مقدمة ومكانة التاريخ العسكري

التاريخ العسكري سجل تجارب الأمم العسكرية من إنجازات وإخفاقات عبر المعارك والحروب. إن التاريخ العسكري في جوهره لا يقتصر على دراسة الماضي وتسجيله، لكنه أيضًا وسيلة بحث بل هو مخبر التجارب لمعظم العلوم الاجتماعية والنفسية والعلوم التقنية، كما أنه يشكل مجالًا رحبًا لاكتساب الخبرات العسكرية العلمية، فهو بحق مدرسةٌ لتطبيقات علم الحرب وفنه، كما أنه مادة خصبة لتكوين المذهب العسكري ومعين لا ينضب للمنظرين العسكريين.[1]

إن التاريخ العسكري واحدٌ من فروع التاريخ العام، إلا أنه يمتاز بالكثير من التفرد والخصوصية التي تفصله عن بقية فروع ذلك العلم. ورغم أن التاريخ العسكري ليس أكثر من فرع من فروع التاريخ العام، إلا أنه بحد ذاته فرع واسع الأفاق، وقد يكون أكثر أهمية من باقي الفروع الأخرى، فهو سجل الصراع البشري الغارق بالدماء، حتى أن البعض يرى أنه هو التاريخ نفسه، طالما أن الحرب تشكل المساحة الأكبر في حياة البشر وتاريخهم… وما دام السلام لا يشكل إلا محطات أو هدن قصيرة، لالتقاط الأنفاس والاستعداد لحروب جديدة.[2]

لقد كان المسلمون من السبّاقين في الاستفادة من تلك الأحداث والتجارب، ويظهر ذلك في الكثير من غزوات النبي -صلى الله عليه وسلم- والفتوحات الإسلامية. وظهر ذلك في استفادة المسلمين من فكرة الخندق الذي أشار إليها سلمان الفارسي للنبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا.[3]

فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بحفر الخندق، واستطاع المسلمون بذلك تحويل المدينة إلى جزيرة دفاعية محميةٍ من جميع الاتجاهات وهو ما أفشل حملة الأحزاب من قريش وغطفان وأسد وغيرهم، وخطتهم الرامية لاحتلال المدينة.

هل القديم يفيدنا؟

التاريخ العسكري التاريخ العسكري.. دوره وأهميته في الإعداد 1

لقد كان التاريخ العسكري عرضةً مرارًا وتكرارًا للاتهام بالبُلى، كلما حدثت طفراتٌ تقنية، منذ عصور اختراع البارود والمدافع والطيران وحتى أسلحة الدمار الشامل. مع ذلك فالتاريخ العسكري يثبت نفسه دائمًا، فالحروب تتغير تغيرًا تطوريًا لا ثوريًا (يُبطل كل ما استند عليه السابقون). وكما يقول المنظر العسكري الألماني كلاوزفيتز: “كل الحروب كشيءٍ من طبيعةٍ واحدة”.

والخبراء العسكريون لدى دراستهم للتاريخ العسكري، سيحاولون النظر إليه بعين المستقبل، والتبصّر به لفهم الحرب، واستخلاص نتائج قد يستخدمها الخبراء في مسيرتهم المهنية. وهذا بالأخص يتطلب أسلوب نظرٍ ناقدٍ وحكمٍ سليم.

إن التاريخ العسكري له من الفوائد بما تقدمه للعسكريين من بصائر في الفن العسكري. ومن الواقعي القول بأنّنا لن نكرر معركة تاريخية بحذافيرها، إلا أنّنا غالبًا ما سنتعامل مع ظروف بيئية وتخطيطية مشابهة لمعارك الماضي في حروب المستقبل. فظروف الطقس والدعم اللوجستي للقوات وتحديد أفضل استخدام للقوات العسكرية، كلها أمور يبقى القادة يتعاملون معها دائمًا وأبدًا. وفي حين أنك لن تجد حلولًا مطابقة في سجلات التاريخ لمسائل المعارك الحديثة والمستقبلية، فإن دراسة التاريخ العسكري كفيل بالبدء بعمليات التفكير بالحلول قبل عودتنا لساحة المعركة مرة أخرى.[4]

