﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور:22]

“المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم” [صحيح الجامع]

شاعت بين الناس ظاهرة الاستحقاق، والتي كان لكتب التنمية البشرية وتطوير الذات المترجمة سبب كبير فيها. وهي بالأساس تدّعي أنها تدعو لتعزيز الثقة بالنفس، لكن ما ننساه كثيرًا؛ أنها جاءت من بيئة غير بيئتنا، بيئة لا تعترف بالوحي؛ فمن الطبيعي أن يروا الإنسان إله نفسه القادر على كل شيء، ويغرقوه بكلمات مثل”أنت تستطيع”، “أنت تستحق الأفضل”، “كل شيء بيدك”، “تخلَّ عن كل من يؤذيك”، “لا تستمر في أي علاقة تشعر أنها ثقيلة عليك”، ومن شاكلة هذه الجمل التي تضخم من الفرد وتغذي الفردانية فيه. بل وهنالك بعض الجمل المتداولة أعجب من هذه كلها؛ مثل: “لا ترضَ بأن تكون الثاني بالأهمية عند أي شخص”، والجمل التي لا تعذر الناس وتريد منهم أن يتركوا كل انشغالاتهم ويردوا على حضرة محور الكون! وإلا فهو لا يستحقك!

وفوق هذا نتجت لنا ظواهر التخلي السريع عند أي خطأ طبيعي أن يحدث في أي علاقة بشرية بسبب هذا المفهوم، وأصبحت العلاقات هشة يكسرها أي شيء! بل حتى أغلظ المواثيق كالزواج كثرت شكاوى من نوع “زوجي طيب وجيد لكني أشعر بأني أستحق أفضل لأني كذا وكذا”!

فما رأي الشريعة في هذا المفهوم؟

مفهوم الاستحقاقية

الحقيقة يصعب تعريفه تعريفًا دقيقًا شاملًا، لكن ما يهمني في هذا المقال هو الاستحقاق في العلاقات؛ هو شعور الإنسان بأنه يستحق كل شيء جميل فقط لأنه موجود ولأنه هو هو. بمعنى آخر يرغب أن يأخذ دون أن يعطي، أو يعطي بشكل يسير أو يعطي بسخاء، لكن بشرط أن ترد له عطاءه كاملًا كما يريد ودون أي أذى مقصود أو غير مقصود!

لأني فلان= أنا أستحق أن أتمتع وأتنعم وآخذ، ولا أستحق أن أتأذى وأحزن، بل أشعر بأي شعور غير مريح كالثقل والتعب من المسؤولية.

يقول بول هارفي (وهو بروفيسور في جامعة نيوهامبشر) بعد أن عمل دراسة على جيل الألفية: “مصدرٌ كبيرٌ للإحباط بالنسبة للناس الذين لديهم شعور قوي بالاستحقاق هو التوقعات التي لم تتحقق. يشعرون في الغالب أنهم جديرون بمستوى من الاحترام ومكافآت لا تتماشى مع قدراتهم الواقعية ولا مع مستويات جهدهم؛ لذا قد لا يحصلون على مستوى الاحترام والمكافآت التي يتوقعونها”.(1)

وتقول العنود الزهراني في مقالها “أنا موجود، إذن أنا أستحق: تأملات مشكِكة في مفهوم الاستحقاق”(2): “الكثير من مواد تنمية الذات التي نستهلكها اليوم هي نتاج سياق ثقافي غربي قائم على فلسفة أن الفرد ووجوده وسعادته هم المركز. وهذا التموضع الذي يكاد يجعل من الإنسان إلهًا، يوهمه أنه يستحق امتيازات ومعاملة خاصة، وكأن الكون كله يدين له. وهذا الاعتقاد قد يؤدي إلى إسقاط الشعور بتحمل مسؤولية البذل للغير. فمثلاً نعتقد أننا نستحق احترام الناس وتقديرهم حتى ولو كانت أخلاقنا وتعاملنا معهم سيئًا، نعتقد أننا نستحق علاقة حب مرضية وممتعة حتى وإن كنا لا نبذل أي جهد في تقويم أنفسنا وتهذيب صفاتنا السيئة، نعتقد أننا نستحق وظيفة رائعة ومرموقة حتى وإن كنا لا نضع أي جهد ووقت ومال في تطوير مهارتنا وخبراتنا بالمستوى المطلوب. ثقافة التمركز حول الذات تجعلنا منغمسين بشكل مفرط في ذواتنا واحتياجاتها والسعي وراء إسعادها، بغض النظر عما يحدث أو من هو موجود خارج محيط هذه الذات الضيقة”.

مسببات الاستحقاقية

الاستحقاقية

تغلغل النزعة الفردانية

عندما أطاح العالم الغربي بدينهم المحرف، بحثوا عن بديل وبدأوا يلتفتون للإنسان على أنه مركز الكون، وقامت الحداثة على المفهوم القومي الذي يرى الأمة المنتمية لعرق أو دولة ما هي محور كل شيء. وفي هذا يقول حجاج أبو جبر مترجم كتاب (الثقافة السائلة) لزيغمونت باومان متحدثًا عن الحداثة : “دعت الثقافة الصلبة إلى فصل الدين عن الدولة، ووضعت الدولة/ الأمة في مركز الوجود، وأكدت مركزية الإنسان في صنع هذا الوجود، وآمنت بأن الحضارة هي نتاج المادة والروح، والفعل والتفكير والإنتاج، وهي دين بديل يؤمن بتضحية الإنسان، لا في سبيل الله، بل في سبيل تقدم العلم وبسط سلطان العقل على عناصر الطبيعة الجامحة”.

