عرض الله -تعالى- أمانة التكليف على المخلوقات فأبت جميعًا حملَها، إلا الإنسان الذي قبلها. يقول -تعالى-: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) [الأحزاب:72]. “فانقسم الناس -بحسب قيامهم بها وعدمه- إلى ثلاثة أقسام: منافقون، قاموا بها ظاهرًا لا باطنًا، ومشركون، تركوها ظاهرًا وباطنًا. ومؤمنون، قائمون بها ظاهرًا وباطنًا”.1

وسنعرض في هذا المقال أهم فتنة تعتري الملتزم في سيره إلى الله، وطُرُق تجنُّبها، وسنُبيِّن أهم الأخطاء التي يرتكبها، والتي تؤدي غالبًا إلى عدم ثباته في هذه المسيرة الربانية.

فتنة النساء

ركَّبَ الحق -سبحانه وتعالى- في النفس البشرية حبَّ الشهوات من النساء، وجعلها غريزة طبيعية لحكمة أرادها. قال -تعالى-: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ) [آل عمران: 14].

وتُعتبر فتنة النساء من أشدِّ الفتن التي تفتك بالملتزم على مرِّ السنين، وتعرقل سيره إلى الله. وهذا ما أكده نبينا -صلى الله عليه وسلم- حين قال:

مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ (2).

ومع سرعة انتشار المحرّمات في الواقع والمواقع؛ كَبُرَ حجم هذه الفتنة، فلا يكاد يلتفت العبد يمنة ولا يسرة إلا ويجد نفسه محوطًا بها.

ومن أبرز الطرق التي تعين على تجنب هذه الفتنة:

  • الحذر من إنشاء علاقاتٍ معهنّ، خصوصًا على مواقع التواصل الاجتماعي، وسدّ أي باب قد يؤدي إلى افتتان المرء بهن. قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ) [النور:21].
  • المسارعة للزواج لمن لديه القدرة، والصوم لمن لم يجد للزواج سبيلًا. فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود قال: “قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ” (3).
  • مجاهدة النفس على غض البصر؛ لأن النظرة سهم من سهام إبليس. قال -تعالى-: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ). [النور:30].
  • مجالسة الرفقة الصالحة، والحذر من رفقاء السوء، كما قال -صلى الله عليه وسلم-:

المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل (4).

  • ملء وقت الفراغ بما يعود على المرء بالنفع؛ فالفراغ من أعظم أسباب الذنوب وخاصة الكبائر، ومن أجلّ أسباب الاكتئاب والاضطراب النفسي. لذا وجب على الملتزم أن يشغل نفسه، ويهرب من الفراغ إلى الحياة حفاظًا على دينه ودنياه. يقول الأديب علي الطنطاوي -رحمه الله-: “لقد جربت زحمة الأعمال، وكثرة الإرهاق، فوجدت الفراغ أصعب منها بكثير”. ويقول النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ) (5).

حقيقة الابتلاء

من تدبر آيات الله، وتمعن فيها، وتمعن في مقاصدها وحقائقها؛ علم حقيقة الابتلاء. فقد يبتلي الله -عز وجل- عبده بالجوع، وبقلَّة الأموال والأنفس والثمرات، وبفقدان الحبيب، وبالهمّ والغمّ، ليميز الله بذلك المؤمن من الكافر، والصادق من الكاذب. يقول الحق -سبحانه وتعالى-: (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) [البقرة:155].

“ثم قال -تعالى ذكره- لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: يا محمد، بشِّرْ الصابرين على امتحاني بما أمتحنهم به، والحافظين أنفسهم عن التقدم على نَهْيي عما أنهاهم عنه، والآخذين أنفسهم بأداء ما أكلفهم من فرائضي، مع ابتلائي إياهم بما أبتليهم به، القائلين إذا أصابتهم مصيبة: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. فأمره الله -تعالى ذكرُهُ- بأن يخصّ -بالبشارة على ما يمتحنهم به من الشدائد- أهلَ الصبر، الذين وصف الله صفتهم” (6).

ومن آمن بأن هذه المصائب كانت مكتوبة عليه في أم الكتاب، وكان لا بد من وصولها إليه ووقوعها عليه؛ عاش في جو إيماني وهو لا يتسخط على أقدار الله.

