يقول مالك بن نبي في كتابه “شروط النهضة” [1]: “إن مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارته، ولا يمكن لشعب أن يفهم أو يحل مشكلته ما لم يرتفع بفكرته إلى الأحداث الإنسانية، وما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها.. وما الحضارات المعاصرة والحضارات الضاربة في ظلام الماضي والحضارات المستقبلية إلا عناصر للملحمة الإنسانية منذ فجر القرون إلى نهاية الزمن، فهي حلقات لسلسلة واحدة تؤلف الملحمة البشرية منذ أن هبط آدم على الأرض إلى آخر وريث له، ويا لها سلسلة من النور.. تتمثل فيها جهود الأجيال المتعاقبة في خطواتها، المتصلة في سبيل الرقي والتقدم”.

إن الوقوف عند كلمة “الأجيال” يفتح أمامنا قضية مصيرية هي اليوم -على أهميتها البالغة- في أسفل قائمة اهتمامات المسلمين، من حيث جدية التناول والتعامل والاستدراك.

وللأسف يتعرض الجيل الجديد لحملات خبيثة تستهدف مقوماته العقدية والأخلاقية بشكل مباشر وغير مباشر، فضلًا عن تبعية منهزمة لمناهج الخارج، مما يهدد آمال الأمة المستقبلية في النهوض الواعد، بل وينذر بخسائر كارثية لا يليق أن تتكبدها أمة مسلمة تقوم رسالتها على صناعة الأجيال وإعدادها.

ضعف ثغر التربية

مشروع إعداد المربي

وما يزيد الأسف شدة، أن العناية بحفظ هذه الأجيال لم ترتق لمستوى الأخطار التي تتربص بها، بل ولم تبلغ بعد نصاب الوعي المنذر بأهميتها في وقت تعيش فيه الأمة حربًا شرسة تعمل على تحويل أجيال المسلمين لأعداء للإسلام لا قادة وجندًا له كما ينبغي. أو يُتركوا لمصير “الصدفة” بلا بوصلة ولا إعداد إسلامي متين، تتخطفهم الدعوات الضالة أو النهايات البائسة.

ورغم ازدحام التنظيرات التي تستخلص الحلول لنهضة هذه الأمة، تبقى ساحة العمل وميدان التطبيق يعانيان من ضعف الجدية وقلة التأثير، سواء على مستوى الفرد أو المجتمع، حيث تُفتقد القوى المحركة التي تصنع الرجال وتُصلح المجتمعات، وتُفتقد المشاريع المؤسساتية الفعالة التي توفر مصادر القوة وأسبابها وتُوجد التغيير ومسبباته.

وحين نتحدث عن مجتمع مسلم فنحن أمام شعب حديث اليقظة لاتزال آثار النوم الطويل بادية عليه. مما يستوجب النفير والتعبئة لتحقيق الانبعاث الإسلامي الذي طال انتظاره. وقد جرت السنن كما لاحظ ذلك مالك بن نبي وغيره أن الحضارة لا تنبعث إلا بالعقيدة الدينية [2]، وهو نفس ما عبّر عنه “والتر شوبرت” في كتابه “أوروبا وروح الشرق”.

الحاجة الماسة لصناعة الرجال

 لذلك لا يمكن لنا أن نحقق تغييرًا منشودًا وقفزة حضارية إلا بترجمة العلاقة العضوية بين الإسلام كعقيدة والفرد المسلم كحامل لهذه العقيدة وعامل بها ولها. وقد أشار مالك بن نبي لهذه القضية بشكل تشخيصي حين قال: “الأمر متصل بمشكلتين مختلفتين في أساسهما، فهنالك هم في حاجة إلى مؤسسات، بينما نحتاج هنا إلى رجال، فمن الرجل تنبع المشكلة الإسلامية بأكملها”.  ثم أضاف: “يجب أولًا أن نصنع رجالًا يمشون في التاريخ، مستخدمين التراب والوقت والمواهب في بناء أهدافهم الكبرى”. [3]

وأما عن صناعة هؤلاء الرجال، يقول مالك بن نبي: “فالتّغيير يبدأ بنثر بذور الإصلاح في نفوس الأجيال من خلال تقديس الهيكلين الأساسيين المسجد والمدرسة باعتبارهما منطلقًا للبعث الرّوحي والبعث الفكري اللذين هما عماد كلّ حضارة”.

