أندونيسيا، أكبر دولة في جنوب شرقي آسيا، ورابع أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان، بعد الصين والهند والولايات المتحدة الأمريكية، حيث وصل عدد السكان فيها بحسب إحصاءات عام 1443هـ (2021م)، إلى 276.4 مليون نسمة. بغالبية مسلمة، ما صنفها كأكبر دولة مسلمة من حيث عدد السكان أيضًا. كما يوجد بها ديانات أخرى بنسب قليلة كالنصرانية، والبوذية، والهندوسية.

وترجع أصول أغلب الشعب الأندونيسي إلى الملايويين؛ الذين سكنوا أراضي جنوب شرقي آسيا منذ القدم. ويعيش 60% من الأندونيسيين في جزيرة جاوة التي تشكل 7% من مجموع مساحة البلاد.

وأندونيسيا دولة أرخبيلية، تتكون أرضها من 17.508 جزيرة[1] على خط الاستواء، وأغلب هذه الجزر صغيرة المساحة فلا تتجاوز بضعة كيلومترات مربعة، ونظرًا لعددها الكبير تصنف البلاد أيضًا كأكبر دولة جزر في العالم، تغطي الغابات المدارية الكثير من أراضيها وكذلك الجبال التي تشمل 60 جبلًا بركانيًا نشطًا. وتشترك في حدودها مع ماليزيا وبابوا غينيا الجديدة وتيمور الشرقية وسنغافورة والفلبين.

كما يقع في حدود أندونيسيا نحو نصف غينيا الجديدة وثلاثة أرباع جزيرة بورنيو. وكلاهما على التوالي ثاني وثالث كبرى الجزر في العالم بعد جزيرة جرينلاند. عاصمتها جاكرتا، وتليها المدن الكبرى، سورابايا وباندونج ومدان. يشتهر الأندونيسيون بالزراعة، وتعد بلادهم ضمن الدول الرئيسية المنتجة للأرز، وتوفر بفضل هذا الاهتمام العديد من المنتجات الزراعية، لتأتي الصناعة بعد ذلك في المرتبة الثانية في الاقتصاد الأندونيسي.

تاريخ الإسلام في أندونيسيا

الإسلام في أندونيسيا

قال برغ في كتابه “وجهة الإسلام” يصف روح الإسلام في أندونيسيا: “إن حدود الإسلام في الأرخبيل الأندونيسي تمتد بعيدًا بخطوط خفية تتسع كل يوم أمام دعاة صامتين”[2]. عرفت أندونيسيا الإسلام مبكرًا جدًا؛ منذ  الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان -رضي الله عنه- في القرن الأول الهجري. حمله الدعاة والتجار والرحالة العرب من بلادهم إلى سواحل سومطرة الشمالية. وأثمرت هذه الجهود الدعوية الكبيرة في صناعة مجتمع إسلامي في البلاد، وما أن حاز على النفوذ والقوة حتى تأسست أول مملكة إسلامية وكانت في اجيه.

لقد استجاب أهل أندونيسيا  للإسلام بترحيب كبير، وأدى انسجامهم مع الدعاة المسلمين إلى صناعة ثقافة وحضارة إسلامية مميزة للشخصية الأندونيسية. يقول الدكتور الأندونيسي الحاج عبد الملك كريم أمر الله:

إن الإسلام الذي وصل آنذاك كان خالصًا، وإن أقوال المستشرقين الهولنديين القائلين بأن الإسلام جاء في عصور متأخرة بواسطة دعاة من مسلمي الهند بشكل مشوه، لا على صورته الأصلية، أي ممزوجًا بعقائد هندوكية وبوذية كان غير صحيح.[3]

وقال أيضًا: “إن اللغة العربية كانت لغة الدين والعلم والثقافة حينئذ في بلاد العرب والفرس وغيرها، وأن المذهب الفقهي السائد في جنوب الهند وجنوب شرقي آسيا هو مذهب الإمام محمد بن إدريس الشافعي”[4].

وقد ذهب بعض المؤرخين إلى أن وصول الإسلام إلى سومطرة حدث في أواخر القرن الثالث عشر الميلادي؛ استنادًا إلى ما كتبه الرحالة البندقي ماركوبولو من أن في سومطرة الشمالية عام 691هـ (1292م) مملكة مسلمة هي “فرلاك”. وهذه معلومة خاطئة تمامًا، بدليل أن العلاقات بين المسلمين والصين بدأت في القرن الأول الهجري، وكان لا بد لهم المرور من جزائر أندونيسيا للوصول للأرض الصينية، لكونها تقع في خط الملاحة بين الشرق والغرب.

