هذه الصِّراعات الحضاريَّة التي نشهدها الآن، والتي تُواجهنا -نحن المُسلمين- من قِبَل حضارات أخرى أبرزها الحضارة الغربية تدعونا إلى وقفات تدبُّر ومعرفة مُتأنِّية بهذا الآخر الذي يصطرع معنا حضاريًّا. ولا شكَّ أنَّ معرفة الآخر هو الرُّكن الأمكن الذي به تُدرَك المعارك وتُدار. وأنَّ غفلتنا الحقيقيَّة هي العَمى عن رؤية الآخر من الداخل والاكتفاء فقط بالنَّعي عليه وإلصاق الاتهام به والشكوى من اضطهاده لنا. مثل هذه المظاهر التي -للأسف- تُحيط بدائرة الوعي العربيّ المُسلم قد تصنع رُوحًا من الحماسة لكنَّها لا تصنع وعيًا حقيقيًّا يُمكِّننا من معرفة حقيقة مَوقفنا تُجاه أنفسنا وتُجاه الآخر، وموقف هذا الآخر مِنَّا وكيف وعلى أيَّة فلسفات أو اتجاهات أُسِّسَ هذا الموقف.

لعلَّ هذه الأمور السيِّئة التي تُلِمُّ بالمُسلمين تكون خير داعيةٍ للتوقف والنظر. فلنستفد نحن من الحوادث ونحوِّلها من وجهة الضَّرر إلى وجهة النفع. ولنطرح مثلاً هذا الاعتداء السافر على النبيّ “محمد” -صلَّى الله عليه وسلَّم- الذي يدور أيامَنا هذه في فرنسا؛ نطرحه نُقطة توقف ونظر، ونتأمَّلْ هذه التصرُّفات الغريبة والعدائيَّة التي تطالنا من الآخر لنكشف عن أصول نظرته لنا وعن تلك الأفكار والنظريَّات التي تصوغ الأحداث. لنعرف لماذا يتمُّ هذا الاعتداء ولماذا يتكرَّر؟ ولماذا مسئولو فرنسا يأمرون المُسلمين بالتوقُّف عن مُقاطعة مُنتجاتهم التي هي أقلّ ردّ فعل يستطيعونه؟ ولماذا يعاملوننا بهذا الكِبرياء والصَّلَف حتى إنَّه يأمرك أنْ تتقبَّل إهانته وأنت صامت شاكر له على الإهانة مُقبِّل الأيادي؟!

إنَّ هذه التجربة مثال صارخ لثمرات ألفَيْ عام ويزيد شكَّلت فكر هذه الحضارة الغربيَّة وقاعدتها الأساس في التعامُل مع الآخرين. ومن هذا المُنطلق سأركِّز الاهتمام هنا على تلك المفاهيم الرئيسة التي شكَّلتْ نرجسيَّة الحضارة الغربيَّة، ودعَتْها لاحتقار الحضارات جميعًا غيرها. وسأركِّز أشدَّ التركيز فيما يخصُّ علاقة هذه الحضارة معنا نحن المُسلمين والعرب.

وإذا أردنا أنْ نكتشف تلك البنية الغربيَّة فلا بُدَّ أن نعتمد على ما يُسمَّى بـ”المفهوم المركزيّ” وهو مفهوم مُتمكِّن نافذ في بنية أيَّة حضارة يُؤسِّس تصرُّفاتها وهو قادر وحده على صبغ تلك التصرُّفات بصفة الشرعيَّة. أهمُّ تلك المفاهيم المركزيَّة في وجهة نظري ثلاثة: مفهوم البَربَرِيَّة، ونظريَّة تفوق الجنس الآريّ على الساميّ، ومفهوم المُعجزة اليونانيَّة. سأراعي الاختصار البالغ في إيراد المقصود فقط.

