ومن ألطف وأبدع ما جاء في “رياض الصالحين” هذا البابُ، الذي عنونه الإمام النووي؛ “باب الرَّجاء”. قصد منه الرجاءَ في الله -تعالى- من عباده، وأدرج فيه أحاديث كثيرة تدلُّ على ما يُمكن أن أسمِّيه “مَسَالك الرجاء”. و”مسالك الرجاء” هي الوسائل التي يرتجي بها العبدُ رحمة ربِّه، ونجاته من عذاب الله، ودخوله جنَّاته. ولذا هو من أقيم الأبواب التي يجب أنْ يعلمها المُسلم؛ فمتى عرف ما هي الوسائل التي يرجو بها ربَّه فعلها مُخلصًا، لينال هذا الرجاء من ربٍّ لا يردُّ الرجاء.

وسأذكر هنا باختصار وسائل الرجاء، بعدما استشففتُها من مجموع الأحاديث في الباب، ورتَّبتُها، وجمعتُ الأحاديث المُتفرِّقة -حيث أورد الإمام أحاديث الرجاء متناثرةً إلى حدٍّ ما-. كما سأحاول توضيح سبب إدراج بعض الأحاديث التي قد يغمض سبب ورودها تحت هذا العنوان؛ إمَّا تصريحًا أو من خلال التصنيف الذي يأتي.

رجاء الله الدائم

إنَّ “الرَّجاء” مفهوم أصيل من مفاهيم عبادة الله، والإيمان به. فمتى أيقنتَ أنَّ الله -تعالى- هو الإله وحده لا شريك له، مالك ناصية العذاب، ومالك مفاتيح الجِنان رجوتَه بما يحبُّ وصولاً إلى رضاه عنك. ومتى علمتَ أنَّ الله -تعالى- فرض عليك فرائض لا بُدَّ أنْ تؤدِّيها، وأمرك بأوامر ونهاك بنواهي، ثمَّ خالفتَها؛ رجوتَه بما يحبُّ وصولاً إلى غُفرانه. ومتى علمتَ أنَّ الله -تعالى- غفور يحبُّ العفو والغفران، وأنَّ الإنسان مَحلٌّ للأخطاء والزَّلَل رجوتَه كيْ يُقيمك على طريقه في الدنيا، ويُدخلك جنَّته في الآخرة.

ورجاء الله واستجداؤه وحدَهُ يدلُّ على توحيدِك إيَّاه وصدقِ إيمانك. والمسألة هُنا تُشبه الدعاء؛ فإنَّ دعاء الله معناه معرفة العبد أنَّ المالك الوحيد لأمره وأمره الكون كلِّه هو الله؛ لهذا عندما احتاج إلى معونة طلبها منه مباشرةً، بلا وسيط أو وسيلة. ولعلَّ الأمر قد اتَّضح الآن في أذهاننا من أنَّ الرجاء هو من أبواب الإيمان الواسعة؛ حيث هو تصديق لله وإيقان به مع فعل صالح تفعله.

ويا لها من بشارة تلك التي بدأ بها الإمام الباب -الزُّمر 53-:

(قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).

“قُل” الخطاب فيها مُوجَّه إلى النبيّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- ليُبلغ بها عباد الله الذي أخطأوا، ثمَّ ازدادوا في الخطأ، ثمَّ أمعنوا فيه. يُبلغهم بأنَّ رحمة الله لا قنوط ولا يأس منها. وإيمانُ العبدِ المُخطئ بأنَّ رحمة الله ستسعُهُ -بعد إقلاعه عن الخطأ- هو اعترافٌ ضمنيٌّ بالصواب، وإيقانٌ فعليٌّ في الله الواحد الأحد الذي لا ملجأ منه إلا إليه.

ولعلَّنا هنا نلحظ نظرة أخلاقيَّة فكريَّة وهي أنَّ الإسلام يجعل العبد المُؤمن به مُتفائلاً، ويُبعده عن اليأس والتشاؤم. والآية خير مثال؛ حيث في تعبير “أسرفوا” إشعار بأنَّها النهاية، وأنَّهم قد استنفدوا أملهم كلَّه بكثرة الخطأ. لكنْ سرعان ما تقلب الآيةُ اليأس إلى الأمل، والتشاؤم إلى التفاؤل بما تجلبه من بشارة. بل إنَّ اليأس في المنظومة الإسلاميَّة أقرب إلى الكُفر منه إلى غيره؛ فالمُؤمن يعلم علم اليقين أنَّ المقادير بيد الله وحده، وأنَّه قادر على كلِّ شيء. وبهذا التصوُّر لفكرة “الرجاء في الله” يطرد الإيمانُ بالله اليأسَ من قلب المُؤمن، وهي واحدة من أهمّ القيم في أيّ إصلاح دنيويّ، ولا شكَّ أنَّها من أبرز تأسيسات الإسلام للفرد والمُجتمع.

