يُعرَف بالتاريخ القليل من القادة العسكريين الذين تركوا أثرًا تاريخيًا هامًا على مجرى حياة الناس، وعلى شهرة بعض هؤلاء القادة العسكريين في الثقافة العامة، إلا أنّه يغفل في الكثير من الأحيان مصائرهم، والأسباب الجوهرية لنجاح أو فشل بعضهم. ويتم الاستغراق عند الكلام عن أسباب النجاح أو الفشل في الجوانب العسكرية الفنية والتكتيكية (الصغرى) مركزين على أحداث المعارك والمغازي والحملات وتفاصيل القتال، فيما يتم إغفال الأسباب الكبرى الجوهرية في إعداد القيادة وتنظيمها وصفاتها التي أهلتها لحيازة هذا النصر، أو مشاكلها وبذور الهزيمة التي تحملها في جنباتها والتي قد تخفى لسنين.

ولأنّنا نعتز بتاريخنا، نسعى في هذا المقال إلى توضيح هذا الجانب بعقد مقارنة بين نجاح الخلافة الراشدة في فتوحاتها، مركزين بعض الشيء على خالد بن الوليد -رضي الله عنه-، ذلك النجاح الذي تحقق على الرغم من النقص في الجانب المادي والعددي، في مقابل نابليون الذي رغم كل ما توفر لديه من إمكانيات مادية وعددية، عدا عمّا تميز به من ذكاء ومهاراتٍ عسكرية لا ينكرها أحد، انتهت مسيرة حياته السياسية والعسكرية بهزيمته في واترلو وترحيله إلى جزيرة سانت هيلينا (1815). ومن الضروري التنويه إلى أن المقارنة تركز على النجاح العسكري الناتج من حسن الأداء الاستراتيجي ومن المنظور القيادي والسياسي، ولا نقصد به مقارنة الأفضلية الذاتية والدينية أبدًا فشتى ما بين الثرى والثرية وبين كافرٍ والصحابة؛ وأن هذه المقارنة ستركز على فتوحات صدر الإسلام. ولن تُركز هذه المقارنة على الجوانب التكتيكية والفنية، فالوسائل هذه فيها الكثير من الاختلافات ويضيعنا في بحرٍ من التفاصيل، وفيه من الصعوبة بمكانٍ وقد كفاه البعض عنا.[1]

من الجدير بالذكر أيضًا، تأتي هذه المقارنة لما يرده الكثير من التشبيهات بين القائدين في السرعة وتكتيكات الحرب الخاطفة.[2] وقبل المقارنة سنلخص إنجازاتهما عسكريًا. وقبل أن نبدأ لا بد أن نذكر خلاصة عن معارك كلٍ من خالد بن الوليد -رضي الله عنه- (في الفتوحات الإسلامية أبان الخلفاء) ونابليون (إثر توليه جبهة قتالية في إيطاليا)، تبين مسار حياتهما العسكرية.

إنجازات خالد

بين قيادتين: خالد بن الوليد ونابليون بونابرت 1

التفاف جيش المسلمين بقيادة خالد بن الوليد.

بعد حروب الردّة، أُوكل لخالد -رضي الله عنه- مهمة فتح القضاء على إمارة اللخميين في الحيرة، الدولة العميلة للساسانيين على طول نهر الفرات، واستطاع القضاء عليهم وعلى جميع الحاميات والحصون والجيوش الفارسية والعربية في 16 معركة على امتداد سهل الفرات (12 هـ). كان من المُقرر أن يتّجه بعدها إلى المدائن لفتح عاصمة فارس، إلا أن الحاجة إليه في الشّام جعلت أبو بكر يرسل له قرارًا بنقل قسمٍ من قواته (9 آلاف مقاتل)، وتولي قيادة القوات الإسلامية في الشام. وللوصول للشام في وقتٍ وجيز اختار طريقًا صعبًا صحراويًا قلّ إن ينجو من يجتازه، واستطاع الوصول إلى الشام والالتفاف على حاميات الروم ومباغتتهم، وتولى خالد قيادة القوات الإسلامية وسار بهم لمنع التفاف البيزنطيين من جهة فلسطين وكسرهم في معركة أجنادين. توجه المسلمون لحصار دمشق وفتحوها، وجاء كتاب من عمر بن الخطاب بعزل خالد وتولية أبي عبيدة -رضي الله عنه- (13 هـ). شارك بعدها خالد بن الوليد -رضي الله عنه- كأحد القادة تحت أمرة أبي عبيدة، فدمر مع الجيش المسلمين جيشَ الروم في بيسان وساهم في فتح بعلبك وحمص (15 هـ)، ووجهه أبو عبيدة لفتح قنسرين، وبعدها استطاع المسلمون تطهير جميع شمال بلاد الشام والساحل بسهولة من الروم بحلول عام 16 هـ.[3]

