جمهورية تنزانيا الاتحادية هي إحدى دول منطقة البحيرات العظمى، وتقع في شرق أفريقيا، وتطل على المحيط الهندي شرقًا، وتتوغل داخل القارة الإفريقية؛ لتشترك في الجوار مع ثماني دول إفريقية وهي: رواندا، وبوروندي، والكونغو الديمقراطية من الغرب، وأوغندا وكينيا من الشمال، ومن الجنوب زامبيا، وملاوي، وموزمبيق. وتتصل من الشمال بحيرة فكتوريا التي هي منابع النيل.

وتقوم على اتحاد تنجانيقا وزنجبار الذي تشكل عام 1384 هـ وتقدر مساحتها حوالي 945.203 كم2، وعدد سكانها (43,739,000) حسب تعداد 2009 م، ونسبة المسلمين 65% بينما المصادر الحكومية تخفضها، والبقية نصارى ووثنيون. تنزانيا بلد زراعي بالدرجة الأولى ويعتمد على الزراعة في اقتصاده.(1)

دخول الإسلام وانتشاره

الإسلام في تنزانيا

استقبلت منطقة شرق إفريقيا في عهد عبد الملك بن مروان (65هـ – 85هـ) (685 م – 705 م) وأولاده من بعده كثيرًا من الهجرات، من الذين فرّوا من بطش أميرهم الحجاج بن يوسف الثقفي (73هـ – 95هـ). وبدأ المسلمون يهاجرون ويقيمون على طول الساحل الشرقي الأفريقي. ومن هذه الهجرات هجرة بني الحارث، وهجرة الزيدية، وهجرة الفارسيين، وأسسوا مدنًا على طول الساحل مثل: مقديشو، وحركة، وبرواية في جنوب الصومال، وماليندي وبات، ولامو، ومومباسا، في الساحل الكيني وكلوة، وبمبا في تنزانيا.

ولم يأتِ القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي) إلا وكان معظم تلك المدن دويلات مستقلةً، ومزدهرةً، يربط بينَها جميعًا رباط الحضارة الإسلامية وعقيدتها. وفي منتصف القرن الثالث عشر الميلادي كان شرق القارة بأكمله يسوده هدوء وسلام شاملان. وقد استقرت جماعات متحضرة على طول الساحل الصومالي الكيني التنزاني غيرت بناء البيوت من الطين إلى الكتل الصخرية، وكان معظم تجارة الهندي تمر عبر الأراضي الإسلامية.

وفي هذه الفترة ظهر الأثر الديني واضحًا؛ فانعكس على المساجد والمقابر الإسلامية على طول الساحل، وبدأت اللغة والحضارة السواحلية تنشر بين مسلم البانتو، وأصبحت هناك اتصالات بين الحضارة الإسلامية على الساحل الشرقي وبين الداخل الإفريقي التنجانيقي.

ودخل الإسلام في تنزانيا عن طريق التجار، والمهاجرين المسلمين العرب فانتشر الإسلام على يدهم. وشهد قيام إمارات وسلطنات إسلامية. ثم أخذ ينتشر من الساحل باتجاه الداخل عن طريق التجار، وانتقال قبائل المسلمين من الساحل إلى الداخل، وهجرة الأفراد، وأقبل الناس على الدين الجديد يدخلون فيه أفواجًا. والازدهار الذي كانت تعيش المنطقة هو الذي دفعهم إلى التوغل إلى الداخل للمتاجرة وانتقلت معهم الدعوة الإسلامية.(2)

عوامل ساعدت انتشار الإسلام في تنزانيا

هناك عوامل ساعدت على انتشار الإسلام في تنزانيا منها:

وبمجرد أن يدخل مثل هذا الرجل قريةً وثنيةً سرعان ما يلفت الأنظار إليه بكثرة وضوئه، وانتظام أوقات الصلاة والعبادة التي تبدو فيها كما لو كان يخاطب كائنًا خفيًّا”. ويقول “هوبير ديشان” حاكم المستعمرات الفرنسية في أفريقيا حتى عام 1950م: “إن انتشار الإسلام في شرق أفريقيا، وفي زنجبار وكلوة وممباسا، لم يقم على القوة وإنما الإقناع الذي كان يتعدى دعاةً متفرقين، لا يملكون حولًا ولا قوةً إلا إيمانهم العميق بدينهم، وكثيرًا ما انتشر الإسلام بالتسرب السلمي البطيء من قوم إلى قوم، فكان إذا ما اعتنقه بعض الرجال تبعه أفراده”. (3)

طبيعة الإسلام دين اليُسر وسماحة الإسلام وبساطته وما جاء به من مبادئ سائمة تلائم النفس البشرية، أصبح التنزانيون يتطلعون إلى الإسلام باعتباره أفضل الديانات، فضلًا عن أنه دين الفطرة، وقد اتفق الإسلام مع طبائع التنزانيين. يقول الرحالة الإنجليزي إدوارد لاندروفر عن الإسلام في منطقة زنجبار “إن دين الإسلام دين فطرة بطبيعته، سهل التناول، لا لبس ولا تعقيد في مبادئه، سهل التكييف والتطبيق، إذ لا يتطلب من الشخص لإعلان إسلامه سوى النطق بالشهادتين حتى يصبح في عداد المسلمين ولم يفرض على الزنجباريين أن يغيروا من نظام معيشتهم”. (4)

من العوامل -أيضًا- الهجرات وقيام إمارات وسلطنات إسلامية: كان لتحركات القبائل وهجراتها سواء أكانت عربيةً أم فارسيةً أو غيرها دور كبير في نشر الإسلام وثقافته، واللغة العربية وثقافتها في الساحل الشرقي وتنزانيا خصوصًا. ومن أهم هذه الهجرات: هجرات الشيرازيين.

سبب هجرة الشيرازيين وتاريخ إمارتهم (كِلْوَة)

قامت هذه السلطنة نتيجة هجرة قدمت من «شيراز» بفارس، كان على رأسها “حسن بن علي الشيرازي” أو ابنه علي -على اختلاف الروايات- وهو حاكم شيراز بفارس، فقد هاجر 364 هـ/975م – هو وأبناؤه الستة وكثير من رعيته وحاشيته إلى ساحل شرق أفريقيا.

واختلف سبب الهجرة ويذكر هتشنر (Hichens) أن سبب هجرة الشيرازيين كان فرارًا من طغرل بك السلجوقي وجيشه، الذي غزا شيراز (447 هـ/906-907 م)، وأن هجرتهم قد تمت في الفترة ما بين التاريخ السابق وبين (493 هـ / 1100 م) هاجروا جميعًا بسبع سفن من جزيرة هرمز.

ويذكر صاحب السلوى في أخبار كلوة أن حسن بن علي الشيرازي حاكم الشيرازي هو الذي سافر بأهله ورعيته، بسبب غاية في الغرابة، وأن هجرتهم تمت في منتصف القرن الثالث الهجري.

وينزلون جزيرة كلوة التي تقع أمام الساحل الشرقي لإفريقيا، وهى ضمن دولة «تنزانيا» الآن، استقروا فيها منذ عام (365 هـ = 975 م)، ووفد عليهم كثير من العرب، وكان هؤلاء الوافدون يفضلون المعيشة في الجزر لسهولة الدفاع عنها من أهل البلاد. وعند وفاة علي بن حسن بن علي الشيرازي كان نفوذه يمتد إلى مدينة سفالة في الجنوب وإلى ممبسة في الشمال. وكان حسن بن علي هذا عاقلًا حكيمًا همامًا، ولذا أسس في مدة وجيزة دولةً قويةً، واكتسب مودة الأهالي، واختلط المسلمون بالزنوج وصاهروهم فأخذ الإسلام ينتشر بينهم.

