من أصغر بلدان جنوب شرق آسيا، جمهورية لاوْس الديمقراطية الشعبية، تقع في جنوب شرق آسيا. تحدها الصين وبورما من الشمال، وفيتنام من الشرق، وتايلاند من الغرب، وكمبوديا من الجنوب. عاصمتها فيينتيان. يغلب على شمال البلاد التضاريس الجبلية، بينما يتميز جنوبها بالمساحات الكبيرة الخصبة المناسبة للزراعة والرعي.

يعيش في لاوس بحسب إحصاءات 1443هـ (2021م) نحو 7.379 مليون نسمة يتحدثون اللغة الرسمية لغة لاو (اللاوية)، إضافة إلى الفرنسية والإنجليزية، وهناك لغات محلية أخرى. وقد ساهم موقعها الجغرافي بين دول قوية ومفترق طرق ومركز للتجارة والصراعات والهجرة في تشكيل التركيبة العرقية المتنوعة فيها[1]. وأكثر سكان البلاد من أبناء العرق اللاوي وتعد لاوس من أفقر دول العالم.

تاريخ لاوس

الإسلام في لاوس

عرفت لاوس العديد من الممالك التي توارثت الحكم على أرضها منذ القدم، منها مملكة “لان أكسانغ” (وتعني بلاد المليون فيلًا) (755- 1119هـ) (1354م-1707م)، التي بقيت قوية وبمساحة ممتدة أكبر من لاوس حاليًا، وخاضت حروبًا شتى مع جيرانها، حتى عام 1105هـ (1694م)؛ حين تسلل مرض المنافسات على الحكم بين ورثة عرشها، فضعفت المملكة وانقسمت إلى ثلاث ممالك منفصلة في عام 1119هـ (1707م) هي “لوانغ فرابانغ”، “فيانتيان”، “شامباساك”.

وامتد ملك مملكة شامباساك منذ 1119 إلى 1365هـ (1707م إلى 1946م)، وبعد أن بلغت أوج ازدهارها ضعفت وخضعت لمملكة سيام (تايلند)، التي بدورها خضعت للاحتلال الفرنسي الذي استولى على كل شيء في هذه البلاد.

ومملكة لوانغ فرابانغ التي استمرت منذ 1119 إلى 1368هـ (1707م إلى 1949م) تعرضت لهجوم شرس في 1304هـ (1887م) على يد جيش العلم الأسود[2] تسبب في دمارها لتضطر في عام 1311هـ (1893م) إلى قبول الوصاية الفرنسية، فأصبحت مستعمرة لباريس في الهند الصينية. ثم مملكة فيانتيان التي امتد ملكها منذ عام 1119 إلى 1244هـ (1707م إلى 1828م) وانتهت بالخضوع إلى مملكة بورما، ثم سيام ثم الاحتلال الفرنسي.

الاحتلال الفرنسي للاوس

بعد الهجوم الشرس لجيش العلم الأسود الذي تسبب في تدمير مملكة لوانغ فرابانغ، وذلك في أواخر القرن الثالث عشر الهجري (التاسع عشر ميلادي) انضمت المملكة إلى المستعمرات الفرنسية في الهند الصينية. واستمر الحال كذلك إلى غاية حقبة الحرب العالمية الثانية؛ حيث وقعت لاوس تحت قبضة الاحتلال الياباني ولكن لفترة قصيرة حيث أعلنت استقلالها في عام 1364هـ (1945م)، بعد هزيمة اليابان ولكنها لم تفرح كثيرًا باستقلالها القصير فما لبثت أن عادت لاوس تحت وطأة الاحتلال الفرنسي بعد أن بسط الجنرال الفرنسي شارل ديجول سيطرته عليها.

تحول وضع لاوس من مستعمرة فرنسية إلى دولة داخل الاتحاد الفرنسي في عام 1469هـ (1950م)، لتنال استقلالها بشكل رسمي في اتفاقية جنيف عام 1373هـ (1954م) تحت حكم ملك مملكة فيانتيان. وتدخلت وزارة الدفاع الأمريكية في لاوس في عام 1374هـ (1955م) لدعم الجيش الملكي خشية الفراغ الذي أحدثه خروج الفرنسيين.