وكانت الوعود في ازدهار العالم الغربي وحل كل المشاكل في هذه المرحلة عظيمة، وبعد الحربين العالميتين وما أنتجته من خسائر، والعديد من الضربات لما كان يعد من المسلمات أصبح الإنسان الغربي غير قادر على الوثوق بأي شيء وتسلل اليأس فأصبح لا يرى أي فائدة أو معنى من أي يضحي للأمة، وبدأ يتحول إلى النزعة الفردية التي تجعل الفرد وتحقيقه لذاته ومصلحته هي المركز وكل شيء ثاني يأتي بعدها، والعولمة كذلك ساعدت في التوجه إلى هذه النزعة.(3)

وبالطبع ما أنتجته من فلسفات وأيديولوجيات كالليبرالية وغيرها كان له الأثر الأكبر في تضخمها، يقول الطيب أبو عزة: “اتخذت الليبرالية من الرؤية الذرية للتاريخ مدخلًا لتسويغ النزعة الفردانية المتطرفة .. إن الليبرالية تتمحور حول الفرد وتتجاهل الجماعة”.(4)

قد تتساءل: “حسنًا وما دخل هذا بنا؟” الحقيقة المؤسفة أن العولمة قد اجتاحت عالمنا العربي منذ زمن، ومع حسناتها إلا أن سيئاتها أيضًا أتت إلينا، والاستعمار الذي اجتاح العالم العربي أدخل مفاهيم الغرب، وللظروف التي حدثت في عالمنا العربي وبعض التشابهات مع ما حدث مع الغرب، أدى هذا كله إلى نفس النتيجة وهي اليأس والميل إلى التمحور حول الذات.

انتشار كتب التنمية البشرية وتطوير الذات

كما ذكرت سابقًا في المقدمة، استوردناها من شعب لا يؤمن بالوحي، وقد جعل الإله سبحانه ثانويًا. ومع بعدهم عن الدين يجد الإنسان نفسه يبحث عن معنى حتى لا يغرق في اكتئابه، عن قشة يتمسك بها؛ فتأتي هذه الكتب وترسم له طريق “تحقيق الذات” الذي يضخم من الـ(أنا) نتيجة أيضًا للبيئة التي نشأت منها.

فكثيرًا ما يقرأ الفرد ويملأ رأسه بـ”أنت تستحق الأفضل”، أنت تستحق وتستحق وتستحق.. هكذا فقط. وبالحقيقة هذا المفهوم يعارض ديننا الإسلامي، وسأوضح هذا في فقرة “الاستحقاقية في ميزان الشرع”.

البعد عن استسقاء منهج الحياة من القرآن والسنة

الإسلام جاء وأعطانا رؤية كاملة هي الحق لكل شيء، ونظم حياتنا وعلاقاتنا وأعلمنا بما هو حسن وبما هو قبيح، وبحقوقنا وواجباتنا. فمن يهمل الوحي لا بد له أن يحيد ويتبنى قناعات أخرى قد تعارض جوهر ما جاءت به الشريعة وهو لا يعلم! وهذا ما يحدث في كثير من الأحيان وفي مفهوم الاستحقاق أيضًا.

نمط الحياة المرفهة في كثير من الأحيان

الاستحقاقية

للأسف نعم، حين يولد الطفل ويدلل بشكل مبالغ فيه، ويحرص على مشاعره وألا يتأذى من شيء، وعندما تلبى كل طلباته؛ يرى أنه يستحق كل شيء لمجرد أنه موجود، ويحسب أن العالم الخارجي سيعامله كأمه وأبيه؛ فينصدم من الواقع، فإما أن يكمل باستحقاقه ولن يهنأ بحياته ولا بعلاقاته، وإما أن يدرك خطأ ما رُبي عليه!

الحقيقة أنني أتذكر تغريدة طريفة ومحزنة تتعلق بهذا الموضوع، كان الأغلب يضحك عليها ويبدي إعجابه بالفعل، لكني تعجبت كثيرًا!

كانت فتاة تحكي عن أختها التي في بداية سن المراهقة، قالت إن أختها صنعت لوحة وكتبت بها أسماء صديقاتها. وكل من تحزنها تضع علامة عند اسمها وإذا وصلت إلى عدد محدد قطعت علاقتها بها! .. لا تعليق.

في مقال تيم أوربان “لماذا فارقت السعادة جيل الألفية” كان يحكي عن فتاة سماها “لوسي” لتحليل أسباب مفارقة السعادة لهذا الجيل، وكان من ضمن تلك الأسباب هو سماع لوسي منذ صغرها كلمات “أنتِ مميزة، أنتِ استثنائية” وتغرق بمثل هذه الجمل حتى تظن أنها فعلًا مميزة وتستحق فرصًا عظيمة وكل شيء جميل وعالٍ لأنها مميزة هكذا دون عمل وجهد حقيقين. وهذه الجمل ليست سيئة بذاتها، بل يحتاجها الأطفال والكبار للتشجيع ولأن الكلمة الطيبة صدقة، ولكن المشكلة تكمن في غرسها دون عمل.