ففي المهام العسكرية، يجب أن يضع المخططون في اعتباراتهم الكثير من المتغيرات قبل تنزيل المستفاد من دروس التاريخ على واقعهم الذي يعيشونه، بما يتضمنه من أحداث وظروف وأوضاع. فمثلًا كيف يستخدم القائد الأحوال الجوية أو التضاريس الأرضية لصالحه في القتال؟ وهذه الأسئلة عُرضت على مختلف القادة العسكريين عبر التاريخ، وتمثلت في عقولهم عمليات التفكير نفسها، مع فوارق التنزيل على ظروفهم وأوضاعهم الزمانية والأحداث.

كان نابليون قد وظف ما درسه من تاريخ حملة المارشال الفرنسي مايليبوي (في منتصف القرن الثامن عشر بإيطاليا) في حملته الأولى على مسرح العمليات نفسه إبان نهاية حرب التحالف الأولى (1796). وفي كلا الحملتين (حملتي مايليبوي ونابليون) تم عبور الممرات الجبلية نفسها خلال مرتفعات الألب البحرية، لتحقيق نفس الأهداف العسكرية، وهي التفريق بين قوات عدوهما وهزيمة كل قوة على حدة [5]، فاستفاد نابليون من تجارب من سبقه. والإفادة من تجارب السابقين، تعين على توفير الجهود والدماء، أن تذهب سدى.

وهناك العديد من الأمثلة التي تظهر لنا دروسًا قيمة نافعة للعسكريين اليوم من دراسة أسباب ما أقدم عليه قادة الماضي من قرارات وأفعال؛ وذلك إذا ما تمت دراسة المعارك التي يواجهها القادة وقراراتهم ضمن سياقاتها.[6]

يقول وزير الدفاع الأمريكي الأسبق الجنرال جيمس ماتيس:

أرى من الضروري في سبيل صناعة الجندي العظيم… أن يلم إلمامًا تامًا بجميع أنواع الاحتمالات العسكرية، بحيث أيًا كانت الواقعة التي يواجهها، فلديه مسبقًا احتمالات لمواجهتها.

لتحقيق هذا الأمر، ينبغي على الجندي قراءة التاريخ العسكري من أشكاله الأولى والبدائية نزولًا مع مجرى التاريخ الطبيعي، وهو ما سينمي عقله في هذا الموضوع، حتى يستطيع استيعاب أعوص المسائل بطلاقة في علم الحرب لما تشربه من عناصرها.

إن المشكلة في انشغالك الشديد عن القراءة؛ هو أنك ستتعلم لاحقًا، لكن بالخبرة -أو بخبرة رجالك- أي ستتعلم بالطريقة الصعبة. أما بالقراءة فإنك ستتعلم من خبرات الآخرين، وهي بالعموم طريقة أفضل بكثير للقيام بالعمل، خاصة في مسيرتنا بالعمل، حيث أن عواقب الفشل أرواح ودماء شبابنا التي لن تُعوض.

“فبفضل قراءاتي، لم أقع أبدًا في موقف صعب، ولم تنقصني أبدًا الأفكار في كيفيات معالجة المشاكل من قبل -سواء كانت ناجحة أم فاشلة-. وتلك القراءات لم تعطني دائمًا الإجابة الكاملة، لكنها كانت تبصرني بماهية الطرق المظلمة أمامي.”[7]

وهنا نسوق جملة من الفوائد عن التاريخ العسكري مركزين في بعضها على ما يخصّ منافعها في صناعة القيادات العسكرية، مع التنويه إلى أنّ الأمثلة التي نذكرها عن استفادة المسلمين (في الماضي) من التاريخ العسكري يرتكز على ما اكتسبوه من خبرات عبر معاركهم الحاضرة بالنسبة إليهم (غزوات النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومن بعدها حروب الردة والفتوحات الإسلامية، أو ما تُنوقل إليهم من أخبار حروب الأمم الأخرى)، وتُعد هذه الأخبار مع أخذ العبرة منها واستخلاص الدروس منها استفادةً من التاريخ العسكري.