رجاء الله بالإيمان والشهادة

وأوَّل وسائل الرجاء في الله هي الترجِّي بقضيَّة الإيمان بالله نفسها، والترجِّي بعدم الشِّرك في الإيمان ولا العبادة، والترجِّي بالشهادة التي هي فاصلة الكفر عن الإيمان، وباب الإيمان الأوسع. وقبل التعرُّض لما ذكره الإمام أريد أنْ أوضِّح أمورًا قد تشتبه على القارئ عندما يُطالع الأحاديث في الباب:

1-قد فرَّقتْ كلُّ الأدلَّة الشرعيَّة بين الإيمان والكُفر معيارًا حاسمًا أوَلِيًّا قبل التطرُّق إلى أيّ عمل يعمله الفرد نفسه في الدنيا. فلا خلط أبدًا بين كافر ومؤمن؛ فالأوَّل مُجازى بالنار خالدًا مهما عمِل من أمر حَسَن في الدنيا، والثاني يُعاقب على قدر أعمال السُّوء التي خالف فيها -إذا شاء الله عقابه-.

2-قراءتُنا لأحاديث تدلُّ على أنَّ قول “لا إله إلا الله، محمد رسول الله” بيقين تدخل الجنَّة لا تريد إفهامنا أنَّ الأعمال في الدنيا ليست مطلوبة، ولا يستفيد منها القارئ أنْ يفعل ما يشاء، ويترك ما أمره الله به، ويقترف ما نهاه عنه بداعي أنَّه قد قال الشهادة. فهذا فهم سقيم خاطئ كلَّ الخطأ، لا يعتبره في نفسه إلا مَن اتبع هواه.

3-والدليل على خطأ هذا الفهم هو السُّنَّة نفسها؛ حيث هي التي نقلت لنا عقوبات الله، وعذابه للعُصاة. وهي كذلك التي نقلتْ أمر الله بأوامره، ونهي الله عن نواهيه. وهي التي شدَّدت أنَّ حدود الله لا يجب أنْ تُعتدى. وهي التي عَرَفنا منها تطبيق الرسول للحدود وإنزاله عقوبات تعزير -غير الحدّ- لأناس آخرين. والدليل أيضًا في القرآن الذي أنذر عباد الله عن الخطأ والوقوع فيه، وأمرهم بأوامر ونهاهم عن مَنهيَّات. ومعنى أنْ يفهم المُسلم بعض أحاديث الباب على أنَّها مُطلِقةٌ يدَه في العصيان ما دام قد آمن؛ معناه أنَّه يُكذِّب القرآن والسُّنَّة كليَّةً، وهو إشارة منه إلى تسفيه بناء الشرع. أقول هذا حتى لا يقع أحدٌ في مأزق لنْ يُنجيه منه أحد.

4-إذنْ؛ كيف نقرأ أحاديث كالقادمة ونفهمها؟ نفهم النصوص بالعموم من خلال جمعها، ووضعها في التصوُّر الإسلاميّ العامّ. وهذا المنهج هو الصحيح في مُعالجة النصوص وقراءتها، وهي المُنجي من خطأ الاقتطاع الذي قد يؤدِّي إلى فهم خاطئ. وبالعموم فليس القصد من الأحاديثُ أنْ تترك أوامر الله ونواهيه وحدوده التي قال في آية واحدةٍ فيها (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) -البقرة 229- -ولو أراد أيُّ أحد أنْ يملأ كتابًا كاملاً بنصوص توجب التزام ما أمر به الإسلام لفعل بسهولة-. إنَّما تؤكِّد الأحاديث على مركزيَّة “قضيَّة الإيمان” كحدٍّ فاصلٍ لا يمكن مُساواة مَن اجتازه بمَن وقف عنده. ولعلَّك ستجد المعنى في الأحاديث نفسها.