قال الدمشقي في كتابه “نخبة الدهر”[5]، عند ذكره بلاد “الصنف” أن المسلمين وصلوا في زمن الخليفة الثالث عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، وقال إن العلويين (يقصد أتباع علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-) الذين هربوا من ظلم بني أمية والحجاج بن يوسف جائرًا ودخلوا بحر “الزفتي” ( في سومطرة) استوطنوا جزيرة معروفة باسمهم إلى الآن (أي عهد الدمشقي)”.

وورد ذكر أندونيسيا في كتاب الرحالة ابن بطوطة الطنجي، الذي قضى ربع قرن في الرحلات، وعرج على أندونيسيا مرتين، وانتهى من تدوين رحلته في عام 751هـ؛ حيث أبدى إعجابه بسلطان جاوة، وهو الملك “سامودرا ناسي”، بسعة علمه وتعمقه في الفقه الشافعي، وقد بلغ به الإعجاب إلى أن صرح بأن لم ير في الهند ولا في تركستان ولا بخارى ولا مصر وغيرها ملكًا أعلم من سلطان “جاوة”.[6]

وبعد قوافل الدعاة والتجار المسلمين التي وصلت أندونيسيا في القرن الهجري الأول، تبعتها قوافل أخرى للدعاة المسلمين من فارس وقجرات، ومع نشاط الأندونيسيين الملاحي إلى الصين والهند والبحر الأحمر وساحل الحجاز (جدة) أسسوا بلدًا في مدغشقر.

وقد ساعد أندونيسيا موقعها الجغرافي؛ لتصبح مركزًا للتجارة العالمية منذ قديم الزمن، ولا تزال آثار الهجرات المسلمة إليها تظهر في أسماء الأسر، حيث يعيش في أندونيسيا أسرة شريفة اندمجت مع الشعب الأندونيسي، هي أسرة آل عبد الملك بن سلام التي هاجرت من البصرة، وتعرف في الهند وباكستان بآل عظمت خان، وخرج منها دعاة سابقون يعرفون بلقب “سونان”. ومنهم ملوك وأمراء ووزراء. والكثير من العلماء والزعماء في العصر الحاضر بأندونيسيا.

وتتوحد الثقافة الإسلامية بجنوب شرقي آسيا بين جزر أندونيسيا وشبه جزائر الملايو والفلبين والهند والبلدان العربية؛ بشكل متكامل ومتين تمتد جذوره في عمق التاريخ.

الممالك الإسلامية

أدى ظهور الإسلام في أندونيسيا وانتشاره بين السكان إلى ظهور ممالك وإمارات إسلامية عديدة. تباينت مدة حياتها وسعة نفوذها وامتداد مساحتها على امتداد محور الزمن. ومن أشهر هذه الممالك، مملكة “بروناي” في كاليمانتان الشمالية، و”سوكا دانا” و”بنجرماسي” و”ممباوا” و”بونتياناك”، وغيرها في كاليمانتان الجنوبية والغربية، و”فرلاك” و”سمودراباسي” و”اجيه” وغيرها في “سومترا” و”دماك” و”بانتن” و”مارتام”، وغيرها في “جاوة” و”كوا” و”بوني” و”لووك،” و”تالو”، وغيرها في “سولاويسي” و”ترناني” و”باجان” و”يتدوري” و”جيلولو” في جزائر الملوك، إلى غير ذلك من الإمارات والسلطنات الإسلامية. وقد انهارت كلها مع الزمن حين نالت منها أسباب انهيار الممالك.

وتوحدت أقدم الإمارات في سومطرة الشمالية مثل “فرلاك” و”جومبا” و”دايا” و”ترومون” وغيرها في سلطنة “اجيه” الشهيرة. يقول المؤرخ الحاج محمد زين الدين في كتابه “تاريخ اجيه”: إنه وصل إلى فرلاك جماعة من العرب والهنود، من بينهم سيد قريش، فتزوج ابنة ملكها فكان له ذرية. وبعد خمسين سنة تقريبًا تولى الحكم فيها أفراد من ذرية القرشي المذكور، واشتهرت سلطنة “باسي” في التاريخ، ويقال إن أول ملوكها السلطان “جوهن شاه”، ثم الملك الكامل (توفي عام 607هـ)، ثم الملك الصالح (توفي عام 696هـ)، وتعاقب أبناؤه وأحفاده على الملك، ومنهم أحمد الملك الظاهر (المتوفى عام 809هـ) وهو الذي أثنى عليه ابن بطوطة الرحالة.

