هذا الموضوع ما كان يطرحه منذ عقود إلا أناس نادرون من بعيد وفي همس (يقتصر الحديث هنا على طبقة صناعة الوعي -أيْ المثقفين والكُتَّاب- لا صناعة القرار -أيْ السياسيين-؛ لأنَّها هي التي تشكِّل جزءًا ضخمًا من أفعال الشعب)، وكان طارحوه يخشون كلَّ الخشية وهم يطرحون مثل هذا الطرح الذي كان كفيلًا بأنْ يغيِّر شعور المجتمع تجاههم. وكانوا يتعلَّلون بقلَّة جدوى الدخول في القضيَّة، أو الاكتفاء بحيِّز البلد الذي هم فيه ومصالحه، أو بغيره من العلل.

لكنْ بعد مرور الكثير من الوقت، وتسرُّب الكثير من الوعي الخاطئ للشعب العربيّ (مثل مقولات الشعب الفلسطينيّ الذي باع أرضه وغيرها من الأمور الزائفة)، وفي ظلّ انتصارات متتالية للكيان المُحتلّ ورعاية دوليَّة من راعيته “الولايات المتحدة الأمريكيَّة”؛ بدأ أناس يطرحونه علانيةً، بلْ رأينا مَن يأتي به على لسانه دون حرج بكل ارتياح. ووجدنا شيئًا فشيئًا هذا السؤال: “هل هي قضيتهم وحدهم؟” يُجاب عنه ضمنيًّا بالإيجاب. وينتج عنه هذا القول: بما أنَّ فلسطين ليست إلا قضيَّةً للفلسطينيِّين دعونا ننفضّ عنها وعن الاهتمام بها، ودعونا نقتصد كل الاقتصاد في الجهد الذي كُنَّا ننفقه فيها، والذي يبدو غير ذي جدوى من الأساس.

ثم تطور الطرح كنتيجة بدهيَّة لاستقرار القول السابق في أرجاء الوعي العربيّ ليكون: إذا لمْ تكنْ قضية فلسطين قضيةً لنا جميعًا ولمْ يعد ما نقدمه للطرف الفلسطينيّ في أزمته فلماذا لا نتعامل مع الطرف الآخر بشيء من الحُريَّة -حتى لو كانت شكليَّة- وفي سبيل مصالحنا حيث يقدِّم الكيان تعزيزات بالغة لكلّ مَن يبادر بالتعامل معه، وأيضًا فيه ضمان لرضاء القطب الأكبر المُتمثِّل في أمريكا. ثم بدأ هذا الطرح الذي يُغذَّى كلَّ حين تحت بعض الضغوط السياسيَّة يأتي ببعض ثماره.

فلسطين

فوجدنا حريَّة أكثر في أشدّ المنتجات الثقافيَّة والفنيَّة انتشارًا وهي المسلسلات الدراميَّة -لأنَّها تدخل كلّ البيوت دون قصدك إلى دور عرضها كالسينما مثلًا- لمَن يتناول الكيان الصهيونيّ برؤية غير عدائيَّة تستطيع أن تصفها بالحياديَّة. والغرض هنا إزالة صفة “العدو” والاقتراب من صفة “الصديق”. يفعلون ذلك بالبُعد عن تناول القضيَّة من منظور سياسيّ، والتحوُّل إلى المنظور الاجتماعيّ والإنسانيّ بوصف “الكيان الصهيونيّ المُحتلّ” بـ” اليهود” فقط اليهود (مثل المسلسل المصريّ “حارة اليهود”).

بل يُحدِّثك عن دولته وكأنَّه دولة من الدول لا غير، ويُبدل الاسم الحقيقيّ “الكيان الصهيونيّ المُحتلّ” بالاسم المُراد “إسرائيل”. ليؤكد لك أنَّهم مُجرد أناس مثل بقيَّة المليارات السبعة التي تتنفس جوارك في كلّ مكان.

