إن المجتمعات عندما تنهض وترتقي وتتقدم، إنما ترتفع في سلم الأمم بناء على معتقدات وأفكار حتى ولو كانت ضالة فاسدة ولكن هذه الأفكار هي التي أهلتها لتجمع الأفراد حتى أصبحوا مجتمعًا له مقومات الدولة من جيش واقتصاد وحياة اجتماعية وغير ذلك من الأمور.

فالعقيدة ضرورية كما يذكر اللواء الركن محمود شيت خطاب: “إن العقيدة ضرورية للغاية للقائد وللجنود، والتمسك بعقيدة فاسدة خير من التخلي عن أي عقيدة”، وقديمًا قالوا: “لو اعتقد أحدكم في حجر لنفعه”.

ولا عجب أن الأفكار والعقائد الفاسدة حتى للدول التي تخلت عن دين الله تمامًا هامة جدًا للنهوض والارتقاء ولو لفترة زمنية وجيزة في الزمان، لأن الأفكار الفاسدة قد تقوم عليها أمة ولكن لا تستمر لآخر الزمان بهذه العقيدة الفاسدة، فالدول الاشتراكية التي تخلت رسميًا عن دين الله، تجدها تتمسك رسميًا بعقيدتها الماركسية وتتعصب لها، ومهما يكن رأي الناس في هذه العقيدة، إلا أنها عقيدة بالنسبة لمعتنقيها: يؤمنون بها ويضحون من أجلها، ويعملون على نشرها بين الناس وللعقيدة أثر كبير لا يتخيل في النهوض بالأمم وبتركها تنهار هذه الدول وتلك الأمم التي قامت على هذه العقيدة، وعلى سبيل المثال فمكة قديمًا وقبل الإسلام لم تكن ذات شأن إلا لفئة قليلة بالنسبة إلى مجموع العالم آنذاك، بل لم يكن العرب ذو مكانة مهابة بل كانوا مشتتين ومفرقين إلى قبائل تحارب بعضها بعضًا على أتفه الأسباب ولكم في حرب البسوس وغيرها عبرة، وكان الوضع هكذا إلى أن جاء الإسلام فوحد الأفكار وحورب أشد الحرب ولكنه نجح في تجميع القلوب والعقول معاً لأنه يخاطب الفطرة السليمة، فتجمعت الصحابة حول رسول الله ثم زاد عددهم حتى أصبح للإسلام الذي بدأ غريباً دولة مهابة تحارب الفرس والروم تلك الدولتين اللتين لم يكن لهم مثيل آنذاك، واستمر المسلمون على معتقدهم هذا متمسكين به ويزدادون قوة يوماً بعد اليوم، حتى يحدث الانفتاح الكبير على العوالم الأخرى فتدخل الأفكار الفاسدة التي تخالف العقيدة الرئيسية التي انبنت عليها دعائم دولة الإسلام، وكانت لهذه الأفكار الدخيلة أثراً هداماً في ضعف قوة المسلمين وانهزامهم في كثير من المواطن، ذلك لأنهم جنحوا إلى تلك الأفكار الجديدة وابتعدوا عن الأفكار والعقائد الأساسية التي بنيت عليها دولتهم، أي تم تغريبهم عما هم عليه.

ولتوضيح الأمر أكثر فالعرب المسلمون قديمًا انتصروا في حروب عديدة على العرب وغير العرب وكان النصر لهم لا لأنهم عرب، ولكن لأنهم مسلمون وعلى عقيدة الإسلام، ولتمسكهم بأهداب هذا الدين وعدم الاستسلام حتى في أحلك الظروف ومهما اشتد وطيس المعركة. لقد كان للإسلام أثر في العرب بدل حالهم إلى أحسن حال، وجعل منهم أمة لها مكانتها واعتبارها وتأثيرها في سير الأحداث العالمية الكبرى ولها كلمتها المسموعة بين الأمم.

ولما علم أعداء الأمة سر قوة المسلمين حاولوا بشتى الطرق إضعاف هذه العقيدة، وبالفعل نجحوا في ذلك نجاحًا مبهرًا حتى صارت كثير من الكلمات الإسلامية وعلى رأسها كلمة الجهاد كلمة مشوهة لدى المسلمين فما بالك بغير المسلمين، وغير ذلك من المصطلحات الإسلامية التي عزف كثير من الحكام اليوم عنها وانشغلوا باستيراد مصطلحات ومناهج غربية تبعدنا كل البعد عن عقيدة الإسلام فابتعدوا عن نظام الشورى وجنحوا للديمقراطية، وكذلك في تطبيق الأنظمة الاقتصادية المالية جنحوا لأنظمة الغرب وابتعدوا عن النظام الإسلامي.
على الرغم أن العرب كانوا في الجاهلية متخلفين سياسياً واقتصاديا وعسكرياً فرفع الإسلام مكانتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية، ولذلك نعجب أشد العجب من تركهم الشيء الذي رفع قدرهم. 