ملقا (ملاكا) مركز دعوي عريق

تقع ملقا على الساحل الغربي لشبه جزيرة الملايو. وقد تحولت إلى مركز للدعوة الإسلامية كبير. وهي في الوقت نفسه مركزًا للتجارة منذ عصر أمير سومطرة، “باراميسوارا”، الذي تحصن بجزيـرة سنغافورة من الأعداء ثم ملقا، فسيطر على مضيق ملقا، ويقال إن “باراميسوارا” اعتنق الإسلام. ثم ورث ملكه ابنه الذي كان مسلمًا؛ فعمل على نشر الإسلام في كل المنطقة، وذلك خلال القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي). ومن آثار ذلك أن لغة الملايو ” (اللغة الجاوية) “، كانت تكتب بحروف عربية.

أندونيسيا تجذب أنظار البرتغاليين

الإسلام في أندونيسيا

ماركو بولو.

وصل عدة رحالة أوروبيين إلى الجزر في جنوب شرقي آسيا منهم ماركو بولو في عام 691هـ (1292م)، ثم تلا ذلك أول اتصال مباشر بين البرتغاليين والأندونيسيين في عام 903هـ (1497م). وفي مطلع القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي)، عبر البرتغالي فاسكو دي جاما حول رأس الرجاء الصالح؛ لاستكشاف طرق جديدة للوصول إلى “إنديس” وهو اسم إندونيسيا الذي كان يطلق عليها في ذلك الوقت بين الأوروبيين.

وقع أول اصطدام بين سلطان ملقا والبرتغاليين في عام 915هـ (1509م) عند وصول سفن برتغالية تجارية إلى ملقا؛ حيث استشعر السلطان خطرها، فاستبقها بالهجوم عليها وأسر بعض أفراد طاقمها. ولم تكن مخاوف السلطان الأندونيسي من فراغ فقد أكد مطامع البرتغاليين استيلاؤهم على جُوا في ساحل الهند الغربي عام 916هـ (1510م)؛ لتقع ملقا بعد عام واحد فقط أي في عام 917هـ (1511م) تحت الاحتلال البرتغالي، بعد قيادة نائب الملك الجديد في المحيط الهندي “ألفونصو دي ألبوكيرك” قواته البحرية من جُوا إلى ملقا. وبدأت بذلك مرحلة الهيمنة البرتغالية على التجارة في المنطقة.

وكان المسلمون آنذاك يسيطرون على أغلب خطوط هذه التجارة؛ مما أحدث الاصطدام بينهم وبين البرتغاليين، فكانت الحرب بين النصرانية والإسلام طيلة هذه الفترة التي تمدد فيها النفوذ البرتغالي في أندونيسيا، إلى غاية مطلع القرن الحادي عشر الهجري (السابع عشر الميلادي)، وانتظم الأندونيسيون في صفوف مقاومة الاحتلال البرتغالي، وازداد إقبالهم على الإسلام واشتدت قوتهم فما لبثت أن قضت على الاحتلال البرتغالي الذي طرد من المنطقة، ولم يبق له من أثر إلا في تيمور التي خرج منها في عام 1395هـ (1975م). لكن أندونيسيا بعد التخلص من الاحتلال البرتغالي كانت على موعد مع احتلال أوروبي جديد!

النفوذ الهولندي

الإسلام في أندونيسيا

رسم قديم للعاصمة جاكرتا.

مع تلاشي النفوذ البرتغالي ظهرت شركة الهند الشرقية البريطانية في عام 1009هـ (1600م)، وبعدها بعامين أي في عام 1011هـ (1602م) تأسست في العاصمة الهولندية أمستردام وغيرها من المدن الهولندية، شركة الهند الشرقية الهولندية لمنافسة الشركة البريطانية على التجارة في جزر الهند الشرقية. وتمكنت بالفعل من امتلاك مواطئ قدم لها في كل من جاوة وسومطرة وسولاويسي، وشهدت هذه المرحلة تنافسًا حادًا بين القوتين للهيمنة على تجارة التوابل، فكان التنافس على كسب الحكام المحليين وإبرام الاتفاقيات التجارية.