التدريب الذهني

التاريخ العسكري لكتائب عز الدين القسام.

صورة من استعراض عسكري لحماس.

إن التاريخ العسكري يساعد على بناء الخلفية العقلية التي يستند عليها القادة العسكريون في وضع تصوراتهم الحربية وتوليد آليات التفكير الذهنية العسكرية، وليس بالضرورة أن تكون الفائدة المرجوة منه تقليد ما فعله السابقون بحذافيره، إذ هذا غير علمي ولا ممكن.

وليس من وظيفة التاريخ أن يقدم مخططًا مفصلًا ولا خريطة طريق للقائد العسكري، لكنه يساعده على شحذ حدة الذهن واكتساب سرعة البديهة لاتخاذ قرارات مدروسة، بما يتيحه من سياقاتٍ تاريخيةٍ لتأمل وتدارس تلك الخبرات السابقة في التدريب والقتال. ويرى المنظر العسكري الألماني كلاوزفيتز “أن دراسة التاريخ تهيئ قادة المستقبل، أو بلفظ أكثر تخصيصًا أنها توجههم فيما يخص التعليم الذاتي، لا بمرافقتهم إلى ساحة المعركة.

فمثلها كمثل المعلم الحكيم يوجه ويحفز تطوير عقلية تلميذه الشاب، لا الأخذ بيده في كل جزئية سائر حياته.” وعلى الرغم من أن هناك تطبيقاتٍ واضحةً عمليةً لدراسة الحروب، فإن الغاية من دراسة الحروب عبر منظور التاريخ كما يقول مايكل هوارد ليست جعلنا أذكى في المواجهة القادمة، بل جعل القادة العسكريين بصيرين على الدوام.[8]

إن الثقافة العسكرية، المستقاة في معظمها من أحداث التاريخ العسكري وفن الحرب وسيرة تجارب القادة العظام، هي التي تمنح القائد عمقًا واتساعًا فكريًا وقدرة على الرؤية الشاملة واقتناص الفرص والتفوّق والفهم الاستراتيجي.

ومن الجوانب التي في غاية الأهمية في دراسة التاريخ العسكري، هي أثرها في إعداد القادة وإكسابهم الشخصية القيادية، سواءً بالاقتداء بمن سبقهم من القادة في الصفات الأخلاقية والنفسية، أو معرفة الأخطار والصعوبات النفسية التي قد يتعرضون لها، وإدراك الموازنات العقلية في الاختيار من بين عدّة خيارات وكيفية اتخاذ القرارات، ومخاطبة الأفراد وإقناعهم والتأثير على روحهم المعنوية.

عام 1775، قام مجلس الشيوخ القاري الثاني بتعيين جورج واشنطن قائدًا لما سمي فيما بعد بالجيش القاري.[9] على الرغم من خدمته في مناصب مختلفة في القيادة والأركان إبان حرب السنوات السبعة[10]، فإن خبرته (العملية) هذه لوحدها لم تؤهله للمهمة التي كُلف بها، ولتقريب هذا الترفيع للأذهان، فهو أشبه ما يكون بقائد كتيبة تم ترفيعه مباشرةً ليصبح قائدًا لأركان الجيش، إلا أنه عَوَّض ما افتقده من الخبرات بالتعليم الذاتي، فقد درس واشنطن العلوم العسكرية بجدية، مغتنمًا كل فرصة في زيادة معرفته في فن الحرب، فاشترى جميع كتب العلوم والتاريخ العسكري، ودون الكثير من الملاحظات على هوامشها، وفي النهاية أصدر منهاجًا منها، وباختصار فإن جورج واشنطن علم نفسه فيما يخص فن القيادة.[11]

وقد عني المسلمون بهذا الجانب وممّا يُروى ويدل على عناية المسلمين به أن جلساء عمر بن الخطاب كانوا يتذاكرون دهاء كسرى وقيصر وحُسْن تدبيرهما (تاريخ عسكري وسياسي غربي)، فقال عمر -رضي الله عنه- (تاريخ عسكري وسياسي إسلامي)[12]:

أتذكرون كسرى وقيصر ودهاءهما وعندكم معاوية بالشام؟

وسيلة تدريب مكملة أيام السلم

التاريخ العسكري التاريخ العسكري.. دوره وأهميته في الإعداد 4

الحروب على أهميتها وجوهريتها في التاريخ، تبقى معضلتها كامنةً في التمرن والتدرب عليها. فمهما شُدِّد من هذا الأمر، فلن تعدو أن تكون بديلًا ضعيفًا عن التجربة القتالية الحقيقية، وهو ما يدفع الدّول إلى إرسال وحداتٍ عسكريةٍ ولو صغيرة ضمن بعثات أممية سلمية في الشرق أو الغرب.

ويذكر المنظر العسكري البريطاني ليدل هارت طريقتين في سبيل اكتساب الخبرة العسكرية، تعتمد إحداهما بشكل كبير على معرفة ودراسة التاريخ العسكري، وهي ما أسماها: الطريقة المباشرة والطريقة غير المباشرة، فأما المباشرة وهي خبرة الحرب الحقيقية، ولا تُتاح طبعًا هذه الخبرة إلا في وقت وقوع الحرب. أما الممارسة غير المباشرة فهي المتمثلة بدراسة التاريخ العسكري والمناورات التدريبية ولعب الحرب، والتي يصفها ليدل هارت بأنّ لا حد لها ولا نطاق، وهي قد لا تكون أفضل بديلٍ، لكنها خير بكثيرٍ من لا شيء، وهي متاحةٌ في أوقات الحرب والسلم على حدٍ سواء.

إن الممارسة المباشرة في الحرب والتي تكسبك الخبرة والمعارف المطلوبة لبناء نظريات عسكريةٍ، هي في الحقيقة ممارسة محدودة بطبيعتها إلى درجة يتعذر معها أن تستخلص منها النظريات والمعارف، وفي أحسن أحوالها توجد جوًا صالحًا له قيمته في ترسيخ بناء الأفكار العسكرية وتقويتها أو نقضها أو تعديلها. أما الممارسة غير المباشرة فقيمتها فيما تتناوله من التغير واتساع النطاق إذ هما في هذه أعظم مما في المباشرة. والتاريخ هو التجارب العامة، أي تجارب الغير الكثيرين في ظروف متنوعة، لا تجارب فرد واحد.[13]

يقول المارشال الفرنسي فوش:[14]

لكي نغذي دماغ جيش من الجيوش في أيام السلم ونجعله يتجه باستمرار نحو الحرب، فإنّنا لن نجد لهذا الهدف كتابًا أخصب من كتب التاريخ.

إدراك الجانب النفسي من الحروب

التاريخ العسكري التاريخ العسكري.. دوره وأهميته في الإعداد 6

ومن المكتسبات المعرفية الجوهرية للقادة في دراستهم للتاريخ العسكري، هي معرفة الجانب النفسي من الحرب، وهو جانبٌ لا يستطيع العسكريون انتظار المعارك لإدراكها وتعلمها، بينما يتيسر ذلك في دراسة التاريخ العسكري وبالأخص مرويات من شهد الحروب بنفسه.

إن دراسة معارك الماضي يعين القادة على تفهمّ مسؤولياتهم، وبالأخص تقدير أهمية الانضباط والحاجة لبناء قوات متماسكة وواثقة من نفسها وقادرة على امتصاص الصدمة النفسية الناتجة من أثر القتال والتأثير الهدام نفسيًا للخطر المستمر. ولا نستطيع أن نقول بأفضل مما قال المؤرخ البريطاني العسكري كيغان:

الشيء الوحيد المشترك بين كل المعارك هو الإنسان؛ وبالتحديد سلوكه المتناغم مع غريزة البقاء، وشعوره بالشرف، وتحقيق هدفه في التغلب على الآخرين.

