بعث الله نبينا ﷺ في أمة يسودها قانون الغاب، يأكل القوي فيها الضعيف، ويئِدُ الأب ابنته تحت التراب وهي تصرخ صرخات الحياة، ويتذلل فيها الكريم العزيز لحجر وصنم لا يغني عنه شيئًا. في وقت غابت فيه الفضيلة وانتشرت به الرذيلة والجهل، عندها أذن الله لنور أن يوقد بين البشر، ليدلهم على الطريق الصحيح الموصل إلى الفوز والنجاة، صلى الله عليك يا نبي الهدى.

ميّز الله الرسل واصطفاهم على سائر البشر بأن جعل في طريقهم الهداية والرشد، وفي اتباعهم النجاة والفوز، فأعاذهم -سبحانه- من شرك الشيطان ودنو النفس، وصرفهم إلى عبادته وشكره، وأمرهم أن يذكروا الناس بربهم ويردوهم إلى الفطرة السوية، ويثيروا في أعماقهم نار التفكّر والتدبر لما حولهم، من سقف مرفوع ومهاد مبسوط وزوق مقسوم ويوم موعود ولقاء ليس له مهرب في الوجود.

سنتذكر سوية مواقف مع رسول الله خلال عامين أو أقل من حياته، تبدأ بالحزن والفراق وتنتهي بمواساة من رب العباد.

عام الحزن

الرسول

كان عم النبي أبو طالب بن عبد مناف يحيط بالنبي ويغضب له وينصره ويقوم في صفه ويحبه حبًا شديدًا، ليكون خبر وفاة عمه من أشد الابتلاءات التي ملأت قلب المصطفى بالحزن والكرب.

فقد رُوي في صحيح مسلم، عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: (لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله فوجد عنده أبا جهل، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال رسول الله : “يا عم قل لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله”، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: “يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟” فلم يزل رسول الله يعرضها عليه ويعيد له تلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله، فقال رسول الله : أما والله لأستغفرن لك ما لم أنهَ عنك.

فأنزل الله عز وجل: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم) وأنزل الله تعالى في أبي طالب فقال لرسول الله : {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين}.(1)

على الرغم من أن أبا طالب ربى النبي من صغره ودافع عنه وأحبه أكثر من أولاده، إلا أن أفكاره التي رسخت في قلبه وعقله، وتعلقه بالعصبية وتقليد الآباء شغل حياته وفكره، لذا أبى “لا إله إلا الله”، على الرغم من أن النبي بين يديه وكان أشد الناس علمًا بصدق النبي، فهو تربية يديه، إلا أنه لم يستطع الانسلاخ عن عقيدته السابقة.

كم هو أثر التربية في الصغر والنشأة في المجتمع على الشخص حتى لا يستطيع إقرار الحق على الباطل، ولنا في ذلك درس فعلينا أن نستوثق من كل ما نربي عليه أبناءنا، وأن نعلمهم التواضع للحق والابتعاد عن التشبث بالرأي.

لقد ابتلى الله المصطفى في أول العام العاشر للبعثة بفقدانه لعمه أبي طالب، الذي كان سندًا له وحماية من أذى قريش، فبعد موت أبي طالب تطاولت قريش بأذاها على المصطفى، ما لم تطمع به في حياة أبي طالب. وقد ذكر ابن اسحاق، (أنه بعدما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله من الأذى ما لم تطمع به في حياة أبي طالب، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش، فنثر على رأسه ترابًا ودخل بيته، والتراب على رأسه، فقامت إليه بناته، فجعلت تغسل عنه التراب، وهي تبكي ورسول الله ، يقول لها: “فإن الله مانع أباك”، قال: ويقول بين ذلك: ما نالت مني قريش شيئًا أكرهه حتى مات أبو طالب).