لم يكن تنافسًا نزيهًا، بل كان يستعمل القوة في إخضاع الأندونيسيين لجشع الأوروبيين، فقد وصل الهولنديون إلى البلاد بجيش قوي وأسطول كبير، لإخضاع الأندونيسيين لشروطهم في التجارة. ولم يقتصر تدخلهم في تفاصيل هذه التجارة، بل امتد تدخلهم إلى القضايا والأزمات المحلية وحرصوا على كسب موالين لهم في صفهم من أبناء المنطقة؛ مما سمح لنفوذهم بالتمدد مع الوقت، فما لبثت أن هيمنت الشركة الهولندية على المنطقة وتلاشت سلطة الحكام الأندونيسيين فيها.

الاحتلال الهولندي

وهكذا دفعت الأطماع الاقتصادية الاحتلال الهولندي لإرساء قواعد هيمنته في جزر التوابل، وأصبح له سيطرة تامة عليها في القرن الحادي عشر الهجري (السابع عشر الميلادي)، وأخضع الهولنديون الحكام المحليين لسلطتهم، واصطفوا مع “أمانجكورات الأول” في جاوة، في نزاعه مع مملكة “ماتارام” المسلمة في عام 1085هـ (1674م)، الذي استنجد بهم مقابل تمكينهم من الاستيلاء على مناطق من ماتارام في وسط وغربي جاوة، فأطبقوا سيطرتهم عليها.

ومع وجود منافسين للنفوذ الهولندي التجاري، من القراصنة والمهربين، احتكر الهولنديون التجارة في كل منتج وصنف، في مناطق محددة. ثم عمدوا إلى تدمير المحاصيل والحقول في المناطق الأخرى؛ فخصصوا جزر باندا وأمبون لجوزة الطيب والقرنفل ودمّروا أشجار القرنفل في تيرنيت وتيدور رغم معارضة أهالي المنطقة.

ولكن هذه السياسة زادت الأعباء على الشركة الهولندية التي لم تعد قادرة على إدارة كل هذه المناطق بإخضاعها قسرًا، فانهارت هذه الشركة التي كانت تعاني الكثير من الفساد والاضطراب متأثرة بفترة الاضطراب في أوروبا، والحروب النابليونية التي أشعلتها فرنسا بالاستيلاء على هولندا، في الفترة الممتدة بين 1217 و1230هـ (1802 و1815م)، والتي شهدت أيضًا الحرب بين بريطانيا وفرنسا، ثم انتهت باستيلاء بريطانيا على شركة الهند الشرقية الهولندية.

ورغم التحصينات التي أقامها “هرمان ويلم دايندل” وكان من قادة نابليون، في باتافيا، (1223- 1226هـ) (1808-1811م) لحمايتها من البريطانيين. إلا أنهم ما لبثوا أن استولوا عليها في عام 1226هـ (1811م) فاستسلمت لهم القوات الهولندية والفرنسية. لكن النزاع الأوروبي بقي مستمرًا، فقد تمكنت هولندا من الاستيلاء مجددًا على جاوة وجزر الهند الشرقية في عام 1231هـ (1816م)، ورجعت من جديد للهيمنة وتطبيق نظمها في الزراعة وجني الضرائب من السكان المحليين؛ حيث فرض الحاكم الهولندي “جوهانز فان دين بوش” نظامًا يسمى نظام “المزارعة”. وهو نظام يجبر المزارعين على دفع خُمس إنتاجهم، وأن يخصصوا 20 بالمئة من أراضيهم لزارعة ما يأمر به الهولنديون.

المقاومة الأندونيسية للاحتلال الهولندي

الإسلام في أندونيسيا

صور من الاحتلال الهولندي لأندونيسيا.

شهد تاريخ أندونيسيا مقاومة شديدة للاحتلال الهولندي. ومن ذلك ثورة الأمير “ديبونيجورو” على الهولنديين في وسط جاوة عام 1241هـ (1825م)، لكنه لضعف قوته وقع في يد الهولنديين في عام 1246هـ (1830م). ومع ذلك منع رفض الأندونيسيين للاحتلال الهولنديين من السيطرة على خارج جاوة وسومترا إلا بعد عام 1287هـ (1870م). ولم يتمكن من ذلك الهولنديون إلا بسبب افتقاد صفوف الأندونيسيين للتنظيم والوحدة يدًا واحدة ضد الاحتلال، فسهّل ذلك سقوط المناطق في يد هذا الاحتلال، واستمر الهولنديون في جني الأرباح والأموال والأندونيسيون تحت وطأة القهر والفقر. وخلال هذه الحقبة طبق الهولنديون عدة سياسات في محاولة لضمان استمرار هيمنتهم على البلاد. وتأثرت حركة العمل في أندونيسيا بالثورة الصناعية الأوروبية نهاية القرن الثالث عشر الهجري (التاسع عشر الميلادي).  

