وعندما كان التوحيد نبض الإسلام وجوهره جعل الله له ممهدات كي يستقر في نفوس المؤمنين وحتى لا يجد الشكّ إليه سبيلًا، وممّا مهّد الله به لاستقبال عقيدة التوحيد الخالصة منهج التفكير الذي وضع مضمونه في سور العلق، قوله تعالى: (اقرأ باسم ربّك الذي خلق) [العلق: 1]، والقراءة التي أمر بها الله تعالى رسوله -كما بيّنّاها في المقال السابق- منهج للفهم وإعمال العقل وهي بذلك أعم من فك الحروف ورسمها وطريق لاستنباط المعنى الكامل للتوحيد والعمل به.

حالات العبادة

أمر الله تعالى عباده بأنواع جمّة من عبادات القلب والجوارح، وجعل بين هذه الأنواع عبادة العقل التفكر والنّظر على نفس أهمية باقي العبادات، يقول سبحانه وتعالى: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ) [ص: 29] ويقول:

(قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ) [يونس: 101]

وميّز البشر بإعمال العقل في تدبّر آياته عن باقي خلقه من ملائكة وغيرهم، فالملائكة لا يعصون الله ما أمرهم وما يفترون عن تسبيحه وتمجيده ولا أنّهم يؤمرون بالسير في الأرض لكشف أسرار الخلق للانتفاع بها، ولكن كُلّف البشر بذلك زيادة لما وهبهم الله من إرادة حرة تقتضي تكليفهم بالنظر والتأمّل لحصول اليقين ومعرفة الله حق معرفته عن طريق السعي في ملكوته، فالمقصود بعبادة الله غير حاصل إذا ما اقتصرت على عبادة الجوارح فقط ولكن العبادة ما شملت التفكر والتدبّر والنظر في النفس وفي خلق الله جميعه، وعليه كان صدّ بعض الكفار الإيمانَ بالله ورسوله نابعًا من تعطيلهم العقل عن تدبّر آيات الله وتشبثهم بما ورثوا من معتقد باطل، إذ يقول تعالى: (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ) [المؤمنون: 68].

الكتاب والحكمة

التفكر

أتانا وحي الله تعالى يعلمنا أمران جعل تعلمهما مفصلًا بين الضلال والهدى، يقول سبحانه في بيانهما: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) ويقول حفيد رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي رضي الله عنه في تعريف “الحكمة” تعريفًا من بيت النبوّة: أنها فهم الدّين وفقهه وإدراكه، حيث الحكمة أي الفقه ملازم للكتاب الذي بعث الله به نبيه المُعلّم.

فاقتضت الحكمة أن يتحلّى المسلم بصفات سامية منها ما أتى في صحف إبراهيم وموسى أنه عالم بزمانه مقبل على شانه، فالمسلم يقظ منتبه غير غافل عمّا يدور حوله دائم الارتباط بالله وواقعه، ولذلك كُره إغماض العين في الصلاة وسُنّ فيها فتح العين وإرخاؤها والنظر لموضع السجود، فالصلاة صلاة من خشعت جوارحه وخشع قلبه وانتبه ذهنه وتوقّد عقله لفهم آيات الله واستشعارها، يقول سبحانه: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) [الحج: 46].

كما كانت غاية الإسلام أن يدفع بالإنسان ليكون صاحب رؤية ورسالة وفق منهج الخالق سُبحانه، وقد يعترض من يعترض من أصحاب “التنوير” -زعمًا- على منهجه تعالى وادعائهم الاكتفاء بمناهج حاكها الخلق فنريهم ما يجعل المنهج الذي أتى به الوحي هو الكافي للهداية والنّور.

فالله وحده المحيط علمًا بخلقه لا تخفى عليه خافية فهو الخالق العالم بشؤون الظاهر والباطن المستحقّ للعبودية عن غيره، يقول سبحانه: (مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا) [الكهف: 51]. وعليه، كان من البداهة أن يكون منهجه تعالى أحق بالاتباع من منهج غيره ممّن هم ضعاف خلقه الذين وإن علموا ظواهر الأشياء ما وصلوا إلى أسرار وجودها وإدراك كامل كُنهها.