وفي زمن يتلاعبُ كلُّ مُتلاعِبٍ بعقول الناس، ويكذب عليهم في الاستدلال نردُّ آية “ورحمتي وسعت كلَّ شيء” -التي أدرجها الإمام بقصدها الصحيح- إلى سياقها الكامل حتى يتضح معناها -الأعراف 156-:

(قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ).

ويقصد الإمام من الآية أنَّ رحمة الله الواسعة مَكتوبةٌ للمُؤمنين المُتَّقين المُقيمين لشعائر الله وشريعته كما تنصُّ الآية أمام عين الناظر.

وهنا يأتي الإمام بآيتَيْنِ تتعلَّقان -سياقًا- بالأُمم السابقة، لكنَّهما تدُلَّانِ دلالةً صريحة صحيحةً على أنَّ عذاب الله المُخلَّد هو للكافرين المُكذَّبين لله ولرُسُله: (إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ) -طه 48-، (ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ) -سبأ 17-.

وفي قضيَّة الإيمان ومركزيَّتها نجد حديث: “إنَّ الكافر إذا عمِلَ حسنةً أُطعِمَ بها طُعمةً من الدنيا. وأمَّا المؤمن؛ فإنَّ الله -تعالى- يدَّخر له حسناته في الآخرة، ويُعقِبُه رزقًا في الدنيا على طاعته”. والحديث دلالة على أنَّ الإيمان حدٌّ فاصلٌ في العذاب أو الرحمة. وحديث: “إنَّ الله لا يظلم مؤمنًا حَسَنَةً (يعني أيَّة حسنة فعلَها)؛ يُعطى بها في الدنيا، ويُجزى بها في الآخرة. وأمَّا الكافر فيُطعَم بحسناتِ ما عمِلَ لله -تعالى- في الدنيا. حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكُنْ له حسنةٌ يُجزى بها”. ونوضِّح فكرة “ما عمل لله” التي قد تطرح سؤالاً: كيف يقول الحديث إنَّه كافر، ثمَّ يقول ما عمِلَ لله؟! .. فالإجابة أنَّ القصد في “ما عمل لله” هي صنف الأعمال التي لمْ يرتجِ فيها الكافر غرضًا من أحد وكانت فعلاً حَسَنًا. وكما نرى في أوَّل وسائل الرجاء لله أنْ ترجوه بإيمانك به -تعالى-، وأنَّك من المُصدِّقين به، العاملين على مُقتضى ما أمر ونهى.

وبعد الرجاء بالإيمان كُليَّةً يأتي شرط الإيمان وهو عدم الشِّرك بالله في الإيمان؛ باتخاذ وسيلة بين الله وبين العبد، أو بتغليب هوى العبد على أمر الله -فإنَّه شرك الهوى الذي قال فيه الله (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ) -الجاثية 23- يورد الإمام حديثًا جاء فيه: “وذلك أنَّ الجنَّة لا يدخلها إلا نَفسٌ مُسلِمةٌ، وما أنتم في أهل الشِّرك إلا كالشَّعرة البيضاء في جِلدِ الثَّور الأسود، أو كالشَّعرة السَّوداء في جِلد الثور الأحمر”. فلتحرص كلَّ الحرص على هذه الحال يا عبد الله؛ فإنَّها ميثاقك مع الله.

وعن مُعاذ بن جبل حديثٌ جاء فيه قول الرسول: “فإنَّ حقَّ الله على العِباد أنْ يعبدوه ولا يُشركوا به شيئًا، وحقَّ العباد على الله أنْ لا يُعذِّب مَن لا يُشرك به شيئًا. فقلتُ: يا رسول الله أفلا أُبشِّرُ الناسَ؟ قال: لا تُبشِّرْهم فيتَّكِلوا” والمقصد يتَّكلون على هذه القولة، فيفهمون خطأً أنَّها كلُّ المطلوب منهم، بل المطلوب منهم الإيمان من دون شرك والعمل الصالح الذي أمر به الله، وقرنه مع الإيمان في عشرات الآيات.

وانظر إلى هذا الحديث وأبشرْ:

إنَّ الله قد حرَّم على النار مَن قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله.

وإلى حديث جاء فيه: “أشهَدُ أنْ لا إله إلا الله، وأنِّي رسول الله. لا يلقى اللهَ بهما عبدٌ؛ غيرَ شاكٍّ فيُحجَبَ عن الجنَّة” وفي الحديث شرط هو انعدام الشكّ. وتذكَّر قاعدة أنَّ النصوص تتعاضد لا تتنافر التي وقفتَ على معناها في السابق. واسألْ اللهَ من فضله وارجوه بإيمانك وتوحيدك يا عبد الله الصالح الذي وُفِّيتَ حقَّك من الدنيا عندما آمنتَ بالله وحده، وسرتَ في الدنيا على ما أمرك به.