 وبعد وفاته اعتدى الأهالي على ابنه، واضطروا إلى الفرار إلى زنجبار عام (1020م). وبعد قليل جمع السلطان المطرود جنوده وعاد بهم إلى كلوة ودخلها مرةً ثانيةً. وازدهرت المدينة خلال القرن التالي بسبب تجارة العاج والذهب الذى كان يُصدَّر من سوفالة التى تقع جنوب نهر «الزمبيرى»، أي جنوب كلوة مما أدى لحرمان مقديشيو من تلك التجارة التي كانت تحصل عليها من سوفالة، وخاصةً في عهد السلطان داود بن سليمان سلطان كلوة. وقام سلاطينها بسك النقود، وقد عثر في كلوة ومافيا وزنجبار على نحو 10000 قطعة نحاسية من هذه النقود.(5)

 وبذلك صارت الزعامة السياسية والاقتصادية لكلوة، ويعتبر القرنان الثاني عشر والثالث عشر الميلاديان العصر الذهبي لتلك السلطنة الزنجية الإسلامية، واستطاع الشيرازيون تأسيس حضارة على النمط الفارسي، فانتشر بها فن البناء الفارسي، فظهر الأسلوب الفارسى في البناء بالأحجار، وفي صناعة الجبر والأسمنت في البناء، وفن النقش على الخشب ونسج القطن، وشيدوا العديد من المساجد الجميلة الطراز. ولكن الأثر العربي تغلب بعد ذلك بسبب كثرة الهجرات العربية واستقرارها.

وقد كان لسلاطين كلوة إسهام في الحضارة، فقربوا إليه العلماء، والأشراف، وأدخلوا العلوم الإسلامية إلى كلوة، وما تبعها من إنشاء المدارس، كما أسهموا بدورهم في حركة الجهاد ضد القبائل الوثنية، وكان السلاطين يأخذون أموال الغنائم ويقسمونها طبقًا لأحكام الشرع. وقد اشتهر سلاطين كلوة بالكرم، فقد روى ابن بطوطة عن حادثة وهي أنه شاهد أحد فقراء اليمن يطلب من السلطان إعطاءه ملابس، فما كان من السلطان إلا أنه قام بخلع ملابسه وأعطاها لهذا الفقير.(6)

رحلة ابن بطوطة إلى كلوة

وقد زار كثير من الرحالة والجغرافيين العرب سلطنة كلوة ووصفوا الحياة بها من أمثال المسعودي، والإدريسي، وابن بطوطة الذي زار مدينتَيْ كلوة ومومباسا.

“ثم ركبت من مدينة مقديشو متجهًا إلى بلاد السواحل قاصدًا مدينة كلوة من بلاد الزنوج. فوصلنا إلى جزيرة مومباسا إنها جزيرة كبيرة بينها وبين أرض الساحل مسيرة يومين في البحر، وأشجارها: الموز والليمون والأترج، وأكثر طعام أهلها السمك والموز، ولا زرع عند أهل هذه الجزيرة، وإنما يجلب إليهم من الخارج، وهم شافعية المذهب أهل دين وعفاف وصلاح، ومساجدهم محكمة الإتقان” (7)

وبعد أن قضى ابن بطوطة ليلةً في ممبسة ركب البحر إلى مدينة كلوة، وقال عنها: “إنها مدينة عظيمة ساحلية، بيوتها من الخشب، وأكثر أهلها زنوج مستحكمو السواد، وهم شافعيون، ومدينة كلوة من أحسن المدن وأتقنها عمارة، وكلها بالخشب، وسقف بيوتها الديس. والأمطار كثيرة. وهم أهل جهاد لأنهم في بر واحد مع كفار الزنوج”.

