مررنا في التقرير السابق بالسمات الضّروريّة التي تشرح صدر المؤمن لتلقي رسالات الله وللإذعان لأوامره ونواهيه، فتحمّل ثقل التكاليف يقضي بالمرء التّحلّي بصفات أوليّة تهيّئ نفسه وتعدّها؛ ولنا اليوم وقفة مع ترتيب الإسلام للخطوات التي أخرجت من الجاهلية والشّك نورًا وإيمانًا لا يهتزّ، ونختصّ بالذّكر الخطوة الأولى باستعانة من سورة العلق مُفتتح الوحي، فما هي الخطوة التي استهلّ بها الله عزّ وجلّ خطابه قبل ذكر كلمة التوحيد؟

الخطوة الأولى

إن أول ما خاطبه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحاب الجاهلية طريقة تفكيرهم واستدلالاتهم قبل أن يأمر أحدهم بنطق الشهادة و ما يترتب عنها، وذلك المنهج العلمي والعقلي الذي يُخرج النطق بكلمة التوحيد من دائرة التلقين إلى جعلها مستنبطة من أصلها المنهجيّ، فقبل الحديث عن الله تعالى وقدرته تنزل كلمة “اقرأ” ولا تدلّ على ما يذهب إليه الذهن من قراءة الحروف ورسمها؛ بل أتت دلالة على منهج علميّ مستقل، وبُرهان ذلك موته صلى الله عليه وسلم أميًّا؛ إذ لم يتعلّم القراءة والكتابة بعد نزول الوحي -وإن كان ذلك جزءًا ممّا تنزّل- إلاّ أن “اقرأ” أعمّ وأشمل -ورسول الله أدرانا بمقصودها وأفقه- فهي منهج في التفكير وإعمال العقل أو ما سمته الأوساط العلمية بالاستقراء.

اقرأ

التوحيد

يقول الله تعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) إنّ هذه الآيات عبارة عن تلخيص لمنهج علميّ وعقليّ متكامل، والفهم الخاطئ الذي يحصرها في الاقتصار على القراءة وفكّ الخطّ مجرّدًا قد يحقق المفسدة أكثر من المصلحة إذا ما انفصل عن أصله وغايته الكبرى، إذ تجد الجهات المستعمرة أكثر من يدعم برامج محو الأميّة حتى تتمكن من تلقين الشّعب بالكتب وباقي المواد المقروءة والسمعية والبصرية كذلك، وبه تسهل السيطرة على المُستعمَر بأكثر من وسيلة؛ فحضّ الإسلام على القراءة يكون لاكتساب منهج التلقي والاستدلال السليم لا لتعلّم القراءة التي تمكّن العدوّ من الاحتلال وتمدّ له البساط للسّطو والاغتصاب.

اقرأ باسم ربّك

يذكر الإمام الرازي في تفسيره الكبير عن (اقرأ باسم ربّك) أن اقتران القراءة باسم ربك مبتغاه الاستعانة به وجعله آلة في تحصيل ما تعسّر وجعل الفعل لله خالصًا، فكيف يجترئ الشيطان أن يتصرّف فيما هو لله؟ أمّا قوله (باسم ربّك) لا “باسم الله” دليل على الربوبية؛ وهي كلّ ما يأتي من الله إلى الخلق كالعطاء والإنعام والكرم، والألوهية كل ما يصدر من الخلق إلى الله؛ كالعبودية والطاعة والحمد، وذُكرت الربوبية ها هنا كي يُذكّر الله العبد بعطائه عز وجل وكرمه ورحمته ونعمه على عباده، ومن مؤهلات الله تعالى التي ذُكرت في مفتتح السورة كونه “الأكرم”؛ والكريم من أعطى دون انتظار عَوَض وبه كان تعليمه تعالى العبادَ عين الكرم.

اقرأ باسم ربّك الذي خلق

التوحيد

وفي “الذي خلق” ينبّهنا عز وجلّ لأعظم وأوّل ما طرحه على عباده في هذا الدين وهو فعل “الخلق”؛ إذ جعل هذا الأخير مملوكًا للمؤمن والكافر، للرجل والمرأة، للكبير والصّغير على سواء، يقول تعالى:

(قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ)

جعل الله الخلق كتابًا مفتوحًا أمام النّاس، وطوى في الكتابين المسطور والمنظور أسرارًا له، وبه يخبر أنّ النظر في الكون وكتاب الله وكشف بعض الأسرار المطويّة يدلّك على تطابق يمدّك بيقين أن الخالق هو ذاته صاحب هذا الوحي والتّبيان والتّنزيل.

مَقامَاتُ الخطَاب

لم يفتتح الله خطابه بقوله: (فاعلم أنه لا إله إلاّ الله) ولكنّه جعل للتوحيد مُقدّمات؛ لذلك تميّز الإسلام في طريقة الدّعوة بطرحه المقدمات وبطلبه الحجة والبرهان وجعلها السلطان فوق الكلّ، يقول تعالى: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) ويقول: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) وهذا ملخّص دعوة الإسلام التنويرية، دعوة الرغبة في أن يكون لك منهج تفكر بواسطته وتقيم الحجة عن طريقه، يقول الله تعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ) والعلق أمرٌ تعلّق بشيء، وكأنّه بالقرآن يقول: أن الإنسان خُلق على مبدأ التّعلّقات الفكريّة (المُقدّمات ثمّ النتائج).