مفهوم البربريَّة في الحضارة الغربية

الحضارة الغربية عمى الحضارة الغربية واحتقارها لغيرها.. مفاهيم أساسية 1

هذا واحد من أخطر المفاهيم التي محوَرَتْ الفكر الغربيّ كلَّه على مدار تاريخه. وقد حاز هذا المفهوم هذه المركزيَّة من قِدَمه وإيغاله في التاريخ الأوربيّ. بل يكاد هذا المفهوم يُشكِّل الجزء الأساس من عقل العالَم الغربيّ. وتعني “البَربَرِيَّة” تقسيم العالَم كلَّه على حسب وجهة نظر الغرب إلى قسمَيْن: غربيِّين وبرابرة. فكلُّ غير الغربيِّيْن برابرة. وهذه الصفة “البربريَّة” تعني أنَّ الآخر من الهَمَج وأنَّه هَمَجيّ في تصرُّفاته، يميل ناحية العنف ولا يُعامَل إلا به. كما تعني أنَّه أقلّ شأنًا من هذا الأوربيّ المُتحضِّر الذي يُقيم في مدينة يحكمُها نظام -هذا يستند أنَّ البرابرة ليس لهم نظام يحكمهم، أو لهم لكنَّه ليس ديموقراطيًّا-.

يطلعنا الباحث “سامر سيد قديل” في رسالة الدكتوراه المُمتازة “الرُّؤى الأوربيَّة عن الإسلام” على قِدَم هذا المفهوم وأنَّ شيوعه بدأ لدى اليونان القديمة -قبل ألفَيْن وخمسمائة عام تقريبًا-. يقول: “مُصطلح البرابرة الذي اعتاد اليونانيُّون إطلاقه على ما عداهم من شعوب كان بالأساس تحديدًا ثقافيًّا يحمل مدلولات الاختلافات اللُّغويَّة والتبايُن في العادات والتقاليد … كتابات مُفكِّري الإغريق وضعتْ حدودًا فاصلة بين الشرق والغرب”. فمنذ هذا التاريخ البعيد والعقل الأوربيّ يرتكز على هذا المفهومُ، يتوغَّل فيه ويترعرع داخل منظومة تشجِّعه وتغذِّيه حتى أصبح من مُسلَّمات الطبيعة لديهم.

ويرى “تزفيتان تودوروف” في كتابه “الخوف من البرابرة”:

أنَّ اليونانيِّين قسَّموا العالَم بين “نحن” أيْ اليونانيِّين و”الآخر” البرابرة على أساس المعرفة باللغة اليونانيَّة؛ أيْ أنَّها كانت المِقياس لتحديد الانضمام لهذه المجموعة أو تلك.

وهنا نرى مدى النرجسيَّة التي تظهر من معيار تحديد مَن هو البربريّ؟ هو الذي لا يتحدث لغتَنا، هو الذي لا يُشبهنا، هو الذي لا يدين بعاداتنا وتقاليدنا، هو كلُّ مَن ليس مِنَّا. هذا هو مفهوم البربريَّة في الضمير الغربيّ المُتأصِّل.

وإذا تساءلْنا عن الظروف التاريخيَّة التي أحاطتْ بنشأة هذا المفهوم فيُجيبنا المفكر “توماس باترسون” قائلاً: “واستخدم الإغريق انطباعاتهم عن الفُرس وقد اتَّخذوهم نموذجًا لهم؛ ومنْ ثَمَّ ابتدعوا فكرة البرابرة خلال النصف الأوَّل من القرن الخامس ق.م (قبل المِيلاد). وقالوا إنَّ أعضاء البلاط الإمبراطوريّ الفارسيّ يعيشون في تَرَف وبَذَخ ولا يتحدَّثون الإغريقيَّة، كما أنَّ الحاكم الفارسيّ مُستبدّ. وأضافوا أنَّ البرابرة انفعاليُّون قُساة خطِرُون ومُتعدِّدو الزوجات … والأهمّ من هذا كلِّه أنَّ البرابرة لا يعيشون في مدينة -دولة ديمقراطيَّة-. وأنَّهم في كلمة واحدة نقيضُ الإغريق”.