ولذا، فدارسة المعركة من ناحية الإقدام هي دومًا دراسة الجبن وعادةً دراسة الشجاعة؛ ومن ناحية الزعامة فهي دومًا دراسة القيادة وعادة دراسة السمع والطاعة؛ ومن ناحية العصيان فهي دومًا دراسة الإكراه وأحيانًا دراسة التمرد؛ ومن ناحية المشاعر فهي دومًا دراسة القلق وأحيانًا دراسة نشوة النصر والتشفي بالخصم؛ ومن ناحية المعلومات فهي دومًا دراسة الشك والريبة، والتضليل وسوء التفسير، وكذلك عادة ما تدرس الإيمان والرؤية؛ ومن ناحية القسوة فهي تدرس دومًا العنف، وأحيانًا كذلك الوحشية والشفقة والتضحية بالذات؛ وفوق كل هذا فهي دومًا تدرس تماسك المقاتلين وتدرس عادة انهيارهم، والمعارك توجه أساسًا لإحداث هذا الانهيار في صفوف العدو. وينبغي على القادة العسكريين تثبيت جنودهم ووحداتهم حتى يمنعونهم من الانهيار. [15]

يقول الضابط المتقاعد البريطاني جون كيسزيلي: “للتاريخ العسكري أهميةٌ كبرى في فهم البعد البشري للحرب، المتمثل في نفسية المقاتل سواءً كان جنديًا أو بحارًا أو طيارًا. فلو افتقرتَ للخبرة القتالية، فكيف لك أن تفهم هذا البعد الحساس من مهنة العسكرة دون دراسة التاريخ العسكري؟

وقد رأيت عن نفسي في سريَّتي العديد من الظواهر التي قرأتها من قبل في الروايات التاريخية لمن عاشر الحروب، لا في القرن العشرين فحسب، بل حتى في روايات الجنود في القرون السابقة -وإن كانت نادرة- مثل رواية إدوارد كوستيلو في إسبانيا، وثوماس موريس في معركة وواترلو، والقناص هاريس لدى انسحاب الإنكليز من إسبانيا أمام الجيوش الفرنسية النابليونية. صحيح أن الظروف قد تكون مختلفة، لكن نفسية المقاتل المشارك في ساحة المعركة تبقى نفسها؛ فمن الممكن أن تتعلم من تلك الروايات مثلًا، كيف رأى هؤلاء الجنود في تلك الساحات ضباطَهم، وهو أمرٌ يبقى من الفائدة بمكان لضباط اليوم.”[16]

مساهمٌ في تصميم العقيدة العسكرية [17]

التاريخ العسكري التاريخ العسكري.. دوره وأهميته في الإعداد 8

لقد كان العرب في جاهليتهم يعتمدون في حربهم ما يتناسب وأحوالهم المجتمعية والبيئية من أساليب القتال المرتكزة على الكر والفر وأساليب الإغارة والكمائن، فعقيدتهم العسكرية أشبه ما تكون بعقيدة السلب والانتقام، وهو ما تناسب مع مجريات حياتهم الجاهلية سواءً من الأهداف؛ من تقاتل القبائل وتصارعها على الموارد أو طلب الانتقام ولو بعد حين، أو البيئة؛ والتي تشمل الصحاري المقفرة القاحلة مع وجود بعض الجبال.

ومع ظهور الإسلام واتساع دولته تغيرت العقيدة العسكرية والأسلوب القتالي تلقائيًا وبالتدرج وبما يتناسب مع ظروفه وبما اكتسبه رجالات الإسلام من الخبرات العسكرية (المعرفة بالتاريخ العسكري) من الاحتكاك وخوض المعارك مع الأمم الأخرى المجاورة.

في يوم بدر اعتمد النبي -صلى الله عليه وسلم- نظام الصف، وهو ما لم تعهده العرب في قتالها، ويذكر ابن خلدون في مقدمته إحدى أسباب تحول المسلمين لقتال الصف مخالفين بذلك ما اعتمده العرب من قبل قائلًا: “أنّهم كانوا مستميتين في جهادهم، لما رغبوا فيه من الصبر، ولما رسخ فيهم من الإيمان. والزحف (نظام الصف) إلى الاستماتة أقرب”.