وقد ورد في صحيح البخاري من حديث عروة بن الزبير قال: سألت عبد الله بن عمرو عن أشد ما صنع المشركون برسول الله ؟ قال: رأيت عقبة بن أبي معيط جاء إلى النبي وهو يصلي، فوضع رداءه في عنقه فخنقه به خنقًا شديدًا، فجاء أبو بكر حتى دفعه عنه، فقال: {أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم}.(2)

لكن البلاء نزل متتابعًا به ، فلم يكن لجرح وفاة عمه أن يلتئم، وأذى قريش أن يزداد، إلا أن يصله خبر وفاة أم المؤمنين خديجة -رضى الله عنها- في نفس العام، الطاهرة المطهرة، التي حنت عليه عند قلقه و آزرته في كربه، وأعانته في دعوته وشاركته مغارم جهاده، وواسته في نفسها ومالها.

وقد أخرج الإمام أحمد في المسند بإسناد صحيح، عن عائشة -رضي الله عنها-، قالت: {كان النبي إذا ذكر خديجة أثنى عليها فأحسن الثناء، قالت: فغرت يومًا فقلت: ما أكثر ما تذكرها حمراء الشدق (عجوز سقط أسنانها وبقيت حمرة لثتها)، قد أبدلك الله عز وجل بها خيرًا منها. قال: ما أبدلني الله عزوجل خيرًا منها، قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذا كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله عزوجل ولدها إذ حرمني أولاد النساء}.(3)

وقد حزن قلب المصطفى على فقدها حزنًا شديدًا، إذ فقد بغيابها آخر سند كان يؤنسه في حياته القاسية المليئة بالهموم وتحدي الخصوم، فلقد كانت خديجة -رضي الله عنها- زوجة عظيمة، حتى أنه من شدة حبه لها كان يرسل اللحم إلى صديقاتها إذا ذبح الشاة، ومن مثل رسول الله في الوفاء.

فقد أخرج البخاري في صحيحه عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: (ما غرت على أحد من نساء النبي ما غرت على خديجة وما رأيتها، ولكن النبي يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة، فيقول: إنها كانت وكانت وكان لي منها ولد).(4) وفي رواية لمسلم، قالت (فأغضبته يومًا فقلت خديجة! فقال رسول الله : إني قد رزقت حبها)(5)

فقد النبي بوفاة سيدتنا خديجة جداره الأخير على مصاعب الدعوة، فكان عمه يسانده في النهار وأمنا خديجة تعينه وتصبره في الليل، ولكي يُعلم ألا فضل لأحد على المصطفى إلا الله، ابتلاه الله بوفاتهما قبل تمام الدعوة.

الدروس المستفادة

وحدانية الله

لا محاباة مع الله

علينا جميعًا أن نستنبط الدروس والعبر من كل مواقف النبي ، فخير درس يجب أن يتعلمه المرء من قصة أبي طالب، ألا محاباة مع الله، وأن أثر العناد الحرمان والخسارة، وأن استقرار الذنوب يكون في القلب، يكبر شيئًا فشيئًا، فإن أهمله المرء بلغ حدًا يعجز فيه اللسان عن ذكر الشهادة. وفي ذلك قال النبي :

أكثروا من شهادة أن لا إله إلا الله، قبل أن يحال بينكم وبينها، ولقنوها موتاكم.(6)

بقاء فضل الزوجة الصالحة وذكراها وإحسانها في قلب زوجها

فقد النبي بموت خديجة الزوجة الفاضلة التي طغت ذكراها على حياته وقلبه وعقله، وكثير من عمله بعد موتها وفراقها.

فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، قال: (أتى النبي فقال: يا رسول الله! هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني….).(7)

مواساة النبي بالإسراء والمعراج

رسول الله

لقد اشتد الألم على النبي بعد وفاة عمه أبي طالب؛ إذ همّ المشركون باستباحة جانبه بعد أن فقد عمه، وأخذت قريش بالتطاول على النبي بالأذى، وعلى أصحابه بأقسى أنواع التعذيب سعيًا منهم أن يقضى على دعوة النبي .