ودعم الأمريكيون الحاكم الموالي لهم، لكن دعمهم أحبطه انقلاب الضابط في الجيش الملكي “الكابتن كونغ لي” الذي أطاح بالحكومة الموالية للغرب، فدخلت البلاد في حرب أهلية استمرت عامًا كاملًا، حتى تمكن الضابط “كونغ لي” من إحكام سيطرته على شمال لاوس. ورغم إعلانه وقف إطلاق النار اندلعت المواجهات من جديد، إلى أن عقد مؤتمر جنيف الدولي في عام 1382هـ (1962م) فتم تنصيب حكومة محايدة لكن قادتها كانوا من الشيوعيين. ما حوَّل لاوس لأرض صراع بين الرأسمالية بقياد أمريكية والشيوعية بقيادة صينية، واندلعت الحرب في لاوس التي كان لها الدور اللوجستي في مساعدة فيتنام أثناء حربها مع الولايات المتحدة الأمريكية. وبعد مفاوضات واتفاقات، تم إنشاء حكومة جديدة في عام 1394هـ (1974م) تبنت النظام الشيوعي الاشتراكي.

وتمكن الشيوعيون من السيطرة على الحكم في نهاية المطاف ما تسبب في فرار الآلاف من اللاوسيين، وكان لفيتنام سلطتها في لاوس إلى عام 1410هـ (1989م) حيث سمحت للبلاد بالاستقلال عنها بحكومتها في عام 1412هـ (1991م). وهكذا حكم لاوس الشيوعية مما يقدم فكرة كيف كان واقع المسلمين في هذا التاريخ، وعداء الشيوعية المستمر، الذي لا يخفى للإسلام.

تاريخ الإسلام في لاوس

يعيش في لاوس أكثر من 67% من البوذيين، ثم نسبة ضئيلة للنصرانية بحوالي 1.5%، أما المسلمون فأقلية صغيرة يشير لها مركز بيو بنسبة أقل من 1%، بينما يشير لها محمود شاكر في كتابه المسلمون في الهند الصينية بنسبة أقل من 5%. ويعتنق بقية السكان ديانات وأيديولوجيات أخرى منها البهائية.

يتوزع المسلمون على المناطق الحضرية، وبشكل أخص في العاصمة فيينتيان. ترجع أصول أغلبهم إلى الهند وباكستان وكمبوديا، ونسبة قليلة من عرقية تشام، لجأت إلى لاوس بعد فرارها من جرائم الخمير الحمر بكمبوديا.

ولأن عدد المسلمين قليل؛ فنشاطهم محدود، ويعمل أغلب المسلمين في مجال التجارة والزراعة وبعض المجالات الأخرى ولا يتوفر لها إلا عدد قليل من المساجد والمصليات، مع جمعية مسلمي لاوس لتغطية النشاطات الدعوية والاجتماعية في لاوس.

ولضعف الحركة الدعوية الكبير في لاوس، فإن المسلمين فيها معظمهم من أصول مسلمة من أبوين مسلمين. ونادرًا ما يذكر اعتناق شخص جديد للإسلام، وتشير التقارير إلى أن عدد المسلمين في لاوس قد تناقص منذ رحلوا خشية من الخطر الشيوعي، ولم يعودوا بعد ذلك.

الإسلام اليوم في لاوس

الإسلام في لاوس

ينتمي أغلب المسلمين إلى العرقية “لاو” و”تشين هاو”، و”التاميل” و”البشتون”، وتزوج هؤلاء بين بعضهم البعض وانتشر الإسلام بين الأجيال. لم يكن يعاني المسلمون في لاوس الاضطهاد في السابق؛ حيث إن قوانين البلاد كانت تسمح لهم بممارسة شعائرهم بحرية، بل وشهد المسلمون اهتمامًا من المسؤولين في المناسبات العامة. لكن منذ عام 1422هـ (2001م) مع إعلان جمهورية لاوس الديمقراطية الشعبية بدأت الحكومة في تقييد ومراقبة ممارسة الإسلام بشكل حد من نشاط الحركة الإسلامية كثيرًا. ومع أنها تسمح للمسلمين بممارسة شعائرهم إلا أن حركتهم تبقى محدودة.

المساجد في لاوس

يوجد في العاصمة فيينتيان مسجدان كبيران؛ أحدهما مسجد الجامع، بني منذ عام 1390هـ (1970م) وفيه الجمعية الإسلامية، ويرتاده المسلمون التاميل والبشتون. ومع توفر مساحة فيه بأثاثها ومستلزماتها لمدرسة إسلامية للأطفال، إلا أنها معطلة لعدم توفر المدرسين.