إنجازات نابليون

بين قيادتين: خالد بن الوليد ونابليون بونابرت 3

شارك كضابط مدفعية في معارك الثورة الفرنسية لمواجهة الثورات المضادة الموالية للملكية وللتصدي للغزو النمساوي عبر أراضي إيطاليا… وشارك منذ عام 1796 كجنرال وقائد لجبهة ضمن حملات تلك السنة، وكان محوره أضعف محورٍ من حيث الدعم المادي والعددي، إلا أنه استطاع تحقيق إنجاز استراتيجي ونجح فيما فشلت فيه المحورين الرئيسيين في ألمانيا. فابتدأ بتحييد مملكة سردينيا وإخراجها من التحالف الأول المناهض لفرنسا. وبعدها استطاع اقتطاع جميع الأراضي الإيطالية التي كانت تابعة للإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإجبارها على توقيع صلح مذل، وقام نابليون بتأسيس دولٍ عمليةٍ لفرنسا في إيطاليا (1797).

انطلق نابليون في حملته الشهيرة على مصر (1798) في محاول لقطع طريق بريطانيا نحو مستعمراتها في الهند -على الأقل هذا كان هدفه المعلن- لتنتهي هذه الحملة بالفشل نتيجة انشغاله بمشاكل فرنسا وخطر التحالف الثاني الذي تشكل ضدها.

قام بانقلاب ناجح استطاع فيه إقصاء الجمعية الوطنية الفرنسية وإنشاء حكومة القناصل الثلاثة (كان هو أحدهم)، وتولى توجيه الحملات للتصدي لخطر الإمبراطورية الرومانية المقدسة الساعية للانتقام، وقاد بنفسه محور إيطاليا لينتصر عليها في معركة مارينغو وينفرط عقد التحالف الثاني (1800). ونصب نفسه قنصلًا مدى الحياة، ثم أعلن نفسه إمبراطورًا لفرنسا (1804).

أعد لمحاولة غزو بريطانيا عبر البحر وأعد حملةً بحرية في سبيل استدراج السفن البريطانية التي كانت تحمي القنال الإنكليزي للخروج من هذا القنال، إلا أنه وقع معها في معركة أفشلت تلك الخطة وتحولت لحملةٍ بريةٍ للتصدي لخطر التحالف الثالث مرةً أخرى فكسر الإمبراطورية الرومانية المقدسة (إمبراطورية النمسا) في معركة أولم واستولى على عاصمتها فيينا، ثم انتصر على النمسا وروسيا في معركة أوسترلتز الشهيرة (معركة الأباطرة الثلاثة)، واقتطع المزيد من أراضي النمسا بعد أن فرض عليها سلامًا مُذلًا (1805).

في حرب التحالف الرابعة، استفز الملك البروسي (بروسيا تاريخيًا جزء من ألمانيا) إثر خلافات على مناطق متنازعة عليها بين بروسيا وفرنسا موجهًا له إهانات، دفعت بروسيا لإعلان الحرب وانضمام روسيا فيما بعد. كسر الجيش الفرنسي البروس في معركتي يينا (جينا) أويرشتيد انكسارًا مذلًا أسقط بها عاصمتهم برلين (1806)، ثمّ واجه الجيش الروسي في معركة فريدلاند وانتصر عليهم، واستطاع تأسيس دولٍ عملية مقتطعًا أجزاءً كبيرةً من بروسيا (1807).

