إقليم إسلامي موقعه في جنوب تايلاند، وشمال ماليزيا بين بحر الصين الجنوبي وخليج سيام شرقًا، والمحيط الهندي غربًا(1). وموقعه هذا حساس جدًا (استراتيجي) جعل من هذا الإقليم عنق الزجاجة التي تربط بين شبه جزيرة الملايو، وشبه جزيرة الهند الصينية. وهو جزء من الملايو اقتطعته تايلاند البوذية، وضمته إليها بالتعاون مع المستعمر الصليبي البريطاني ومباركته في محاول لعزل المسلمين عن الأماكن الحساسة.

والإقليم موسمي، غزير الأمطار صيفًا، زراعي، فيه عدد من الأنهار والينابيع مثل أنهار: تالوبان وفطاني وغولوك. وأهم منتجاته الزراعية: الأرز، والخضروات، والذرة الشامية، والفواكه مثل فاكهة الدوريان (أبو شوكة)، والرمبوتان (أبو شعرة)، والمطاط (والبلاد تصدر منه كثيرًا وتمثل المركز الثالث في العالم بعد ماليزيا واندونيسيا). وجوز الهند، والكوبرا.

كما أن الإقليم غني بالغابات، ويستفيد من هذه الثروة الغابية، فالغابات تغطي مساحات واسعة في جالا وساتول وجنوب بنغنارا. ويستفيد من ثروته البحرية الهائلة. وأما بالنسبة للمعادن فكثيرة. وأهمها : القصدير والذهب والحديد والفضة والتنغستن.

وكانت البلاد إسلامية كلها. ثمَّ هاجر إليها عدد من الموظفين التايلنديين، وأعداد من الصينيين. وكانت تشمل إلى جانب الإقليم المعروف حاليًّا أجزاء واسعة من جنوب تايلاند، وخاصة نواحي ممر كرا؛ إذ كانت تبلغ مساحتها 50 ألف ميل2 (أي 128000 كم2). وأما مساحتها الحالية فتبلغ 16 ألف ميل2 فقط (أي 38400 كم2)! وذلك بعد أن زحف إليها البوذيون وطردوا المسلمين، واستوطنوا الأجزاء الشمالية في عملية استيطانية منظمة تذكرنا بالأندلس والفلبين. ويزيد سكان فطاني على ستة ملايين نسمة، كما تزيد نسبة المسلمين على 80 % يتحدثون اللغة المَلايُوِيَّة، ويكتبونها بحروف عربية.

دخول الإسلام إلى فطاني

فطاني

بدأ دخول الإسلام إليها في القرن الثالث الهجري على أيدي الدعاة والتجار، عندما كان المسلمون سادة البحار. وقد وصلها الدعاة من شبه جزيرة العرب وماليزيا وسومطرة -ولا سيما العرب الحضارمة-. وقد أسس المسلمون الموانيء على سواحلها؛ ففشا الإسلام بين سكانها حوالي القرن الخامس الهجري. وازداد انتشارًا عن طريق ملقا في القرن التاسع الهجري؛ حيث أصبحت جزءًا من ديار الإسلام تكونت فيها الإمارات والسلطنات الإسلامية، كما حصل في جميع شبه جزيرة الملايو.

تروي الأخبار الفطانية وكتب التاريخ الملاوية: أن “اندراسراي وانغ شاه” حكم فطاني حوالي عام 750هـ / 1350م. وأصيب بداء عضال عجز أطباء بلاده وكهنتها عن مداواته. فتقدم إليه الشيخ “صفي الدين” الذي كان يقيم في قريته فاساي (تقع حاليًّا في شمال جزيرة سومطرة في اندونيسيا) لعلاج الملك، واشترط عليه إذا كتب الله له الشفاء أن يعتنق الملك الإسلام، ويترك لدعاة الإسلام حرية العمل.

وقد كتب الله له الشفاء على يد هذا الشيخ الطبيب، ولكن الملك أبى الوفاء بالشرطينِ، فعاوده المرض. وجاء الشيخ لعلاجه على الشرطين نفسيهما. وأخيرًا وفَّى الملك بوعده فأسلم، ثم تبعه بقية أفراد أسرته المالكة، فالوزراء، وأخيرا الشعب بأجمعه. وعين الشيخ مفتيًا عامًّا في المملكة الفطانية، وأتيحت له سبل الدعوة. وغيَّر الملك اسمه البوذي إلى: “سلطان محمد شاه”(2).