بل إنَّه يتخذ خطوات استباقيَّة ليلوم الوعي العربيّ على تفرقته لليهود، وعُنصريَّته في معاملتهم. وهو الآن بيدَيْهِ يبدأ تنفيذ خطة اليهود العُظمى وتُهمتهم العالميَّة التي كلَّما أرادوا أن يتخلصوا من أحد استخدموها؛ وهي ما يُسمَّى بـ”مُعاداة الساميَّة”.

ثم يتطور الأمر أكثر فأكثر كل عام حتى وصلنا لدرجة من التطبيع الرسميّ الثقافيّ. وزاد الطين بلَّة جزء الخطة الآخر وهو تحويل دفَّة الهجوم من طرف الاحتلال إلى الهجوم على الفلسطينيين أنفسهم! ووصفهم بأنَّهم عبء وعالة على الحالة العربيَّة كلَّها، وأنَّ العدو ليس اليهود الأتقياء الأنقياء بلْ العدو هم هؤلاء الذين يريدون العيش عالةً على غيرهم من المجتمعات.

بل يتصل الجهد الآن لنجد مسلسلات تدَّعي لليهود وجودًا وحقًّا في الخليج العربيّ. ويمثل الدعويَيْن الأخيرين مسلسل “مخرج 7″، ومسلسل “أمّ هارون”.

حتى وصلنا إلى قمَّة خطة التزييف وهي الدعوى التي أطلقها بعض المُغرضين ومُدَّعي العلم بأنَّ المسجد الأقصى لا يمثُّل قدسيَّة من الأساس، وأنَّ فهم العرب والمسلمين جميعًا طوال خمسة عشر قرنًا ما هو إلا محض خرافة! ولا شكَّ أنَّ هذه القضيَّة -التي أنشأها الصهاينة من قبل- هي الجزء الأشد وطأةً في الأمر كلِّه؛ لأنَّها تهدف لتدمير نقطة الارتكاز الأولى التي يرتكز عليها المدافعون عن القضيَّة ولها أخطار بعيدة لا تُحصى. وهي قضيَّة محسومة علميًّا وتاريخيًّا لمْ يقل بها إلا اليهود وأتباعهم.

لكنَّ عزاءنا هو أنَّ كلّ ما يُقال لا يمثِّل إلا اتجاهات ضيقة وفرديَّة داخل الوسط الثقافيّ أو الفنيّ، أمَّا عن المجموع فهو باقٍ على موقفه. وبعد مرور الذكرى الثانية والسبعين لنكبة فلسطين دعونا نطرح هذا السؤال -أوْ فلنقل تلك الدعوى- تحت طائلة النقاش الفكريّ الحرّ لنعرف الإجابة الصحيحة عنه بأدلَّة لا بحديث خطابيّ. لكنْ أولاً دعونا نكتشف سويًّا: ما الخطورة في طرح هذه القضيَّة من الأساس؟! ولماذا يكثر ترديد مثل هذا الموضوع في الأوساط الثقافيَّة -خاصةً التي تدخل كل بيت-؟ ولماذا الإصرار على إسماعنا إياها حتى مع رفضنا لها ومواجهتنا لمَن يقولها؟

السبب في الإصرار على إسماع الوعي العربيّ تلك الجُملة “فلسطين للفلسطينيين وحدهم” هو الطبيعة البشريَّة نفسها وتفاعُلها؛ حيث الوعي الإنسانيّ يتشكَّل أصلًا مما حوله من مُعطيات -أرادها أمْ لمْ يُردها-، فمن مجموع ما تسمع وترى وتحسّ يتشكَّل وعيُك. والإنسان ابتداءً كائن مُنفعل ومتأثِّر وهذا ما قد أدركه الوعي الشعبيّ؛ فأخرج لنا القولة: “الزنّ -الإصرار في تكرار القول- على الآذان أمرُّ من السِّحر” يقصد في التأثير. وهكذا يتشكَّل وعيك من مجموع المُدخَلات التي تتسرَّب إليك من حواسِّك. ولعلَّ اليهود بارعون منذ القدم في ملأ وعي الآخرين بما يريدون بالخطّة نفسها اكذبْ ثمَّ اكذبْ ثمَّ اكذبْ حتى يصدِّق الناس كذبتك ويتعاملوا معها على أنَّها حقيقة لا زيف.