تورط نابليون في مستنقع إسبانيا مواجهًا الإنجليز والإسبان فيها، بعد أن أزال العائلة الحاكمة فيها ونصب أخوه جوزيف حاكمًا على إسبانيا (1808). استنزفت تلك الحرب الكثير من قدرات وأموال وجيوش فرنسا. وحاولت النمسا استغلال هذا الموقف واسترداد كرامتها والأراضي المُقتطعة منها فشنت حرب التحالف الخامس، إلا أنّه انتهى بها الأمر للهزيمة في معركة وإغرام واحتلال فيينا مرةً أخرى، وسلامٍ مذل جديد (1809).

تصاعد الخلاف السياسي لفرنسا مع روسيا مرةً أخرى (بعد أن حاول نابليون فتح صفحة صداقة جديدة معها إثر حرب التحالف الرابعة) نتيجة عدم التزام روسيا بالنظام القاري (حصار اقتصادي ضد بريطانيا) والذي أضر باقتصاد روسيا. دفع هذا الأمر نابليون إلى شن حربه الشهيرة ضد روسيا واحتلال موسكو في برد الشتاء القارص، وعاد نابليون بجيشه في انسحابٍ كارثي بعد أن عجز عن فرض توقيع سلامٍ مذل على روسيا، وتسببت هذه الحرب بانهيار “جيشه الكبير” (1812-1813).

شنّ أعداء نابليون من جميع الدول حربًا جديدة (التحالف السادس) انتهت بانهيار الجيش الفرنسي في معركة لايبزغ (معركة الأمم) وانتهت الحرب باحتلال باريس وإقصاء نابليون إلى أول منفاه في جزيرة إلبا في البحر المتوسط وإعادة حكم عائلة بوربون الحاكمة قبل الثورة (1813). هرب نابليون بعد عشرة أشهر من الجزيرة ليقوم بانقلابٍ جديد يسيطر فيه على السلطة، إلا أن جميع دول أوروبا رفضت ذلك وشكلوا التحالف السابع، واستطاعوا هزيمة نابليون في معركة وواترلو، ليُنفى هذه المرة إلى جزيرةٍ نائية جنوب المحيط الأطلسي في سانت هيلينا (1815).[4]

خضوع العمل العسكري للهدف السياسي عند المسلمين

بين قيادتين: خالد بن الوليد ونابليون بونابرت 5

إن عقلية القيادة السليمة مع تحديدها لأهدافها بوضوحٍ، مع وضعها للوسائل الملائمة لتلك الأهداف، هي سر انتصار المسلمين بالمختصر. لم تأتِ انتصارات خالد بن الوليد -رضي الله عنه- هكذا جزافًا، بل هي جاءت ضمن منظومةٍ كاملةٍ تستثمر هذا الانتصار إلى أبعد مداه وتديمه، فمدار النصر في الحرب ليس محصورًا بكسب المعركة فقط، إنما في وجود منظومة متكاملةٍ حضاريةٍ وسياسية تضع هذا الانتصار ضمن استراتيجية عليا سليمة توظف هذه المعارك بمجموعها (الحرب) في تحقيق أهدافها، بما يحقق ديمومة واستمرار أثر هذا الانتصار في إحداث التغيير المنشود. وفي حالة خالد بن الوليد -رضي الله عنه- وغيره من قادة صدر الإسلام جاءت معاركهم وانتصاراتهم تحت قيادة الخلافة الراشدة ولما لديها من السياسية الشرعية السليمة، هذه السياسة التي وضعت نصب عينيها إخراج العباد من عبادة العباد، إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى سعة الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها.