ومع توسع الفتوحات والأراضي الإسلامية وتضخم جيوشها، اعتمد المسلمون تشكيلاتٍ جديدة، وتجلّت أيام معركة اليرموك، واعتماد سيدنا خالد -رضي الله عنه- نظام الكراديس (cohorts) الذي استوحاه من معاركه مع الروم ومزجه بنظام الخميس، وكان لذلك عظيم الأثر في حل مشكلة التفوق العددي لجيش الروم في معركة اليرموك وتحسين القيادة والسيطرة على ما توفر لديه من أعداد للمجاهدين لينال بذلك الانتصار التاريخي الحاسم.[18]

ولم يتعود العرب من قبل على حروب الحصار، وهذا ظاهرٌ في سآمة قريش من حصار المدينة وهم أمام الخندق، وكان المسلمون منذ غزوات النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى بداية الفتوحات يخوضون حروب المواجهة بالجيوش، وشيئًا فشيئًا اكتسبوا الخبرة في حروب الحصار مع حصار خيبر (7هـ) وحصار الطائف (8هـ) وحصار دمشق (13هـ) وحصار المدائن (16هـ) وحصار بابليون وحصار الإسكندرية (20 هـ)، ومما اكتسبوه من خبرات مهندسي آلات الحصار من فارس والروم.

يقول اللواء عبد الرحمن الشهري في كتابه تطور العقائد والاستراتيجيات العسكرية: “إن الدروس المستفادة من الماضي هي من أكبر وأهم الأساسات الرئيسية التي تُبنى عليها العقيدة العسكرية على مختلف مستوياتها، ويعد التاريخ العسكري مصدرًا فعالًا وناجحًا لبناء العقيدة العسكرية أو تطويرها، لأنه حصيلة خبرة وتجارب تكررت وأثبتت نجاحها في الماضي وعلى المدى الطويل، والعقيدة العسكرية تتأثر “بأصول تاريخية”، وترتبط بالشعارات التي تلتزم بها الدولة أو الأمة.”[19]

إن التاريخ العسكري يتيح للباحثين مراقبة تطور العقائد العسكرية وما يرتبط به من التطور في التسليح والعتاد والهيكليات العسكرية والأساليب التكتيكية والاستراتيجيات عبر الزمن، مما يؤهل لمعرفة أو إدراك طبيعة معارك المستقبل وكيفية تشكلها. يقول الجنرال الأمريكي ماك آرثر: “لنكتـشف المستقبل، علـينا أن نبـحث في الماضـي، ليس لنخـتلي به، بل لنحـضر لحـرب حديثـة، وإيجـاد العـلاج المناسـب لخطأ تم اكتشافه”.[20]

فكيفية إعداد الجنود للمعركة، يعتمد إلى حدٍ كبيرٍ على رؤيتهم للقتال مستقبلًا، وهي رؤية كما يقول المؤرخ العسكري البريطاني كيغان: “تحتاج لمنظورٍ تاريخيٍ ذي عمقٍ بعيد”.[21]

استخلاص المبادئ الحربية [22]

التاريخ العسكري التاريخ العسكري.. دوره وأهميته في الإعداد 10

صورة من أرشيف التاريخ العسكري لأوروبا.

إن مبادئ الحرب ثابتة لم تتبدل عبر القرون، بل حكمت أغلب المعارك من معركة “كاني” إلى ستالينغراد حتى الحروب الحديثة. وإن كانت الوسائل التقنية وأساليب استعمال الأسلحة تتغير وتتطور مع التقدم التقني والحضاري إلا أن المبادئ الحربية بقيت كما هي بأهميتها وتأثيرها على سير الحروب.[23]

إن المبادئ الحربية لا تزال صحيحة في وقتنا الحاضر وستظل كذلك مستقبلًا. وإن دراسة التاريخ العسكري تسمح لنا بالإدراك العميق لهذه المبادئ وبالفهم الدقيق لمضمونها والتعرف على الأمثلة الناجحة في استخدامها عبر المراحل التاريخية المختلفة. أما الاكتفاء بدراسة الأنظمة (التكتيكات والاستراتيجيات والتشكيلات والتسليح) الحديثة، فإن دراسة هذه الأنظمة لحالها لا تقدم إلا عرضًا جامدًا جافًا للمبادئ الحربية، ولذلك لا بد للمبادئ الحربية من عرضٍ تاريخي يعين على استخلاص تلك المبادئ وتفهمها حتى يمكن تعميمها على الأنظمة القتالية الحديثة.[24]