وبالطبع تحليل مسببات ظاهرة ليس بهذه البساطة واليسر، فكل ظاهرة معقدة في الحقيقة، لكن هذه محاولة للتمثيل لعدة أسباب.

أثر الاستحقاقية على الفرد والمجتمع

  1. التفكك الأسري.
  2. هشاشة العلاقات الإنسانية.
  3. قلب الأولويات، فتجعل مصلحة الفرد الدنيوية دائمًا في المقدمة.
  4. ذهاب كثير من صفات المروءة.
  5. اضمحلال التقدير للآخرين.
  6. أحيانًا يتطور الأمر ويتعامل المرء بهذا المبدأ مع رب العالمين؛ الله يعطيني لأني أستحق بدل الحقيقة: الله يعطيني لأنه الكريم الوهاب، وعطاؤه ومنعه كلاهما ابتلاء {لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ}.
  7. تحول نظرة الإنسان إلى كل الناس نظرة نفعية محضة.
  8. الهشاشة النفسية.
  9. تعطيل الكثير من الواجبات الشرعية.

إنسان بلا روابط وعالم النفايات!

“تلك الهشاشة المخيفة التي تعانيها الروابط الإنسانية، والإحساس بعدم الأمان الذي تبثه تلك الهشاشة، والرغبات المتصارعة التي يدفعها ذلك الإحساس إلى إحكام هذه الروابط مع إبقائها فضفاضة في آن”. هكذا بدأ زيغمونت باومان وصفه للإنسان بلا روابط في كتابه “الحب السائل”.

يتحدث باومان عن الإنسان في العالم الحديث، إنسان في عالم سريع التغير، في عالم يغشاه الاستهلاك والبحث عن اللذة الفورية والإشباع السريع دون تحمل أي مسؤوليات؛ وكيف أن الاستهلاك قد وصل إلى العلاقات البشرية وأصبح كما أسماه (عالم النفايات) حيث يدخل الفرد في علاقات رغبة في إشباع احتياجاته، لكنه مستعد للاستغناء في أي وقت. فهو إنسان يخشى الدوام وما يبنى عليه من مسؤوليات والتزام، إنسان يطمح دائمًا للجديد والأفضل، فترى أشياء كالعلاقات العابرة -ثقافة منتشرة في الغرب-، والعزوف عن الزواج والإنجاب، وسهولة الانفصال.

تقول هبة رؤوف عزت في تقديمها للكتاب: “يحدثنا عن الحياة العاطفية في ظل غياب أعمدة وسقف، حيث تختفي الثقة وتسود المغامرة، حين يأكل الإنسان الثمار المحرمة وهو يظن أنه سيجد جنته المفقودة، وتعده آلة التسويق الرأسمالية بـ(قمة اللذة .. منتهى الشهوة .. غاية المتعة). فيدخل إلى عالم الصلات العابرة ظنًا منه أنه يتخفف من مسؤوليات ولا يحرم نفسه من فرص قد تظهر وآفاق قد تستجد، لكنه يجد نفسه في النهاية تعيسًا يحتاج إلى مستشار نفسي يقود حياته أو خبراء ينصحونه بمقابل باهظ كيف يقيم علاقة طبيعية في زمن لم يبق فيه طبيعي ولا صناعي على حاله .. فحين اختفى الأبد بات الإنسان يبحث عن أبدية اللذة في لحظية المتعة وآنيتها بلا توابع ولا مسؤوليات”.

يتحدث عن ظاهرة حقيقية باتت تكون هي الأساس عند الجيل الجديد، أترى عندما تدخل وظيفة، ولكنك دائمًا طامع بعرض وظيفي أفضل وبمجرد أن يأتيك عرض وظيفي أفضل تركت هذه الوظيفة وذهبت لتلك؟ أصبحت العلاقات كذلك؛ لا تهم العشرة، المهم أن أحصل على كل ما أريد وعلى الأفضل دائمًا وألا أشعر بأي ثقل ومسؤولية أو حزن طبيعي!

وهذه هي التعاسة بعينها، فالكدر في العلاقات والأذى الناتج من التقصير والضعف الإنساني شيء طبيعي، فمن يهرب من الطبيعي بحثًا عن فردوسه حيث لا يشعر إلا باللذة سينتهي بالجحيم، لأن من لا يرضى ولا يقنع؛ لن يعرف ما معنى الطمأنينة والأمان، ومن يبحث عن الجنة في الدنيا ويريد أن يتخلص من كل هم لن يجدها!

فتذهب مفاهيم جميلة مثل “التضحية، التغافل، التقدير، الصبر” والتي هي أساسية للحفاظ على أي علاقة! بل والأدهى أن التضحية أصبحت تُهاجم وتسمى قلة حيلة وضعفًا! وتغذي نبتة الأنانية! فحتى الأم، التي أوصى بها النبي ثلاثًا لعظم حقها وتضحيتها، رأيت من يلقي أصابع الاتهام إليها! وأنه يجب ألا تضحي! وفي ظل هذه المفاهيم، لم أعد أستغرب أن أرى أناسًا من مجتمعنا يمدحون فكرة “دار المسنين”! فهم أناس لا يريدون أي مسؤولية والتزام، لا يريدون سوى اللذة كل يوم والتمحور حول ذاتهم بلا منغصات! ولا أقصد فكرة الدار لمن لا أحد له، بل يقصدون أن يكون كل الآباء والأمهات الكبار في دور المسنين، ويحاولون تجميل هذا بأنهم حول أناس في مثل سنهم! 