وقد كان هذا الهدف واضحًا كل الوضوح في صدر الإسلام ولا ينبغي أن يُشغل البعض عن هذا الهدف محاولةً منهم في مجاراة الغرب في وصف الفتوحات الإسلامية بأنها حروبٌ دفاعية، فالأهم من الدفاع عن البشر، هو الدفاع عن العقيدة السليمة التي ارتضاها الله لعباده.

“فالهدف السياسي هو نشر الإسلام. ولهذا كان يسبق كل معركة اتصالات الغرض منها تحقيق هذا الهدف. وكانت هذه الاتصالات تتكرر في إطار من الظروف السلمية ثم في مناخ من الحرب النفسية، فإذا فشلت كل الوسائل كانت الحرب هي الوسيلة النهائية لتحقيق ما عجزت الوسائل السلمية عن تحقيقه. وكان القادة قبل المعركة يعرضون على خصومهم الاختيار واحدة من ثلاث: الإسلام، الجزية، الحرب. ولم تكن الجزية في الواقع أكثر من وسيلة لخلق مجال للتماس والاحتكاك الدائم بهدف نشر الدين الإسلامي على المدى الطويل. ولا أدل على ذلك من الكلمة المأثورة: “إن الله بعث محمدًا هاديًا لا جابيًا”.[5]

هذه السياسة مرفقة ببرنامج إصلاحيٍ من إحلال العدل بين الناس مع السعي إلى دعوة الناس بالحسنى إلى دين الله حقق تغييرًا ثقافيًا وحضاريًا إيجابيًا على المنطقة برمتها، منشأة حواضر إسلامية أصبحت فيما بعد قبلة العالم الحضارية.

لا مركزية وسرعة القرارات العسكرية في عهد أبي بكر

إن هذا البرنامج السياسي مَهَّد له السياسات العسكرية السليمة في الفتوحات، حيث وضع كل خليفة ما يناسب ظروفه من السياسات. فأبو بكر -رضي الله عنه- بدأت خلافته في مرحلةٍ حرجة من ارتداد العرب كلهم إلا مكة والمدينة والطائف، عدا عن أنباء حشود الروم على مشارف الجزيرة. كل هذه الظروف فرضت السرعة في وتيرة العمليات وتوجيه الخليفة للحشود الكبيرة (11 لواءً) لمجابهة المرتدين، ومن ثمّ توجيه أربعة ألوية لمواجهة الروم في الشام، مع ترك حرية التصرف والمبادرة للقادة على الأرض بما يروه مناسبًا (إدارة لا مركزية).[6]

ولحرج الظروف في ذلك الوقت، كان يُسلِّم أصعب الأعمال لخالد بن الوليد -رضي الله عنه-، فقضى على قوات الردة لطليحة الأسدي وعلى مسيلمة الكذاب، وهما أكبر قوتين. وبعد أن فتح الحيرة، وجه أبو بكر خالدًا لفتح الشام بغرض إنقاذ الموقف المتأزم هناك، بعد أن حشد الروم جيشًا عظيمًا في أجنادين للالتفاف على ألوية المسلمين في الشام.[7]

مركزية وتدرج عمر

بين قيادتين: خالد بن الوليد ونابليون بونابرت 7

أما وبعد أن أمنتْ جزيرة العرب من كل هذه الأخطار تقريبًا وبدأت في التوسع -خاصةً بعد حدود الشام والعراق- فقد تخلل عهد عمر -رضي الله عنه- مُتعمَّدة من التوقف لضبط البلاد المُحررة حديثًا وتثبيت الحكم فيها وترسيخه والتنسيق بين الجبهات.

قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: “حسبنا لأهل البصرة سوادهم والأهواز، وددت أن بيننا وبين فارس جبلًا من نار لا يصلون إلينا منه ولا نصل إليهم”، كما قال لأهل الكوفة: “وددت أن بينهم وبين الجبل (جبل فارس) جبلًا من نار لا يصلون إلينا منه، ولا نصل إليهم”.[8]

وتردد عمر -رضي الله عنه- عن فتح مصر حتى ألح عليه عمرو بن العاص -رضي الله عنه- بفتحها، وفي بعض الروايات أنّه أرسل إليه بألا يفتحها إذا لم يدخل مصر، وسبق عمرو الرسالة حتى دخل مصر.[9]

هذا بالإضافة لإعراضه عن ركوب البحر في زمانه نتيجة ما وُصِف له فيها من الصعوبات، ولم يركب المسلمون البحر إلا في عهد عثمان -رضي الله عنه- [10]، وهو مجالٌ استراتيجيٌ جديد وضع المسلمون تركيزهم فيه في عهده، وكسروا الهيمنة البحرية البيزنطية للأبد بعد معركة ذات الصواري وفتح قبرص.