وهم الالتزام

من أضرِّ الأشياء على العبد، أن تكون له عقلية ثنائية البُعد في التعامل مع خالقه ورازقه. وهذا الأمر مُشاهَد في كلام الناس اليوم وفي تطبيقاتهم. حيث تجد أشخاصًا يتسخطون لأن الله -عز وجل- لم يستجب لدعائهم، وآخرين معترضين على أقدار الله، وحال لسانهم يقول: لِمَ الله -عز وجل- من بين جميع الخلق يختبرنا ويبتلينا؟

فهؤلاء لم يعرفوا سنَّة الله في خلقه، ولم يعرفوا الغاية من الابتلاء، والحق -سبحانه وتعالى- يقول: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) [البقرة: 214].

وطائفة تظن أنها إن سلكت طريق الله أقبلت عليها الدنيا بحذافيرها، فيصير لديهم “إيمان مشروط”، وهذا ما أكده الحق في كتابه، حين قال: (وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍۢ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ) [الحج: 11]. وبعضهم ينحرف عن الشرع انتقامًا من أخطاء بعض المنتسبين له.

يقول الشيخ “عبد العزيز بن مرزوق الطريفي”: “غريزة الإنسان تنشغل بالمصائب أكثر من النعم، لهذا سمَّاه الله في القرآن (كنودا)؛ روى ابن جرير عن الحسن في قوله: (إن الإنسان لربه لكنود) [العاديات:6] قال: “لوَّام لربه، يعد المصائب، وينسى النّعَم” (7).

فيا لها من خسارة! ويا له من حرمان! أن يكون الحقّ اصطفاك على هذا الدين العظيم، وأنت لا تدري أصلًا ما دورك في هذه المعادلة! ولم تستشعر بعد تلك المعاني الأخروية الرشيدة!

الأخطاء التي يقع فيها الملتزم

الاغترار بصلاح الأعمال. وقد حذر النبي- صلى الله عليه وسلم- من هذه الآفة، فقال: “لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الجَنَّةَ. قَالُوا: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لاَ، وَلاَ أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا…” (8).

عدم اللجوء إلى الله والتضرع والتذلل له، ودعائه في كل صلاة وحين بالثبات على هذا الدين. وقد كان منهج الأنبياء والرسل دعاء الله الثبات والاستقامة على الدين، بالرغم من علوّ إيمانهم ومدى تعلقهم بالوحي. فهذا خليل الله وابنه يتضرعون إلى الله قائلين: (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ) [البقرة: 28].

عدم الاستفادة من بركة كتاب الله، والعيش معه؛ فكلام الله هو النور والطريق المستقيم؛ وكلما تشبّع العبد بألفاظ ومعاني القرآن، كلما قوي ثباته، وأعد العدة للقاء ربه. قال -تعالى-: (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ) [الأعراف: 170].

عدم الصدق مع الله. قال -تعالى-: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَة وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْس). ثم قال -سبحانه- بعد هذه الأوصاف كلها: (أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) [البقرة: 177].

نسيان اليوم الآخر، والتعلق بالدنيا تعلقًا غير سليم. قال الحسن: “والله ما أحد مِن الناس بُسط له في أمر من أمور دنياه، فلم يخف أن يكون ذلك مكرًا به، واستدراجًا له، إلا نقص ذلك من عمله، ودينه، وعقله. ولا أحد أمسك الله الدنيا عنه، ولم يرَ أن ذلك خير له، إلا نقص ذلك من عمله، وبان العجز في رأيه” (9).

الاستهزاء بأصحاب المعاصي والذنوب، وعدم استحضار أن الفرق بينك وبينهم هي رحمة الله، وسعة حلمه. قال -تعالى-: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا) [النساء:83]. وقال -صلى الله عليه وسلم-: “من رأى مبتلى، فقال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلا، لم يصبه ذلك البلاء” (10).

ذنوب الخلوات: كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “لأعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا). قَالَ “ثَوْبَانُ”: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لاَ نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لاَ نَعْلَمُ، قَالَ: “أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا” (11).

قلة أعمال السر: كصلاة الليل، والصيام… قال “ابن القيم” -رحمه الله-: “الذنوب الخفيات أسباب الانتكاسات، وعبادة الخفاء أصل الثبات”. وقال الشيخ “عبد العزيز الطريفي” -فك الله أسره-: “فكلما زاد خفاء الطاعات كلما زاد ثباتك، كالوتد المنصوب يثبت ظاهره بقدر خفاء أسفله في الأرض، فيقتلع الوتد العظيم، ويعجز عن قلع الصغير.. والسر فيما خفي”.

عدم المحافظة على النوافل؛ لأن المحافظة عليها محافظة على الفرائض.

