سعى المسلمون منذ بدايات تأسيس الدولة الإسلامية لنشر الإسلام في أصقاع المعمورة بشتى الطرق والوسائل المتاحة ولم يدخروا جهدًا في سبيل تحقيق هذا الهدف النبيل، حيث تمكن المسلمون من عبور البحار وتجاوز الصحاري في سبيل نشر الدعوة الإسلامية ومارس كل مسلم ضمن مجال عمله هذا العمل الدعوي، فنجد التجار والعلماء الذين كان لهم دور بارز في نشر هذه الدعوة.

هذا وقد ظهرت العديد من الدول الإسلامية التي ساهمت بذلك، ولعل أهم هذه الدول دولة المرابطين التي كان لها دور بارز في نشر الإسلام في غرب أفريقيا ووسطها متحدّين كل الصعوبات التي واجهتهم؛ لأنهم كانوا يدركون أن الشعوب التي تعيش في تلك المناطق هي شعوب بسيطة ومضطهدة لكن الجهل يسيطر عليها فوضعوا نُصب أعينهم هذا الهدف حتى ولو كلفهم الغالي والنفيس، وقد كان في هذه الدولة الكثير من رجال العلم والفقهاء الذين أدركوا أن الدعوة إلى الإسلام مهمة لا يُضاهي أهميتها أي مهمة أخرى، كونها كفيلة بإخراج البشر من ظلمات الشرك والضلال إلى نور الهداية والتوحيد.

تأسيس دولة المرابطين

الأوضاع في غرب أفريقيا قبيل تأسيس دولة المرابطين

تعد منطقة غرب أفريقيا من المناطق الغنية بالثروات وقد كانت هدفًا للمطامع الاستعمارية منذ قديم الزمان لهذا السبب، كما أن الشعوب التي تعيش في هذه المنطقة هي شعوب بسيطة لا تعرف أي معنى للتصنع، كما أن هذه المنطقة ذات أهمية استراتيجية كبيرة كونها صلة الوصل بين الجنوب والوسط الأفريقي باتجاه قارة أوروبا فكانت كل القوافل التجارية تمر فيها وهذا البعد الاقتصادي كان مهمًا ودافعًا لاستعمارها.

هذا وقد كان هناك العديد من العادات والتقاليد المتبعة في تلك المنطقة، والتي كانت تتنافى مع مبادئ الإسلام، وكانت هذه العادات تعكس مدى الجهل الذي كان يعيشه المجتمع في تلك الفترة الزمنية، ومن بين هذه العادات الرذيلة الزواج بأكثر من أربع نساء، وكان الزنا منتشرًا بشكل كبير، ولم يكن هناك أي وجود للعقيدة الإسلامية الصحيحة، حيث كانت تصرفات المجتمع خارجة عن التعاليم الصحيحة للدين الإسلامي، بعدما كان أجداد هذا المجتمع قد آمنوا بالله، وطبقوا تعاليم الشريعة الإسلامية، وكانوا يدعون إلى عبادة الله حق عبادته، ورفعوا لواء الجهاد.(1)

كان المغرب في أيام ظهور المرابطين يعيش حالة من الفوضى والاضطراب في مختلف مناحي الحياة، حيث أن الشعوب في تلك المنطقة عانت كثيرًا بسبب غياب القانون، وعدم القدرة على حفظ الأمن والاستقرار، فكانت الفوضى منتشرة بشكل كبير، فنجد أن الفقر في كل مكان، والجهل وغياب التعليم يسيطر على السكان، ووجود العصبية القبلية يساهم إسهامًا كبيرًا في تشجيع كل النشاطات غير الأخلاقية، فالحروب بين القبائل مستمرة بسبب وبدون سبب، وحكام تلك القبائل متمسكون بفرض سطوتهم، وكل منهم يعمل على ضمان استمرارها وتوسيعها على حساب جيرانه بأي طريقة، فأصبح المغرب نتيجةً لتلك الظروف في ذلك الوقت يعاني من الانقسام الحاد سياسيًا واقتصاديًا ودينيًا.(2)

هكذا كان الوضع في المناطق التي أصبحت فيما بعد جزءًا من دولة المرابطين حيث كان يسود الظلم والقهر والجهل والتخلف والتناحر السياسي، وهذه الأوضاع شكلت الأرضية لقادة المرابطين في تحقيق هدفهم وهو المساهمة في نشر الدعوة الإسلامية في تلك البلاد.