أخلاق الجندية وتجديد الدماء

سر نجاح خالد -رضي الله عنه- أنه كان ضمن منظومة سياسية متكاملة تستثمر انتصاراته في أعظم هدف وهو نشر الإسلام وتحقيق العدل، فلم يحقق كل هذا التوسع على نحو طامع ومطرد لأجل النصر، لنصرٍ أشبه ما يسميه بعض المنظرين بجنون الفتوحات.

خالد -رضي الله عنه- على ما اشتهر من انتصاراته أقاله عمر بن الخطاب خشية أن يفتتن به المسلمون حتى لا يتعلق المسلمون بخالدٍ أكثر ممّا يتعلقون بالله. ولم تدفع خالد انتصارات خالد على عظمها أن يطمع بمسارٍ سياسيٍ مستقل، بل خضع لأوامر الخليفة -رضي الله عنهما جميعًا- وهذه قمة في الأخلاق والجندية والروح العسكرية الصافية.[11]

ومع تقادم عهد عمر -رضي الله عنه- كان المسلمون في سعةٍ من أمرهم عسكريًا، فلم يكونوا من الأزمة بحيث لا يولوا إلا خالدًا كل الأمور العسكرية، فهذا قد يحدث التواكل عليه ويعلق قلوب الناس بغير الله، وفي إفساح المجال لطلائع جديدة من القيادات حتى تتوافر في المسلمين نماذج كثيرة من أمثال خالد وغيرهم.[12]

الموازنة بين مسارح العمليات

لما حدث موجة الردة بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-، تولى الخليفة أبو بكر -رضي الله عنه- التصدي للردة والتركيز ضدّهم، مع عدم إهمال بقية المسارح، فأمضى جيش أسامة كما أمره النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومن 11 لواءً عقدها بعد ذلك وجه واحدةً ضدّ الروم والباقي ضدّ المرتدين استمرارًا في إشغال الروم وردعهم، وعندما طلب منه المثنى الإذن بالإغارة على الفرس الساسانيين أذن له بذلك. ومع القضاء على أكبر تجمع للمرتدين في اليمامة، بدأ بتوجيه القوات إلى الشام والعراق مع بقاء بعض الألوية لتصفية المقاومات الأخيرة في الجزيرة. ثم لما اشتدّ الأمر في الشام، وجه خالد بنخبة قواته من العراق إلى الشام، مع إبقاء الوضع في العراق في وضع الجمود تقريبًا، ومع تحقيق الانتصار التام في معركة اليرموك الثانية (الكبرى) سنة 15 هـ أعاد عمر -رضي الله عنه- توجيه القوات والتعزيزات إلى العراق في معركة القادسية واستكمل الفتوحات من هذين المحورين. وبانتهاء فتح الشام، وجه عمر -رضي الله عنه- قوته غربًا إلى مصر، مع الامتناع عن خوض البحر كما ذكرنا، ليخوض بحر الروم (المتوسط) فيما بعد معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهما- في خلافة عثمان بعد تصفية الجبهة الغربية.[13]

إن ما ذكرناه على ما يبدو من بساطته، إلا أنّه محوريٌ في كلامنا عن أسباب النصر والهزيمة، حتى لو تكلمنا بما قاله المنظرون الغربيون أنفسهم، مثل ما أورده المنظر الألماني كلاوزفيتز من أن الحرب هي استمرارٌ للسياسة، فالحرب أداةٌ بيد السياسي. فخالدٌ -رضي الله عنه- وجميع قادة المسلمين العسكريين كانوا جندًا مطيعين للخلفاء الراشدين، ونظم الخلفاء عملهم بحسب رؤيتهم، ورصدهم لأوضاع ساحات المعارك، التركيز على منطقة عمليات دون أخرى، وتقديم أولوية هذه الساحة على هذه.