وهذا بالضبط نفس الغرض من هذه الأباطيل التي يروجها قائلو هذه المقولة. فيأخذونك بالقول ليل نهار: فلسطين قضية الفلسطينيين وحدهم!.. ويظلون يعيدون ويعيدون ليملئوا بها سمعك حتى تتعوّد على سماعها. صحيحٌ أنَّك ستمُجُّها أوَّل الأمر، لكنك لن تلبث أن تألفها وتعتاد عليها. حتى تجد نفسك شيئًا فشيئًا تروجها مُردِّدًا معهم “فلسطين قضية الفلسطينيين وحدهم”! ونتحول نحن أنفسنا أعداء لأنفسنا، ونكون ساعتها خدمًا للصهاينة مُخلِصِين.

هدف هذا الطرح

فلسطين

خرائط توضح تغول الصهاينة على الأراضي الفلسطينية ومخطط لصفقة القرن في النهاية.

أمَّا عن أهداف طرح هذه القضيَّة فهي بيَّنة واضحة لكنَّ أبرزها يتمثل في النقاط الآتية:

  1. تزييف وعي الشعب العربيّ أو العقل الجمعيّ العربيّ بتأسيس مفهوم جديد وترسيخ قضيَّة حاسمة ومُحدَّدة المَعَالِم تُعيد تشكيل واقعه، وتجعل مدافعته عن أراضيه مائعةً مُتردِّدةً غيرَ حاسِمة ولا مُصرِّة. ولعلَّ العارف بأحوال الأُمم يعرف أنَّ مثل هذه القضايا الفكريَّة التي تُزرع الآن لا يُقصد بها جني الثمار الآن بل تُرمى لتنمو وحدها، ولتكتسب مُؤيدين ذاتيين لها. وغالب المقصود بها يكون الشباب لا مَن فوقهم من طبقات عُمريَّة، فهُم من ناحيةٍ أقلُّ وعيًا، ومن ناحية أخرى هُم الذين سيتعاملون مع الواقع أو هُم مَن سيشكِّلونه فيما بعد. فهذه القضيَّة لا تستهدف لا جيل مَن واجَهَ الصهاينة في الحروب، ولا حتى جيل أبنائهم الذين عايشوا بطش المحتلّ واحتلاله، بل تستهدف الجيل الثالث فيما يليه لتُؤسِّس لواقع جديد تشكِّله هي كما تريد.
  2. طرح هذه القضيَّة لا يستهدف فلسطين بالأساس -وإنْ كانت نقطة البدء- بل يستهدف نتيجتها المُستتبَعة وهي عدم اعتبار الكيان الصهيونيّ مُحتلًا، وعدم اعتباره عدوًّا من الأساس، بل مُعاملته معاملة خصم داخل في خصومة حيادية بالنسبة لبقيَّة العرب. وعليه فإذا نجحنا ألًّا نُسمِّي هذا احتلالًا فليُكنْ ما سيأتي بعده خارجًا من حيز الاحتلال كذلك، على أرض فلسطين أو خارجها، كان تصرُّفًا عسكريًّا محضًا أو تصرُّفًا ثقافيًّا أو تجاريًّا أو غيره.
  3. تفتيت الصراع العربيّ الصهيونيّ قضيَّةً ومسألةً ومبدأً. ولا يكون إنهاء القضايا العُظمى (مثل الإجهاز على الأديان أو المذاهب أو اللغات) دَفعةً واحدةً، بل عن طريق تفتيته إلى أجزاء صغيرة يتمُّ التعامل معها جُزئيًّا، ثمَّ يترتب عليها النتيجة في إطار الكلّ الأكبر.