السلطان الذي لقي ابن بطوطة في كلوة

يقول ابن بطوطة: “ويحكمها السلطان (أبو المظفر حسن)، ويكنى أيضًا أبا المواهب لكثرة مواهبه ومكارمه، وكان كثير الغزو إلى أرض الزنوج، يغير عليهم ويأخذ الغنائم، فيخرج خمسها ويصرفه في مصارفه المعينة. وكان هذا السلطان شديد التواضع، ويجلس مع الفقراء، ويأكل معهم، وعظم أهل الدين والشرف.” (8)

ولم يكن السلطان أبو المظفر حسن الذى زار ابن بطوطة (كلوة) في عهده فارسي الأصل، بل كان من أصل عربي صميم، فهو من بيت أبي المواهب الحسن بن سليمان المطعون بن الحسن بن طالوت المهدلي اليمني الأصل. وقد انتقل الحكم من البيت الفارسي إلى هذا البيت العربي منذ عام (676هـ = 1277م). وظل هذا البيت يحكم هذه السلطنة حتى جاء البرتغاليون وقاموا بغزوها في عام (1505م). وازدادت الهجرات العربية في عهد هذا البيت العربي الحاكم في كلوة، مما جعل الطابع العربي يتغلب على الطابع الفارسي في مظاهر الحياة المختلفة، فاللغة الغالبة هي اللغة العربية التي كانت تُكتَب بها سجلات كلوة بجانب اللغة السواحلية، كما كان المذهب الديني السائد هو المذهب الشافعي السُّني وليس المذهب الشيعي، الذي أتى به البيت الحاكم الأول على يد علي بن حسن بن علي الشيرازي، وما زالت أغلبية المسلمين في هذه المنطقة من السُّنة الشافعية حتى الآن. (9)

نهاية سلطنة كِلوة واحتلال البرتغاليين

انفعل سلاطين سلطنة كلوة الإسلامية -سواء أكانوا من الفرس أم من العرب- بالحياة والتقاليد الإسلامية كل الانفعال، فأكثروا من بناء المساجد والمدارس، واهتموا بالعلوم الإسلامية، واستقدام العلماء ورحبوا بالأشراف والصالحين، كما شاركوا في الجهاد ضد الوثنيين الذين كانوا يقيمون في الداخل.

غير أن ازدهار كلوة لم يتجاوز منتصف القرن الرابع عشر؛ إذ أخذ نجمها في الأفول بسبب تعرضها لبعض الاضطرابات الداخلية، وبدأت مدينة سلطنة بات النبهانية تتوسع على حساب كلوة خصوصًا بعد انتقال تجارة الذهب إليها، وفرضت نفوذها على كثير من بلاد الساحل الشرقي لإفريقيا، كذلك قام حاكم سفالة بالتخلص من سيادة كلوة وأعلن استقلاله عنها، ونزوح كثير من العرب الذين تولوا مناصب الوزراء والأمراء وأبقوا على السلطان الذي لم يكن له من الحكم إلا الاسم فقط، كل هذه الأسباب جعلت البلاد عرضةً للخطر البرتغالي احتل البرتغاليون مدينة كلوة عام(1505م)، وسيطروا على مقاليد الأمور في البلاد والساحل الشرقي أفريقيا. ويقال إن سلاطين كلوة بلغ عددهم (29) سلطانًا وكان آخرهم فضيل بن سليمان آل مظفر.

واستمر البرتغاليون يحكمونها حتى أواخر القرن السابع عشر عندما تمكن العمانيون من القضاء على الخطر البرتغالي في بلادهم ثم في ساحل شرق إفريقيا، وأصبحت كلوة تحت سيطرة سلاطين عُمان، حتى انقسمت إمبراطورية عمان إلى شقّين في عام (1856م) آلت كلوة إلى سلطان زنجبار العُماني.(10)

سلطنة زنجبار الإسلامية 1221-1367 هـ 1806-1947 م

تبلغ مساحة زنجبار (2652) كم2 تقع تجاه ساحل تنجانيقا بشرق إفريقيا. تشمل جزر زنجبار، وبمبا، وثالثة غير مأهولة بالسكان. وزنجبار من أكثر بلاد العالم إنتاجًا للقرنفل. وترجع أهميتها إلى تميز موقعها؛ فهي نقطة ارتكاز لمنطقة ساحل إفريقيا الشرقي. اتصلت العالم بها منذ القدم: الهند وبلدان الخليج العربي والبحر الأحمر. وقامت بها عدة سلطنات متنافسة منذ القرن التاسع الميلادي.