فمنذ القديم كانت “اليونان” وما أدراك ما “اليونان”! .. هي دُرَّة الغرب أجمع والتي لها مركزيَّة عظيمة في الضمير الغربيّ فهي تمثِّل لديهم التاريخ الذي يريدونه، والماضي الذي يعتبرونه مُشرقًا كلَّ الإشراق، ونموذج الإنسانيَّة الأعظم -كلّ هذا على حسب رؤيتهم فقط-. شبَّتْ الصراعات والتطاحُنات بينها وبين إمبراطوريَّة “الفُرس” ووقعت الكثير من الحروب وتداوَلَ الفريقان النصر والهزيمة.

ومنذ هذا العهد صكَّ الغرب مفهوم “البربر” وهُم كلّ مَن ليسوا مِنَّا، وألصقوا بهم كلَّ صفات السُّوء حتى صوَّروهم في صورة الوحوش الضارية المَنزوعة عنها كلُّ إنسانيَّة. وقد استطال هذا الصراع بعدما صارت “روما” هي المُسيطرة، وبعد أنْ انقسمت الإمبراطوريَّة إلى “روما” في الغرب و”قسطنطينيَّة” في الشرق. وإلى هذا أشارت أوَّل آيات “سورة الروم” (الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ ۗ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ).

ومن هُنا نشأ تصوُّرٌ أساسٌ في علاقة الشرق بالغرب. فما بالنا والإسلام قد جاء والمُسلمون قد انتشروا في الأرض انتشارًا عظيمًا، والأمر في أعيُن الغرب قد انقلب إلى الضدّ. وتولَّى هؤلاء البرابرة مقاليد الحضارة وصاروا مُلَّاكها؛ فما الحال في ظلّ هذه التقلُّبات التي أتى بها الزَّمن؟! هذه المُعطيات تُلهمنا إشارةً عن الأسباب التي تجعل الغرب نرجسيًّا مُتعاليًا يأمرك أنْ تفعل ما يريد ولا يتصوَّر منك إلا أنْ تقبل. وكيف لا يقبل البربريُّ منحة سيِّده المُتحضِّر؟!

ومن هنا نعرف سببًا لتلك الأقوال التي كانوا يدَّعونها حينما يحتلّون أراضينا تحت حُجَّة ترقية البلاد وإدخالها في حيِّز “الحضارة” -المُصطلح المُضاد للبربريَّة- وجعلها بلادًا ديموقراطيَّة ذات نظام يُشبه نظامه. فإنَّ الغربيّ لا يرى إلا نفسه ولا يرضى في غيره إلا أنْ يكون مَسخًا منه كي يتعامل معه.

وإلا فسيتَّهمك بالهمجيَّة والعنف وأنَّك مُخرِّب للحضارة. يصرخ بهذه العبارات وهو يستند إلى جُمجمتك التي اقتلعها من جسدك. ولعلَّ هذا المَلمَح الأخير يُشير إلى القانون الذي وضعه “القرآن الكريم” ويستغربه البعض حينما قال: (وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ). فلن يرضى عنك إلا أنْ تكون صورةً منه. فسبحان العليّ الحكيم الذي ما نفتأ نكتشف في كلماته الآيات العُظمى والسُّنَن البشريَّة.