عندها همّ النبي في نشر هذه الدعوة على نطاق أوسع من قريش، فخرج النبي متجهًا إلى الطائف، التي تبعد خمسين ميلًا عن مكة، سيرًا على الأقدام، مصطحبًا معه زيد بن حارثة، وكان كلما مر على قبيلة دعاها إلى دين الله لكن لم يجب من أي منها، حتى وصل الطائف، عندها قصد نفرًا من رجالها أمثال أبناء عمرو بن عمير الثقفي وهم عبد يا ليل، ومسعود وحبيب، فدعاهما، لكن ردوه بأقبح الردود وأشدها تغليظًا، فقال أحدهم (أما وجد الله أحدًا غيرك)، وقال الثاني (والله لا أكلمك أبدًا، إن كنت رسولًا لأنت أعظم خطرًا من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي أن أكلمك).

لكن النبي لم ييأس رغم ردهم، فمكث عشر ليالٍ في ديارهم يدعو الناس دون أي جدوى، حتى قالوا له: اخرج من بلادنا، وحرشوا عليه الصبيان والرعاع، وأغروهم به. فتبعه السفهاء يسبونه ويصيحون به، ووقفوا له صفين يرمونه بالحجارة. وكان زيد بن حارثة يقيه بنفسه، حتى شج رأسه، وأدميت قدما رسول الله ، ولم يزل به السفهاء حتى ألجأوه إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة على ثلاثة أميال من الطائف، فجلس تحت ظل كرمها وانصرف الأوباش عنه.

لك أن تتخيل حال النبي بعدما فقد عونه في مكة بوفاة عمه وسيدتنا خديجة، وخرج منها منكسرًا إلى الطائف متأملًا بها خيرًا، لكي يُقابل بإهانة من أهلها وأذى، وكيف أنه يمشي الأميال ويمشي وراءه أوباش القوم يرمونه بالحجارة ويسبونه، صلى الله عليك يا نبي الله كم صبرت في سبيل أن توصل رسالة الله إلينا. وبعدما رأى ابنا ربيعة حال النبي من الأذى الذي لحق بجسده الشرف، تحركت الرحمة في قلبيهما تجاه فأرسلا له غلامًا لهما نصرانيًا يقدم له العنب.

وقد روى ابن إسحاق قال: (فلما رآه ابنا ربيعة تحركت له رحمهما فدعوا غلامًا لهما نصرانيًا يقال له عداس، وقالا له: خذ قطفًا من هذا العنب، واذهب به إلى هذا الرجل، فلما وضعه بين يدي رسول الله مد يده إليه قائلًا: باسم الله، ثم أكل، فقال عداس: إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له رسول الله : من أي البلاد أنت؟ وما دينك؟ قال: أنا نصراني من أهل نينوى، فقال رسول الله : أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟ قال له: وما يدريك ما يونس بن متى؟ قال رسول الله : ذاك أخي، كان نبيًا وأنا نبي، فأكب عداس على رأس رسول الله ويديه ورجليه يقبلها، فقال ابنا ربيعة أحدهما للآخر: أما غلامك فقد أفسده عليك، فلما جاء عداس قالا له: ويحك ما هذا؟ قال: يا سيدي ما في الأرض شيء خير من هذا الرجل، لقد أخبرني بأمر لا يعلمه إلا نبي، قالا له: ويحك يا عداس، لا يصرفك عن دينك، فإن دينك خير من دينه).(8)

حتى عندما قالت سيدتنا عائشة -رضي الله عنها- للنبي : يا رسول الله! هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال: لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا بـ(قرن الثعالب)- وهو ميقات أهل نجد المسمى قرن المنازل- فرفعت رأسي، فإذا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال: إن الله عزوجل قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال، لتأمره بما شئت فيهم، قال: فناداني ملك الجبال، وسلم علي، ثم قال: 

يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فما شئت؟ إن شئت أطبق عليهم الأخشبين -وهما جبلا مكة: أبو قبيس والمقابل له-؟ فقال رسول الله : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا).(9)