والحكاية تدل على أن الإسلام دخل البلاد قبل “اندراسراي”، وأن الدعاة كانوا يقابلون بمعاملة قاسية. وليس صحيحًا أن الشعب أسلم بعد الملك، فمن طبيعة الدعوة الإسلامية أن تبدأ بالقواعد الشعبية لا من القمة، ثم تستجيب القمة لهذه القاعدة.

وعلى كلٍّ، فقد وصل الإسلام إلى فطاني من شبه الجزيرة العربية، ومن مالاقا، والهند، وكانتون في الصين. وبلغت فطاني أوجها في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الهجريين حيث ظهر فيها كثير من العلماء، وأصبحت مركزًا إسلاميًّا ثقافيًّا هامًّا في جنوب شرق آسيا. وضمت المناطق الواقعة في جنوب تايلاند وهي: ناكهن وثامرات وبكتالانج وسونكلا وكرابي. وأصبحت لها علاقات تجارية مع كثير من الدول الأوروبية (البرتغال وهولندا وإنجلترا) وكذلك اليابان. وقد سمح لهؤلاء بإقامة مراكز تجارية في العاصمة فطاني.

التحدي البوذي ونضال أهل فَطاني

فطاني

أصاب فطاني ما أصاب العالم الإسلامي من ضعف وتمزق؛ فطمعت فيها جارتها “تايلاند البوذية” وخاصة بعد سقوط ملقا بيد البرتغاليين، وتهديد الصليبيين للعالم الإسلامي في البحار. فحاولت احتلالها عام 917 هـ / 1511 م، واضطرتها فطاني إلى الانسحاب.

وكانت المحاولة إبان مجدها وقوتها. ثم حاولت تايلاند مهاجمة فطاني عام 1112 هـ / 1700 م، وتمكنت من احتلال المناطق المالاوية شمال الولايات الفطانية الحالية حتى ممرّ كرا. واستمر الزحف التايلندي بطيئًا، إلى أن احتلت فطاني نفسها عام 1201 هـ / 1786 م.

وسرعان ما اشتعلت ثورات المسلمين للتخلص من الحكم البوذي؛ فقام الأمير تنكو علم الدين بحركته عام 1202هـ /1787م، وأعلن استقلال فطاني، وتواصلت المعارك، إلى أن فشل المسلمون في تحقيق هدفهم.

وقام ملك سيام الثاني بتعيين “داتؤ فنكالن” وزير بحرية فطاني سابقًا حاكمًا على الإقليم. ثم أعلن استقلال فطاني عام 1223هـ / 1809م، لكنه فشل أيضًا وسقط شهيدًا(3).

وفي عام 1821م قام الفطانيون بحركة بقيادة سيد من ساداتهم، فقضي على هذه الحركة في “جمبو” على بعد 15 كم من مدينة فطاني.

وفي عام 1827م قام الفطانيون بحركة أخرى بقيادة “توان نيء” الحاكم العام لولاية فطاني، وقد استشهد أيضًا. واشتعلت حركة عنيفة عام 1831م، تزعمها عدد من سلاطين ولايات فطاني. على رأسهم “تنكو دين” (ابن عم سلطان قدح أحمد تاج الدين عبد الحليم شاه). وقد استشهد تنكو دين، وتراجع سلاطين فطاني إلى قرية تؤدين القريبة من حدود كلنتان الماليزية؛ حيث ألقي عليهم القبض وأعدموا جميعًا.

ونكلت القوات التايلندية بالفطانيين؛ فهدمت ديارهم وخربت البلاد وقتلت العديد من المسلمين، ونقلت 140 ألف من الأسرى إلى عاصمتهم بانكوك، وزجوا بهم في السجون، ووزعوا على الأراضي الحكومية ليعملوا فيها بالسخرة(4)؛ بقصد إذابتهم في المجتمع البوذي مع الزمن، وقسموا فطاني إلى سبع ولايات صغيرة، ووضعوا بجانب كل أمير فطاني مستشارًا تايلنديًّا رقيبًا عليه(5). وهذه سياسة “فرِّقْ تسُدْ”. وسيلة لإضعاف المقاومة وتفرقة الصف.