النفور من الزواج والعزوف عنه

الاستحقاقية

“لو كان الأمر بيدي لما سمحت لمن هو دون الثلاثين بالزواج”

أجل كما قرأت، هذا تعليق حقيقي قرأته على تويتر، وإذا تقفيت ما السبب؟ ستجده لا يخرج عن مفهوم أن الزواج مسؤولية وسجن، ويجب أن نعيش حياتنا قبله! والحقيقة لا أعلم ما الذي يقصدونه بـ”نعيش حياتنا”؟ أيقصدون حياة: أريد أن أستمتع دون مسؤولية والتزامات تنغص علي وأن هذا هو معنى الحياة؟ إن كان هذا معنى الحياة عندهم فهم صادقون إذًا، لأن الزواج يعني أنك ستعيش وفي حسابك فرد آخر له حقوق عليك لا لنفسك فقط، وهذا سيسبب اضطرابًا لمن هو متمحور حول ذاته!

وإن كنت سترى التعليق أعلاه شيئًا شاذًا، فسأخبرك بأن نفس الفكرة تتكرر وتنتشر على شكل “لا تتزوجي قبل أن تعيشي حياتك”، “حققي ذاتك أولًا ثم تزوجي”. وتكثر هذه النصائح من الفتيات إلى الفتيات، ليس فقط لمفهوم الاستحقاقية، بل للنظام الرأسمالي والفكر النسوي الذين يريان قيمة المرأة فيما تكسب وتعمل خارجًا لا غير.

ثم إن تتبعت أغلب من ينفّرون من الزواج -لا أتحدث هنا عمن لديهم عقد نفسية وتجارب يعممونها على الجميع مع خطئهم- وجدتهم يزينون العلاقات المحرمة ويذوبون حبًا بها. فهم لا ينكرون حاجة الإنسان إلى إشباع رغباته العاطفية والفسيولوجية بوجود شريك. لكن المشكلة تكمن في النفور من الالتزام والبحث عما يشبع بفورية ونستطيع رميه إذا مللنا ووجدنا فرصًا أفضل!

يقول باومان في كتاب الحب السائل: “وهكذا يتعلم القراء مما لدى قراء آخرين من تجارب يعيد خبراء الإرشاد تدويرها، أنه بإمكانهم تجريب (علاقات الجيب العلوي) أي تلك العلاقات التي يمكنهم إخراجها من الجيب عندما يحتاجون إليها، ويدفعونها إلى أسفل الجيب عندما لا يريدونها. وربما يتعلمون أن الأزواج شبه المنفصلين أهل للثناء؛ فهم الثوار الذين يفجرون فقاعة العلاقة الزوجية الخانقة. وربما يتعلمون أن العلاقات مثل السيارات، ينبغي أن تخضع للفحص السنوي الدوري للتأكد من صلاحيتها. فخلاصة ما يتعلمونه هو أن الالتزام، ولا سيما الإلتزام طويل المدى، هو أخطر فخ ينبغي عليهم الحذر منه عند الارتباط. فها هي إحدى خبيرات الإرشاد النفسي تنصح قراءها قائلة: “عندما تلزمون أنفسكم، مهما كان الالتزام فاترًا، تذكروا أنكم قد تغلقون بالتزامكم الباب أمام إمكانات رومانتكية أخرى ربما تكون أكثر إمتاعًا وإشباعًا”.(5)

والحقيقة أنه ليس فقط “إمكانات رومانتكية” بل هو مفهوم النظر لما ليس في اليد وإهمال ما في اليد بدل شكر الله على نعمته والرضا حتى تحصل السعادة.

وبطبيعة الحال يأتي الموضوع أيضًا لـ:

النفور من الإنجاب

الاستحقاقية

البنون من زينة الحياة الدنيا كما يخبرنا الله -تعالى- في كتابه: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:46].

وهو احتياج للإنسان، واحتياج لا يغني عنه المال ومتع الحياة، وأيضًا احتياج لا يأتي دون مسؤولية في المقابل، بل هو من أعظم المسؤوليات، وبالجهة المقابلة هم من أعظم القربات والأعمال إن انشأهم صالحين.

فالإنسان السوي وإن كابر وقال إنه لا يريد الإنجاب، فإنه في مرحلة ما -غالبًا حينما يتجاوز الربع قرن من عمره- ستبزغ به هذه الرغبة. وكلما كبر كلما فهم حاجته هذه، وفهم سنة الله في الإنجاب، ففي الأخير هذه سنة الأنبياء والخلفاء. فالله قدر الموت على عباده، ولن يدوم للإنسان والديه وأهله، إما سيأخذهم الموت أو سينشغل كل في حياته وعائلته وهمومه ومسؤولياته الجديدة، حينها سيجد الإنسان نفسه وحيدًا، وحين يكبر فقد قُدر عليه وإن فعل ما فعل للحفاظ على صحته إلا أنه سيهن ويحتاج -عاطفيًا قبل الجسد- لمن يرعاه ويكون حوله في هذا السن الحساس.