وقد ذكر الرحالة المسعودي الذي زار شرقي أفريقيا في القرن الثالث الهجري عدة مرات التي آخرها سنة 304 هـ مع التجار المسلمين؛ أن المسلمين كانوا إذ ذاك قابضين على زمام الملاحدة والتجارة في المحيط الهندي.

وذكر أيضًا أحد الرحالة الإغريق Seylox of cartanda أن العرب استقروا على الساحل الإفريقي من مقديشو في الشمال إلى سفالة موزمبيق في الجنوب وهي المنطقة التي أطلق عليها العرب ساحل الزنج أو زنجبار (زنج بار) وبار في الفارسية ساحل، أيْ ساحل الزنج. وقد أنشأوا مراكز تجاريةً على طول الساحل لتصدير التبر والرقيق والعاج الذي كان يحمل إلى الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية.(11)

كيف انتشر الإسلام فيها؟

لم ينتشر الإسلام بالقوة؛ لأن الإسلام لا يجبر الناس على اعتناقه، بل يكفل لهم حرية الدين والعبادة والمناقشات الدينية لأجل هذه المبادئ السامية دخل الإسلام في زنجبار واستطاع المسلمون نشر الإسلام بين الأهالي بالمعاملة الحسنة والقدوة الصالحة؛ سواء أكانوا دعاةً إلى الله أم تجَّارًا.

وليس بصحيح مَن يدعي نشر الإسلام بالقوة والقهر؛ لأن الذين نشروا الإسلام لم يكونوا أصحاب سلطة عظيمة في زنجبار، بل كانت الغالبية العظمى منهم تجارًا ودعاةً إلى الله وجاؤوا لهذا الغرض فقط، حتى بعد تكوين سلطنة عظيمة في زنجبار لم يكرهوا أحدًا على اعتناق دينهم الحنيف.

واعتنق سكان زنجبار الدين الإسلامي، وتغيَّر نظامها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. ونقل بيان عن مؤرخي البرتغال الذين زاروا ماليندي، وزنجبار، وكلوة، وبمبا في نهاية القرن الخامس عشر وبداية السادس عشر الميلادي قولهم “كان العرب المسلمون وأحفادهم حيثما استقروا يتركون من دلائل الثروة والرفاهية والنعيم أثرًا لا يمحى وكان هذا شأنهم في المدن والجزر التي أقاموا فيها”.

من العلماء الزنجباريين الذين حملوا رسالة الإسلام والدعوة إلى الله فخر الدين عثمان بن علي المتوفى 743 هـ، والشيخ جمال الدين عبدالله بن يوسف المتوفى 762 هـ وقد قام بالتدريس في الجامع الأزهري في أوائل القرن الثامن الهجري.

احتلال البرتغال 1503 م

استمر الدين الإسلامي وحضارته في شرق أفريقيا وزنجبار بصفة خاصة حتى القرن الخامس عشر الذي تعرضت فيه زنجبار لغزو البرتغاليين الذين حاولوا القضاء على الوجود الإسلامي حتى يتمكنوا من السيطرة على التجارة العالمية.

وقد تمكن البرتغاليون من ذلك واستمر الاستعمار البرتغالي لزنجبار مائتي عام تقريبًا. وتعتبر الفترة التي سيطر فيها البرتغاليون على جزر شرق أفريقيا -بما فيها زنجبار- فترةً مظلمةً؛ حيث انهارت الحضارة الإسلامية، وزالت السيادة في زنجبار وبقية المدن من أيدي المسلمين.