ورغم ذلك فقد تحرك الفطانيون عام 1838م في عهد ملك سيام الثالث، وبقيادة تنكو محمد سعيد مع أمير بحري هو وان محمد علي. وفشلت الحركة، واستشهد محمد سعيد. وفي عهد ملك سيام الخامس عام 1882م قامت حركة أخرى بقيادة جيء لونغ، والحاج دول بدائرة جمبو في فطاني. وقد هدفت هذه الحركة إلى إدماج فطاني في اتحاد الملايو مع الإنجليز؛ حيث فكر الفطانيون أن الإنجليز أكثر رحمة من البوذيين. ولكن الإنجليز كعادتهم في مواجهة المسلمين تخلوا عنهم في أحرج الظروف، وتركوهم لمصيرهم.

وفي عام 1320هـ / 1902م، طمعت تايلاند أكثر مستغلةً الهجمة الصليبية(6) على بلاد الإسلام، فقضت نهائيًّا على سلطنة فطاني، وأبعدت آخر سلاطينها تنكو عبد القادر قمر الدين، وعينت حاكمًا بوذيًّا عليها(7).

ولما قام أنصاره بقيادة “تؤ تام” وأحرقوا دوائر الحكومة في منطقة جاما، تدخلت القوات البوذية وقضت على محاولتهم. وقام أنصار تنكو قمر الدين مرةً أخرى عام 1911م بقيادة “الحاج مولا” من قرية سداوا، وفشلت الحركة.

وقد اتبعت حكومة تايلاند سياسة الدمج (الضم)؛ فادعت أن فطاني من بلادها. وتمركزت القوات التايلاندية فيها، وعمت الفوضى الإقليم، وتعاون الإنجليز الذين كانوا في الملايو مع السلطات التايلاندية على إخماد حركات المسلمين، وسد الطرق في وجوههم. في الوقت الذي كانت تعدهم فيه بريطانيا بالتخلص من الحكم التايلاندي ثم سمحت علنًا عام 1327هـ / 1909م بابتلاع فطاني في سياسة منها لتفتيت المسلمين وإحلال النكبات مسلمي فطاني بأيد غير نصرانية(8).

وحاول السلطان عبد القادر استرجاع سلطانه عام 1922م، ففشل وفرَّ إلى ولاية كلنتان الماليزية حيث توفي بعد وصوله بقليل. وأضرب الفطانيون عن دفع الضرائب عام 1923م لأنها كانت تعسفية. فأخمدت الحركة، وقبض على عدد من القضاة الفطانيين، وعذبوا وقتل بعضهم وفر بعضهم الآخر.

وفي عام 1351هـ / 1932م تغير نظام الحكم التايلندي إلى ملكي دستوري. فاغتنم الفطانيون الفرصة، و تقدموا بمطالبهم إلى السلطات الحكومية الجديدة -قدمها الحاج محمد سولونج- ومنها(9):

  • تعيين حاكم واحد على المقاطعات الأربع في فطاني يكون من أهل البلاد.
  • تعيين 80 % من موظفي الحكومة من المسلمين في الولايات الفطانية.
  • الاعتراف باللغة المالاوية في الولايات الفطانية.
  • الاعتراف بالشريعة الإسلامية في الولايات الفطانية.
  • تكوين مجلس إسلامي له صلاحيات واسعة في الولايات الفطانية.

رفضت حكومة تايلاند مطالب الفطانيين، فقامت ثورة واسعة عام 1352هـ، قضي عليها.

أوضاع فَطاني في الحرب العالمية الثانية وبعدها

اكتسحت اليابان عام 1941م جميع الشواطئ الشرقية لسيام (تايلاند) وفطاني وماليزيا. وسمح رئيس وزراء تايلاند “لوانغ فيبول سونكرام” للقوات اليابانية بالمرور في أراضي تايلاند للزحف على بورما وسائر بلاد الملايو.

وشجعت اليابان الحركات القومية وأثارتها، فوجدت القومية السيامية الفرصة. وأعد رئيس الوزراء التايلاندي قوة من الجيش لترسيخ السيطرة على فطاني، وأخذ ينفخ في الشعب السيامي روح عظمة “دولة تايلاند العظمى”. فأمر عام 1944 م بإلغاء إدارات القضاء الإسلامي المعمول بها لدى المسلمين في الأحوال الشخصية، وأوجب الأخذ بالنظم الخاصة بالشئون المدنية للدولة، طبقًا لقرارات المحاكم السياسية التايلاندية.