رجاء الله برحمته في الدنيا والآخرة

الرجاء

وكان الأصلُ أنْ أدرج آية الرحمة هنا، لكنْ لها موضع قبلُ ذكرت فيه. والمقصد بوسيلة “الرحمة” أنْ ترجو الله بذكر رحمته الواسعة التي شرطها الإيمان به. وفي الباب أحاديث رقيقة مُبشِّرة في وسيلة الرحمة، منها حديث جاء فيه: “إنَّ رحمتي تغلبُ غضبي” أو “سبقَتْ غضبي”. فاسعد أيُّها الصالح برحمة ربِّك وتوسَّل بها إليه في رجائك.

ومنها حديث “إنَّ لله -تعالى- مائة رحمة. أنزل منها رحمةً واحدةً بين الجنِّ، والإنس، والبهائم، والهوامّ. فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحش على وَلَدها. وأخَّر الله -تعالى- تسعًا وتسعين رحمةً يرحم بها عباده يوم القيامة”. وحديث يدلُّ على رحمة الله بعبده يقول: “يُدنَى المُؤمنُ يومَ القيامة من ربِّه، حتى يضع كَنَفَه عليه. فيُقرِّره بذنوبه؛ فيقول: أتعرفُ ذنبَ كذا؟ أتعرفُ ذنبَ كذا؟ فيقول: ربِّ أعرف. قال: فإنِّي قد سترتُها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليومَ. فيُعطَى صحيفةَ حسناته”.

رجاء الله بدوام الاستغفار

والاستغفار من دلائل الإيمان العميقة -كما سبق الشرح عن الرجاء والدعاء-. وهو من أبواب وسائل الرجاء؛ فما أحرى أنْ ترجو الله باستغفارك عن ذنب فعلته. وفي الحديث القُدُسيّ جاء:

أذنبَ عبدٌ ذنبًا، فقال: اللهُمَّ اغفر لي ذنبي. فقال الله -تبارَكَ وتعالى-: أذنبَ عبدي ذنبًا، فعلِمَ أنَّ له ربًّا يغفر الذنب.

وحديث: “والذي نفسي بيده؛ لوْ لمْ تذنبوا لذهب الله بكُم، وجاء بقومٍ يُذنبون، فيستغفرون الله -تعالى- فيغفر لهم”. ومعناه في شرح فكرة الرجاء والدعاء؛ أنَّ الاستغفار هو من أفعال اليقين والتيقُّن بالإيمان الصافي الخالي من أيّ شرك؛ لذلك تجد له هذه الخصوصيَّة.

رجاء الله بالرسول وشفاعته

ومن وسائل الرجاء ترجِّي رحمة الله باتباع الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم-، والصلاة عليه، ومَحبَّته، والاقتراب منه. وفي الباب أنَّ النبيَّ في قراءته آيات عذاب الأُمم السابقة “رفع يدَيْهِ، وقال: اللهُمَّ أُمَّتي أُمَّتي، وبكى. فقال الله -عزَّ وجلَّ-: يا جبريل اذهبْ إلى مُحمَّد -وربُّك أعلم- (أيْ أعلم بما قال) فسَلْه (أيْ اسأله) ما يُبكيك؟ فأتاه جبريل. فأخبره رسول الله بما قال -وهو أعلم- (أيْ أعلم بما قال). فقال الله -تعالى-: يا جبريل اذهبْ إلى مُحمَّد، فقُلْ: إنَّا سنُرضيك في أُمَّتِك، ولا نسوؤُك”. فانظُر إلى شفقة الرسول بك، وبادِله محبَّةً بمَحبَّةٍ.

رجاء الله بالصلاة

رجاء الله

ولا شكَّ أنَّ من أعظم وسائل الرجاء هو الاقتراب من صاحب الرجاء “الله” -تعالى- بصلاة له، والصِّلة منه، ودوامها. وانظر إلى هذه البشارة التي تجعل قلبك يُشرق “مَثَلُ الصلوات الخمس كمَثَل نهرٍ جارٍ غمرٍ (كثير) على باب أحدِك، يغتسل منه كلَّ يوم خمسَ مرَّات”. فما في مَقدورك من فعل الصلاة هو خير عميم، وبابٌ وحدَهُ لرجاء نعيم الله والبُعد عن عذابه. فلا تُضيِّع وقت قدرتك على أدائه، وأقدِمْ عليه وواظبْ.