أصل التسمية

قبائل الصحراء البربرية.

لقد بدأت دولة المرابطين من رحم جماعة دعوية، قامت بتبني منهج إصلاحي، فقامت بتسمية نفسها تسمية تعبر عن تلك الرؤية، وهي دولة الرباط والإصلاح، أما بالنسبة لتسمية الرباط لأن رجالها كانوا يُقيمون خيامًا على الثغور؛ من أجل القيام بممارسة الجهاد في سبيل الله، فكان الشيخ عبد الله بن ياسين ومن معه يجلسون في تلك الخيام وقاموا بتسمية أنفسهم بجماعة المرابطين، فأصبح هذا الاسم يطلق عليهم.(3)

كما أن هناك الكثير من المصادر التي قامت بتسميتهم بالملثمين، ويطلق على اسم الشخص الذي يتزعمهم اسم أمير الملثمين، ويرجع سبب هذه التسمية إلى أنهم: كانوا يتلثمون ولا يكشفون وجوههم أمام أحد أبدًا، وبدأوا يتوارثون هذه العادة، وتعددت الروايات حول استخدامهم للثام، فأحيانًا كانوا يقولون أنهم يتلثمون بسبب شدة الحر والبرد، وأحيانًا يقولون أن سبب استخدامهم للثام أن أعداءهم كانوا دائمًا يحاولون مهاجمتهم عندما يكونون خارج ديارهم، فيدخلون إلى قبائلهم، ويبدؤون بالسرقة والنهب والقتل، فاقترح مشايخهم أن يقوموا بإرسال النساء في ثياب الرجال إلى خارج القبيلة، ويبقى الرجال في بيوتهم ملثمين في لباس النساء، فإذا دخل الغزاة، خرج إليهم الرجال وبدأوا يحاربونهم، وبالفعل تم تطبيق ذلك، وثاروا عليهم بالسيوف فقتلوهم.(4)

كما قيل أن هناك مجموعة من قبيلة لمتونة ذهبوا قاصدين الهجوم على أعدائهم، فقاموا بمباغتتهم وهجموا على ديارهم التي خلت إلا من كبار السن والأطفال والنساء، وبعد أن تأكدوا من أن العدو هو الذي يهاجمهم، أمروا نساء القبيلة أن يرتدين ثياب الرجال ويضعن اللثام حتى لا يتم التعرف عليهن، وأن يحملن السلاح، فقامت النساء بفعل ذلك، وتقدم كبار السن والأطفال أمامهن، وعندما اقترب الغزاة؛ رأوا مجموعةً كبيرةً من المسلحين، ظانين أنهم رجال، فقال: هؤلاء عند نسائهم يقومون بالقتال قتالًا ضاريًا، فقرروا سرقة ما يمكن والعودة.(5)

بدايات تأسيس دولة المرابطين

لم يكن هم الدعاة الذين حملوا لواء نشر الإسلام تأسيس دولة خاصة بهم في أي منطقة من هذه المعمورة لكن الظروف والرغبة في نشر هذا الدين الحنيف جعلهم فيما بعد يفكرون بتأسيس إمارة يستطيعون من خلالها نشر الدين الإسلامي.

 خرج يحيى بن إبراهيم من قبيلته متوجهًا نحو الجزيرة العربية ليقوم بأداء فريضة الحج، وبقي ابنه إبراهيم متزعمًا للقبيلة في عام 427هـ /1035م. وبعد أن قام بأداء فريضة الحج، بدأ يتجول بين المدارس التي تدرس الفقه ليتعلم أصول الدين الإسلامي، فالتقى في القيروان بالإمام أبي عمران الفاسي (6)، وشرح يحيى لأبي عمران عدم معرفة أبناء قبيلته بأصول الدين، وطلب منه أن يرسل معه أحد المشايخ ليعلمهم دينهم، وكانت تلك الخطوة البداية الحقيقية لتأسيس الدولة المرابطية للقضاء على الفوضى الموجودة في بلاد المغرب.(7)