إن الانتصارات الكبرى لا تأتي نتيجة عمل فردٍ واحدٍ، وإنما تأتي من العمل بروح الفريق الواحد المتعاون فيما بينه، ولن يكسب الحربَ قائدٌ يسعى لبناء مجدٍ شخصيٍ على دماء وأشلاء جنوده مهما كلفه هذا الأمر. ونعود لنركز بأن السياسي هو من يضع كل هذه الأعمال في إطار خطة عملٍ ناجحة أو فاشلة. ولا يمنع أن السياسي بيده الأمر من أن يكسب الحرب أحيانًا إن كان السياسي هو القائد العسكري العام في نفس الوقت ويقود بنفسه جيشه، ويوجد قادة ناجحون على هذا المنوال، لكن المهم أن يكون الهدف السياسي واضح ومحدد ومعقول ويُتبعه ما هو متاح من الوسائل التي بيده لتحقيق هذا الهدف، وألّا يطغى جانبٌ فيضر الجانب الآخر (الجانبين العسكري والسياسي).

يقول بسّام العسلي الباحث العسكري السوري: “إن هذا المخطط الذي يوافق بين الهدف والإمكانات ويطبق السياسة المرحلية لتحقيق التوازن بين معادلة الهدف-الإمكانات، هو من الميزات الكبرى للعقل الاستراتيجي والفكر الاستراتيجي أيام الفتوحات الإسلامية. وهو عامل أساسي فيما حقق العرب المسلمون من انتصارات”.[14]

كعب أخيل نابليون (السياسة خاضعة للطمع العسكري)

بين قيادتين: خالد بن الوليد ونابليون بونابرت 9

حتى يتضح أثر الإخلال بالقاعدة نضرب المثال بالنقيض لتوضيح هذا الأمر، نأتي هنا في مقالنا لنابليون الآن. ونؤكد أن ما نكتبه في التالي هو ليس من رأينا الشخصي ونكتبه من باب التجني لكونه غير مسلم، بل هو رأي المؤرخين والعسكريين الغربيين أنفسهم.

لقد توفرت في يد نابليون الكثير من المقدرات الهائلة، هذا عدا عمّا توفّر في ذهنه من العبقرية العسكرية التي لا يُستهان بها، فلا ينبغي أن تكون هزيمته ونفيه مجرد أمرٍ عابرٍ (قضاء وقدر)، لا يستحق الدراسة والتمعن.

من المؤكد أن منحنى حظوظ نابليون أثبت أنه حتى القيادة العسكرية التي بقامة نابليون قد لا تكون بديلًا مُستدامًا للسياسة الخارجية الناجحة. ولو كانت خبرته العسكرية قد استُخدمت بقدرٍ أكبر من الحكمة والحصافة لكانت قد مكنته من إبقاء نفسه إمبراطورًا متوجًا على عرش فرنسا. ولتقبل ملوك أوروبا وجوده ولو على مضضٍ لخطورة مواجهة جبروت آلته الحربية، على اعتباره ملكًا حاله حال ملوك أوروبا، وإن اختلفت هيكلية فرنسا ما بعد الثورة عن أنظمة أوروبا، إلا أن نابليون اتخذ من مظاهر البذخ والحكم والملك والسلطة حاله حال بقية ملوك أوروبا. لكن بالنسبة لنابليون لم يكن ليقبل مطلقًا في اعتناق شرعية المؤسسة والقيود التي يفرضها هذا الاعتناق على طموحاته الشخصية والتي كانت من غير حدود.