انتشار رُوح المقاومة للاحتلال

تشكلت مقاومة للاحتلال في طبقة المتعلمين الذين رفضوا البقاء تحت سيطرة المحتل الهولندي؛ فأفرز هذا الشعور بالمسؤولية المنظمات الوطنية في الهند الشرقية منذ مطلع القرن الرابع عشر الهجري (العشرين الميلادي)، وارتفعت هتافات الأندونيسيين المطالبة بالاستقلال. ثم بدأت محاولات إقامة حكم أندونيسي بديل للاحتلال، ومن هذه المحاولات تأسيس ما يسمى “سركات إسلام أي” أي (الاتحاد الإسلامي) الذي شكل تهديدًا للهولنديين، ولكنه اصطدم بالحزب الشيوعي والشيوعيين الذين حاولوا اختراقه.

لكن الاتحاد الإسلامي تمكن من التصدي للمحاولات الشيوعية، وعرفت هذه المرحلة ظهور الكثير من الأحزاب والجمعيات الأندونيسية منها الحزب الوطني الأندونيسي، والحزب الأندونيسي بارتندو، وحزب الشعب الأندونيسي، وحزب أندونيسيا الأعظم بارندرا، ومجموعة الحرية.

واستجاب الاحتلال الهولندي لهذه الحركات الوطنية؛ فسمح لها بالنشاط داخل مجالس البلدية، بل وأنشأ ما يسمى “فولكِسْراد”، أي مجلس الشعب وكان فيه هولنديون. وفي عام 1347هـ (1928م) أعلنت الحركات الوطنية وحدة الأمة الأندونيسية في مؤتمر عقدوه في جاكرتا وذلك بقيادة سوكارنو الذي اعتقل مع قادة آخرين، كمحمد حاتا وسوتان سجاهرير وكانت مطالبهم الاستقلال عن الاحتلال الهولندي بدولة أندونيسيا.

الاحتلال الياباني

في عام 1361هـ (1942م) احتلت اليابان أندونيسيا. وعلى عكس ما كان عليه الهولنديون أعطى اليابانيون بعض السلطة للقادة الوطنيين الأندونيسيين، لكن ما لبث أن انهزم اليابانيون  واستسلموا للحلفاء في 6 رمضان 1364هـ ( 14 أغسطس 1945م). وبعد هذه الهزيمة بـ 3 أيام أي في 17 أغسطس من نفس العام أعلن “سوكارنو” و”محمد حتى” جمهورية أندونيسيا المستقلة، ولكنها لم تنل اعتراف الهولنديين.

وبالفعل نظم الأندونيسيون صفوفهم، وشكلوا حكومتهم قبل أن تصل إلى بلادهم القوات البريطانية والهولندية، واندلع الصراع بين الأندونيسيين والهولنديين لانتزاع السيطرة على البلاد بعد أن انسحبت القوات البريطانية في نهاية عام 1365هـ (1946م).

استقلال أندونيسيا

لقد كان إصرار الأندونيسيين على انتزاع استقلالهم كبيرًا، فعاشت البلاد عدة سنوات من الكفاح والمفاوضات الجادة. وتمكن خلالها الثوار من السيطرة على كافة المناطق الواقعة خارج المدن الرئيسية، بينما بقيت سلطة الاحتلال في المدن والموانئ المهمة، وقد استغل الهولنديون -كما في كل احتلال- شريحة من الأندونيسيين الذين قاتلوا مع الاحتلال ضد إخوانهم الأندونيسيين. واستمرت البلاد في حرب وصراع إلى نهاية عام 1365هـ (1946م)؛ العام الذي وقع فيه كل من الهولنديين والأندونيسيين اتفاقية توجب الاستقلال المحدود للأندونيسيين ضمن الاتحاد الهولندي؛ لتظهر جمهورية أندونيسيا بشكل رسمي في نهاية عام 1368هـ (1949م) برئاسة سوكارنو، ومعه رئيس وزرائها محمد حتى.

واعترفت باستقلال أندونيسيا الأمم المتحدة في العام التالي من إعلانه. لكن البلاد لم تستقر بشكل كامل، مع استمرار الأطماع الأجنبية وعرفت محاولات انقلاب واضطرابات كان يحركها الشيوعيون الذين تصدى لهم الفريق سوهارتو، قائد الجيش الإندونيسي فقتل آلاف الشيوعيين حتى يقول بعض المؤرخين إنه قتل نحو 500 ألف منهم، في فترة عرفت البلاد خلافات حادة مع ماليزيا، أدت إلى احتجاج أندونيسيا وسحب عضويتها من مجلس الأمم المتحدة، لتعيدها بعد ذلك في عام 1387هـ (1967م) مع قيام رابطة شعوب جنوب شرقي آسيا.