القراءة المنهج

التوحيد

وفي تتمّة الآيات تأكيدٌ على المقصود من القراءة كونها المنهج العقلي السليم لا فكّ الخطوط ورسمها كما ذُكر أعلاهُ، يقول تعالى: (عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) يصل الإنسان لهذه المرتبة المتقدمة من العلم بعد أن وُلد عار عن العلم والمعرفة، لقوله: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا)، واستمرّت سورة العلق بعد هذا البيان في التحدّث عن موانع العلم (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى)؛ والطّغيان محلّ ظلام العقل والصّواب، وبه تُخطَف البصيرة وترجح كفّة العمى، (أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى)؛ يستغني العبد الجهول عن خالقه كلّما أخذ نصيبًا من العلم والمعرفة المُضلّلَين، (أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى)؛ هل كان الأمر أمر هداية وصواب ومنطق، أم هو صدٌّ عن ذلك؟

الختام

نزلت سورة العلق كخلاصة للمنهج العقلي الذي طرحه الإسلام وقدّمه على التوحيد؛ ومدعاة ذلك أن التوحيد نتيجة لازمة للمقدّمات المذكورة في السورة من حضّ على القراءة -أي استعمال المنهج العقلي- واستعانة بالله في ذلك، وجعله عزّ وجلّ آلة التحصيل وغايته.

ومن المعلوم الواضح أن العقل الجاهلي عقل مظلم معتم، وقد أنعم الله عليه بإخراجه من العتمة بهذه الإضاءة، وعليه لا يكون تحرير الشعوب بتعلّم القراءة والكتابة فقط؛ وإنما تحرير الشعوب بمدّها طريقة التفكير المستقل بدل عار التّفكير بالنّيابة، فكلّما تحرّر العقل وتجرّد من قيود الخلق استطاع أن يؤمن ويوقن وغلب على باطله الحقُّ.

وبعد، حقّنا على أنفسنا ضبط المنهج وتصويبه وإضاءة عتمة العقل بنور الهداية التي أتى به كلام الله المنزّه، وفي باقي السلسلة نقف بإذن الله على كيفية اكتساب هذا المنهج والعمل به.

216

المصادر
الكاتب

التعليقات

  • سعيدة.. منذ شهرين

    “لا يكون تحرير الشعوب بتعلّم القراءة والكتابة فقط؛ وإنما تحرير الشعوب بمدّها طريقة التفكير المستقل بدل عار التّفكير بالنّيابة، فكلّما تحرّر العقل وتجرّد من قيود الخلق استطاع أن يؤمن ويوقن وغلب على باطله الحقُّ.”

    جمالُ الأسلوب وفصاحة اللغة وحُسن اختيار المواضيع،”إقرأ بسمِ رَبِّك” ..
    اللهُمَّ بارك .!!!

    رد
  • إسحاق منذ شهرين

    “نزلت صورة العلق كخلاصة لملمنهج العقلي الذي طرحه الإسلام وقدمه على التوحيد” الجدلية المعروفة بين أهل الكلام وأصحاب الحديث يعني ليس هناك جديد. مع التعسف والتحامل لتقريب المنهج القرآني للمنهج العلمي. وخذ مثال يتضح به المعنى العقل في الإسلام عقل تبريري للوحي ولايصح الإستخدام النقدي حتى أن غالب الردود لا تنطلق إلا بفرضية مفادها أن وجود خالق مطلق الجمال والكمال والقدرة فكل ماجاء في الكتاب المنزل والتشريع كامل لايصح إعمال العقل النقدي ازاءه فالعقل عقل تبريري. أجد نفسي بعد القرآءة ممتن أكثر لكارل بوبر على علماء الإسلام.

    رد
  • إسحاق منذ شهرين

    “نزلت صورة العلق كخلاصة لملمنهج العقلي الذي طرحه الإسلام وقدمه على التوحيد” الجدلية المعروفة بين أهل الكلام وأصحاب الحديث يعني ليس هناك جديد. مع التعسف والتحامل لتقريب المنهج القرآني للمنهج العلمي. وإليك مثال يتضح به البيان العقل في الإسلام عقل تبريري للوحي ولايصح الإستخدام النقدي حتى أن غالب الردود لا تنطلق إلا بفرضية مفادها أن وجود خالق مطلق الجمال والكمال والقدرة فكل ماجاء في الكتاب المنزل والتشريع كامل لايصح إعمال العقل النقدي ازاءه فالعقل عقل تبريري. أتفهم فكرة الإطلاع الواسع المتنوع ولكن فكرة القراءة الإسلامية بأدوات الحداثة وإن لم بصرح به وإن صرح بعدائها لم أستطع فهمها ولا تقبلها. أجد نفسي بعد القرآءة ممتن أكثر لكارل بوبر الذي به استرشدنا لمعرفة المنهج الحق لقراءة الإسلام أكثر من علماء الإسلام أنفسهم.

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.