وبالطبع لن يفعل ذلك بحب إلا الأبناء الذين يرتبطون به بالدم والذين قد رباهم صغارًا ومن يأمرهم الله تعالى ببر الوالدين وعظم حقهما وأنه سبب لدخول الجنة ومن أعظم أسباب التوفيق، فالإسلام يرى الأسرة هي المنظومة الأولى والتي يحافظ عليها لأنها هي من تخرج الرجال والنساء الصالحين، وصلاحها يعني صلاح المجتمع، ولن يقوم صلاحها بأفراد كل منهم لا يفكر إلا بنفسه ومصلحته، بل أفراد مسخرون لبعضهم البعض، كل منهم يضحي ويعطي ويأخذ، كسائر العلاقات البشرية، ولا قبول لأفكار دخيلة مثل: “هم أنجبوني ومن واجبهم أن يفعلوا ذلك، ليس تفضلًا، ولا علي دين كما تقولون”. وكل هذه الأفكار كما أشرت دخيلة، وتعارض مفاهيم الإسلام جملة وتفصيلًا. وسأبين هذا كله بإذن الله في آخر فقرة كما ذكرت آنفًا.

المهم الآن، وبانتشار مفهوم الاستحقاق والفردانية، كما ينفر المرء من الزواج، أصبح ينفر من الإنجاب لأنه وكما يقول باومان: “إن إنجاب الأطفال يعني الاهتمام بسعادة مخلوق ضعيف لا حول له ولا قوة على حساب راحة إنسان آخر .. وهذه طامة كبرى، فإنجاب الأطفال ربما يعني ضرورة كبح جماح الطموحات المهنية والتضحية بالحياة المهنية لأن المشرفين على الأداء المهني سيرتابون في أي علامة تدل على الولاء المزدوج. والأصعب أن إنجاب الأطفال يعني قبول هذا الولاء المزدوج لأجل غير مسمى، ومن ثم الدخول في التزام لا نهاية له ولا رجعة فيه ولا إمكانية لإلغائه، إنه التزام يتعارض مع سياسة الحياة الحديثة السائلة، ويحرص أغلب الناس في أغلب الأوقات على اجتنابه في أمور حياتهم الأخرى، وربما يمثل الوعي بهذا الالتزام صدمة نفسية… ويبدو أن سعادة الأبوة والأمومة تأتي في صفقة مجملة مع تعاسة التضحية بالنفس ومخاوف الأخطار المجهولة”.

حتى إنني رأيت يومًا قبيل سنوات؛ مشهورة تعيش بالخارج تقول: “لمّا رأيت كل الدارسين من حولي كبارًا بلا أطفال يربونهم أو صغارًا بلا أطفال، ندمت أنني قد أنجبت قبل أن أنهي دراستي” وتخيل أن أطفالها كانوا وراءها!

وأيضًا قبيل سنوات رأيت مشهدًا آخر يشرح تغلغل هذه الأفكار الاستحقاقية الأنانية؛ رأيت فتاة تحكي عن قصتها وتضحيتها لأختها الصغرى المريضة بكل فخر وامتنان، كانت أختها بحاجة العلاج في الخارج، فكانت الكبرى تقضي السنين معها ولم تستطع إكمال دراستها لهذه الظروف وباقي العائلة كانوا متعاونين فكان الأب دائمًا إما عندهم أو عند باقي أهله.

ظروف صعبة تحتاج تضحيات وعطاءً. والمسلم يعلم أن هذا من واجبه وأنه رزق عظيم إن ابتغى به وجه الله! فمن سيكون للآخر إن تركت العائلة المساعدة والوقوف بجانب بعضهم؟ لكن العجيب هو بعض التعليقات السيئة، كانت تلوم الأب والأسرة وتقول إن الأخت الكبرى “قد ضاعت حياتها بلا ذنب”. والأسوأ من اتهموا الأب بالأنانية وقالوا: “ما همه إلا التفريخ!”. الحقيقة إن ما وراء هذه التعليقات أشياء كثيرة سيئة، منها سوء فهم لطبيعة الحياة الدنيا وغياب مشهد الآخرة، وطغيان الأنانية وتشويه مفهوم العائلة، وأشياء أخرى صادمة!

تذكرت إحدى الجمل للدكتور عبد الوهاب المسيري -رحمه الله-، يقول فيها متحدثًا عن علمنة الأسرة:

“من أهم مؤشرات العلمنة، تآكل مؤسسة الأسرة. فالأسرة كانت عبر التاريخ تكتسب تماسكها من خلال الإيمان بالمجتمع الذي يستند بدوره إلى إيمان بعقيدة ما. ومن خلال هذا الإيمان يمكن إرجاء إشباع الرغبات الجنسية، وباسمها توجه الرغبة الجنسية من خلال قنوات اجتماعية، وباسمها أيضًا يمكن الاستمرار في تنشئة الأطفال. أي أن الأسرة كانت في معظم الأحيان تستند إلى الإيمان الديني الظاهر أو الكامن. ومع تآكل العقيدة يصبح الإرجاء صعبًا، بل مستحيلًا، ثم تتفكك الأسرة. وخصوصًا أن أعضاء الأسرة مكونون من أفراد لكل منهم حقوقه ورغباته وطموحه لتحقيق ذاته وأحلامه؛ وهو ما يشكل ضغوطًا شديدة على بناء الأسرة ومع تزايد الفردية [فردية الأم، وفردية الأب، وفردية الأطفال] تزيد حدَّةُ الصراع داخل الأسرة، ويظهر صِراع الأجيال، ويصبح لكلِّ عضوٍ ثقافته الخاصة. ولذا، تعجزُ مؤسسة الأسرة عن الاستمرار. بل إن الرغبة الجنسية تتم علمنتها تمامًا، وتنفصل عن أي هدف اجتماعي، مثل إنجاب الأطفال، وتصبح نهاية في حد ذاتها وهو ما يؤدي إلى الإحجام عن الزواج والإنجاب”.(6)