فقام العلماء برئاسة الحاج “محمد سولونغ بن عبد القادر” بتشكيل هيئة إسلامية في فطاني في العام نفسه 1944م أطلقوا عليها اسم “هيئة تنفيذ الأحكام الإسلامية”، بهدف إيجاد التعاون بين علماء الدين المسئولين لمقاومة الحركة السياسية التي ترمي إلى تسييم الملايو، والاعتداء على الدين الإسلامي وإزالته.

وفي العام نفسه قدم “تنكو عبد الجلال بن تنكو عبد المطلب” زعيم الملايو في جنوب تايلاند إلى رئيس الوزراء احتجاجات المسلمين على الإجراءات التي اتخذت في بلاد المسلمين. وجاء الرد من ديوان رئيس الوزراء بتأييد تلك الإجراءات(10). ثم تتابعت اعتداءات رجالات الحكومة على المسلمين، وكان المسلمون يقدمون مطالبهم للحكومة وتذهب الشكوى أدراج الرياح.

واستعانت بريطانيا بالأمير محمود محيي الدين زعيم فطاني لطرد اليابانيين، ووعدت المسلمين كعادتها بالاستقلال بعد أن تنتهي الحرب(11). ووقف المسلمون مخدوعين إلى جانب بريطانيا، ودخل الإنجليز فطاني، واندحر اليابانيون، ثم نكث الإنجليز بوعودهم؛ فوضعوا موارد فطاني تحت تصرفهم، وأعادوها لقمة سائغة إلى البوذيين الذين وقفوا إلى جانب اليابانيين مكافأة لهم! فما أغرب وأعجب السياسة الإنجليزية تجاه المسلمين!

ورفع الحاج “محمد سولونغ” رئيس الهيئة التنفيذية للقضاء الإسلامي بفطاني مطالب الفطانيين إلى هيئة الأمم المتحدة، فقبضت عليه تايلاند وحكمت عليه السلطة وعلى زملائه بالسجن لمدة 3 سنوات. وهُم: وان عثمان أحمد والحاج وان حسين ووان محمد أمين. ثم أفرج عنهم واغتيلوا سرًّا عام 1374هـ / 1954م، وأغرقت جثة الحاج محمد مع أحد أبنائه في بحر الصين الجنوبي لإخفاء الجريمة(12) على شاطيء منطقة سونكلا.

وأخذت تايلند بتنفيذ ما يسمى بسياسة الاستيعاب أو الاندماج Assimilation وتهدف إلى تدمير ومحو الشخصية الفطانية المسلمة. فارتفعت نسبة غير المسلمين بفطاني، في حين أُبعد كثير من المسلمين في أجزاء تايلاند.

أمام هذه السياسة التايلندية تكونت عدة منظمات وأحزاب سياسية لمواصلة الجهاد عام 1378هـ / 1958م. فألقي القبض على الزعماء، وقامت السلطة بتهجير أعداد كبيرة أخرى من البوذيين إلى فطاني لإذابة الشخصية المسلمة والعمل جواسيس على المسلمين(13). واغتصبت أخصب أراضي المسلمين وأعطتها لهؤلاء البوذيين، وسيطرت على التعليم ونشرت اللغة السيامية بدلًا من لغة الملايو لغة أهل فطاني، بل أغلقت الكتاتيب التي يتعلم بها أبناء المسلمين الإسلام، واشترطت اللغة التايلندية للحصول على الوظائف الحكومية، وعزلت فطاني عن العالم الخارجي، ونشرت المعابد البوذية بين أقاليم المسلمين.

ولجأت إلى تحريف آيات القرآن الكريم والحديث الشريف في الترجمة التايلندية، وعمدت إلى حرق القرى ونشر الرعب والخوف، واتهمت المسلمين بالشيوعية لتبرير القبض على من تريد.