اقرأ وعلّم بالقلم؛ فريضتان لا فريضة واحدة

التفكر

“اقرأ” فريضة التفكر وهي الاحتياج لإعمال العقل، وأمّا “علّم بالقلم” فهي الإذعان والتسليم للتلقين، فحدود الفريضة الأولى -فريضة التفكر- تنتهي عند التعلّم فيكون سقف إعمال العقل ما يلقنه الله عز وجل وما يُملي على عباده، إذ عبادة التفكر لا تقيم الحقّ إلّا بالتسليم لله تعالى والتعلّم منه على وجه يقيم شرعة الله بما لا يخرج عن منطق الوحي فلا تلقّي ولا تعلّم إلا من الله، والمسلم يعلم أن منهج دينه يجعل التفكير فريضة وطاعة ولكن هذه الفريضة محدودة بالانقياد لله تعالى وتسليم العقل له.

ولذلك ذُمّ الجهل وكان غير عدم العلم، فالعلم قد يحصل بالإخبار بالشيء ولكن الجهل منهج لرفض العلم وهو نقيض منهج التفكير الذي أتى به الإسلام، فحتى لو أخبرت الجاهل بما لا يعلمه لم يتحصّل عنده علم؛ لأنّه يرفض السماع والإذعان للحقّ فالرفض والجحود عند الجاهل وضعيّة تلقّ، يقول تعالى: (لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ) [هود: 12] ويقول: (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) [الملك: 10] ويقول ابن عبّاس رضي الله عنه في تفسير الآية: لو كنا نسمع الهدى أو نعقله، أو لو كنا نسمع سماع من يعي ويفكر، أو نعقل عقل من يميز وينظر.

الختام

التفكر

الحمد لله الذي جعل المسلم حرًّا لا وصيّ على عقله من خلق أبدًا، وجعل نفسه تعالى الوحيد الأحقّ بالاتباع والانقياد تقف عنده حدود العقل وتستكين، فطاعة المرء تدبّر آيات الله والسير في ملكوته لمعرفة أغوار الظواهر بما يوصل للحقّ الذي يرضاه عز وجل، والتفكر طاعة إذا سار على الطريق الذي رسمه الوحي ومعصية إذا خرج عن نطاق التنزيل بما يجعل إعمال العقل طريقًا لصدّ الإيمان بدل طلبه، وقد جاء في الفتاوى الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية في باب فضل التفكر: ونقل عن أحمد ما يدل عليه، نقل عنه مثنى بن جامع:

رَجُلٌ أَكَلَ فَشَبِعَ، وَأَكْثَرَ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ، وَرَجُلُ أَقَلَّ الْأَكْلَ، فَقَلَّتْ نَوَافِلُهُ، وَكَانَ أَكْثَرَ فِكْرًا، أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ فَذَكَرَ مَا جَاءَ فِي الْفِكْرِ: “تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ. قَالَ: فَرَأَيْت هَذَا عِنْدَهُ أَفْضَلَ لِلْفِكْرِ.

وكما أعلى الإسلام من قيمة التفكر وكرّم صاحبه حطّ في المقابل ممّن صد أبواب التفكير والنّظر عن نفسه حتى كان الصدّ بابًا من أبواب الكُفر، يقول تعالى: (وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِكَ ۚ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۖ فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا) [النّساء: 78].

وبعد بيان خطوة التفكير والنظر نقف إن شاء في قادم السلسة على أهم الخطوات المحورية في إخراج الناس من الظّلمات إلى النور مُتمثّلة في الارتباط بالله تعالى.

350

الكاتب

التعليقات

  • محمد الدراز منذ شهرين

    كتاباتك موفقة زينب، مزيدا من التوفيق والسداد…
    نفع الله بك وبعلمك

    رد
  • أمينة خالق الإدريسي منذ شهرين

    نفع الله بك ولا كسر قلمك ♥️

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.