ثم قفل النبي عائدًا إلى مكة، فقال له زيد بن حارثة: (كيف تدخل عليهم وقد أخرجوك؟ فقال: يا زيد إن الله جاعل لما ترى فرجًا ومخرجًا، وإن الله ناصر دينه ومظهر نبيه). فلما دنا من مكة، رأى أن يستوثق لنفسه قبل الدخول، فمكث بحراء وبعث إلى العديد من رجال قريش لكن لم يجبه أحد، إلا مطعم بن عدي.

وقد روي عن ابن جرير دون سند، قال: (فبعث إلى المطعم بن عدي يعرض عليه أن يجيره حتى يبلغ رسالة ربه فقبل المطعم وقال: نعم، ثم تسلح ودعا بنيه وقومه فقال: البسوا السلاح وكونوا عند أركان البيت فإني قد أجرت محمدًا، ثم بعث إلى رسول الله أن ادخل، فدخل رسول الله ، ومعه زيد بن حارثة حتى انتهى إلى المسجد الحرام، فقام المطعم بن عدي على راحلته، ونادى: يا معشر قريش، قد أجرت محمدًا فلا يُهِجه أحد منكم، فلما انتهى رسول الله إلى الكعبة صلى ركعتين ثم انصرف إلى بيته ومطعم وأهله يحرسونه بأسلحتهم). وقد حفظ رسول الله للمطعم هذا الصنيع، فقال يوم أسارى بدر كما يروي البخاري عن جبير بن مطعم: لو كان المطعم بن عدي حيًا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له).(10)

وبعد أن عاد رسول الله من الطائف منكسر الخاطر بعد رحلة لاقى فيها ما لاقى، أذن الله أن يكتب لنبيه ليلة يرتفع بها أعلى المراتب، لتكون له مواساة من رب السماء، يقول سبحانه وتعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } 1 سورة الإسراء.

وقال سبحانه في سورة النجم: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ ﴿1﴾ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ ﴿2﴾ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ﴿3﴾ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ﴿4﴾ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ ﴿5﴾ ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَىٰ ﴿6﴾ وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَىٰ ﴿7﴾ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ ﴿8﴾ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ ﴿9﴾ فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ ﴿10﴾ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ ﴿11﴾ أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ ﴿12﴾ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ ﴿13﴾ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَىٰ ﴿14﴾ عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ ﴿15﴾ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ ﴿16﴾ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ ﴿17﴾ لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ ﴿18}.

نعم كتب الله لرسوله رحلة عظيمة، حوت على محطتين، أولهما الإسراء الذي اتجه به الرسول من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى في بيت المقدس، وثانيهما المعراج وهو الارتفاع في طبقات السماوات الواحدة تلو الأخرى حتى وصل إلى مستوى تنقطع عنده علوم الخلائق.