وأمام هذه الظروف وحَّد المسلمين جهودهم؛ فتكونت منظمة “حركة التحرير الوطني”، وتضم جناحين: جناحًا مدنيًّا يشمل التنظيم والإعلام؛ حيث قام بإرسال مذكرات وتقارير إلى المؤتمرات والمنظمات المؤيدة لحركات الجهاد من أجل تقرير المصير، كما قام بتنظيم الشعب الفطاني وتوعيته. وجناحًا عسكريًّا على شكل قوات فدائية منظمة ومسلحة، وبدأ أعماله منذ سنة 1389هـ / 1969م، فحرر بعض قرى فطاني وأخذ في مهاجمة القوات التايلندية، وقام بعمليات واسعة في أنحاء البلاد. وفي الواقع تكونت أربع جبهات هي:

1- الجبهة الثورية الوطنية لتحرير فطاني، أسست عام 1960م. فهي أول جبهة أنشئت في فطاني، وتدعو إلى تنظيم المجتمع الإسلامي وتحرير فطاني. وتقوم بحرب عصابات. ومن مؤسسيها: الحاج أمين بن الحاج سولونغ، والحاج كريم. وكلاهما في ماليزيا.

2- المنظمة المتحدة لتحرير فطاني، وأسست عام 1968م. وتتبع أساليب العنف ضد الحكومة البوذية. ومن مؤسسيها بيراكيير عبد الرحمن. ومركزها في ماليزيا ولها مركز في ليبيا.

3- الجبهة الوطنية لتحرير فطاني، تأسست عام 1971م. ومن مؤسسيها تنكوجالا، وبابا إدريس. ويرأسها حاليًّا عز الدين عبد الرحمن. وتنادي بالاستقلال على أن يكون نظام الحكم ملكيًّا. ومعظم زعمائها خارج البلاد.

4- الحركة الإسلامية الفطانية، أسست حوالي عام 1975م. أسسها عدد من العلماء المسلمين.

وحضرت وفود منظمة حركة التحرير مؤتمرات خارجية في الدول الإسلامية، وقابلت زعماءها وشرحت قضيتها. وأصبحت هذه القضية إحدى القضايا الإسلامية عندما وافق المؤتمر السادس لوزراء الخارجية للدول الإسلامية المنعقدة بجدة سنة 1395هـ على إدخال القضية ضمن قضايا الأقليات الإسلامية في برامج المؤتمر، وقدم مذكرة شرح فيها القضية.

هذا، وقد تمركز جيش التحرير الفطاني في جبال بودرو الشاهقة وبين الغابات والأدغال المتشابكة. وتتلخص مطالب الفطانيين في:

  • المطالبة بالاحتفاظ بشخصيتهم بإعلان إسلامهم والدعوة له.
  • النطق والكتابة بلغتهم المالاوية والأبجدية العربية.
  • البقاء على زيهم الإسلامي والمحافظة على ثقافتهم.
  • حكم بلادهم بأنفسهم.

فطاني

كما يمكن إجمال السياسة التايلاندية في فطاني فيما يلي(14):

1- عملت الحكومة البوذية على تهجير المسلمين وتذويبهم في المجتمع البوذي الوثني.

2- عملت على محو الطابع الإسلامي من البلاد؛ بإرغام المسلمين على اتخاذ الأسماء والألبسة والتقاليد البوذية واستعمال اللغة التاهية (لغة تايلاند).

3- عملت على توطين البوذيين في المناطق الإسلامية، وبنَتْ لهم أكثر من سبعين مستوطنة يسكنها حوالي 185 ألف بوذي.

4- بنت القواعد العسكرية في فطاني، ولا سيما القرى القريبة من جبال بودرو -مركز عمليات المجاهدين المسلمين-.

5- قامت بتصفية العلماء والدعاة جسديًّا؛ كما فعلت بالحاج محمد سولنج وابنه ورفاقه عام 1954م، واغتالت الداعية الإسلامي الكبير الشيخ عبد الرحمن داود ثابت مدير مدرسة العلوم الإسلامية بجالا سنة 1977م، واغتالت عام 1981م عبد الكريم جاد فكريان على باب المسجد بفطاني، كما اغتالت بعده بأسبوعين الداعية الإسلامي الشيخ محمد لطيف حسن المبعوث من قبل دار الإفتاء السعودية(15)، واغتالت الأستاذ انجي حسين سكرتير مجلس الشئون الإسلامية بولاية فطاني وغيرهم. وأصبحت المسألة شبه عادية أن تقوم السلطات التايلندية بإحراق الأحياء الإسلامية والقتل الجماعي؛ ففي حادث بشع قامت القوات التايلندية بحرق 100 شاب مسلم في إقليم فطاني بالبنزين، وقتلت العديد من علماء الدين(16). حتى صرح رئيس البوليس في جنوب تايلاند ذات مرة:

أن حياة المسلم لا تساوي سوى 26 سنتًا فقط (17) (أي قيمة الرصاصة)!