هذا ويعود الفضل في تأسيس هذه الدولة التي قدمت للإسلام والمسلمين الكثير من الخدمات الجليلة إلى العديد من الشخصيات التي استلمت الزعامة في تلك المنطقة، حيث كان كلما يتوفى أمير من الأمراء يتوقع السكان أن فترة هذه الدولة انتهت لكن يظهر أمير جديد أقوى من الأمير الذي سبقه وأكثر تصميمًا وإصرارًا على الاستمرار بنشر الدعوة الإسلامية.

أما تاريخ تأسيس دولة المرابطين بالصحراء على يد عبد الله بن ياسين سنة 434هـ، وثبّتت أقدامها بالمغرب (8) عندما قامت ببناء مدينة مراكش (9) سنة 454هـ، واستقرت أوضاعها بالجزائر بعد بناء مدينة تلمسان الجديدة (10) سنة 474هـ. وانتهت في الجزائر (11) بموت تاشفين سنة 539هـ.(12)

أهم القادة العلماء في دولة المرابطين

عبد الله بن ياسين

هو “القائد العلامة عبد الله بن ياسين بن مكو الجزولي المصمودي: الزعيم الأول للمرابطين، وأفضل قادتهم، وهو الذي دعا للقيام بالإصلاح. وهو أحد طلاب العلم في دار أنشئت بالسوس(13)، والتي تم تسميتها بدار المرابطين، واقترح شيخ القيروان(14) أبو عمران الفاسي(15) على منشئ تلك الدار “وكاك بن زلون اللمطي”(16) إرسال من يذهب مع يحيى بن إبراهيم الكدالي الصنهاجي إلى صنهاجة(18)، ليُعلم أهلها تعاليم الدين، فوقع اختيار وكاك على ابن ياسين، الذي ذهب ورأى كثرة البدع، وبدأ بعمله الدعوي فيها، واستقر في النيجر وبدأ وفود الناس إليه، حتى وصل من جاء لطلب العلم قرابة الألف، فأُطلق عليهم اسم المرابطين.(19)

طلب ابن ياسين من أوكاد(20) أن يبعث معه شيخًا من عنده ليعلم قومه العلم؛ لأنهم لم يكونوا متفقهين بأمور الدين، وأغلبهم لا يعرف سوى نطق الشهادتين. فوجه معه أحد المشايخ المعروفين بورعهم وعلمهم، وبدأ يتنقل بين القبائل ليؤدي المهمة الموكلة إليه، وبالفعل نجح بتفقيه العامة والخاصة بأمور الدين.(21)

أبو بكر بن عمر اللمتوني

“بعد أن مات يحيى بن عمر ظهر أخوه أبو بكر بن عمر اللمتوني الذي كان من أعظم القادة في دولة المرابطين، هو الأمير أبو بكر بن عمر بن تلاكاكين(22)، كان من أوائل المرابطين الذين صحبوا عبد الله بن ياسين إلى رباطه، فعاش في رباط ابن ياسين، منفذًا لتعاليمه، مطيعًا لأوامره، يسري عليه ما يسري على الآخرين من أفراد الرباط”.(23)

وقد اتخذ الأمير أبو بكر من مدينة أغمات(24) مركزًا له، وكان يسكن هو ومن معه في الخيام، وبدأت الجيوش تتوافد من الصحراء، حتى أصبحت هذه المدينة مليئة بالمجاهدين.(25)

لم يكن هم أبي بكر بن عمر اللمتوني الاحتفاظ بالحكم أبدًا، بل كان جل همه نشر الدعوة الإسلامية في شتى مناطق قارة أفريقيا، حيث ارتحل بعد أن ترك مع يوسف بن تاشفين ثلث الجيش ورحل مع الثلثين(26)، ثلث جعله رديفًا دائمًا، والثلث الباقي صحب أبا بكر إلى الصحراء.(27)