وجرّد سوكارنو من لقب رئيس مدى الحياة لأدونيسيا في عام 1387هـ (1967م) ليبقى رئيسًا للجمهورية ورئيسًا للوزراء. وفي نفس العام أجبر على التنازل عن السلطة لسوهارتو.

عرف عصر سوهارتو أزمة اقتصادية شديدة في عام 1419هـ (1998م)؛ حيث انهارت الروبية الأندونيسية، ورافق ذلك التضخم المالي الكبير؛ فضلًا عن زيادة أسعار المواد الأساسية، كما تزامن مع إعادة انتخاب البرلمان لسوهارتو لفترة رئاسية سابعة.  لكنه تحت ضغط مطالب الاستقالة تنازل عن السلطة في عام 1419هـ (1998م) بعد أن حكم البلاد لمدة 30 عاما كاملة، وخلفه الرئيس حبيبي الذي لقي معارضة شديدة من الحركة المحمدية بقيادة أمين رئيس التي تضم أكثر من 30 مليون عضوًا وتعد أكبر حركة معارضة في البلاد.

ودخلت البلاد في حالة من الاضطراب والتوتر انتهت في عام 1420هـ (1999م) بتنصيب زعيم حزب الصحوة الوطني، عبد الرحمن وحيد رئيسًا لأندونيسيا، وميجاوةتي نائبة له. في يوليو 1422هـ (2001م)، أصبحت  ميجاواتي رئيسة للبلاد. وحمزة حظ نائبًا لها.

الإسلام في أندونيسيا اليوم

الإسلام في أندونيسيا

فشل الاحتلال الهولندي الذي دام 350 عامًا، والاحتلال الياباني الذي دام 3 سنوات ونصف من القضاء على الإسلام في أندونيسيا. رغم جهود الغرب الحثيثة في تشجيع التنصير ومنح النصارى امتيازات ودعم من مختلف أنحاء العالم. ورغم فرض الاحتلال الثقافة الهولندية في المدارس؛ كي تطغى على أفكار وأحلام الطلاب الأندونيسيين وتشغلهم عن أي فكر غير هولندي، تزامنًا مع عملية تحقير لمكانة العرب بشكل عام، والمسلمين بشكل خاص في الكتب المدرسية والبرامج الثقافية. ومع أن الجيل الجديد في أندونيسيا تخلص من هذه الكتب، وهذا الإرث الاستعماري؛ إلا أن آثارها لا تزال تتردد في الكتب المصورة للأطفال وكتب التاريخ إلى اليوم.

ومما زاد الطين بلة أن هذا النشاط التنصيري الكبير كان يقابله ضعف الدعوة للإسلام، لضعف التنظيم والتنسيق؛ حيث بقيت مشاريع الدعوة لله تقوم على الجهود الفردية والتبرعات، وأصحابها العاملين عليها لا يملكون من الوسائل المادية ما يكفيهم القيام بالدعوة. ومع ذلك فإن هذه الجهود أثمرت تأسيس جمعيات إسلامية في مطلع هذا القرن.

ومن أسباب ضعف الحركة الدعوية تأثير وسائل “شيطنة” الإسلام والمسلمين التي مارسها الاحتلال الهولندي في أندونيسيا، ونشر الدعايات القبيحة ضد العلماء لمنع وصول صوتهم للشباب، وفي نفس الوقت تشجيع التأثر بالغرب وثقافته والابتعاد عن التقاليد والعادات المتوارثة في أوساط المسلمين بحجة التقدم ومواكبة العصر الحديث.

وكما رصد ذلك العديد من الباحثين، فإن الاحتلال الأوروبي والتبشير كان يمضيان معًا؛ مما تسبب في إيجاد النصرانية في بلاد كثيرة في العالم، وكثيرًا ما كان يبدأ بنشر الانهزامية للثقافة الغربية. واستفاد الاحتلال من انشغال النخب الإسلامية بالاقتتال على الفروع في الفقه الإسلامي، وذلك في أواخر العهد الهولندي، في وقت كانت حركات النصارى والشيوعية في أوج نشاطها، والفقر والحاجة سببًا قاهرًا يضعف إرادة الشعب الأندونيسي. ومع افتقاد وسائل ذكية فعالة لكسب الشباب المنهزم للثقافة الغربية والمتأثر بوسائل استقطابها له، ثم ضعف تأثير العرب في المنطقة؛ كانت المسافة تزداد يومًا بعد يوم بين الشباب الأندونيسي والدعاة والنخب الإسلامية.