6- حاولت إدخال الضلالات والشبهات على تعاليم الإسلام السمحة بنشر التأويلات والتفسيرات الخاطئة في الكتب المقررة في المدارس الحكومية، وفي الترجمة التايلاندية للقرآن الكريم. وقامت بتوزيع تسجيلات دعائية أعدها عملاؤهم من قاديانيين وبهائيين على المساجد والقرى. ومن هذه الضلالات استخدام الآيات القرآنية: (أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ)؛ ففسروا (أولي الأمر منكم) بالحكومة البوذية، فيجب على المسلمين الفطانيين طاعة المسئولين في الحكومة التايلندية، ومن لم يطع الحكومة يعتبر من العصاة المتمردين الذين يجب حربهم ومن المبغوضين عند الله -سبحانه وتعالى-.

كما تقول النشرات والتسجيلات البوذية:

إن الدين البوذي والدين الإسلامي سواء بسواء لوجود مبادئ وتعاليم مشتركة، وإن كلمة الكفار الموجودة في القرآن الكريم لا تنطبق على البوذيين التايلنديين الآن، وإنما الكفار في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم فقط-.

ووزعت الحكومة الكتب من تأليفات القاديانيين مثل إبراهيم القرشي القادياني في بانكوك(18).

7- حرمت المسلمين من ثروات بلادهم، كما حرمتهم من المراكز الهامة والوظائف الحكومية وجميع الحقوق التي يتمتع بها المواطنون عادة. وعرضتهم لألوان الذل والقهر والاستعباد.

8- حرصت حكومة تايلاند على توثيق صلاتها باليهود؛ للاستفادة منهم في محاربة المسلمين. فقد زار “موشي ديَّان” -وزير الدفاع الإسرائيلي السابق- تايلاند عام 1975م، ونظم اتفاقيات مع قادة القوات المسلحة هناك لتدريب الجنود البوذيين على حرب العصابات ومواجهة مجاهدي فطاني المسلمين(19).

9- حاولت إضعاف موقف حركة التحرير الفطانية، وعزلها عن المسلمين تمهيدًا لضربها. فقد تم انتخاب 6 أعضاء من المسلمين للبرلمان، وعين ثلاثة أعضاء مسلمين سنة 1395هـ، كما شغل مسلم وظيفة نائب وزير. وفي انتخابات سنة 1396هـ تم انتخاب 14 عضوًا من المسلمين، منهم 11 عضوًا من جنوب تايلاند (فطاني)، وعين مسلمانِ في وظيفتَيْ نائب وزير. والهدف إيهام المسلمين بإجابة مطالبهم(20)، فلا داعي لتأييد المجاهدين أو الانضمام إليهم.

هذا وقد امتنع أكثر المسلمين من إرسال أولادهم إلى المدارس الحكومية؛ لفقرهم ثم لأن هذه المدارس يعلم فيها مدرسون وثنيون يدرسون الديانة البوذية مادةً إجباريةً في المرحلتين الابتدائية والثانوية. كما أن الحكومة تفرض اللغة التاهية التايلاندية؛ مما قلل عدد المسلمين الذين يتابعون دراستهم الجامعية.

فأدى ذلك إلى انتشار الجهل والفقر والمرض بين المسلمين وهي البيئة التي تبيض فيها الشيوعية وتفرخ. فانخرط بعض أبناء المسلمين في الحزب الاشتراكي الذي يقوده زعماء الشيوعية في تايلاند وماليزيا، أو في الأحزاب العلمانية والقومية؛ خاصةً بعد أن سقطت دول الهند الصينية (فيتنام ولاوس وكمبوديا) في قبضة الشيوعية.

ورغم هذه التحديات فقد بقيت شعلة الجهاد متوهجةً، وأدركت تايلاند أن جهودها العسكرية لقهر المسلمين قد باءت بالفشل؛ فعينت الجنرال “مسابوت كوردفول” قائدًا عامًّا للقوات المسلحة التايلاندية عام 1401هـ / 1981م. وهو واحد من أكثر خبراء مكافحة حرب العصابات في العالم كفاءةً وخبرةً، ورسمت خطةً سميت “خطة تحت المظلة الباردة”.