وفي القرن السابع عشر الميلادي ثار سكان البلاد بمساعدة الحاكم العماني وتمكنوا من طرد البرتغاليين من بلادهم عام 1650م وأصبحوا قوةً ملموسةً في المحيط الهندي.(12)

استقرار السلطان العماني في زنجبار واتخاذها عاصمةً له

قاد السلطان العماني السيد سعيد أول حملاته على مومباسا في عام 1244هـ /1822م. ولكنه لم يتمكن من الاستيلاء عليها، فرفع الحصار، وأبحر إلى زنجبار التي خاضعة للسيطرة العمانية ومكث فيها ثلاثة أشهر إلا إن الاضطرابات التي حدثت في عمان اضطرته إلى العودة إلى مسقط، وترك لابنه خالد الحكم في المناطق التي كانت خاضعةً له في شرق أفريقيا.

وبعد القضاء على الفتن الداخلية في مسقط ولَّى سعيد ابنَه هلالا على عمان بكاملها، وتوجه إلى شرق أفريقيا.

واختار السيد سعيد زنجبار لتكون عاصمةً لدولته لطيب هواها وقلة أذاها؛ لأنها ليست ذات برد قارس ولا حر شديد ولقربها من خط الاستواء، فأوى إليها الأخيار من جميع أقطار الدنيا.

فعندما قدم السيد سعيد إلى زنجبار، لم تكن سوى مدينة صغيرة لصيد الأسماك، وكان السكان يعلمون بزراعة الأرز وبعض الحبوب الأخرى، فأصبحت في عهده تضاهي المدن الكبرى في أوروبا في التقديم التجاري. واستطاع أن يوحد عمان الواقعة في الركن الجنوبي الشرقي من الجزيرة العربية بشرق أفريقيا. (13)

وفاة السلطان وانفصال زنجبار عن مسقط

توفي السلطان سعيد في 1273 هـ /1856 في البحر وهو عائد من مسقط إلى زنجبار بعد حربه مع فارس، وكانت الحرب العمانية الفارسية قد قامت في ذلك الوقت بسبب الخلاف بين البلدين على موانئ جزر الساحل الشرقي في الخليج التي كانت خاضعةً للإدارة العمانية.

ودفن جثمانه في حديقة بيته -في زنجبار- الذي كان يسكنه بعد حكم دام اثنتين وخمسين سنة. كوَّن خلالها دولةً مترامية الأطراف امتدت ما بين قارتي آسيا وإفريقيا.

وكان السلطان سعيد يدرك جيدًا الأخطار التي سوف تحدق بدولته بعد وفاته، كما كان يدرك صعوبة الاحتفاظ بها والسيطرة عليها لذلك قسم دولته إداريًّا بين اثنين من أبنائه كي تسهل إدارة البلاد. (14)

أطماع الدول الغربية ضد سلطنة زنجبار واحتلالها

لم يشعر البريطانيون بأهمية الساحل الشرقي لإفريقيا إلا في القرن التاسع عشر، بالرغم من اتساع حركة السفن التجارية والحربية البريطانية في المحيط الهندي منذ أن أصبحت شركة الهند الشرقية الإنجليزية القوة المتحكمة وصاحبة النفوذ والتفوق في الهند. فلم تدرك أهمية تأسيس محطات بحرية ثابتة لها في ساحل أفريقيا الشرقية من أجل حماية مستعمراتها في الهند وتجارتها الرابحة.

وفي مؤتمر برلين الذي دعا بسمارك مستشار الإمبراطورية الألمانية لانعقاده في خريف عام 1302هـ /1884م، لمناقشة أزمة الكونغو ووضع قوانين دولية لتنظيم الملاحة والتجارة في إفريقيا الغربية هو الذي فتح في الحقيقة الباب رسميًّا للتسابق والتزاحم على امتلاك الأراضي الأفريقية.