وجاء في الباب حديث: “جاء رجل إلى النبيّ، فقال: يا رسول الله أصبتُ حدًّا، فأقمْه عليَّ. وحضَرَتْ الصلاةُ (أيْ جاء وقتها) فصلَّى مع رسول الله. فلمَّا قضى الصلاةَ، قال: يا رسول الله إنِّي قد أصبتُ حدًّا، فأقِمْ فيَّ كتاب الله. قال: هل حضرتَ معنا الصلاةَ؟ قال: نعم. قال: قد غُفِرَ لك”. ويُوضِّح الإمامُ كيْ لا يقع الوهم قائلاً: “وقوله (أصبتُ حدًّا) معناه معصية توجِب التعزير، وليس المُرادُ الحدَّ الشرعيَّ الحقيقيَّ (كحدِّ الزنا والخمر وغيرهما). فإنَّ الحدود لا تسقُطُ بالصلاة، ولا يجوز للإمام تركُها”. فانظر إلى الفهم الصحيح من الإمام يا عبد الله.

رجاء الله بحُسن السيرة

وهذه الوسيلة غير واضحة في الباب لكنِّي أضفتها بجمع حديثَيْن منه. منها حديث:

إنَّ الله ليرضى عن العبد أنْ يأكل الأَكْلَة فيحمده عليها، أو يشرب الشَّرْبَةَ فيحمده عليها.

وهذا دليل على حُسن سيرته في الحياة؛ فتذكُّر العبد لله في كلّ أمره يدلُّ على ذلك. وليس أدلّ على السيرة الحَسَنَة والطيِّبة من صلاة الجنازة، وفي هذا أتى حديث الباب: “ما من رجل مُسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجُلاً، لا يشركون بالله شيئًا إلا شفَّعهم الله فيه”.

رجاء الله بالمُداومة على الأعمال الحسنة

وهنا نجد آخر ما يمكن عدُّه وسيلةً في الباب؛ وهو رجَاء الله بالمُداومة على العمل الصالح. ومنها حديث “مَن جاء بالحسنة فلهُ عشرُ أمثالها أو أزيد، ومَن جاء بالسيِّئة فجزاءُ سيِّئةٍ سيِّئةٌ مِثلُها أو أَغفِرُ (يعني يغفر الله له هذه السيِّئة). ومَنْ تقرَّبَ منِّي شِبرًا تقرَّبتُ منه ذراعًا، ومَن تقرَّبَ منِّي ذراعًا تقرَّبتُ منه باعًا. ومَن أتاني يمشي أتيتُهُ هَروَلَةً. ومَنْ لقيَني بقُرابِ الأرض (قُرب حجم الأرض) خطيئةً لا يُشركُ بي شيئًا لقِيتُهُ بمِثلها مغفرةً”.

ومن المُداومة على العمل الصالح التبرُّؤُ من الذنوب والتوبة منها. ولهذا أدرج الإمام حديث

إنَّ الله -تعالى- يبسط يده بالليل؛ ليتوب مسيءُ النهار، ويبسط يده بالنهار؛ ليتوب مُسيءُ الليل. حتى تطلع الشمس من مَغربها.

أيْ تأتي هذه العلامة التي تؤذن بإغلاق باب التوبة.

فاللهُمَّ هذه حالنا من الإيمان بك وحدك لا شريك لك، وهذه حالنا من طاعتك في كلّ أمرتَ ونهيتَ قدرَ استطاعتنا؛ فاللهُمَّ اغفر لنا ما تقدَّمَ من ذنوبنا وما تأخَّرَ. ولا أجد دعاءً أفضل من خاتمة سورة “البقرة”: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) -البقرة 286-.

128

الكاتب

عبد المنعم أديب

كاتب مصريّ، درس اللغة العربيَّة وتخصص في الفلسفة. صدرت له كتب أدبيَّة، وأكثر من مائة وثلاثين مقالاً، وله مئات من القصائد، وما يقرب من عشرين بحثًا علميًّا.

التعليقات

  • محمد عبيد منذ شهرين

    من أروع ماقرات
    اسلوب ماتع وشيق مترابط
    الكاتب لم ياخذ حقه من الشهره
    ربنا يوفقك لخدمه دينه ياعبدالمنعم

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.