لقد نجح الأمير أبو بكر بن عمر في إخضاع كثير من بلاد السودان لحكم المرابطين، فخيّرهم بين الإسلام والجزية، وقد استطاع أبو بكر أن يخضع من بلاد السودان مسيرة ثلاثة أشهر.(28)

ولأهمية وكثرة أعمال هذا الرجل فإننا لا نجد أي مصدر من مصادر التاريخ الإسلامي إلا وكتب عنه، فها هو ابن كثير يذكره فيقول: “هو أبو بكر بن عمر، قائد الملثمين، كان يعمل على تطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية…”.(29)

يوسف بن تاشفين

“هو أمير المسلمين، السلطان أبو يعقوب يوسف بن تاشفين اللمتوني، البربري الملثم، أمير المرابطين، وأبرز رجالهم، قام ببناء مدينة مراكش. وكثرت جيوش يوسف بن تاشفين، وكان كل الملوك يخافونه، وعندما قام الفرنج باضطهاد المسلمين في الأندلس عبر إليهم نصرةً للإسلام، فانتصر عليهم. وكان ابن تاشفين عفوًا متسامحًا، ويقرب العلماء منه، واستلم الحكم من بعده ولده علي، وتوفي في سنة 500هـ، وعمره فوق الثمانين سنة.(30)

بدأ يوسف بتلقي العلم على يد علماء عصره، وتعلم فنون الحرب وأبدع بتطبيقها؛ خدمةً للدولة الإسلامية وللمسلمين الذين كانوا تحت رعايته.(31)

هذا وقد ظهرت عليه معالم القيادة بسبب سياسته الحكيمة، وعندما قرر أبو بكر بن عمر اللمتوني التوجه إلى الصحراء من أجل نشر الدين الإسلامي جعل يوسف بن تاشفين نائبًا عنه في المغرب فظهرت مواهبه وقدراته وأحبه الناس هناك وبدأ بترسيخ دعائم الدولة، وبعد عودة أبي بكر من الصحراء تخلى عن الإمارة ليوسف بن تاشفين بعدما رأى ما قام به من أعمال في غيابه.

دور المرابطين في نشر الإسلام في غرب قارة أفريقيا

دور المرابطين في نشر الإسلام في المغرب

منذ بدايات الدعوة للمرابطين كان شغلهم الشاغل هو المساهمة بنشر الدعوة الإسلامية في البلدان القريبة منهم؛ لأنهم أدركوا أنهم كلما ساهموا بنشر الإسلام في القارة السمراء كلما ازداد الأجر والثواب، ولأنهم وضعوا هدفًا أساسيًا لهم ألا وهو الجهاد، فها هو القائد يوسف بن تاشفين بدأ يجيّش الجيوش، ويفتح كثيرًا من البلاد، وأخرج العمال وكتب العهود، فكمل له من الجيش أزيد من مئة ألف فارس من قبائل صنهاجة وجزولة، فخرج بهم قاصدًا مدينة فاس، فتلقته قبائلها في خلق عظيم وعدد كثير، فقاتلوه، فكان بينه وبينهم حروب عظيمة انهزموا فيها بين يديه، فدخل عليهم بالسيف، فدخلها من يومه عنوة بالسيف وفتحها.(32)

وبعد فتح مدينة فاس(33) توجه القائد يوسف بن تاشفين إلى باقي مناطق المغرب وفتحها تواليًا ونشر الإسلام في أنحاء هذا البلد واستقر له الأمر وبدأ الناس بدخول الإسلام طواعيةً بعدما رأوا في الدين الإسلامي أنه الدين الصحيح الذي يسعى لنشر العدالة والمساواة بين جميع فئات الشعب.