نظرية تفوق الجنس الآريّ على الساميّ

الحضارة الغربية عمى الحضارة الغربية واحتقارها لغيرها.. مفاهيم أساسية 3

هذه النظريَّة تعني أنَّ الجنس الآريّ -الذي قامت عليه الحضارة الأوربيَّة– هو أرقى الأجناس جميعًا، وأنَّه أرقى خاصَّةً من هذا الجنس السَّاميّ. ظهرت هذه النظريَّة بشدَّة مع عصور التنوير وتألَّقتْ كلَّ التألُّق في القرنَيْن التاسع عشر والعشرين، مع استنادها على نظريَّة “التطور” المشهورة التي أتى بها “دارون” والتي اتخذوها أصلًا ومُستندًا في دعم هذه النظريَّة الفرعيَّة. ولعلَّ القارئ يسأل: لماذا الجنس السَّاميّ خاصَّة؟

لأنَّ العرب والإسلام منه. فهو يريد أنْ ينال من حضارة المُسلمين التي يختصرها في العرب -دون مُبرِّر واضح إلا أغراض التخريب- ثُمَّ يؤكِّد كلَّ التأكيد أنَّ جنسه أرقى من الجنس العربيّ. ليقول أوْ ليُقرِّر تقريرًا حاسمًا أنَّ ما حدث من حضارة أيَّامَ المُسلمين هو محض صدفة كونيَّة، أو هو سرقة كاملة وتامَّة من الغرب.

هذا الإجرام العَلَنيّ يريد الغرب أنْ يجعله عِلمًا كي يدَّعي أنَّه يستند على العلم وأنَّ هذه الشُّبهات المحضة هي حقائق محضة! .. يقول الباحث الكبير د/ إبراهيم مدكور عن هذا: “وأخذتْ المُفاضلةُ بين الأجناس تُضفي على العرب أوصافًا لمْ يقُمْ عليها دليل من بحث أو دراسة، وأبعد تلك الأوصاف عن المَنحَى العلميّ ما اتَّصل بخصائص الشُّعوب”. فهذا مِلف واحد من صراع الوهم الذي يُسمُّونه عِلمًا بالزُّور والبُهتان، والذي يذيعه الغرب ويدندن على نغماته. فإنَّ الغرب لمْ يكتفِ بمفهوم البربريَّة والفصل التامّ بينه وبين الآخر، مع رمي هذا الآخر بكُلّ صفات النقص. بل قفز أشواطًا إلى الأمام فحوَّل هذا الهُراء الذي يقول به إلى علم. وحشا به ما يُعرف بعلم نفس الأجناس، والمنظومة الأنثروبولوجيَّة -علوم الإنسان-.

وتبلغ السخرية مداها عندما نعرف أنَّ أشرس المُدافعين عن هذه المعركة الوهميَّة هُم الفرنسيُّون. يقول د/ مدكور:

ومن الغريب أنَّ الفرنسيِّيْن -خصوم العُنصريَّة السياسيَّة- هُم الذين أثاروها شعواء في القرن الماضي (يقصد القرن التاسع عشر)، وبذروا بذورًا عُنصريَّة عِلميَّة وفلسفيَّة امتدَّتْ بعض آثارها إلى القرن الحاضر.

وللفرنسيِّين الكثير من الحقد والضغينة على الإسلام منذ القديم؛ فقد كان لهم دور قويّ في الحروب الصليبيَّة.

ولمْ يكتفِ الفرنسيُّون من معركتهم على أرض الواقع بل راحوا بكُلّ قواهم يُزيلون كلَّ أثر للمُسلمين من تاريخ العلوم والفنون والآداب والفلسفات. وهذا أحد أكبر المُفكِّرين الفرنسيِّين “إرنست رينان” يقول: “وليس العِرق السَّاميُّ هو ما ينبغي أنْ نُطالبه بدُرُوسٍ في الفلسفة، ومن غرائب النَّصيب ألَّا يُنتِجَ هذا العِرق -الذي استطاع أنْ يطبع على بدائعه الدينيَّة أسمى سمات القوَّة- بَوَاكِيرَ خاصةٍ به في حقل الفلسفة”. ويتِّهم تاريخًا كاملاً بالسرقة والتزييف فيقول: “ولمْ تكُنْ الفلسفة لدى السَّاميِّيْنَ غير استعارة خارجيَّة صِرفة خالية من كبير خصب، غير اقتداء بالفلسفة اليونانيَّة” .