إن الكلام عن عناية المسلمين بتطبيق المبادئ الحربية مستفيدين من التاريخ العسكري يطول كثيرًا، ويمكن أن نذكر مثالًا في عناية المسلمين بعامل الحشد (التركيز)[25]، حين توسعتْ الفتوحات الإسلامية وثقلت الغنائم والفيء، وكثر المجاهدون ممّن خرجوا للجهاد في سبيل الله، استدعى ذلك نقل بعض الخبرات التاريخية من الأمم الأخرى لإدامة قدرة الخليفة على تنظيم وحشد المسلمين نحو المعارك والفتوحات مع إحصاء حقهم من الغنائم وما يخرج من ذلك من الأخماس.

قال المؤرخ ابن الطقطقي: “وكان المسلمون هم الجند (أي كلهم)،… فلمَّا كانت سنة خمس عشرة للهجرة وهي خلافة عمر -رضي الله عنه- رأى أنَّ الفتوح قد توالت، وأنَّ كنوز الأكاسرة قد ملكت، وأنَّ الأحمال من الذهب والفضة والجواهر النفيسة والثياب الفاخرة قد تتابعت (أي تكاثرت)، فرأى التوسيع على المسلمين، وتفريق تلك الأموال فيهم، ولم يكن يعرف كيف يصنع وكيف يضبط ذلك، وكان بالمدينة بعض مرازبة الفرس (والمرازبة هم ولاة فارس على أقاليمها وقد أسلموا وقدموا المدينة).

فلمَّا رأى حيرة عمر -رضي الله عنه- قال له: يا أمير المؤمنين إنَّ للأكاسرة شيئًا يُسمُّونه ديوانًا، جميع دخلهم وخرجهم مضبوطٌ فيه لا يشذ منه شيء، وأهل العطاء (من الجند) مرتَّبون فيه مراتب لا يتطرَّق عليها خلل، فتنبَّه عمر -رضي الله عنه- وقال: صفه لي، فوصفه المرزبان، ففطن عمر لذلك ودوَّن الدواوين وفرض العطاء، فجعل لكلِّ واحدٍ من المسلمين نوعًا مكرَّرًا”.

الواضح أنَّ عمر -رضي الله عنه- دوَّن الديوان وفرض العطاء ليتفرَّغ المسلمون للجهاد، ولهذا منع قسمة الأراضي المفتوحة بين المقاتلين حتى لا يعملوا بالزراعة فتشغلهم عن الجهاد، وتجذبهم الأرض إليها فتُنسيهم الرسالة الكبرى التي ألقى القدر عليهم أن ينهضوا بها، وقد ساعد تدوين الديوان وفرض العطاء أولئك المسلمين على أداء الرسالة.[26]

وممّا صنعه الغرب من الاستفادة من الخبرات التاريخية في تطبيق مبادئ الحرب، ما قام به الألمان في الحرب العالمية الثانية مستفيدين من خبرتهم في الحرب العالمية الأولى، فقد أظهر الحرب الأولى سوء مصير الاعتماد على حرب الخنادق والتحصينات وما يحدث هذا الأمر من جمودٍ واستنزافٍ أهلك الإمبراطورية الألمانية وسقطت هي وشعبها مهزومةً من الجوع والبوار الاقتصادي الذي أصابها، فكان ممّا ركزوا عليه في حربهم ضد فرنسا هي اعتماد الحرب الميكانيكية على نطاقٍ واسعٍ تعين على حسمٍ المعركة في وقتٍ قصيرٍ، فحققوا مبدأي الحسم والحركة، لتنتهي المعركة مع فرنسا بسرعةٍ هائلةٍ واحتلالها في أسابيع قليلة.

أما الفرنسيون فبدلًا من أن يستفيدوا من هذه الخبرة التاريخية، فقد أُعجِبوا بفكرة الحرب الدفاعية، وهذا أدى لإغراق فكرهم العسكري بفكرة التحصينات والخنادق، حتى صنعوا خط ماجينو الذي أرهق ميزانية فرنسا العامة، وكانت النتيجة أن التف عليها الألمان بكل بساطة.