ولإدراك القائد يوسف بن تاشفين أهمية بلاد المغرب قام ببناء مدينة مراكش في عام 465هـ لتكون مركزًا له بسبب أهمية موقعها.(34)

دور المرابطين في نشر الإسلام في النيجر والسنغال

لم يفكر قادة دولة المرابطين بالتوقف عن نشر الدعوة الإسلامية في قارة أفريقيا على الرغم من الصعوبات التي كانوا يدركون أنها ستواجههم، سواء من ناحية الطبيعة الصحراوية أو من تمسك سكان تلك المناطق بعاداتهم وتقاليدهم التي ورثوها عن أجدادهم، فها هي النيجر وصلها الإسلام عن طريق المرابطين، الذين خرجوا من بلادهم عابرين الصحراء في القرنين الخامس والسادس الهجري، واستطاعوا أن يجعلوها من ضمن حدود دولتهم التي بدأت تتوسع شيئًا فشيئًا.(35)

هذا وبعد وصول الإسلام النيجر بدأت معالم الحضارة الإسلامية بالظهور التدريجي، وبدأت الدولة بإنشاء المدارس لأن المرابطين أدركوا أن نهضة الأمة تكمن بمقدار العلم الذي تملكه.

وإذا ما انتقلنا إلى بلاد السنغال، سنجد الأيادي البيضاء للمرابطين في نشر الإسلام في تلك المناطق، ففي سنة 453هـ علم أبو بكر بن عمر بوجود خلاف بين المسلمين في جنوب السنغال، وأدرك أن هذا الاقتتال لو استمر في تلك المنطقة فإنه لن يستطع إكمال ما همَّ بالقيام به من نشر دعوته، فقرّر أن يتوجه إلى السنغال ليقوم بحل المشاكل الموجودة، وكان تعداد قواته حوالي 7000 رجل، وأبقى مكانه القائد يوسف بن تاشفين لأنه يثق به وبقدراته القيادية، وبالفعل تمكن أبو بكر من إنهاء الخلاف، وفي أثناء وجوده وجد أنه يوجد في الجزء الجنوبي من السنغال العديد من الشعوب التي كانت تتصارع فيما بينها، وتقوم بعبادة الأشجار والأصنام، وكانوا يقومون بعادات وتقاليد غريبة، حيث لم يكونوا يعلمون أي شيء عن الدين الإسلامي، فأحزنه ذلك كثيرًا، وقرر أن يقوم هو بتعليمهم مبادئ الدين الإسلامي؛ لأنه اتخذ عهدًا على نفسه أن يقوم بتغيير أوضاع الشعوب الجاهلة، والتي لا تعرف شيئًا عن الإسلام، فبدأ يعلم هؤلاء كل صغيرة وكبيرة في الدين.

وأثناء قيامه بهذه المهمة واجه العديد من الجماعات التي لم تكن راضيةً عن ترك ما كانوا عليه قبل مجيئه، فجرت بينهم العديد من المعارك، والتي كان النصر فيها حليف أبي بكر، الذي بدأ ينشر الإسلام في تلك المناطق، وعاد في عام 468هـ إلى دياره، بعد أن قضى حوالي 15 عامًا ينشر الدين الإسلامي في الغابات الأفريقية.(36)

نعم هذه هي دولة المرابطين التي لم تهدأ فكلما فتحت بلدًا جديدًا ونشرت الإسلام فيه انتقلت إلى بلد أفريقي آخر مخاطرين بحياتهم وبكل شيء من أجل نشر الدعوة الإسلامية بين هذه الشعوب الفقيرة التي كانت تعاني الأمرّين من الجهل والظلم والفقر على الرغم من أنها من أغنى دول العالم بالثروات لكنها كانت لا تستفيد أبدًا من هذه الثروات، فجاء المرابطون ونشروا العدل والمساواة والتسامح، واستطاعوا أن يجعلوا من هذه الأعمال نموذجًا يُحتذى به في نشر الدعوة.

دور المرابطين في نشر الإسلام في السودان

استطاع الأمير أبو بكر إخضاع كثير من بلاد السودان لحكم دولة المرابطين، فقام بتخييرهم بين الدخول في الإسلام أو دفع الجزية، لكن المصادر التاريخية لم تذكر شيئًا عن اتجاه الأمير أبي بكر في جهاده في بلاد السودان، “لكن الواضح أنه سار من أودغشت عاصمة المرابطين من الجنوب إلى الشرق، لأن الجنوب الغربي يوجد به مملكة التكرور الإسلامية وبعض بلاد المسلمين ولم يكن من عادة المرابطين مهاجمة البلاد الإسلامية.(37)

وبعد فترة وجيزة استطاع المرابطون الدخول إلى أغلب مناطق السودان الوثنية وأدخلوها في الإسلام حتى استطاعوا ضم ما تقدر مسافته ثلاثة أشهر من بلاد السودان“.(38)

وبعد دخول المرابطين إلى السودان بدأ الإسلام ينتشر بشكل سريع في جميع أرجاء البلاد وذلك لما رأوه من تعاليم الدين الإسلامي والتسامح الكبير فيه، ولما رأوا من أخلاق المسلمين الفاتحين الذين خلّصوهم من كل أنواع الظلم والعبودية والاضطهاد.