العقيدة سبيل النجاة وأساس بناء الدول والمجتمعات 1

وعلى صعيد آخر فتجد في الحروب الصليبية، قد تجمعت بقوة كبيرة حيث استطاع على سبيل المثال البابا أوربان الثاني تجميع الحشود على عقيدة واحدة، ونجحت بالفعل الحروب الصليبية وخصوصاً في فترتها الأولى نجاحًا مبهرًا ودمروا البلاد وقتلوا العباد ما لا يعد ولا يحصى، ولكن ما إن تغيرت كثير من المصالح في أوروبا وأصبح الهدف الحقيقي غير واضح لدى كثير من الدول مما حدا بالبعض بالتقاعس عن دوره فسمح ذلك بفرصة للقوى الإسلامية بالتنامي واحدة تلو الأخرى وظهرت الانتصارات بفضل الله ودحرت الحملات الصليبية بعد ذلك، ولذلك فطن الغرب في وقتنا الحالي لهذه المسألة واستطاعوا وخصوصًا بعد أحداث 11 سبتمبر من توحيد العدو لديهم مرة أخرى وهو الإسلام، مما وحد عقيدتهم التي بنيت عليها أمجادهم في العصور الماضية ولذلك تجد الحملات الإعلامية تشن دوماً بإظهار صورة الإسلام هو العدو فاحذروهم، للدرجة التي يصل بها البعض من حمل السلاح والدخول على مسلمين عزل في المساجد وإطلاق النيران بلا أدنى شفقة أو رحمة، فهذه هي العقيدة التي يربون عليها المجتمعات الغربية والتي تنجح دائماً حتى في الدعايات الانتخابية لكثير من رؤساء العالم مثلما حدث مع ترامب في أمريكا.

ولكن المثال الأبرز الذي يوضح ما نقصده جلياً في أهمية العقيدة هو التتر الذين اجتاحوا العالم ودمروا الأخضر واليابس، وكانوا بلا شفقة أو رحمة، حتى أنهم لما دخلوا مدينة مرو المسلمة والتي كان تعداد سكانها آنذاك يقارب ال 700 ألف مسلم، أبادوها عن بكرة أبيها وقتلوا كل من فيها، كأن قيامتها قد قامت، وكذلك لما نجح هولاكو في أسر الملك الكامل رحمه الله فقد عذبه أبشع العذاب لدرجة أنه كان يقطع من لحم جسده ويضعه في فمه غلاً وحقداً من صموده رحمه الله وصمود مدينة ميافارقين الأبطال، وعلى هذه العقيدة قامت دولة التتار واجتاحت العالم واستطاعت أن تقيم دولة قوية الدعائم تخيف العالم أجمع خلال فترة وجيزة من الزمن، ولكن ما الذي حدث بعد ذلك، فقد تغيرت عقائد البعض مثل بركة خان الذي أسلم وحسن إسلامه رحمه الله، ووصل به الأمر إلى محاربة التتر أنفسهم، بل كان من أسباب هزيمتهم في كثير من المواطن، أي أنهم تم تغريبهم عن معتقداتهم الأساسية التي بنيت عليها دولتهم.

خلاصة القول

إن من أسباب انهيار الدول والمجتمعات هو التخلي عن العقائد الأساسية التي بنيت عليها.

وذلك سواء ما قامت عليه هو الحق أو الباطل ولكن ما قامت عليه كان هو الأمر الناجح الذي استطاع تجميع الأفراد حتى صاروا دولة، وبتركه حتى مع تغير الظروف تنهار الدعائم التي قامت عليها هذه الدولة فيصبحوا أفراد متفرقين بل ومتشاحنين أحياناً أخرى. ولذلك يعمد دائمًا وأبدًا أعداء الأمة باللعب على العقيدة ومحاولاتهم تدمير عقائدنا تدريجيًا فيصبح الجهاد إرهابًا وتصبح الخمور مشروبات روحية، ويشرعن الحرام في شكل أعمال درامية، ويحارب أئمة الإسلام فيصبح اسمهم سبيل لجرّ تُهَمٍ لا قبل لنا بها، ويصبح العدو الصريح جار وصديق وغير ذلك من المصائب التي تحل علينا وكل ذلك منبته تغير العقيدة الذي يحدث دون أن ندري حتى أهمية هذه العقيدة بالنسبة لنا. حافظوا على العقيدة فهي سبيل النجاة في الدنيا والآخرة.

207

الكاتب

مصطفى محمود زكي

ماجستير قانون عام وباحث دكتوراه، مقدم حلقات شخصيات حق علينا معرفتها وكاتب بموقع الألوكة. نرى أننا إذا أردنا النجاحَ والتقدمَ فإنه لا سبيل عن معرفةِ الماضي معرفةً دقيقة واعية، حتى نعرفَ ماذا فعل أعداءُ الأمةِ بنا، وكيف نهض السابقون بالأمة.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.