يقول سكرتير نابليون الخاص:

كان دائمًا يعتبر الحرب والغزو أنبل معين لا ينضب للمجد الذي كان محورًا ثابتًا لرغباته. فقد ثار على فكرة الاسترخاء في باريس في حين أن أكاليل الغار تنتظره في المناطق البعيدة وكان خياله سباقًا لحفر اسمه على الآثار العظيمة التي تحمل من دون بقية الإبداعات البشرية، سمة الخلود.[15]

فليست تلك صورة رجل يمكن أن يسمح لنفسه بأن يقع في أسر المذاهب السياسية السائدة في عصره، من قبول الملكيات لوجود بعضها البعض، ولم تكن الحروب تُخاض قبل عصر الثورة الفرنسية بغرض تغيير النظام واستئصال عائلات حاكمة لبعضها البعض، نظرًا لشبكة علاقات المصاهرة بينهم، ولما كان لهذه الدول من إمكانيات محدودة في تشكيل الجيوش. وقد كانت الحروب تُخاض في بداية عصر النهضة الأوروبية (بعد الحروب الدينية) لمجرد اقتطاع أرضٍ ما، فقد كانت البلدات كالبيادق تؤخذ كي تتم مبادلتها فقط على مائدة المفاوضات مع بعض المستعمرات البعيدة أو تبادل السيطرة على بعض نقاط حماية رمزية ربما يتم تفكيكها، كانت حروب في ذلك الوقت بالنسبة للحكام لعبة رسمية مرتبة رتابة حدائق قصورهم.[16]

وحتى بالرغم من موافقة نابليون فيما بعد على مصاهرة ملوك أوروبا، فلم يقم بذلك إلا بعد أن وضع رقابهم تحت أقدامه. كان حجم مشروع نابليون الشخصي (أي بناء أوروبا موحدة تحت رايته) يعني أن الحرب هي الوسيلة الوحيدة لذلك، لأن أيًا من الملوك الذين يعترضون طريقه لن يذعن لإرادته من دون مقاومةٍ شرسةٍ. وكان أي سلامٍ يفرضه بعد حربٍ معهم هو سلامٌ مذل يدفعون فيه تعويضاتٍ هائلة مع اقتطاع من أرضهم، ويضمهم فيه لمشروعه التوسعي مع السماح لهم بالاحتفاظ بعروشهم على شرط إخضاع سياساتهم ومواردهم لمشروعه. وهذه التجارب من الهزائم التي يعقبها سلامٌ مجحفٌ كان لها أثرها في إثارة قدرٍ كبيرٍ من مشاعر السخط ضد نابليون، ولم تكن هناك وسيلة لنابليون لردع تلك المشاعر غير استخدام القوة. وذلك ظلت معارضة إمبراطوريته احتمالًا قائمًا لحين احتمال تعرضه لنكسةٍ عسكريةٍ خطيرة، وقد حدث هذا الأمر إثر توسع مطامعه بإطاحته للعائلة المالكة الإسبانية وفرض أخاه جوزيف ملكًا على إسبانيا، وما تلا ذلك من حرب عصاباتٍ جمدت 200,000 جندي فرنسي على ما أسماه نابليون فيما بعد بـ”القرحة الإسبانية”.

وجاءت النكسة الكبرى إثر محاولة غزو روسيا، فقد جاء لروسيا بـ 422,000 جندي ليعود منها بعشرة آلاف فقط! فأتاحت هذه المغامرة المشؤومة لأوروبا أن تنتفض بأكملها ضد هيمنته.[17]

ويظهر من الغزوين السابقين لنابليون على إسبانيا وروسيا، إخلال نابليون بترتيب الأولويات لمسارح العمليات، وبمبدأ الاقتصاد في القوى وتركيزها، هذا عدا عن قضية عدم وضوح الهدف من هذين الغزوين.