عدم الإخلاص في القول والعمل، ومتابعة النبي -صلى الله عليه وسلم-. فينبغي للمرء أن يكون حريصًا على البعد عن مواطن الظهور والشهرة، إلا أن يكون في ذلك مصلحة شرعية. قال “إبراهيم بن أدهم” -رحمه الله-: “ما صدق الله من أراد أن يشتهر” (12).

عدم استحضار اليوم الآخر؛ لأن استحضار اليوم الآخر باب مهم في ثبات المرء. قال -تعالى-: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) [البقرة: 46].

قلة ذكر الله: فالمرء كلما ذكر الله كلما قوي إيمانه. وينبغي أن يهتم بالحَوْقَلَة ويكثر منها، ويتدبر معنى لفظها “لا حول ولا قوة إلا بالله”. لأنك بذلك تتبرأ من حولك وقوتك إلى حول الله وقوته؛ إذ لا هداية، ولا رجوع من معصية إلى طاعة، ولا من سقم لعافية إلا بحول الله وقوته.

عدم المسارعة إلى التوبة عند كل ذنب، قال -تعالى-: (وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) [آل عمران:133-134-135-136].

استصغار الذنوب. قال -صلى الله عليه وسلم-: “إيَّاكُم ومُحقَّراتِ الذُّنوبِ، فإنَّهنَّ يجتمِعنَ على الرَّجلِ حتَّى يُهْلِكْنَهُ. وإنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ضربَ لَهُنَّ مثلًا: كمثلِ قومٍ نزلوا بأرضٍ فلاةٍ، فحضرَ صَنيعُ القومِ، فجعلَ الرَّجلُ ينطلقُ، فيجيءُ بالعودِ، والرَّجلُ يجيءُ بالعودِ، حتَّى جمَعوا سَوادًا، وأجَّجوا نارًا، فأنضَجوا ما قذَفوا فيها” (13).

كُفر النعمة. قال الله -تعالى-: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) [إبراهيم:7]. قال “ابن كثير”: أي لئن شكرتم نعمتي عليكم لأزيدنكم منها، ولئن كفرتم أي كفرتم النعم وسترتموها وجحدتموها إن عذابي لشديد، وذلك بسلبها عنهم وعقابه إياهم على كفرها (14).

ما مآل التضحيات التي يقوم بها الملتزم في سيره إلى الله؟

أجمع عقلاء كل أمة أنّ النّعيم لا يدرك بالنّعيم، وأنّ الكرامة الحقيقية للإنسان هي سلامة دينه لا سلامة دنياه، وأنّ التنعّم برؤية الحقّ -سبحانه- يوم القيامة يمرّ بتمحيصٍ. فلا بدّ من إنزال العبَرات، وتذوّق شيء من المآسي والأزمات، ليميز الله الخبيث من الطيّب.

ولكن هذه المرحلة هي في عمقها وحقيقتها ارتقاء للمؤمنين، وتدبير من العليم الحكيم، للاستقامة على طريق الحقّ والموت عليه؛ والذي ينبغي أن يعلمه الملتزم بدين الله أن المؤمنين قد يُغلبون أحيانًا ويعتدى عليهم، ولكن العاقبة لا بدّ أن تكون لهم متى داوموا على التمسك بدينهم الحق.

كما أكد ذلك تعالى في كتابه فقال:

(إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) [غافر:51].

وينبغي أن يعلم أيضًا أن اشتداد الأزمة هي أول لحظات شروق أضواء الفرج بإذن الله؛ لذا فليواصل مسيرته حتى يُبشّر، وتستقبله الملائكة بالتّهاني والخبر اليقين: (وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ) [الرعد: 23-24].

502

المصادر
الكاتب

بدر الدين البرغزي

طالب هندسة كهربائية، يؤمن بالنهضة سبيلًا لخلاص الأمة، شغوف بدراسة القضايا المعاصرة على ضوء القرآن الكريم.

التعليقات

  • ابراهيم البرغزي منذ شهرين

    جزاك الله خيرا كثيرا على ماتقدمه ، موضوع صريح و معاصر و فيه منافع كثيرة للناس ، عسى الله عز وجل أن يثبتنا على الطريق المستقيم ، و يجزيك خيرا و عافية في بدنك و أهلك 💙💙💙

    رد
  • سالك بوعولتين منذ شهرين

    ماشاء الله حفظك الله أستاذ بدر، مقال جميل جدا، وغاية في الأهمية يضع النقاط على الحروف ويحذر من أسباب الانتكاسة.
    نسأل الله الثبات حتى الممات

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.