دور المرابطين في نشر الإسلام في غانا

تعد غانا من أغنى دول قارة أفريقيا بسبب غناها بالثروات الباطنية وخاصة الذهب، لكن شعبها لم يستفد من كثرة هذه الخيرات بسبب سيطرة فئة معينة من الحكام على جميع ثروات البلاد.

اتسمت العلاقة بين المرابطين ومملكة غانا بالتوتر المستمر، محاولًا كل طرف منهما فرض قوته على الطرف الآخر، وكثيرًا ما كانت غانا تستغل تفرق القبائل لتهاجمهم وتستولي على أكبر قدر من أراضيهم، ولهذا السبب قرر أبو بكر بن عمر اللمتوني التوجه إلى غانا ليخضعها لحكم المرابطين. (39)

خرج الأمير أبو بكر على رأس جيش كبير من المرابطين وكان ابنه أبو يحيى قد توجه على رأس جيش آخر باتجاه مملكة غانا، وبدأ هذان الجيشان بالدخول إلى مدن غانا، وكان المرابطون عند دخولهم إلى أي مدينة يخيرون أهلها إما الدخول بالإسلام أو الحرب، وتم تضييق الحصار على العاصمة فسقطت بيد المرابطين في عام 469هـ. (40)

بعد هذا الانتصار سمح الأمير أبو بكر لملك غانا أن يستمر في حكمه لكن شريطة أن يكون تابعًا لدولة المرابطين، وحينها أُصيب هذا الملك بضربة لم يفق منها بعد ذلك حيث فقد كل قوته وقُتل أغلب رجاله، وهناك روايات تتحدث عن دخول هذا الملك إلى الإسلام. (41)

قام المرابطون بعد الانتصارات التي حققوها ببناء المساجد وبدأ ازدياد عدد الداخلين في الإسلام، وبعدها تابع أبو بكر فتح ما تبقى من البلاد وكان عدله ورغبته في إصلاح أوضاع الرعية من كل النواحي سببًا في دخول الكثير من سكان البلاد في الدين الإسلامي.

أوضاع غرب أفريقيا في ظل دولة المرابطين

منذ أن تولت دولة المرابطين شؤون الحكم في منطقة غرب أفريقيا بدأت أحوال العباد والبلاد بالتحسن من كل النواحي السياسية والإدارية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية، حيث أن الحكام عملوا على الإسراع بالإصلاح لأنهم رأوا أن هذه البلاد تعاني من تخلف وتراجع في شتى المجالات.

لقد كان النظام السائد في دولة المرابطين يعتمد على نظام الشورى عملًا بقول الله تعالى: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ)(42)، حيث أنهم كانوا يختارون من يحكمهم بكامل الحرية عن طريق مشايخ القبائل والعلماء والفقهاء، وكان هؤلاء الحكام يطلقون على أنفسهم لقب الأمراء في البداية لكن بعد ذلك أصبح اللقب هو أمير المؤمنين.

كما أولى المرابطون للقضاء اهتمامًا كبيرًا، فكان منصب قاضي الجماعة من أرفع المناصب القضائية ولا يتولى هذا المنصب إلا من يثبت كفاءة عالية في مجال القضاء والذين لا يخافون من قول الحق حتى ولو كان على من هم في السلطة. (43)

وإذا ما انتقلنا إلى الناحية العسكرية فإننا نجد أن القادة في دولة المرابطين كانوا يقودون المعارك بأنفسهم، وكانوا هم بمثابة القدوة الحسنة لباقي المجاهدين، وعملوا على تعليم الجنود أصول الدين، وكان الجهاد منصبًّا من أجل توحيد المغرب الأقصى كله والقضاء على أعداء دولتهم، كما قاموا بتقسيم دولتهم إلى أقاليم عسكرية ووفروا كافة أنواع السلاح التي تمكنهم من حماية المسلمين.