وفي 1304هـ/ 24 مايو 1887 وقعت اتفاقية مع السلطان زنجبار وبين شركة الهند الشرقية الإنجليزية، تعهد فيها إليها بإدارة الأراضي الواقعة على الساحل، فيما بين وانجا وكابى، في مقابل مبلغ من المال. ونالت الشركة كل حقوق السيادة فيها، مثل فرض الرسوم الجمركية، وتنظيم القضاء وتأليف قوة لحماية الأمن.

وقصارى القول أن الشركة حلت محل حكومة سلطنة زنجبار في إدارة المنطقة الساحلية، وبالمثل عندما أرادت الشركة الألمانية تثبيت أقدامها عهد إليه السلطان في عام 1306هـ/1888م بإدارة المنطقة الممتدة من وانجا إلى رافوما، والإشراف على التجارة فيها.

وهكذا وضع الإنجليز أيديهم على ماليندي وممباسا؛ حيث عملوا على اجتذاب القوافل إليها من الداخل، بالإضافة إلى تجارة الجزر المجاورة. وكان من نصيب الألمان سبعة موانئ من بينها دار السلام وباجامويو التي تصل إليها معظم إليها القوافل من الداخل.

ثورة الزعيم المسلم “بشيري”

وبدأ الألمان يشغلون مختلف الوظائف في الإدارة الجديدة، وبادروا إلى اتخاذ إجراءات قاسية ضد تجارة الرقيق والأسلحة، ورفع رسوم الاستيراد على بعض السلع، وحرموا العرب من وظائفهم، وخاصة الذين كانوا يديرون شؤون الجمارك، وحل محلهم موظفون ألمان. أضف إلى ذلك أنهم لم يحترموا عادات الناس أو معتقداتهم، وقد أدت هذه السياسة التي اتبعتها الألمان إلى إثارة الوطنيين عليهم؛ فقد رفضوا الضرائب.

ووجد الثوار في شخصية زعيم وطني مسلم من سكان بانجاني يدى “بشيري” قائدًا لا يعوزه الذكاء. كما أثارتهم وسائل القمع الحديدية، التي ستؤدي إلى أوخم العواقب؛ فأشهَرَ الأهالي السلاح في وجه المستعمرين على طول السلاح، مما دعا الشركتين المتنافستين الألمانية والإنجليزية إلى إنهاء التنافس بينهما بصفة مؤقتة لمواجهة الخطر المشترك الذي بات يهدد مصالحهما.

وقامت الأساطيل الألمانية والإنجليزية بأعمال مشتركة لرفض الحصار على الساحل وحماية رعايا الدولتين، الذين هجروا مراكزهم في المزارع خشية الاصطدام بالثوار، وتولى ضابط ألماني يدعى “فيسمان” مهمة القضاء على الثوار، ووقع بشيري في الأسر 1307هـ / ديسمبر 1889م، وأعدم.(15)

ختامًا

ظلت هذه السلطنة منطقةً عربيةً إسلاميةً حتى عام 1383 هـ /1964م؛ـ حيث عملت سياسة الاحتلال على إشاعة الكراهية العنصرية بين الشعوب العربية والإفريقية. ومنح الاحتلال الحكم الذاتي في سنة (1963م)، ثم خرج الاحتلال ولكن اضطر إلى الاتحاد مع تنجانيقا وجزيرة بمبا لتشكل جمهورية تنزانيا الاتحادية، وذلك عام (1964م).

هذه المنطقة فقدت كثيرًا من طابعها الإسلامي الأصيل عندما جاء الاحتلال إليها، فانتشرت الكنائس والمؤسسات التنصيرية المختلفة، واختفت الأحرف العربية، وحلت محلها الحروف اللاتينية، وجدَّت حروب على الكثير من مظاهر الحياة الإسلامية.

وعلى كل حال فإن هذا الموقع المهم للعالم الإسلامي خاصةً يحتاج التركيز بتفعيل عملية الدعوة الإسلامية فيها النهوض بها.(16)

311

المصادر
الكاتب

سيد محمد حسن

إذا أدرت فهم الحاضر فادرس الماضي.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.