فهذا مثال واحد من آلاف النتائج التي سطَّرها الغرب من جرَّاء هذه النظريَّة التافهة. وليس الفرنسيُّون في هذا مُحدَثين فإنَّ الحديث عن الفروق بين الأجناس وأنَّ الناس مُقسَّمين إلى أوربيّ هو إنسان بحقّ وآخر هو لا شيء، بل إلى الحيوان أقرب قديم جدًّا. وسأنقُل هنا بعض جُمَل من كتاب “السياسة” لأرسطو الفيلسوف اليونانيّ الشهير لنعرف مدى تغوُّل الأمر في نظر الغرب. وأخشى على بعض القارئين من عُبَّاد الغرب من الصدمة وهم الذين لا يأتيهم من الغرب إلا حديث “حقوق الإنسان” ليل نهار.

يقول أرسطو:

بعض الكائنات منذ الولادة مُخصَّص بعضها للطاعة والآخر للإمرة.

“ولمْ ينخدع الشُّعراء إذْ يقولون: أجَلْ للإغريقيِّ على المُتوِّحِش حقُّ الإمرَة؛ ما دام أنَّ الطبع قد أراد أنْ يكونَ المُتوحِّش والعبدُ سِيَّيْنِ” (الإغريق هو اليونان) .. “فيلزم بالضرورة التسليمُ بأنَّ بعض الناس يكونون عبيدًا أينما كانوا وأنَّ آخرين لا يكونون في أيّ مكان” .. “فرُبَّما يقع الإجماع على أنَّ أقلَّهم جَمَالاً يجب أنْ يكونوا للآخرين عبيدًا” ..

وينقل لنا رأي بعض قومه أنَّ الأُمم الأخرى هي فقط العبيد: “من أجل ذلك يُعنى أنصارُ هذا الرأي بتطبيق اسم العبيد هذا على المُستوحَشِيْنَ فحسب ويَأبَوْنَهُ على أُمَّتِهم الخاصَّة”.

فكرة المعجزة اليونانية

الحضارة الغربية عمى الحضارة الغربية واحتقارها لغيرها.. مفاهيم أساسية 5

“المُعجزة اليونانيَّة” هي ثمرة من ثمرات التأسيس الفكريّ الغربيّ، ولعلَّها مترابطة أشدّ الارتباط بالمفهومَيْن السابقَيْن ومُؤدِّية إليهما. لكنَّها تختص بباب الفكر والعلم؛ ولعلَّ أكبر تسفيه لأيَّة أُمَّة أو حضارة هو النَّيْل من فكرها وفلسفتها العُظمى وبُنيان عقلها. فالأُمم تزول ويبقى فكرها وفلسفتها وحضارتها. وفي هذا المجال لمْ يُفرِّط الضمير الغربيّ في عمله التعظيميّ لنفسه التحقيريّ لغيره. بل إنَّه قد صنع أعظم استعراض في التاريخ الذي تمثَّل في فكرة “المُعجزة اليونانيَّة”.

يعني هذا المفهوم إنكار كلّ علوم وفلسفات وحضارات العالم القديم، وأنَّ التاريخ الحقيقيّ للإنسان والبشريَّة قد سُطِّر من اللحظة التي انبثقتْ فيها حضارة اليونان القديم. وأنَّ جميع ما سبقها من علوم وفنون وآداب وفلسفات لمْ يكن إلا كلمات مُتفرِّقة هُنا وهُناك وأنَّها جميعًا لا تستحقّ الذِّكر أو الاعتبار، وأنَّ الحضارة الوحيدة التي استطاعتْ بدء التاريخ هي الحضارة اليونانيَّة. 