وقد وصف لنا رسول الله رحلة الإسراء والمعراج، فقال: (أُتِيتُ بالبُراقِ، وهو دابَّةٌ أبْيَضُ طَوِيلٌ فَوْقَ الحِمارِ، ودُونَ البَغْلِ، يَضَعُ حافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ، قالَ: فَرَكِبْتُهُ حتَّى أتَيْتُ بَيْتَ المَقْدِسِ، قالَ: فَرَبَطْتُهُ بالحَلْقَةِ الَّتي يَرْبِطُ به الأنْبِياءُ، قالَ ثُمَّ دَخَلْتُ المَسْجِدَ، فَصَلَّيْتُ فيه رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجْتُ فَجاءَنِي جِبْرِيلُ عليه السَّلامُ بإناءٍ مِن خَمْرٍ، وإناءٍ مِن لَبَنٍ، فاخْتَرْتُ اللَّبَنَ، فقالَ جِبْرِيلُ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: اخْتَرْتَ الفِطْرَةَ، ثُمَّ عُرِجَ بنا إلى السَّماءِ، فاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فقِيلَ: مَنَ أنْتَ؟ قالَ: جِبْرِيلُ، قيلَ: ومَن معكَ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ، قيلَ: وقدْ بُعِثَ إلَيْهِ؟ قالَ: قدْ بُعِثَ إلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنا، فإذا أنا بآدَمَ، فَرَحَّبَ بي، ودَعا لي بخَيْرٍ، ثُمَّ عُرِجَ بنا إلى السَّماءِ الثَّانِيَةِ، فاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ عليه السَّلامُ، فقِيلَ: مَنَ أنْتَ؟ قالَ: جِبْرِيلُ، قيلَ: ومَن معكَ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ، قيلَ: وقدْ بُعِثَ إلَيْهِ؟ قالَ: قدْ بُعِثَ إلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنا، فإذا أنا بابْنَيِ الخالَةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، ويَحْيَى بنِ زَكَرِيّا، صَلَواتُ اللهِ عليهما، فَرَحَّبا ودَعَوا لي بخَيْرٍ، ثُمَّ عَرَجَ بي إلى السَّماءِ الثَّالِثَةِ، فاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فقِيلَ: مَنَ أنْتَ؟ قالَ: جِبْرِيلُ، قيلَ: ومَن معكَ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، قيلَ: وقدْ بُعِثَ إلَيْهِ؟ قالَ: قدْ بُعِثَ إلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنا، فإذا أنا بيُوسُفَ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، إذا هو قدْ أُعْطِيَ شَطْرَ الحُسْنِ، فَرَحَّبَ ودَعا لي بخَيْرٍ، ثُمَّ عُرِجَ بنا إلى السَّماءِ الرَّابِعَةِ، فاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ عليه السَّلامُ، قيلَ: مَن هذا؟ قالَ: جِبْرِيلُ، قيلَ: ومَن معكَ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ، قالَ: وقدْ بُعِثَ إلَيْهِ؟ قالَ: قدْ بُعِثَ إلَيْهِ، فَفُتِحَ لنا فإذا أنا بإدْرِيسَ، فَرَحَّبَ ودَعا لي بخَيْرٍ، قالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا} [مريم: 57]، ثُمَّ عُرِجَ بنا إلى السَّماءِ الخامِسَةِ، فاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، قيلَ: مَن هذا؟ فقالَ: جِبْرِيلُ، قيلَ: ومَن معكَ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ، قيلَ: وقدْ بُعِثَ إلَيْهِ؟ قالَ: قدْ بُعِثَ إلَيْهِ، فَفُتِحَ لنا فإذا أنا بهارُونَ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فَرَحَّبَ، ودَعا لي بخَيْرٍ، ثُمَّ عُرِجَ بنا إلى السَّماءِ السَّادِسَةِ، فاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ عليه السَّلامُ، قيلَ: مَن هذا؟ قالَ: جِبْرِيلُ، قيلَ: ومَن معكَ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ، قيلَ: وقدْ بُعِثَ إلَيْهِ؟ قالَ: قدْ بُعِثَ إلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنا، فإذا أنا بمُوسَى صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فَرَحَّبَ ودَعا لي بخَيْرٍ، ثُمَّ عُرِجَ بنا إلى السَّماءِ السَّابِعَةِ، فاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فقِيلَ: مَن هذا؟ قالَ: جِبْرِيلُ، قيلَ: ومَن معكَ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، قيلَ: وقدْ بُعِثَ إلَيْهِ؟ قالَ: قدْ بُعِثَ إلَيْهِ، فَفُتِحَ لنا فإذا أنا بإبْراهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إلى البَيْتِ المَعْمُورِ، وإذا هو يَدْخُلُهُ كُلَّ يَومٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ لا يَعُودُونَ إلَيْهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بي إلى السِّدْرَةِ المُنْتَهَى، وإذا ورَقُها كَآذانِ الفِيَلَةِ، وإذا ثَمَرُها كالْقِلالِ، قالَ: فَلَمَّا غَشِيَها مِن أمْرِ اللهِ ما غَشِيَ تَغَيَّرَتْ، فَما أحَدٌ مِن خَلْقِ اللهِ يَسْتَطِيعُ أنْ يَنْعَتَها مِن حُسْنِها، فأوْحَى اللَّهُ إلَيَّ ما أوْحَى، فَفَرَضَ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلاةً في كُلِّ يَومٍ ولَيْلَةٍ، فَنَزَلْتُ إلى مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فقالَ: ما فَرَضَ رَبُّكَ علَى أُمَّتِكَ؟ قُلتُ: خَمْسِينَ صَلاةً، قالَ: ارْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، فإنَّ أُمَّتَكَ لا يُطِيقُونَ ذلكَ، فإنِّي قدْ بَلَوْتُ بَنِي إسْرائِيلَ وخَبَرْتُهُمْ، قالَ: فَرَجَعْتُ إلى رَبِّي، فَقُلتُ: يا رَبِّ، خَفِّفْ علَى أُمَّتِي، فَحَطَّ عَنِّي خَمْسًا، فَرَجَعْتُ إلى مُوسَى، فَقُلتُ: حَطَّ عَنِّي خَمْسًا، قالَ: إنَّ أُمَّتَكَ لا يُطِيقُونَ ذلكَ، فارْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، قالَ: فَلَمْ أزَلْ أرْجِعُ بيْنَ رَبِّي تَبارَكَ وتَعالَى، وبيْنَ مُوسَى عليه السَّلامُ حتَّى قالَ: يا مُحَمَّدُ، إنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَواتٍ كُلَّ يَومٍ ولَيْلَةٍ، لِكُلِّ صَلاةٍ عَشْرٌ، فَذلكَ خَمْسُونَ صَلاةً، ومَن هَمَّ بحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها كُتِبَتْ له حَسَنَةً، فإنْ عَمِلَها كُتِبَتْ له عَشْرًا، ومَن هَمَّ بسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها لَمْ تُكْتَبْ شيئًا، فإنْ عَمِلَها كُتِبَتْ سَيِّئَةً واحِدَةً، قالَ: فَنَزَلْتُ حتَّى انْتَهَيْتُ إلى مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فأخْبَرْتُهُ، فقالَ: ارْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، فقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: فَقُلتُ: قدْ رَجَعْتُ إلى رَبِّي حتَّى اسْتَحْيَيْتُ منه.(11)