ونأتي هنا سويًّا للنقطة المركزيَّة؛ وهي: هل حقًّا فلسطين قضيَّة الفلسطينيين وحدهم؟ وأنَّ العرب بقيتهم لا ناقة لهم ولا جمل في هذا الصراع؟ والإجابة قطعًا بالنفي الحاسم والقاطع. ليس عن طريق كلام خطاب يُلقى في حزب أو في مظاهرة حماسيَّة؛ بل هي إجابة يقطع بها التفكُّر والتاريخ والواقع. وكيْ لا نسوق الحديث في إطار بحثيّ محض سأركز النقاش في نقاط محددة متتالية في اختصار بالغ (لأنَّ تحليل هذا الأمر يقتضي تسبيبه من عدة جهات مع تفريعات كثيرة). وسأراعي في هذا الشمول الدينيّ ليعلم الناس أنَّها ليست حتى قضيَّة المسلمين وحدهم، بل مجموع العائشين على الأرض العربيَّة.

هل حقًا فلسطين قضية الفلسطينيين وحدهم؟

فلسطين

توضح الصورة تعدي الصهاينة على حائط البراق هو الحائط الذي يحد الحرم القدسي من الجهة الغربية.

أولًا: بالنسبة للمسلمين فغنيّ عن الذِّكر أنَّ تحرير كامل ديار الإسلام واجب عليهم. وسأكتفي بذلك لأنَّ الأمر بائن أشدَّ البيان.

ثانيًا: القول بهذا الادعاء يتعامى طواعيةً واختيارًا عن غرض اليهود الحقيقيّ الذي يعلنونه صراحةً وضمنًا؛ بل هو أصل من أصول كتابهم المُقدَّس وعقيدتهم الدينيَّة. حيث يمتلك اليهود أحلامًا دينيّة تريد تغيير العالَم، وقلب موازينه. أقلُّ هذه الأحلام، وأقربُها للتحقق هو حُلمهم بالسيطرة على الجزء الأكبر من العالم العربيّ. تأسيسًا على ما ورد عندهم في سِفر “التكوين”، الإصحاح 15 الذي به بالنصّ: “في ذلك اليوم قطع الرَّبُّ مع أبرام مِيثاقًا قائلًا: لنَسلِكَ أُعطي هذه الأرض من نهر مِصرَ إلى النهر الكبير نهر الفُرات”.

ولعلَّ وقفة هنا توضِّح كلَّ شيء فإنَّ النص يتحدث عن “نسل” لا يتحدث عن “ديانة”، وإنَّ نصوص اليهود بالعموم تتحدث عن “شعب” لا تتحدث عن فكرة عامة قد يقتنع بها أيّ فرد أو قد يرفضها (مثل الإسلام والمسيحيَّة). فالأصل أنَّهم يعتقدون بوجود نسل خاصّ بهم فاليهوديَّة عندهم نسب لا فكرة واعتقاد كالأديان. حتى لو آمن بها غيرهم فهو ليس داخلاً في أصل الأمر الذي يُحتسب بالنسب إلى أولئك الذين وعدهم الربّ واصطفاهم ليُورِّثهم تلك الأرض ويُملِّكهم ناصية البشر جميعًا بعد أن جعلهم “شعب الله المُختار”.

ولا شكَّ أنَّ النصّ أوضح من أنْ يُوضَّح فإنَّ الأراضي العربيَّة يعتبرها اليهود ملكًا خاصًّا بهم، أعطاهم الربّ إيَّاها في العهد الذي عُقد بينهم وبين الربّ -ومن هنا أتتْ تسمية المسيحيين له بالعهد القديم-. ولا شكَّ أنَّهم يعتبرون وجود “الأغيار” -والأغيار هو مصطلح يهوديّ يُعبَّر به عن غير اليهود- عليها وجودًا طارئًا لا وجودًا أصيلًا، بل نحن بالنسبة إليهم مُحتلُّون لأراضيهم التي أعطاها لهم الوعد الإلهيّ. ولذلك سيسعون دائبين للتمتُّع بالجنَّة الأرضيَّة التي وعدهم بها الربّ، على أراضينا نحن.