وهو تمامًا ما انطلق منه ودعا إليه الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل في سلسلته “أين الطريق؟” عند طرحه لمشروع المؤدب أو المربي، الذي تناوله في باب التزكية والتربية الإسلامية، وهو المشروع الذي إن حرصنا على تحقيقه، سيقفز بالأمة قفزات كبيرة، يخرج بنا من دائرة القول والتنظير إلى دائرة العمل والتأثير، يسد النقص الذي أحدثه انشغال الناس بهموم العيش، بحسن استثمار الطاقات والفرص، على أساس العلاقة التكاملية التكافلية في المجتمع المسلم. فكم من النساء والشباب والمتقاعدين ممن يحمل كفاءة في التربية يجلس عاطلًا عن العمل بينما يفتقد الآباء الوقت والمعرفة والوسائل لتربية أبنائهم. لقد آن الأوان لأن يقوم بوظيفة التربية الأكثر كفاءة لإعداد الأجيال المسلمة.

فتربية الجيل تعاني اليوم التقصير الشديد من جهة؛ لانشغال الآباء عنها بمشاغل الحياة، ومن جهة أخرى لعجز هؤلاء الآباء عن تقديم التربية الإسلامية القويمة لأبنائهم. من هنا تأتي أهمية صناعة مربين قادرين على انتشال الجيل من مستنقع هذا التقصير وتأمين قوى مصيرية لمستقبل الأمة. إنه مشروع صناعة الرجال الذين يسهرون على إصلاح نفوس الأجيال وبالتالي تأمين الجيل الذي سيحمل الراية من بعدهم.

العناية بالتربية سنة قديمة

مشروع إعداد المربي

لطالما أولت الأمم السابقة عناية فائقة بالأجيال، ويعد ذلك من أهم أسباب نجاحها في إقامة حضارة إسلامية خلدها التاريخ، حيث كانت تربية الأبناء مقترنة بالتعليم، منتشرة في مجتمعات الأقدمين، يتكفل بتربية الجيل وتهذيبه المربون للعامة في المساجد وللخاصة في القصور، وكان يُنتخب لهذه المهمة العظيمة متخصصون متمكنون يتفرغون بشكل كامل لتربية أبناء الملوك والأمراء والقادة، ولم يكن يتولى هذه المهمة إلا المشهود لهم بالعلم والكفاءة وحسن السيرة والصدق، فكانت مهنة النبلاء الذين يحملون صفة الرسالية.

وكان المربي قدوة يقتدى به من خلال الاحتكاك والتعايش معه، كما يرد ذكره في العديد من المواقف التاريخية التي تتناول سير القادة، نذكر منها وصية عتبة بن أبي سفيان لعبد الصمد مؤدِّب ولده، حيث قال له: “ليكن أول ما تبدأ به من إصلاح ابني، إصلاح نفسك؛ فإن أعينهم معقودة بعينك، والحسن عندهم ما استحسنت، والقبيح عندهم ما استقبحت”. [4]

وقد ظهرت ثمار هذا التخطيط الواعي بتربية الجيل وإعداده عند ظهور العدوان الخارجي ببروز القيادات النجيبة التي وقفت على ثغورها في الوقت المناسب، وحتى حينما كان يمر المسلمون بحالات ضعف مزلزلة، ما نلبث أن نشاهد بركات هذا الاهتمام بالتربية في ظهور قادة فرسان جدد يحملون الراية ويكملون المسيرة.

ذلك أن كل أمة مسلمة لابد أن تولي عناية فائقة بتربية الأجيال على الإسلام؛ للحفاظ على كيانها وهويتها ومصدر قوتها واستمراريتها.

غياب المربي المتخصص في زماننا

لقد جنت هذه الأمة خسائر كبيرة لغياب هذا التخصص، تخصص المؤدب الصائغ الذي يصوغ ويصنع المربي، يصفه الشيخ حازم فيقول: “فرق كبير بين مشروع لدين الإسلام وبين مشروع لدنيا المسلمين، مشروع الإيجاد غير مشروع الاستفادة من موجود… مشروع ينتج الأئمة غير مشروع ينتج المأمومين”.

فدعوة العامة تختلف عن صناعة الأئمة الذين يدعون هذه العامة، من هنا تظهر الحاجة الملحة لمشروع المربي في زماننا لاستدراك الأجيال وحفظها من الضياع وإعدادها للجد والعمل وتحمل أمانة الدين.