لكن ما رأي الإسلام في الزواج والإنجاب؟

  • قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون﴾ [الروم: 21]
  • ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: 38].
  • وقال عليه الصلاة والسلام: “إِنِّي أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي” [صحيح البخاري]
  • وقال: “تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ” [صحيح أبي داوود].
  • وقال: “يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ” [صحيح البخاري]
  • وقال: “إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ [صحيح مسلم]

من إكرام الضيف إلى “وش تبي؟ ما عندنا إكرام ضيف”

الاستحقاقية

الاستحقاقية

تغريدة انتشرت على تويتر كانت تحوي صورتين لسجادتي باب. واحدة مكتوب عليها “شتبي؟” والأخرى “ما عندنا إكرام ضيف”.

كانت هنالك موجات استنكار واعية لهذه الصور، وإن تعذروا بأنها مزحة؛ إلا أنه في الحقيقة السخرية هي أول طريقة لتطبيع الأفكار، ثم إن هذه الأفكار نتيجة طبيعية للفردانية والاستحقاقية في التعامل. فالضيف ثقيل إن نظروا له من هذا المنظور الذي هو بالحقيقة مركب من عدة أشياء، وفي هذا التصرف معارضة لما حثت عليه الشريعة من إكرام الضيف وربطه بالإيمان.. “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه” [صحيح مسلم]

وكان الكرم صفة الأنبياء المحمودة، حتى أن الله ذكر في سورة الذاريات جلب إبراهيم لعجل سمين، ووصف حاله في ذهابه إلى أهله بخفية حتى لا يرفضوا، وتقريبه الطعام إليهم، كل هذه لم تذكر عبثًا سبحانه، إلا لمكانة إكرام الضيف. ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات:26-27]. وبالجهة المقابلة كان عدد الاعجابات والضحكات كثيرًا أيضًا.

ودائمًا ما أتذكر استنكارًا، يقبع خلفه تساؤل يطرحه أبي -وكثير من الكبار-. وهو: “قبل كان الناس يبيتون عند بعضهم، الآن لا أحد يتحمل أحدًا ولا أحد يريد أحدًا”. وهذا من المفارقات المشاهدة حقيقةً.. وجزء منها ما حوته الصور أعلاه، لكني لا أرى الموضوع مختزلًا في هذا فقط، بل أسباب أخرى لها يد في ذلك؛ مثل حب المظاهر والتصوير والتكلف الذي أصبح همًا على المُضيف وأصبح بمقام الواجب! وهو ردة فعل اطراديه للحياة الحديثة.. فبالمقابل تذهب الكثير من المروءات والسعادة.

الاستحقاق في ميزان الشريعة

بعد أن حاولت أن أجزئ هذه الظاهرة -وهي محاولة ناقصة-، نأتي الآن لأهم فقرة وهي إخضاع هذا المفهوم للشريعة.

مركزية الله

﴿هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا (1) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان:1-3].

هنا المبتدأ والمنتهى .. كنت أيها الإنسان عدمًا، فخلقك الله وسواك. لا يد لك في خلقك ولا تقدر أن تنفع وتضر نفسك ولا أن تخرج من قدر الله، فالله هو المركز، وهو الذي خلق وله الأمر، فكما وهبك الحياة هو من يمنحك حقوقك، وهو من يعلمك بواجباتك، لأنه العليم الخبير.

وهو الذي حدد الجزاء والعقاب بناء على أفعالك، فكل شيء هو من يحدده بعلمه وحكمته سبحانه. وكل شيء نعمة منه وفضل عليك، ليس لأنك تستحق، بل لأنه الكريم الوهاب الودود الرزّاق ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل:53]. فإن عطاءه تفضل، وحتى حرمانه لك لحكمة، وكلها ابتلاءات، وهذا مصداق قول {إنّا لله وإنا إليه راجعون}.

{إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ…أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف: 54].

{أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14].

فبعد أن علمنا أن الله هو من يبين ما حقوقك وما واجباتك ولست أنت، ننتقل لمفهوم مهم وهو أن تتذكر أنك جئت لتبتلى! {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}، ومما يغفل عنه الإنسان أن حقوقه وواجباته هي نعمة ومنّة من الرحمن وبلاء، وليس تفضلًا من الإنسان. فأنت عندما تفعل ما أوجب الله عليك للآخرين وتجود بما وهب الله لك، أو ما استحب لك فعله هذه نعمة منه تجازى بالشكر لأنه يسر لك ذلك، وهذا المفهوم واضح في سورة الحجرات ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ۖ قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم ۖ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات:17].

﴿وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الحجرات:7-8].

وأيضًا ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور:21].