وأما من الناحية الاقتصادية فنجد أن الصناعة بدأت تتطور وتزدهر في بلاد المغرب أيام المرابطين، وذلك لأنهم كانوا يجلبون أمهر الصناع من بلاد الأندلس إلى المغرب، كما كانت السفن تقوم بحمل البضائع والمنتجات التي كانت تصنع في المغرب إلى بلاد الأندلس، حيث أنه كان يوجد تبادل تجاري بين الطرفين سواء في الغلات الزراعية أو المنتجات الصناعية (44)، وكان معدن الزئبق من أهم صادرات الأندلس إلى المغرب، كما أن الحصى ذات الألوان الزاهية كان يتم جلبها أيضًا إلى المغرب؛ وذلك لأهميتها في عمليات التزيين. (45)

هذا واهتم المرابطون بالنظام المالي اهتمامًا كبيرًا حيث ساهم هذا النظام في استقرار الأوضاع الاقتصادية بالبلاد، وقد نجحوا بتنظيم العلاقة المالية في دولتهم وعرف كل مواطن وكل موظف ما له وما عليه من التزامات مالية، ومن الخطوات التي اتخذها يوسف بن تاشفين بنائه لدار من أجل تخزين الأموال، وبدأ بتدوين الدواوين الخاصة بالشؤون المالية مثل ديوان الغنائم ونفقات الجند وديوان الضرائب وديوان الجباية وديوان مراقبة الدخل والخرج”(46)، وساهم هذا التنظيم بمعرفة صادرات وواردات بيت المال ورسم السياسة المالية بشكل دوري.

الخاتمة

في نهاية هذا البحث، توصلت إلى النتائج التالية:

1 – انطلقت دعوة المرابطين من صحاري غرب أفريقيا لأن الدعاة أدركوا أنه لابد من البداية من هناك بسبب تخلف الشعوب الموجودة هناك وفقرها وابتعادها عن تعاليم الدين الإسلامي وانتشار البدع والخرافات عند المسلمين لأنه لم يكن هناك يعلمونهم أصول الدين الإسلامي.

2 – لم يكن هم الدعاة في دولة المرابطين تأسيس دولة ذات كيان سياسي ليكون لهم نفوذ وسلطة وليقوموا باستعباد الشعوب الموجودة هناك ويسرقوا ثروات البلاد كما كان هو دارجًا في ذلك الوقت، بل كان همهم وهدفهم الأساسي هو حمل لواء الدعوة الإسلامية وإيصالها إلى أقصى النقاط في بلاد أفريقيا.

3 – تجول الدعاة في دولة المرابطين بين المدن والدول في غياهب الصحاري وبين الشعوب الفقيرة كان بهدف إعادة الإسلام أو نشره ومن أجل رفع الظلم عن الشعوب التي لم يكن لديها القوة للدفاع عن نفسها.

4 – عدم استئثار الأمراء في حكم الدولة حيث أنه كان هناك نظام انتخابات يقوم بها العلماء والفقهاء وشيوخ القبائل لاختيار من يقوم بتمثيلهم.

5 – قدرة المرابطين على إصلاح الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في كل المناطق التي خضعت لحكمهم رغبةً منهم في تحسين معيشة المسلمين.

6 – سعي المرابطين لنصرة المسلمين في كل مكان، كونهم هم القوة الإسلامية الضاربة في تلك الحقبة الزمنية.

المصادر والمراجع

1- القرآن الكريم.

2- ابن الأثير؛ المبارك بن محمد بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني الجزري أبو السعادات، مجد الدين، الكامل في التاريخ، تح عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، بيروت، 1997م.

3- ابن الخطيب، الحلل الموشية في ذكر الأخبار المراكشية، مطبعة التقدم الاسلامية، 2017م.