وهي خطة متكاملة تشمل نواحي عسكريةً وسياسيةً وإداريةً وثقافيةً تهدف إلى هزيمة المنظمة المتحدة وجناحها العسكري وتصفية القضية الفطانية. وأسند تنفيذ هذه الخطة عام 1982م للجنرال “هارون لينانوند” القائد العسكري للمنطقة العسكرية الرابعة التي تشمل فطاني. وتستند الخطة إلى أربع نقاط نقاط أساسية. هي:

  • ضمان الأمن والسلام في منطقة الحدود التايلاندية–الماليزية.
  • تكثيف الجهود من أجل نشر اللغة التاهية الرسمية بين سكان فطاني المسلمين؛ بتدريس الدين الإسلامي في المدارس الدينية الإسلامية وفي المدارس الابتدائية والإعدادية بها.
  • تصفية القوى المقاومة للوجود التايلاندي في فطاني.
  • الإصلاح الإداري في فطاني وتحسين العلاقة بين الموظفين الحكوميين والمسلمين، وتصفية استغلال المسئولين لوظائفهم.

وفي الوقت نفسه وجهت ما لا يقل عن عشرين ألفًا من الجنود، وآلافًا أخرى من القوات المساعدة للقضاء على المجاهدين؛ متبعةً الأسلوب الاستعماري التقليدي المتمثل في “فرِّقْ تسُدْ”. فحشدت القوى المرتبطة بها كحركة الكشافة القروية، وأئمة المساجد الذين يتلقون الرواتب من الحكومة، والشخصيات التقليدية الذين يرتبط وجودهم ونفوذهم بوجود الاحتلال.

ولتنفيذ الخطة قدمت بعض التنازلات الثقافية والإدارية، في الوقت الذي تعمل على تشديد قبضتها على البلاد. فقد تعهدت بتدريس الدين الإسلامي في المدارس التايلاندية، وهذا يعني أن قرار تدريس الدين الإسلامي في المدارس الرسمية سوف يكون حبرًا على ورق. وذلك لعدم وجود هيئة تدريسية؛ لأن التعليم الديني في فطاني كان يتم باللغة المالاوية المتداولة في فطاني، والقرار يتطلب التدريس باللغة التاهية التايلاندية.

كما أعلنت تايلاند مشروعًا لتطبيق القوانين الإسلامية في فطاني عام 1982م ويتضمن هذا المشروع:

  • إدارة الشئون الإسلامية في وزارة العدل التايلندي بالتعاون مع الأئمة المسلمين حول مسائل النكاح والطلاق والتوريث، والعمل بنصوص القوانين الإسلامية وتطبيقها على المسلمين.
  • يشترط على الذين يعينون لمنصب القضاء الحصول على الشهادة المتوسطة التايلاندية.
  • تسوية منصب القاضي الفطاني مع نظيره التايلاندي.
  • تسري هذه القوانين في منطقة الفطاني.

ويعتبر هذا المشروع حدثًا إيجابيًّا حققه المسلمون بدماء الآلاف من أبنائهم، إلا أنه يحمل بذور الفشل باشتراطه على القاضي المسلم الحصول على الشهادة التايلاندية المتوسطة. ومن المعلوم أن الدين الإسلامي تم تعلمه وتعليمه باللغتين المالاوية والعربية، ويندر وجود الحاصلين على هذه الشهادة من بين علماء فطاني. ومعنى هذا أن الحكومة ستجد الموالين لها في منصب القاضي المسلم(21).

واستمرت تايلاند في سياستها الرامية إلى إضعاف حركة الجهاد؛ فأصدرت الحكومة قرارًا ببدء حملة لتغيير أسماء المسلمين بأسماء بوذية. فقد قال “تاكينج ساج” -المشرف على تغيير الأسماء-: “إن المسئولين الحكوميين في المناطق الإسلامية ملزمون بالقيام بزيارات للمدارس لإقناع كل مسلم بتغيير اسمه، وحث المدرسين في المدارس على إقناع طلابهم من المسلمين بتغيير أسمائهم، والتركيز في ذلك على التلاميذ في سن الرابعة إلى الرابعة عشرة”.