فالله قد وضع هذا كله لتمتحن من الأساس، فأنت تتعامل مع الله قبل أن تتعامل مع الناس! فتقصيرك في واجباتك بأي حجة هو تقصير مع الله. وأنت ستحاسب على واجباتك ولن تحاسب كيف قصر النّاس في حقك بل هم من سيحاسب، أفتخسر امتحانك لأنهم خسروه؟

﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان:20].

ففعلك لواجبك ليس منّة، وإحسانك بغير الواجب أيضًا ليس منّة، بل من فضل الله أن سخرك لذلك، وهذا يقودنا إلى:

المعاملة مع الناس معاملة مع الله

الاستحقاقية

﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور:22].

كما تعامل الناس يعاملك الله! لنتأمل في الآية أعلاه، وقبلها سأحكي لكم سبب نزولها: وقت حادثة الإفك وهي اتهام المنافقين لأمنا عائشة -رضي الله عنها- بأنها زنت، كانت بداية من المنافقين لكن قد تأثر بعض الصحابة الفضلاء وتحدثوا في الإفك، وجلدوا بحد القذف بعد أن برأ الله أمنا الطاهرة المطهرة. أحدهم صحابي بدري يدعى (مسطح بن أثاثة) وهو قريب لسيدنا أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- والد أمنا عائشة -رضي الله عنهم-. فكان أبو بكر ينفق عليه لفقره وقرابته، ولمّا نزلت البراءة حلف أبا بكر ألا ينفق عليه.

وإذا فكرنا بها، هل لو منع نفقته يؤثم أو يلام؟ لا! ولكن انظر لخطاب ربنا سبحانه إليه! ذكره أولًا بنعمة الله عليه (أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ)، ثم قال (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا) ولم يذكر مثلًا أن يعفو لأن مسطحًا -رضي الله عنه كان بدريًا، ومعروف مقام أهل بدر عند الله!، بل لم يتطرق إلى شخصه وجعلها معاملة معه سبحانه! فقال: “ألا تحبون أن يغفر الله لكم؟”. نعم إن كنت تحب أن يغفر الله لك فاغفر للناس، وهنا استهداء عجيب هزني ذكره الدكتور أحمد عبد المنعم بما معناه: إن أنت قررت أي إحسان للناس، وخصوصًا إن كان صعبًا على النفس مثل العفو ودفع السيئة بالحسنة، لا تفكر بالناس لأنك لو فكرت بهم لن تفعل. لكن اجعل تعاملك مع الله وقتها ستفعل وأنت مرتاح البال!

وحينها ماذا كان رد أبي بكر؟ قال بسرعة: “بلى يا رب أحب أن تغفر لي”. وعاد ينفق على مسطح!

وأيضًا انظر في سورة الإنسان هذا المعنى واضح وجلي، وهكذا يجب أن يكون المسلم. تأمل: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9) إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11) وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ [الإنسان:8-12].

ركز! “لا نريد منكم جزاء ولا شكورًا”! ولم؟ “إنا نخاف من ربنا يومًا عبوسًا قمطريرًا” حركهم خوفهم من الله! حركهم استشعارهم لمعنى البلاء في الدنيا! ثم ماذا كانت النتيجة؟ “فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورًا، وجزاهم بما صبروا جنّة وحريرًا”. 

لا تحسب أن صبرهم على الأذى، والدفع بالتي هي أحسن، والعفو والتغافل وكل هذه الأخلاق السامية سهلة عليهم! لو كانت كذلك لما قال الله تعالى إنه جزاهم ذلك بما صبروا! ولما كان أجرهم بهذا الكبر، وركز أن هذا في المستحبات في التعامل ليس الواجبات، فكيف بالواجبات التي يقصر بها ويظلم الناس باسم الاستحقاقية والأنانية؟ هذا يدخل بالظلم وتضييع الحقوق والأمانات، والخسران المبين.

ثم إن مبدأ سهولة التخلي وإفلات اليد عند أي زلة وخطأ، وعدم تقدير العشرة والناس، يأتي من شخص لا ينظر لعيوب نفسه ويظن أنه معصوم!

انظر إلى حديث من لا ينطق عن الهوى: قال عليه الصلاة والسلام: “المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم”.

فلا تنس أنك أيضًا تزل وتخطئ، وأنك تؤذي كما تؤذى، وهذا طبيعي لأنك إنسان غير معصوم لك مزاجاتك وظروفك الكثيرة، وستحب أن يغفر لك ويتجاوز لك. لذلك عليك ذلك أيضًا وإلا لن تدوم لك أي علاقة، وستظل تلهث حزينًا ووحيدًا حين يتخلى عنك الجميع كما تفعل وتبقى وحيدًا!

والآن نقطة أخرى أود الرد عليها؛ وهي أفكار من قبيل: “تخلَّ عن كل من يؤذيك”، “لا تستمر في أي علاقة تشعر أنها ثقيلة عليك”، “لا تستمر في أي علاقة لا تسعدك حتى إن كنتما تحترمان بعضكما”.