ثالثًا: القول بهذا الادعاء نفي للواقع المَعِيش الذي نحن فيه وكُنَّا فيه منذ سنوات قليلة. فالكيان الصهيونيّ لا يقصد الفلسطينيين وحدهم بل يقصد العرب جميعًا، وإنْ بدأ بأهل فلسطين. والغريب أنْ يُصدِّق أحدٌ هذا الادعاء ومنذ سنوات قليلة -عام 67- ومع أول امتلاك الكيان المحتل للقوة والقدرة والشجاعة لمْ يغزُ أرض التاريخ التي يتشدَّق بها طوال الوقت، بل سارع بغزو بلاد عربيَّة واسعة دَفعةً واحدةً مُتسلِّحًا بالغرب وأمريكا.

وهي مصر وسوريا والأردن؛ وبعدها بسنوات احتلَّت لبنان، وكانوا في فلسطين فصار المجموع خمس دول من أصل نقطة بسيطة على الخريطة أنشأها لهم الاحتلال البريطانيّ! وإنَّ من غريب القول ومُنكَره أنْ نجد مَن يُصدِّق ذلك الادعاء رغم الآلاف والآلاف من القتلى الذين يعيش كثير من أصدقائهم وإخوانهم في تلك البلاد بيننا حتى اللحظة! ولعلَّ الأمر أسخف من أنْ يُنوِّه عنه لكنَّ المُذهل أنْ تكرار الادعاءات يُفقدنا صوابنا ويُنسينا التاريخ حتى الذي لمْ تُطوَ صفحتُه بعد؛ فما بالنا لو استمرَّتْ تلك الادعاءات في الترديد؟!

رابعًا: القول بهذا الادعاء نفي للواقع التاريخيّ والحضاريّ لوحدة العرب؛ فهذا الادعاء يستند على تفتيت “العرب” مفهومًا ودلالةً ووجودًا ليكون الحاصل مجموعات من الناس قد يسمون المصريين أو العراقيين أو الجزائريين أو أو. حتى إذا حدث اعتداءٌ قِيلَ: لا دخل لكم إنَّهم السوريون وحسب، لا دخل لكم إنَّهم المصريون وحسب؛ فهذا هو مُعتَمَد هذا الادعاء وأصله. لكنَّ هذا الأمر سُرعان ما يُثبت بُطلانه عند التحقيق. فإنَّ العرب كتلة واحدة ماضيًا وحاضرًا ومستقبلاً. حتى لو ادَّعى الكثير من المثقفين أوْ أرادوا أنْ ينفوا بكل جهد هذه الوحدة ليفككوها. فإنَّها ثابتة راسخة يشهد لها الكثير من الشواهد؛ والتي أقربها ذِكرًا وحدة اللغة، ووحدة الأديان، ووحدة التاريخ، ووحدة الواقع الحاضر المَعِيش، ووحدة المصير. كلُّ هذه الوحدات يُقرُّها العرب، والغرب في نظرته للعرب.

فلسطين هل فلسطين قضية الفلسطينيين وحدهم؟.. نقاش عقلي 4

صورة قديمة من مذبحة دير ياسين في قرية دير ياسين، التي تقع غربي القدس في 9 أبريل عام 1948 على يد عصابات صهيونية.