مشروع المؤدب إنشاء للأمة الإسلامية

في سبيل ذلك اقترح الشيخ حازم مشروعًا عمليًا لصناعة المربي، يهدف إلى التحول من العطاء الفردي إلى العمل المؤسسي. يقوم بشكل خاص على إيقاظ حس المسؤولية في ذات الفرد، ويدفعه للتحول بنفسه إلى محرّك يصنع التغيير ومؤسسة تصنع أجيالًا مسلمة. فلا يسارع لرفع العتب بإرسال مبلغ من المال للمشاركة في تأسيس المشروع، بل يتحرك بنفسه لتأسيسه، ويتحول من فكر العمل العابر إلى فكر العمل المؤسسي الذي تزداد الحاجة إليه في كل يوم.

إن إنشاء مؤسسة تنتج لنا قادة للتربية وتوفر لنا العنصر المؤدب المربي، ستسد حاجة جميع قطاعات المجتمع من الأسرة إلى المدارس الإسلامية والنوادي وتصل بركاتها إلى المسلمين في الغرب، بتوفير ما يحتاجه المعتنق الجديد للثبات على الإسلام سواء انتقل للعيش في بلاد إسلامية أم بقي يكابد العقبات في بلاد الغرب.

كيف ننشئ مشروع المؤدب

للمشروع عناصر محددة وخطة عمل واضحة، تشمل 3 حلقات متصلة ببعضها اتصالًا وظيفيًا دوريًا بحسب ما لخصها الشيخ حازم.

الحلقة الأولى هي المساجد: نقطة الانطلاق الأولى حيث سيتم ترشيح وانتقاء الموهوبين من الشباب ذوي الكفاءات، ممن ازدان بالصدق والتقوى واشتهر بحسن الخلق والأدب، وأظهر قدرة على التعامل القدوة مع النشء.

الحلقة الثانية الأثرياء: ممن سيتكفل بتمويل المشروع، فضمان استمرارية المشاريع العظيمة كهذه لا يمكن أن يقوم على التطوع، إذ لابد أن يتفرغ العامل له بكل جهده وإخلاصه لنتأكد من جديته في العطاء والمثابرة، ولذلك لابد من سد حاجته للكسب، فلا يضطر لقطع العمل في منتصف الطريق عندما تخف حماسته للتطوع أو تضطره الحاجة للبحث عن مصدر رزق. ولعل أفضل طريقة لضمان استمرار التمويل أن يستفيد أبناء هؤلاء الأثرياء أنفسهم من هذا المشروع ابتداءً، فيتم بالموازاة انتقاء عدد من أبنائهم لتربيتهم تربية إسلامية واعدة. وهكذا تؤمن الأسر الثرية عملًا للمربي، ويؤمّن المربي للأسرة الثرية تربية إسلامية لأبنائها، يعود نفعها على أنفسهم وأمتهم.

الحلقة الثالثة مركز العمل: أين سيتم إجراء دورة للكفاءات المرشحة لتولي هذه المهمة -مهمة التربية- وفي نفس المكان سيتم إلحاق الأطفال الذين وقع عليهم الاختيار لدورات التربية.

بهذه الطريقة تنشأ طبقة تزيل البطالة وطبقة مربية عاملة تصنع الجيل، وجيل يُعد لحمل الراية لاحقًا.

والحقيقة أن أجيال الموحدين ليس هناك من يربيها البتة أو يجهزها ويعدها لما هو آت في معترك الصراع الذي تعيشه الأمة المسلمة، لذلك يجب المسارعة لإقامة هذا المشروع الذي ستزيد بركاته ويتسع تأثيره كلما امتدت دائرة نشاطه، فتكوين 20 مربيًا كفؤًا لتخريج 200 طالب بمقاييس التربية الإسلامية الجليلة، يقدم نتائج مضاعفة حين يتضاعف عدد هؤلاء المربين والطلبة بشكل طردي.

شروط يجب أن تتحقق في مشروع المربي

مشروع إعداد المربي

يعتمد مشروع التربية على الكيف قبل الكمّ، وعلى الجودة قبل الكثرة، لذلك لابد من تقديم همم جادة تحمل الشغف وتقدر المسؤولية؛ من أجل صناعة الكفاءات القادرة على تأمين تربية جيل أكثر تمثيلًا للإسلام، لذلك وجب العناية بحسن اختيار المرشحين ابتداء ممن يحمل العقيدة والحمية لهذا الدين وحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ثم تقديم برامج شاملة متكاملة تعتني بكل فنون التربية، تنطلق من العلم الشرعي اللازم وتحيط بعلوم النفس والاجتماع كي يتقن المربي التعامل مع أحلام الأطفال وطاقاتهم وطبيعة كل مرحلة عمرية. فالموهبة رأس مال إلا أن التعليم الشرعي وصقل النفس وترقية معارفها في هذا الاختصاص عامل نجاح لا يُستغنى عنه.