فلننظُرْ -مثالاً- أوَّل كلمات سطَّرها أحد أكبر الفلاسفة في العصر الحديث “برتراند راسل” في السِّفر الذي يعدُّ من أدبيَّات التأريخ الفلسفيّ “تاريخ الفلسفة الغربيَّة”. وهو يُنكر الحضارة عن كلّ الشعوب التي تسبق اليونان. بقوله:

لنْ تجد في التاريخ كلّه ما يثير الدهشة، أو ما يُتعذَّر تعليلُه أكثر ما يُدهشك ويتعذَّر عليك تعليل الظُّهور المُفاجئ للمَدنيَّة اليونانيَّة.

فالحضارة -كما سبق- هي في نظرهم أنْ تفعل مثل فعلهم وأنْ تكون صورة منهم وحسب. غير هذا لا يعدُّ حضارةً ولا تقدُّمًا.

ويكمل المُفكِّر الغربيّ: “وليس مِنَّا مَن لا يعلم ما أدَّاه اليونانُ في الفنّ والأدب؛ لكنَّ ما أدُّوه في النِّطاق العقليّ الخالص أشدّ غرابةً مِمَّا أدَّوه في الفنّ والأدب على عظمته. فهُم الذين اخترعوا الرياضة والعِلم والفلسفة اختراعًا، وهُم أوَّل مَن كتب التاريخ مُتميِّزًا عن مُجرَّد سرد الأخبار، وهُم الذين أرسلوا الفِكر حُرًّا في طبيعة العالَم ونهاية الحياة”. فها نحن أولاء نعرف أنَّ اليونان هُم مَن سطَّروا التاريخ، وهُم مَن جعلوا الإنسان إنسانًا، وهُم مَن ترقَّوا بالجنس البشريّ.

وانظرْ الآن إلى عُمق إعجاب الغرب بنفسه وشدَّة تعصُّبه لذاته ومَحْوَرَة نفسه كائنًا مُتفرِّدًا بين البشر في قول السذاجة والبلاهة الآتي:

وكان ما صنعوه في ذلك من الرَّوعة بحيث ظلَّ الناس حتى عصور حديثة جدًّا يكتفون إزاء العبقريَّة اليونانيَّة بفتح أفواههم دهشةً وبالحديث عن تلك العبقريَّة كما يتحدَّثون عن ألغاز السِّحر.

فالغربيّ يظنُّ أنَّك حتى اللحظة تقف مشدوهًا فاغرًا فاك تعجب من تلك الآيات العُظمى التي أتى بها سيِّدك! .. فانظرْ إلى احتقارهم لكلّ البشر وتعظيمهم أنفسهم كيف هو؟!

لذلك لا تتعجَّبْ مِمَّا يحدث أيُّها المُسلم. إنَّ هذه الحضارة تقوم في بنيتها الرئيسيَّة على الفصل الحاسم والتامّ بينها وبين كلّ أحد غيرها مهما كان هو. ولا يخدعنَّك هذا الزّيف الذي يروِّجونه. ومن هذا نعلم جميعًا قيمة أنْ نعرف عن الآخر الكثير كما نعرف عن أنفسنا، ومن هُنا نتيقَّن أنَّ معركة الوعي هي الأرض التي لا بُدَّ أنْ نقف فيها وندعو الناس إليها. نفعل جميعًا ذلك ونحن نبصر كثيرًا من بني جنسنا وديننا قد غرَّه ما يلقيه الإعلام على حواسّه ليل نهار ويُحاصره به. ومن هُنا أخيرًا نعلم أنَّ الحوادث التي تبدو لنا شرًّا قد تحمل كلّ الخير والمعرفة والوعي.

415

المصادر
الكاتب

عبد المنعم أديب

كاتب مصريّ، درس اللغة العربيَّة وتخصص في الفلسفة. صدرت له كتب أدبيَّة، وأكثر من مائة وثلاثين مقالاً، وله مئات من القصائد، وما يقرب من عشرين بحثًا علميًّا.

التعليقات

  • صفاء منذ أسبوعين

    الله على تنسيق الموضوع وشكله الفني .. تحفة الحقيقة مع الكلام

    رد

    اترك تعليق

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.