تجنب الأخطاء

التاريخ العسكري التاريخ العسكري.. دوره وأهميته في الإعداد 12

يظهر استفادة المسلمين من التاريخ في تدارك أخطائهم كما حدث في موقعة الجسر ضمن معارك فتح العراق ضد الفرس الساسانيين، فقد كان لاندفاعهم داخل أراضي العدو، حاصرين أنفسهم ضمن مجاري المياه في ريف العراق الدور الأبرز في إيقاع الخسائر البالغة في صفوف المسلمين، وتدارك المسلمون ذلك في المعارك اللاحقة، مجبرين العدو الفارسي على دخول أرض المعركة المناسبة لهم، ويظهر ذلك في معركة البويب، ووصية المثنى (بخلاصة تجربته) لسعد بن أبي وقاص -رضي الله عنهما- إبان معركة القادسية من قتال الفرس قرب الصحراء وبعيدًا عن الشبكة المعقدة للمسالك والمسطحات المائية.[27]

إن قراءة التاريخ العسكري تسمح للقادة العسكريين بتجنب الوقوع في أخطاء الماضي ومن سبقهم من القادة العسكريين عبر التاريخ، وهي أخطاءٌ يمكن أن تتكرر إذا ما جهلناها، لذلك فالإنسان المتبصر يتعلم من غيره قبل نفسه.

هناك قول يُنسب إلى رئيس وزراء بروسيا ومصمم الوحدة الألمانية بسمارك:[28]

يقول الحمقى من الناس أنهم يتعلمون بالتجارب، أما أنا فأفضل أن أتعلم من تجارب غيري.

وأقول من الحماقة ألّا نستفيد من إرث التاريخ العسكري الضخم سواءً الحديث منه أو القديم، في سبيل تجنب الأخطاء التي وقع فيها غيرنا، خاصة وأن الحرب خلاف كل أعمال ومهن الحياة الأخرى غير قابلة للتجريب والاختبار، ولو جرب قائدٌ هذا الأمر، لعرض بحياة مقاتليه وجعل منهم فئران لتجاربه.

وليس من المطلوب دراسة الشؤون العسكرية لمدى الحياة، حتى تدرك خطر محاولة إتقان حمل السلاح من دون دراسة التاريخ العسكري. فمن دراستها تدرك وتفهم أهمية مفهوم الاحتكاك للمنظر الألماني كلاوزفيتز: “وهي مجموع الحوادث الصغيرة الكثيرة جدًا والتي لا يمكن التنبؤ بها، والتي بمجموعها تخفض من الأداء العام، بما يُقصِّر عن الوصول إلى كامل الأهداف المرجوة، وهو المفهوم الوحيد الذي يميز بين التنظير للحرب على الأوراق وبين الحرب في الواقع.

فهل هناك من زيت (lubricant) لتقليل هذا التآكل؟” كانت إجابة كلاوزفيتز الواضحة هي: هناك شيء واحد فقط، وليس متوفر لدى قائد ما ولا عند جيشه، وعلى الدوام، إنه الخبرة القتالية. ولكن الخبرة القتالية -المباشرة المكتسبة من ساحة القتال- سلعةٌ مفقودةٌ بازدياد.

صحيحٌ أن التاريخ العسكري لا يصلح كبديلٍ تامٍ، ولكنّه قادرٌ على الأقل بتقديم بعض الفهم لظاهرة الاحتكاك، وكيف تأثر على القادة الآخرين، وكيف سعوا لإزالة مثل هذه التأثيرات. [29]

وبعد كل هذا فالتاريخ العسكري لا يزال يفيدنا ويقدم لنا تلك الدروس العظيمة في وقتنا الحاضر، وينبغي قراءته قراءة واعية صحيحة لا لمجرد التسلية، بل للاعتبار والعظة واستخلاص الدروس.

835

المصادر
الكاتب

أحمد سالم

مترجم وصيدلاني

اترك تعليق

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.