يمضي هذا التأسيس بالتوازي مع حسن انتقاء الأطفال الذين سيستفيدون من هذه البرامج التربوية، أطفال سيرتهم تبشر بالفلاح، يحملون نصابًا من التهذيب والجدية، يخوّلهم تقديم نماذج ناجحة عند مساعدتهم على اكتشاف ذواتهم وقدراتهم ومهاراتهم، لصالح أنفسهم وأمتهم.

وكذلك برامج صناعة المربيين والأطفال على حد سواء، يجب أن تعتمد برامج عقدية وأخلاقية وسلوكية سليمة من البدع والانحرافات والخرافات، وتربط المربي والطفل بالقرآن والسنة ربطًا وطيدًا، القدوة فيها الأنبياء والسلف الصالح.

ثم “ما لا يدرك كله لا يترك جله” و”قليل دائم خير من كثير منقطع”، كلاهما قاعدتان مهمتان لاستمرارية المشروع، وإن اقتصر على دورات تربوية خلال العطل الصيفية والإجازات فإن ذلك أفضل من إهمال المشروع برمته، وكلما اجتهدنا في تعميم المشروع رأينا بركات السعي في جيل أكثر تمثيلًا للإسلام.

والجميع معني بهذا الواجب وفي المقدمة الآباء المقصرين جدًا، وغير الملتزمين، وفيهم المعاصي ظاهرة، فإن افتقادهم لهذا المستوى من التربية يجعل من سعيهم لتحقيقه في أبنائهم أولوية قصوى، ودعوتهم للانخراط في مشاريع التربية تستحق التشجيع.

ولا شك أن الأخطاء واردة عند الانطلاقة، لكن مع حسن المحاسبة والاستدراك في أي مشروع لابد أن نبصر النجاح إن صدقت النوايا والمقاصد والوسائل.

فشل التدريس النظامي والأسري

مشروع إعداد المربي

لا يمكن التعويل على المدارس النظامية في زماننا فهي منهارة بمعنى الكلمة، إما تابعة ذليلة للغرب، تستنسخ أهدافهم فتطبقها حرفيًا لإخراج جيل علماني منتكس عن دينه خادم لعدوه، أو لا تحمل أصلًا رسالة تعليمية تنفع الطفل المسلم، ثم إن أغلب المدرسين حملوا معهم رواسب بيئتهم التربوية بأخطائها، فضلًا عن افتقادهم التجربة والخبرة والهدف النبيل.

وهذا تحصيل حاصل لتراكم نتائج الإهمال عبر الأجيال، فقبل عقود كان من نشاهدهم آباء وأمهات اليوم، يتسكعون في الطرقات والأرصفة تائهين بلا هوية ولا وجهة، ثم تزوجوا وأسسوا لهم أسرًا بلا رصيد علمي في التربية، وفاقد الشيء لا يعطيه لأبنائه! فليس كل أب وأم بقادر على أداء دوره في التربية كما ينبغي.

ومما يزيد الإلحاح للعمل في هذا الاتجاه شدة الافتقار لمن يسهر على صياغة جيل المسلمين بين النخب، فحتى الجماعات الإسلامية تعاني من مشاكل ضخمة وهي غير قادرة على سد هذا الثغر. مما يجعل من مشروع تأسيس المربي وصناعة المؤدب، أولوية بمفهوم المصطلح الأصولي الشرعي.

أولوية الإنفاق على مشروع المربي

نتحدث عن مشروع إعداد شخص موهوب يمتلك أدوات العلم التي تمكنه من أن يصوغ الجيل القادم، وهو مشروع مؤسسي يستوجب الإنفاق عليه لأهميته البالغة في حفظ مستقبل هذه الأمة، ويقول الشيخ حازم: إن الإنفاق في هذا المشروع صدقة جارية هي أولى من الصدقات التي توضع في مشاريع الشجر والماء أو طباعة الكتب أو غيره من صدقات جارية. فلسنا بحاجة لفرش مسجد، بل إلى صياغة جيل لإنشاء أمة مسلمة.