الجمعيات والمؤسسات الإسلامية

تنشط العديد من الجمعيات والمؤسسات الإسلامية في أندونيسيا، منذ مطلع القرن الرابع عشر الهجري (العشرين الميلادي). من ذلك جمعية خير في جاكرتا التي تأسست في عام 1319هـ (1901م)، ومكارم الأخلاق الخيرية في سورابايا التي تأسست في أواخر عام 1329هـ (1911م)، و”شركت إسلام” التي أسسها الحاج سمنهودي؛ فكانت بمثابة منظمة شعبية إسلامية لتتحول إلى حزب سياسي مؤثر في الساحة الأندونيسية يحمل اسم “برتي شركت إسلام أندونيسيا”. وقاد هذا الحزب لواء المقاومة للاحتلال، وبعد خروج الاحتلال من البلاد استمر نشاطه في التنديد بالظلم والشيوعية.

ومن أشهر الجمعيات الناشطة في أندونيسيا الجمعية المحمدية التي أسسها الحاج أحمد دحلان في جو کجا في 1331هـ (1913م)، ونشطت في نشر الدعوة الإسلامية في كل مكان، ثم جمعية نهضة العلماء التي تأسست في بداية 1348هـ (1929م) التي أصبحت من أكبر الأحزاب السياسية في البلاد، بجانب حزب “برتي” الإسلامي، ومنظمات إسلامية تربوية والعديد من المؤسسات الإسلامية الناشطة الأخرى. ورافق هذا النشاط المؤسساتي إصدار الصحف والمجلات الإسلامي وحركة تأليف نشطة.

رُوح الإسلام وليس الشيوعية

أعلن كل من أحمد سوکارنو ومحمد حتى قيام جمهورية أندونيسيا في 21 ربيع الأول 1416هـ (17 أغسطس 1995م). وذلك بعد انطلاق حرب مسلحة أخضعت المحتل الهولندي بفضل روح الجهاد الإسلامي في الشعب الأندونيسي وليس الشيوعي كما يدعي البعض؛ ذلك أن عدد الشيوعيين كان قليلًا، ولم يكافحوا إلا في سبيل شيوعيتهم، التي هي بعيدة كل البعد عن الهوية الأندونيسية الإسلامية، ومن أبرز الشواهد على ذلك خيانتهم للشعب أثناء حربه للاحتلال الهولندي، بثورتهم الأولى المضادة لثورة الشعب والمعروفة بثورة مدیون (نسبة إلى مدينة مدیون). وما لبث أن تأسست بعد الاستقلال جبهة للكفاح الإسلامي في صورة حزب يضم جميع الأحزاب والجمعيات والمنظمات الشعبية الإسلامية هي مجلس شوری مسلمي أندونيسيا، الذي حله الرئيس سوکارنو فيما بعد.

وواصلت الكفاح لإعلاء الصوت الإسلامي الأحزاب الإسلامية كحزب نهضة العلماء، وبرتي شركت إسلام، وحزب التربية الإسلامية (برتي) وبقية الأحزاب الإسلامية.

وسنلاحظ هذه الظاهرة تتكرر في كل بلاد مسلمة خرجت من الاحتلال والقمع والحصار، الذي يطبقه المحتل على ثقافة الشعب وهويته؛ فما أن تخرج قوات الاحتلال حتى تخرج الأحزاب والجمعيات والمنظمات الإسلامية بشكل قوة دافعة! وكأنها كانت تستعد للحظة الصفر! فتتلاشى كل خطط المكر والحرب على الإسلام والحصار والاضطهاد!

وهكذا انطلقت الأحزاب والمنظمات الإسلامية بعد الاستقلال في نشاطها بكل أخطائها وحسناتها، لتكشف عن أن الإسلام كان مطلبًا للشعب الأندونيسي؛ مما قطع الطريق على الشيوعية وإن كانت تجربتها بحاجة لدراسة للاستفادة منها.

المساجد

يوجد في أندونيسيا عدد لا يحصى من المساجد والمصليات ولا يزال يزداد بشكل مستمر، بين صفوف شعب شافعي المذهب. وأغلب المساجد تقوم على تبرعات المحسنين وفي ذلك يتنافس الأندونيسيون من أهل العلم والصلاح والخير.