الدروس المستفادة

الرفق بالناس والصبر على أذاهم في سبيل الدعوى

رغم كون النبي كان يستطيع أن يأمر ملك الجبال بكلمة واحدة؛ فيقول له (افعل) لفعل، لكنه تجاوز الأذى والآلام التي لحقت به في سبيل أن يكون من ذريتهم من يوحد الله تعالى. نعم إنه مصداق قول الله تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)، نعم إنه الرحمة المهداة للبشرية، وهو الذي قال: (ارحموا ترحموا واغفروا يغفر لكم، ويل لأقماع القول، ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون).(12)

وحدة الرسالة

أتت رسالة الأنبياء كلهم من مصدر واحد، وهو الله، فإذا كانت الرسالات متحدة المصدر فأنى لها أن تتفرق عند الرسل، وقد كان اجتماع الرسل في الإسراء خير تأكيد هو وحدة المنهج عند الرسل، وأن أمة المصطفى متصلة بكل الأمم التي سبقت، وأنه لا يستقيم إيمان العبد حتى يؤمن بالرسل جميعًا.

خاتمة

يجب أن يكون للمسلم دروس في حياة رسول الله ، وأن يستنبط العبر والحكم من موافق المصطفى، ويوجه بها حياته فيسعد في الدنيا والآخرة، ويقابل النبي يوم القيامة وهو مبتسم، فيسلم عليه ويقول: أنا الذي اتبعت طريقك وسيرتك دون أن أراك،

161

الكاتب

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.