خامسًا: مسألة يعتمد عليها هذا الادعاء وغرضها تفتيت الصفّ. وهي القول بأنَّ قضيَّة فلسطين تضرُّ المسلمين وحدهم. فقد شاع منذ عقود اتفاق شبه ضمنيّ أنَّ قضيَّة فلسطين هي قضيَّة المسجد الأقصى فقط، وعلى هذا فهي تخصُّ المسلمين فقط ولا دخل لنا -غير المسلمين- فيها، ولا ضرر علينا منها. بالقطع هذا القول لا ينطبق على كثير من غير المسلمين الذين أخلصوا كلّ الإخلاص لمسألة التحرير، بل أعطوها كامل أعمارهم حتى آخر لحظات حياتهم.

لكنْ البعض يعتقد هذا ولنكنْ صادقين مع أنفسنا إنْ أردنا الحلّ. ولعلّها فرصة سانحة لإزالة كلّ شُبهة عن هذا الموضوع: بدايةً من التنبيه على حصر مسألة فلسطين في المسجد الأقصى فقط هو وَهمٌ يُراد له أنْ ينتشر لحصر القضيَّة فيه. مع أنَّ المُسلمين في كلّ العالَم مطالبون بإخراج العدوّ من “أرض الإسلام” كاملةً لا من حيِّز المسجد، كما أنَّ القضيَّة ليست في المسجد وحسب، بل في هذا الوعي الذي يُزيَّف، وهؤلاء المسلمين الذي يُقتَّلون كلَّ يوم ودماء المُسلمين أغلى من المساجد.

وهنا يجب التوضيح أنَّ صراع اليهود هو على الأرض وللحصول عليها من جانب، وهو كذلك لا يفرِّق بين مسلمين ومسيحيين؛ بل الجميع لديه “غير” والجمع “أغيار”. وهو يرى نفسه -كما سلف الجنس أيْ هُم بأعينهم لا فكرهم أو ديانتهم- فوق البشر جميعًا مهما كانت ديانتهم. وللدلالة على هذا نأتي بنصّ من سِفر “اللاويين” الإصحاح 20 -حيث وفي ضمن أوامر كثيرة لليهود في هذا السفر- يقول: “أنا الربُّ إلهُكم الذي ميَّزكم من الشعوب”، ونصّ آخر من سِفر “التثنية” الإصحاح 14: “أنتم أولادٌ للرَّبِّ إلهِكم… لأنَّك شعب مُقدَّس للرَّبِّ إلهِك. وقد اختارك الرَّبُّ لتكون شعبًا خاصًّا فوق جميع الشعوب الذين على وجه الأرض”. وغير بعيد ما في كتاب “التلمود” -وهو تفسير الأحبار الأعظم للعهد القديم- من شتائم وإهانات بالغة للأديان الأخرى، خاصةً المسيحية جعلت العالَم المسيحيّ يطارد هذا الكتاب في كل مكانٍ طوال التاريخ.

ختامًا

فيا أيُّها العربيّ ويا أيُّها المُسلم أفِقْ فما أمامك همٌّ وخطرٌ حضاريٌّ عربيٌّ شاملٌ، لا قضيَّة خاصة بأهل قطعة من أرض العرب أو غيرهم كما يُراد لنا أنْ نقتنع غصبًا وعنوةً. وواجب علينا نشر هذا الوعي بيننا، فإنَّ الخطر بنا مُحدِق حتى لو قال لك ألف صوت: إنَّه خطر يصيب غيرك وحدهم. لكنْ ليس غريبًا من الذي يدَّعي أنَّ صاحب الدَّبابة ومُعتليها هو المجنيّ عليه، وأنَّ ماسك الحجر مُدافعًا عن وجوده هو الجاني؛ أنْ يحاول إقناعك بأنَّه لا يريد بك إلا خيرًا وأنَّه صديق من أصدقائك ولكنَّك لا تعلم.

236

الكاتب

عبد المنعم أديب

كاتب مصريّ، درس اللغة العربيَّة وتخصص في الفلسفة. صدرت له كتب أدبيَّة، وأكثر من مائة وثلاثين مقالاً، وله مئات من القصائد، وما يقرب من عشرين بحثًا علميًّا.

اترك تعليق

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.