ولا يسعنا أن نسرد قائمة المساجد الكبرى في أندونيسيا، لكننا نذكر مسجد الاستقلال لكونه شيّد بعد استقلال أندونيسيا عن هولندا 1368هـ (1949م) واستغرق بناؤه 17 عامًا بإشراف الرئيس أحمد سوكارنو. وهو أحد أكبر المساجد في جنوب شرق آسيا وأضخمها من حيث قدرته الاستيعابية.[7] حيث يستوعب إلى نحو 200 ألف مُصلٍّ. شيّد على الطراز المعماري الحديث، بعدة طوابق ضخمة وساحات خارجية واسعة.

يصنف هذا المسجد من حيث طرازه المعماري وضخامته على أنه الثامن عالميًا ويزدان بقبتين كبيرتين ومئذنة بطول 90 مترًا. مع سقف مزين بزخارف إسلامية مميّزة. وتعقد فيه المؤتمرات والمحاضرات والندوات الإسلامية.

ولأهميته ورمزيته عند المسلمين في شرق آسيا؛ فقد شهد هذا المسجد زيارة شخصيات دولية كبيرة، منها  الرئيس الأمريكي باراك أوباما وزوجه في شهر نوفمبر/تشرين الثاني 1431هــ (2010م)، وكذلك الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، وأيضًا الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، والرئيس الليبي المخلوع معمر القذافي والأمير تشارلز وهاينز فيشر، رئيس النمسا، وأخيرًا أنجيلا ميركل عام  1433هــ (2012م). وكل زيارة كانت تكشف أهمية أندونيسيا في العالم الإسلامي وصراع الإسلام مع الغرب.

الشعب الأندونيسي مسلم!

الإسلام في أندونيسيا

لقد كان لروح الإسلام أثرها العظيم في انتزاع استقلال أندونيسيا من مخالب الاحتلال الهولندي؛ حيث جعل الشعب الأندونيسي “الله أكبر” نداء حربيًا في معاركه. يقول الدكتور الهولندي “سلما بودی” -وهو اسمه بعد إسلامه، حيث كان اسمه قبل ذلك “دوم دبكر”-: “لولا الإسلام ما كانت قومية أندونيسية في هذا الأرخبيل“.[8]

لقد عرف الشعب الأندونيسي المقاومة للإمبريالية والاحتلال الغربي بفضل روح الإسلام التي تجلت في عمقه. ولا تزال أسماء ثورات الأمير دیبانقارا مارا الوسطى والشريف هداية الله، وتنكر عمر، وتنكر جيء دي نيرو، وجون نادين، وجرت مرتبا، والسيد عبد الرحمن الزاهر، وإمام برنجول، وهلم جرًا؛ أيقونات لمحطات المقاومة الإسلامية والطموح الأندونيسي الذي تصدى لواقع شديد التعقيد، مع وجود الكاثوليك وهيئاتهم التبشيرية الشاملة التي تمثل قوة، والبروتستانت وهيئاتهم المختلفة وبعثاتهم التبشيرية، والبوذية التي بدأت تنظم هيئة للتبشير وإعادة الروح البوذية الهندوكية التي كانت هنا قبل الإسلام، مع حضور آخر للشيوعية، ومن ورائها أحزاب ودول .

وفي الواقع، فإن تاريخ وحاضر أندونيسيا نموذج مصغر عن تاريخ الإسلام في العالم! فمن دولة ذات سيادة إسلامية على شكل ممالك وسلطنات مستقلة، إلى دولة تكافح الاحتلال الجشع والاستنزاف لمقدراتها وثرواتها وطاقاتها، ثم المقاومة التي قدمت للبلاد استقلالًا ناقصًا غير كامل، حيث استمرت الهيمنة الخارجية على البلاد وتغلغلت حركة التغريب في كل المستويات والميادين، فضلًا عن التحكم الاقتصادي ومنع فرص النهوض بقوة، وهي الهيمنة الغربية التي غزت ديار المسلمين وأفكارهم قبل أراضيهم! ولقد نال أندونيسيا من الحرب على الإسلام تمامًا كما نال من كل بلد مسلم.

ولذلك فإن مستقبل أندونيسيا هو نفس مستقبل الأمة المسلمة، وانبعاث هذه الأمة هو انبعاث كل قطر فيها، وكل شعب مسلم!

102

المصادر
الكاتب

د. ليلى حمدان

كاتبة وباحثة في قضايا الفكر الإسلامي، شغوفة بالإعلام وصناعة الوعي.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.