ثم مسجد “الأزهر”، يرتاده مجتمع شام والبشتون والتاميل حيث تم تشييده في عام 1406هـ (1986م)، وأصبح معروفًا باسم مسجد كمبوديا. يقع في وسط حي المسلمين في العاصمة فيينتيان بالقرب من الحي الصيني. وهو مسجد كبير فيه مأذنتان وتتوِّجه العديد من القبب. وإمام هذا المسجد يحمل لقب “مولوي” ويلقي خطبة الجمعة بلغة الأوردو والتاميل بالتناوب. ويضم هذا المسجد إلى جانب المصلى مكتبة ومدرسة يتعلّم فيها أطفال المسلمين اللغة العربية وأصول دينهم باللغة اللاوية بالموازاة مع دراستهم في المدرسة النظامية. وهي المدرسة الإسلامية الوحيدة التي تنشط حاليًا. كما يتوفر للمسلمين مساجد أخرى أصغر في مناطق أخرى، ومقبرة  فضلًا عن بعض المطاعم الحلال.

ومن المهم أن ننبه لجهود المسلمين في لاوس، فهي تستحق التقدير والذكر. يقدم لنا فكرة عنها الداعية محمد بن ناصر العبودي في كتابه “المسلمون في لاوس وكمبوديا” خلال رحلته للمنطقة وتسجيله لمشاهداته الميدانية فيها، حيث قال: “وحدثنا الأخ موسى (مسلم من لاوس) عن بناء المسجد، قال:

لم نتلقَّ أية مساعدة خارجية ولا داخلية من خارج جماعتنا المسلمين الكمبوديين الذين يعتبرون من الفقراء.

وبدأنا نجمع الأموال منهم شيئًا فشيئًا وقليلاً قليلاً بقدر استطاعتهم، ثم تقدمنا إلى الحكومة بطلب الإذن لنا ببناء المدرسة، لم نذكر بناء المسجد في طلبنا لأنهم لن يوافقوا على ذلك. واستعنا لدى الحكومة بأخينا (هارون خان)؛ هذا الذي ساعدنا عند الحكومة حتى أذنت لنا ببناء المدرسة، فبنينا المسجد والمدرسة ولم يعرف بذلك أحد من خارج جماعتنا”.[3]

تاريخ الإسلام في لاوس

صورة من احتلال فرنسا للاوس.

وصل الإسلام إلى لاوس، في بداية القرن الرابع عشر الهجري (العشرين الميلادي)، خلال حقبة الاحتلال الفرنسي، من مناطق الجوار؛ حيث يعتقد أن أول من وصل إلى لاوس من المسلمين كان معظمهم من التاميل من جنوب الهند، ومن منطقة بونديشري على امتداد الساحل الجنوبي الشرقي من خليج البنغال. وكان أغلبهم من العمال بلا أسر، يعملون في الحراسة وفي ميادين أخرى في العاصمة اللاوسية. وبعد ذلك وصل إلى لاوس بعض البشتونيين من شمال غرب الباكستان، وأغلبهم كان ممن خدم الجيش البريطاني وأقاموا في معسكرات في بورما المجاورة أثناء الحرب العالمية الأولى. كما وصل مسلمون إلى لاوس من كمبوديا فرارًا من اضطهاد الخمير الحمر.

لكن بسبب الاضطرابات التي عرفتها لاوس في منتصف الستينيات والسبعينيات من القرن الميلادي، بدأت أعداد المسلمين في لاوس تتناقص بشكل كبير، وارتفعت نسبة المهاجرين إلى خارج البلاد فرارًا من الحرب الأهلية اللاوسية. ومن آثار ذلك أن انخفضت نسبة المسلمين البشتون الذين كانوا يمثلون ثاني أكبر مجموعة عرقية بعد المسلمين القادمين من كمبوديا، انخفاضًا شديدًا بهجرتهم إلى الغرب وباكستان. فلم يعد يبلغ عددهم اليوم أكثر من بضع عشرة عائلة. وهكذا لم يتبق في لاوس إلا نسبة قليلة من المسلمين الذين لم يتمكنوا من الفرار بسبب فقرهم الشديد، ووجدوا دعمًا دعويًا من جماعة التبليغ الناشطة في مناطق آسيا. ولذلك تعد نسبة المسلمين في لاوس اليوم أصغر جالية مسلمة في جنوب شرق آسيا.

