إن تم في الوقت المحدد فلن يقع على الشخص زيادة في سعرها، وهذا قليلاً ما يحدث، وإذا حدث تأخر أو تخلف عن السداد فإن السعر يتغير، ويتم إضافة الفوائد على السعر الأصلي، وهذا الذي يحدث في الغالب.

وهذا يظهر بوضوح أن هذا التعاملات ليست خالية من الربا والمحاذير الشرعية كما يروج لها، بل هذه العملية تنص على الربا في العقد لكن بطريقة غير مباشرة؛ فهم يقولون ليس هناك فوائد إذا سدد المشتري في الموعد المحدد، ولكن إذا لم يدفع فسيتم حساب فوائد تأخير عليه. وهذا هو الربا “ربا النسيئة”، والدخول في هذا التعاملات لا يجوز لأن العقد يحتوي على شرط ربوي حتى وإن نويت ألا تخالف وتسدد قبل الموعد حتى لا تقع في الربا؛ فإنه لا يجوز التعاقد على شرط ربوي.

3- الإغراق في رفاهية الاستهلاك

تعمل الرأسمالية المعاصرة على إغراق الناس في الاستهلاك وربطهم نفسيًا وعاطفيًا بالاستهلاك الشهواني، حتى تستطيع أن تبيع جبال السلع المتراكمة في الأسواق. فيعملون على اللعب على كل شيء من أجل أن يشتري الناس ويغرقون في الاستهلاك. بصرف النظر عن أي شيء آخر؛ فإن الناس في نظر الرأسمالية المعاصرة ما هم إلا مصادر لتحصيل النقود بأي طريقة.

فاشترِ الآن .. وادفع لاحقًا معناها اشترِ منا ما ترغب حتى تعمل وتتعب ونحن نحصل نتيجة تعبك في صورة الأقساط التي تسددها. وكذلك تعمل الرأسمالية المعاصرة على إغراق الناس في الديون حتى لا يكون أمامهم فرصة في التخلي عن الرفاهيات التي يحصلون عليها بسهولة عن طريق الشراء بهذه الطرق السهلة في الظاهر، والمورطة في الباطن.

176

الكاتب

نبيل صبحي

باحث اقتصادي، ومحلل بيانات، ومدير مالي

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.