فالإنفاق على صنع المسلمين وإيجاد كيان الأمة الإسلامية أعظم وأولى من الإنفاق على مشروع يستخدم الموجود الضعيف. وفرق كبير بين إنشاء جيل صفوة الأمة، وبين مشروع يعمل على تعايش أمة قائمة تحت مناهج وخطط ومشاريع غيرها ممن يصنف في مرتبة الأعداء والمنافسين.

نحن بأمس الحاجة لمشاريع تعيد إحياء الإسلام في الأفراد والمجتمعات، تعيد صناعة الأمة المسلمة، لا مشاريع أكبر أهدافها التماهي مع الباطل والتعايش مع الضعف والتيه! وهي المشاريع التي يجب أن تحظى بأولوية إنفاقنا.

سبل الإنفاق في مشروع المربي

يمكن المساهمة في تمويل هذا المشروع بطريقتين:

الأولى كفالة هذا المربي الذي هو صائغ أمة لمدة سنة أو أكثر بحسب ما يتوفر من مال، بعد أن يتم رصده من المساجد وساحات العمل وتهيئته لسد ثغر التربية، هذه الكفالة ستغطي حاجته المادية لضمان تفرغه التام لعمله كمربي. وكل مشروع يقدم لك بقدر ما تعطيه من نفسك، لذلك كلما بخلت بخلت النتائج، والجود نهايته إكرام.

أما الثانية؛ بعد توفر المرشحين المناسبين لدور المربي، يتم جمعهم للإعداد في جمعية، والإنفاق عليهم لتلقي دورات في العلوم الشرعية والتربوية بهدف تحصيل الوسائل التعليمية والإحاطة بعلم النفس للطفل، وفنون التعامل مع الفئات العمرية المختلفة، ومعالجة أزمات التربية كالتمرد والفوضى، والتأكد من قدرتهم على تقديم نصاب العلم بالعقيدة المطلوب للأطفال وكذا التربية الإسلامية الرشيدة.

آفاق إنشاء معهد لصناعة المربي

إن إنشاء معاهد تستقطب أصحاب العقيدة من الدعاة والعلماء سيصبح حجة بالمقاييس العلمية التجريبية لإنشاء المربي المتمكن الموهوب في مجال التربية، وحين تكون الكفاءات جادة ذات مصداقية فإن هذا المعهد سيصبح الضالة المنشودة في المدارس والنوادي والمجتمعات.

وتبقى نقطة البداية في هذا المشروع وكل مشروع يهدف لإحياء الإسلام في الفرد والمجتمع، ليس إرسال المال والجلوس في مقاعد المتفرجين، بل انتداب النفس ودفعها لإدارة حركة هذا المشروع والمساهمة بجدية في إقامته وتفعيله. وهو حقًا ما نفتقده في زماننا؛ تلك الهمم المحركة المسخرة لمشاريع تنفع المسلمين وتخرجهم من دائرة المتفرج إلى العامل المؤثر. مشاريع تغير من حال المسلم الفرد، فيتغير حاله وحال أمته تلقائيًا. وكما قال مالك بن نبي: “إنها لشرعة السماء: غيّر نفسك تغيّر التاريخ!”. [5]

الجود من الموجود للانطلاقة

إن الانطلاق بحجم إمكانية معقول يضمن نسبة من النجاح أكثر من الانطلاق بتكاليف ضخمة لمتطلبات يمكن الاستغناء عنها، فلسنا بحاجة لبناء مركز جديد لإطلاق مشروع صناعة المربي؛ لأن المساجد والمقرات كثيرة، فأي مبنى يمكنه أن يستوعب المشروع لا حاجة لتكلفة بناء جديد.

ثم نحن نتحدث عن مشروع لإنشاء أمة لا لإطعامها. مشروع لتحويل الأمة بقواها الداخلية من الاستضعاف إلى القوة، لا للتعايش مع هذا الاستضعاف. من هنا يجب استشعار مدى أهمية الانطلاق بالأسباب المتوفرة في أقرب فرصة ممكنة وعدم التردد في ذلك.

وإن كانت الأجيال السابقة قد أضاعت الأمانة فكل جيل مسؤول عن الفترة التي يعيشها في الدنيا وكل جيل سيسأل أمام الله سبحانه، قال تعالى: (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِير) (فاطر: 37).