وقد جاءت هذه الحركة بعد موجة من التشويه والتضليل قامت بها السلطات وأعوانها مثل:

– تحريف آيات القرآن الكريم والحديث الشريف في الترجمة إلى اللغة التايلاندية.

– ترويج الإشاعات والاتهامات المضللة التي تدعي أن الحركات الإسلامية حركات شيوعية هدامة، وأن العناصر الثائرة ما هم إلا قراصنة لا يبغون سوى إشاعة الفوضى في البلاد.

– قامت الحكومة بالاستيلاء على الأراضي الخصبة من المسلمين وسلمتها للبوذيين(22).

– تقوم السلطات البوذية بتعقيم المسلمات، في سياسة منها لاستئصال المسلمين في فطاني. وقد اتبعت لذلك عدة وسائل:

1- إصدار كتيبات ورسائل تشجع تحديد النسل؛ فقامت إدارة ما يسمى “الصحة الأُسَرية” بإصدار كتيب “الإسلام وتنظيم النسل”، كتبه “شافعي نفاكون” رئيس الجمعية الإسلامية في بانكوك، وقامت الإدارة بتوزيعه على المراكز الصحية، وتنظيم النسل في فطاني. وقامت هذه المراكز بتوزيعه بدورها على نطاق واسع. وهذا الكتيب مملوء بالآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، وتفسيرها تفسيرات منحرفة لتحقيق أغراض الحكومة.

2- يقوم الموظفون البوذيون والعاملون والممرضات في الوحدات ومراكز تنظيم النسل بزيارة القرى المسلمة، ومعهم تلك الكتيبات وعدد لشرح الكتيبات، وتشجيع الأمهات المسلمات على الموافقة على عملية التعقيم.

3- تقوم الحكومة التايلاندية بإقامة الندوات، يحضرها عدد من المسئولين في الولايات الإسلامية، ويحضرها المدرسون والعلماء لبحث تأييد عملية تحديد النسل. ونشطت هذه الندوات منذ عام 1986م. فقام العلماء مقابل ذلك بندوات ومؤتمرات فكشفوا المخطط وعروه(23).

هذا ولا يزال الجهاد الفطاني يواجه القوى الباغية. وألخص العقبات التي تقف في وجهه فيما يلي:

  • سياسة الحكومة التايلاندية “خطة تحت المظلة الباردة” -التي تناولتها بالشرح-. وهذه الخطة من شأنها عزل المجاهدين عن شعبهم من المسلمين.
  • حشد القوات التايلاندية على حدود ماليزيا، من شأنه أن يمنع المتطوعين المسلمين من الدخول للجهاد، ويعزل المجاهدين عن ماليزيا.
  • حلف جنوب شرق آسيا من الدول: ماليزيا والفلبين وإندونيسيا وبروناي وتايلاند. وهذا من شأنه عزل المجاهدين عن البلاد الإسلامية المجاورة -خاصة ماليزيا وإندونيسيا-.
  • القوات البحرية التايلندية التي انتشرت على السواحل؛ من شأنها منع المساعدات من الوصول إلى المجاهدين.
  • انتشار الشيوعية في الهند الصينية، وانخراط بعض المسلمين في الأحزاب الشيوعية؛ وهذا من شأنه إضعاف حركة الجهاد والروح الإسلامية، وإعطاء الفرصة للقوات التايلاندية بضرب المسلمين بحجة الشيوعية.
  • انقسام حركة الجهاد في فطاني، وتعدد المنظمات.

تم الاعتماد على كتاب “حاضر العالم الإسلامي” للدكتور جميل عبد الله المصري في كتابة هذا المقال.

645

المصادر
الكاتب

سيد محمد حسن

إذا أدرت فهم الحاضر فادرس الماضي.

التعليقات

  • Shariif minhaaji منذ 7 أشهر

    الموضوع جيد
    لكن بطوله قد يعجز البعض
    ثانيا: فيه تطيع بعض الحروف ومحوها.
    شكرا سيدي

    رد
  • Aamina mohamuud Warsame منذ 7 أشهر

    مقال جيد رغم طوله ويحتوي بتاريخ منسية تماما تجاه المسلمين في تايلاند والدول المجاورة لها جزاك الله خيرا دكتور وأتمنى أن تستمر بالكتابة بالتوفيق إن شاء الله

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.