ورغم أن التاميل كانوا أول من وصل للبلاد؛ إلا أن أعدادهم اليوم تجعلهم في مرتبة أصغر عرقية مسلمة في لاوس، ويعمل أغلبهم في التجارة. وشهدت البلاد حالات معدودة من زواج المسلمين البشتون من نساء لاويات اعتنقن الإسلام بعد زواجهن. ولعدم توفر جامعات إسلامية لأبنائهم فقد سافر بعض المسلمين اللاوسيين للدراسة في الجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا.

مستقبل الإسلام في لاوس

الإسلام في لاوس

على الرغم من قلة عددهم، وضعف إمكانياتهم؛ اتحد المسلمون في لاوس تحت ظل جمعية مسلمي لاوس، للدفاع عن حقوقهم وتسهيل أمورهم. ومع ذلك هم بحاجة لمد الجسور معهم وسد حاجاتهم الدعوية والتعليمية، وتشجيعهم على تطوير طرق تعليم أطفالهم الإسلام؛ فإن حرصهم الذي رأيناه رغم قلة ذات اليد، ينم عن بصيرة وإحساس مسؤولية لا يليق بالمسلمين في كل أنحاء العالم إلا مباركته ودعمه وتقديره.

وينتظر المسلمون في لاوس من إخوانهم المسلمين في كل مكان في العالم، إرسال مدرسين مؤهلين لمدرستين في المسجدين الرئيسيين، على أن يراعى معرفة اللغة التايلاندية، لكونها قريبة من لغة لاوس. وهذا مشروع يمكن أن يقوم به المعلمون المتطوعون، ولو كان لفترات محدودة كقضاء إجازة صيفية في لاوس لتعليم أبناء المسلمين، ولتكن زكاة العلم والمسابقة بالمعروف!

كما ينتظر المسلمون في لاوس، تقديم تبرعات مالية للمساجد والجمعية الإسلامية، لمساعدتهم في استكمال بناء المرافق الدعوية التي يحتاجون إليها، وتوفير الكتب الدعوية والمصاحف والكتب لتعليم اللغة العربية مع محاولة توفير ترجمات باللغة التايلاندية أو اللاوسية حسب الإمكان. ثم مساعدة أبناء المسلمين في لاوس على الحصول على منح دراسية في العلوم الإسلامية، وبشكل عام مساعدتهم على ترقية معارفهم ومستواهم العلمي ولو بالدراسة عن بعد.

يقول الداعية محمد بن ناصر العبودي في كتابه “المسلمون في لاوس وكمبوديا”: “وقد أجمع الذين تحدثنا إليهم من المسلمين -سواء أكانوا من أهل الهند في الأصل أم من أهل كمبوديا-؛ أن الفرصة سانحة لدعوة اللاوسيين للإسلام، وأن الاستجابة مؤكدة. ولكن المشكل -كما يقولون- هو في وجود الداعية المخلص الذي يملك الأداة التي يستطيع أن يوصل إليهم بها المعلومات عن الإسلام؛ وهي اللغة، ثم مواصلة رعايتهم بالتعليم والإرشاد بعد إسلامهم. وأجمعوا أيضًا على أنه يمكن إذا حضر إليهم داعية مخلص من مسلمي تايلند أن يقوم بذلك لقرب لغتهم من لغة تايلند بحيث يتفاهمون فيما بينهم. وقد أخبروني جميعًا أن الذي يمنعهم من استقدام داعية ومرشد من تايلند؛ إنما هو ضيق ذات اليد وقصور النفقة التي يملكونها عن ذلك”.[4]

وقد جمع في كتابه هذا، العديد من المواقف المؤثرة والجميلة عن المسلمين خلال رحلته الاستكشافية والدعوية إلى لاوس وكمبوديا، لمن أراد الاطلاع على شهادة رجل وصل لتلك الأرض ونقل لنا أخبار المسلمين فيها، ولنعلم أنه أمر غير مستحيل ربط الجسور مع المسلمين في كل مكان! ولكن أين أصحاب الهمم ممن تمردوا على الكسل والتسويف والاقتصاد في الخيرات والأعمال الصالحة! من خرجوا عن النمط المستنسخ للأداء الحالي الضعيف، وقدموا قدوات مميزة تزدان بعلو الهمة وحمل رسالة الإسلام بكل أمانة وصدق وتفانٍ. لا حرم الله أمة الإسلام منهم!

82

المصادر
الكاتب

د. ليلى حمدان

كاتبة وباحثة في قضايا الفكر الإسلامي، شغوفة بالإعلام وصناعة الوعي.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.