ولابد من التنبيه إلى أن التربية من صميم الطاعات والواجبات ولا يجب أن يُغفل عنها لحساب ترف أو مستحب، ولا الانشغال بحواشي الأمور عن صلبها. ثم لمن نترك الجيل! والمدارس فاشلة، والأسر عاجزة.

تحويل الانحياز العاطفي لطاقة عمل

جميل جدًا أن يحمل المسلم عاطفة جياشة تجاه قضايا الأمة الإسلامية، لكن الفريضة المغيبة اليوم هي ذلك الانتقال والتحول من هذا الانحياز العاطفي إلى العمل الجاد المتخصص للإسلام. ولنا أن نتأمل كيف ستصبح مجتمعات المسلمين حين تتحول الآلاف والملايين من مجرد منحازة عاطفيًا للإسلام إلى قوى فاعلة تعرف طريقها وأهدافها قد وقف كل فرد منها على ثغره مخلصًا!

وهنا نقطة فارقة بين قول يصدقه العمل ويترك الأثر وبين قول يتحول لحجة على صاحبه.

في الختام

إن كل مشروع ينطلق في ظرف شدة وضعف لابد أن تواجهه تحديات وصعوبات، لكنها تتحطم أمام عزائم تشربت باليقين واستعانت بربها العظيم وأحسنت التوكل عليه والمجاهدة والسعي، ويكفي أنه يعيد للمسجد مكانته، ويتخلص من معضلة التربية “الصدفة” والتربية “اللامسؤولة”، ويضمن التكافل المادي والمعنوي بين الفئات المستفيدة، رأس المال فيه الجدية والإقبال الفردي بما توفر من أسباب لإنتاج مؤسسي هادف.

يقول مالك بن نبي: “عندما يتحرك رجل الفطرة، ويأخذ طريقه لكي يصبح رجل حضارة، فإنه لا زاد له… سوى التراب والوقت وإرادته لتلك الحركة. وهكذا لا يتاح لحضارة في بدئها رأسمال، إلا ذلك الرجل البسيط الذي تحرك، والتراب الذي يمده بقوته الزهيد حتى يصل إلى هدفه والوقت اللازم للوصول”. [6]

وهكذا عندما نضع أمامنا المشكلة بأكملها ونأخذ في اعتبارنا على الأخص عنصرها الأساسي: الإنسان، وكيف يؤثر هذا الإنسان في تركيب التاريخ. سنلاحظ أن هذا الفرد يؤثر في المجتمع بثلاثة مؤثرات كما رصدها مالك بن نبي في العصر العشرين:

أولًا: بفكره، ثانيًا: بعمله، ثالثًا: بماله. [7]

فلدينا الفكرة ولدينا المال لكن ينقصنا العمل. فطوبى لقلب وعى فأقبل بلا تسويف، وطوبى للمسابقين لسد الثغور بلا تقصير.

عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر رضي الله عنه أنه قال لأصحابه: تمنوا. فقال بعضهم: أتمنى لو أنَّ هذه الدار مملوءة ذهبًا أنفقه في سبيل الله وأتصدق. وقال رجل: أتمنى لو أنها مملوءة زبرجدًا وجوهرًا فأنفقه في سبيل الله وأتصدق. ثم قال عمر: تمنوا. فقالوا: ما ندري يا أمير المؤمنين، فقال عمر: أتمنى لو أنها مملوءة رجالًا مثل أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة، وحذيفة بن اليمان”. [8]

ولا عجب أن يحمل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب هذا الفهم العظيم، فرُب رجل بأمة، وما الأمة العظيمة إلا بعظم همم أبنائها، والسبيل لتحقيق ذلك، هو صناعة الأجيال منذ الصغر على نور من الله، وصناعة الرجال والنساء العاملين، وبالتالي إنشاء أمة مسلمة هي خير أمة أخرجت للناس.

873

المصادر
الكاتب

د. ليلى حمدان

كاتبة وباحثة في قضايا الفكر الإسلامي، شغوفة بالإعلام وصناعة الوعي، صدر لي حتى الآن (نجوم على الطريق، صفحات من دفتر الالتزام، إليكِ أنتِ، قبس من خاطر، أمريكا التي رأيت، قراءات مختصرات، المختصر في الملاحم والفتن، خربشات على جدار الصمت، القطوف (في جزأين) وصناعة الهمة).

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.