4- ابن خلكان؛ أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تح إحسان عباس، دار صادر، بيروت، 1972م.

5- ابن كثير الدمشقي؛ أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي، البداية والنهاية، تح عبد الله بن عبد المحسن التركي، ط 1، دار هجر، الجيزة، 1997م.

6- الذهبي؛ شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز، تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، تح عبد السلام تدمري، ط 2، دار الكتاب العربي، بيروت، 1993م.

7- الذهبي؛ شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز، سير أعلام النبلاء، دار الحديث، القاهرة، 2006م.

8- الزركلي؛ خير الدين بن محمود بن محمد بن علي بن فارس، الأعلام، ط 15، دار العلم للملايين، بيروت، 2002.

9- الشريف الإدريسي، المغرب وأرض السودان ومصر والأندلس، ط 1، مطبعة بريل، هولندا، 1863م.

10- الشنتريني؛ أبو الحسن علي بن بسام، الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، تح إحسان عباس، ط 1، الدار العربية للكتاب، طرابلس، 1979م.

11- أبو الفضل القاضي عياض بن موسى اليحصبي، ترتيب المدارك وتقريب المسالك، تح سعيد أحمد أعراب، ط1، مطبعة فضالة، المغرب، 1983م.

12- أبو عبد الله محمد بن أحمد المقدسي البشاري، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، ط 3، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1991م.

13- أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد المنعم الحِميرى، الروض المعطار في خبر الأقطار، تح إحسان عباس، ط 2، مؤسسة ناصر، بيروت، 1980م.

14- أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز بن محمد البكري، المغرب في ذكر بلاد أفريقية والمغرب، دار الكتاب الإسلامي، القاهرة، د.ت.

15- أحمد معمور العسيري، موجز التاريخ الإسلامي منذ عهد آدم عليه السلام (تاريخ ماقبل الإسلام) إلى عصرنا الحاضر، ط 1، مكتبة الملك فهد الوطنية، الرياض، 1996م.

16- حامد محمد الخليفة، انتصارات يوسف بن تاشفين، ط1، مكتبة الصحابة، الشارقة، 2004م.

17- خليل إبراهيم السامرائي ومجموعة من المؤلفين، تاريخ العرب وحضارتهم في الأندلس، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، 2000م.

18- راغب السرجاني، الأندلس من الفتح إلى السقوط، ط 1، مؤسسة اقرأ، القاهرة، 2010م.

19- زكريا بن محمد بن محمود القزويني، آثار البلاد وأخبار العباد، دار صادر، بيروت، د.ت.

20- شهاب الدين أبو العباس أحمد بن خالد بن محمد الناصري الدرعي الجعفري السلاوي، الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، تح جعفر الناصري/ محمد الناصري، دار الكتاب، الدار البيضاء، د.ت.

21- عصمت عبد اللطيف دندش، دور المرابطين في نشر الإسلام في غرب أفريقيا، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1988م.

22- علي بن عبد الله ابن أبي زرع الفاسي، الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس، دار المنصور، الرباط، 1972م.

23- علي محمد الصلابي، الجوهر الثمين بمعرفة دولة المرابطين، ط 1، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة، 2003م.

24- مبارك بن محمد الميلي الجزائري، تاريخ الجزائر في القديم والحديث، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1986م.

25- محمد أحمد المغربي، موريتانيا ومشاغل المغرب الإفريقية، الرباط، 1964.

26- محمد بن رزق بن عبد الناصر بن طرهوني الكعبي السلمي أبو الأرقم المصري المدني، التفسير والمفسرون في غرب أفريقيا، ط 1، دار ابن الجوزي، السعودية، 1426 هـ.

27- ياقوت الحموي؛ شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الرومي، معجم البلدان، ط2، دار صادر، بيروت،1995م.

1178

المصادر
الكاتب

عبدالله ياسين شيخ أوغلو

باحث في التاريخ الإسلامي، فخورٌ به، شغوف بالبحث العلمي، موضوعي وغير منحاز، مدركٌ لأهمية فهم التاريخ للتخطيط للمستقبل؛ لأن التاريخ يعيده الله.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.