ويصف الكاتب الاستراتيجي جون ستون نابليون: “من هذا المنظور يمكن اعتبار نابليون استراتيجيًا محدود الإمكانيات، ليس بحكم التعرض للهزيمة في نهاية المطاف، بل بحكم الأسباب التي أدت إلى تلك الهزيمة. الأمر المؤدي أن نابليون كان فنيًا عسكريًا فذًا وكانت له مزاياه الكثيرة بصفته رئيسيًا للدولة، ولكن محاولة الموازنة بين خبرته العسكرية وطموحه السياسي كانت السبب الرئيس لسقوطه، وبإيجاز كان نابليون يفتقر إلى حسن التقدير اللازم لمعرفة الحدود السياسية التي يستطيع عندها استخدام قوته بكفاءة وفاعلية في دعم موقفه”. ويضيف قائلًا: “كانت أفعال نابليون هي التي أسهمت في خلق الوزن العددي لأعدائه والذي عوّض النقص الفني وطمره في نهاية الأمر. ذلك هو مصير من يسمحون لأسلوب (العسكري) بمداعبة طموحهم، بما يعميهم عن الحقائق التي يعملون في إطارها.[18]

لقد دفع نابليون ثمن ذلك لأنه لم يَحُدّ جهده العسكري بأهدافٍ سياسية واضحة ومعقولة، بل كان من الواضح أن هدفه الحرب للحرب (جنون الفتوحات) وهو ما أصاب الكثير من الملوك كالإسكندر وغيره بأن أصبح هدفه في الحياة التوسع اللانهائي والسريع لممالكه مهما كلف ذلك الأمر من اقتصاد دولته.

إن المقارنة السليمة بين القادة العسكريين لا ينبغي أن تُركز على الجوانب القتالية والفنية البحتة فحسب. وإن الأهم من التركيز على هذه الأمور في المقارنة السليمة هي البحث في الأهداف والغايات السياسية المحركة لهؤلاء القادة ومدى التزامهم بها، وتوافق وسائلهم مع هذه الأهداف. قد يبدو للمرء أن الفتوحات الإسلامية لم تكن أقل عنفًا من الحروب النابليونية، ولم تكن سقف طموحاتها بأقل منها. الرد على ذلك في الإشارة إلى المهمة إلى أن الحروب الدينية من طبيعتها أن تكون أهدافها عاليةً جدًا، وإن الالتزام الصحيح السليم بالإسلام وشرائعه كفيلٌ بتوفير الوسائل اللازمة لمثل هذه الأهداف، فالإسلام رسالةٌ لجميع الأمم صالحةٌ لكل زمانٍ ومكان، وتُحملها جميع الأمم بالهدف العظيم المتمثل بنشر الإسلام. فالحقيقة الهامة التي لا ينبغي إغفالها أن نشر الإسلام بحد ذاته هدفٌ سامٍ، ومن الممكن أن يتحقق بغير الحروب حتى.

وكما يقول ليدل هارت: “فإن الهدف من الحرب هو الحصول على سلامٍ أفضل، حتى لو من وجهة نظرك الخاصة. فبناءً على هذا، فمن الأساسيات خوض الحرب مع المراعاة المستمرة للسلام الذي ترغبه. وهو الحقيقة المقصودة من تعريف كلاوزفيتز بأن الحرب هو استمرارٌ للسياسة بوسائل أخرى، فيجب الأخذ بالحسبان دومًا امتداد السياسة عبر الحرب إلى السلم الذي يليه. أما الدولة التي تبدد قواها إلى حد الإنهاك تُخرب من سياستها ومستقبلها.

إن وجَّهتَ تركيزك على كسب النصر فقط، دون التفكير فيما بعده، فإنّك قد تُجهد نفسك إلى الحد الذي تعجز فيه عن الاستفادة من السلم، في حين أنّه يكاد يصبح من اليقين أن هذا السلام من السوء بحيث يضمّ في قلبه بذور حربٍ أخرى. وهذا الدرس يدعم التجارب الكثيرة.”[19]

وفي الإسلام ما هو أهم من الفتح، قبول الناس للإسلام بعده، أو حتى قبله، فهو سلامٌ حقيقي رباني ارتضاه الله للناس في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) (البقرة: 208).

575

المصادر
الكاتب

أحمد سالم

مترجم وصيدلاني

اترك تعليق

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.