وللتوضيح فهم لا يقصدون تعنيفًا مثلًا، أو إنسانًا مؤذيًا لا يقوم بأي من واجباته، بل يقصدون مجرد الملل! ويقصدون الأذى الطبيعي -المشاكل التي تحدث بين العائلة والأزواج والأصحاب- التي هي جزء من الحياة! ويقصدون عدم الانبهار كل يوم! وعدم تحقيق زوجك\صديقك كل ما تريد. فلننظر إلى كلمة سيدنا عمرو بن العاص -رضي الله عنه- حيث قال: “لا أملُّ ثوبي ما وسعني، ولا أملُّ زوجتي ما أحسنت عشرتي، ولا أملُّ دابَّتي ما حَمَلَتْني؛ إنَّ الملال من سيِّء الأخلاق”.

انعدام التقدير لأنه “واجبه”

ممّا أنتجه مفهوم الاستحقاقية، أفكار باتت تنتشر بين الناس، وتبنوها لنفسهم وغيرهم؛ وهي أن واجب الإنسان سواء كان: أمًا، أبًا، زوجًا، زوجة؛ لا يلزم تقديره وشكره، فإن رأيت أحدهم سعيدًا يعبر عن محبته لزوجه، أبيه، أمه لشيء فعلوه له -وهو من واجباتهم غالبًا أو تصرف طبيعي محمود- تجد من يشنع عليهم بأقوال مثل: “ترا طبيعي! لا يحتاج احتفاء”، “ليس أبًا رائعًا، بل طبيعيًا!”، “ما المميز في ذلك؟ هذا واجبه!”. والكثير من العبارات (النكدية) كما أسميها.

لكن .. هل حقًا إن فعل الإنسان واجبه، أو شيئًا طبيعيًا بحق المحبة والرابطة؛ أيعني أنه لا يُقدّر ولا يُشكر وليس (رائعًا)؟

من تأمل في نصوص الشريعة وجد العكس من ذلك؛ فالله -عز وجل- من أسمائه أنّه (الشكور) وهو الذي يشكر القليل من العمل الصالح ويزيده وينمّيه. وقد يجزي العبد بعمله في الدنيا قبل الآخرة! رغم أن الأساس أن الدنيا دار امتحان، والجزاء بالأصل هو في الآخرة، لكنه سبحانه قد يجزي عباده في الدنيا لأنه الشكور! 

وجزاؤه يكون بأجر غير ممنون، هذا ولا يغب عن بالك بأن ما نفعله من أعمال صالحة هي لأنفسنا، وأننا من نحتاجها وواجبة علينا، والله أغنى الأغنياء عنّا! ﴿مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ [فصلت:46]، وأنه مهما فعلنا نظل مقصرين في حقّه سبحانه!

تأمل معي الشكور:

  • ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُور﴾ [الشورى: ٢٣].
  • وقال تعالى: ﴿إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١٧].

ومن شواهد شكر الله في الدنيا، هي تعويض المتصدق والتي كثيرًا ما تحدث، إما بمال، أو توفيق. ومن الشواهد للأنبياء عليهم السلام -وهي كثيرة لكنّي سأقتصر على مثال-؛ حينما ترك أبونا إبراهيم -عليه السلام- أباه وقومه واعتزلهم -وهو واجبه- والجزاء في الأصل بالآخرة، شكره الله الشكور بأن وهبه إسحاق ويعقوب على الكبر! ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَىٰ أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۖ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا [مريم:48-49].

ومن الشواهد للصالحين، حديث الثلاثة الذين أطبقت عليهم صخرة: “خرج ثلاثةٌ فيمن كان قبلكم يرتادون لأهلِيهم، فأصباتْهمُ السماءُ، فلجأوا إلى جبلٍ، فوقعت عليهم صخرةٌ. فقال بعضُهم لبعضٍ: عفا الأثَرُ، ووقع الحجَرُ، ولا يعلَم بمكانكم إلا اللهُ؛ فادْعوا الله بأوثَقِ أعمالِكم. فقال أحدُهم: اللهم إن كنتَ تعلمُ أنه كانت لي امرأةٌ تُعجِبُني، فطلبتُها فأبَتْ عليَّ، فجعلْتُ لها جُعْلًا، فلما قَرَّبَتْ نفسَها؛ تركتُها. فإن كنتَ تعلمُ أني إنما فعلتُ ذلك رجاءَ رحمتِك، وخشيةَ عذابِك فافرِجْ عنا، فزال ثلثُ الحجَرِ. وقال الآخرُ: اللهم إن كنت تعلمُ أنه كان لي والدانِ، وكنتُ أحلبُ لهما في إنائِهما، فإذا أتيتُهما وهما نائمانِ قمتُ حتى يستيقظا، فإذا استيقظا شرِبا، فإن كنتَ تعلمُ أني فعلتُ ذلك رجاءَ رحمتِك، وخشيةَ عذابِك فافرُجْ عنا، فزال ثلثُ الحجَرِ. وقال الثالثُ: اللهم إن كنت تعلم أني استأجَرتُ أجيرًا يومًا فعمل لي نصفَ النَّهارِ، فأعطيتُه أجرًا، فتسخَّطه ولم يأخذْه، فوفَّرتُها عليه، حتى صار من كل المالِ، ثم جاء يطلب أجرَه، فقلتُ : خذا هذا كلَّه، ولو شئتُ لم أُعطِه إلا أجرَه الأوَّلَ، فإن كنتَ تعلمُ أني فعلتُ ذلك رجاءَ رحمتِك، وخشيةَ عذابِك، فافرُجْ عنا. فزال الحجَرُ، وخرجوا يتماشَونَ”. [الترغيب والترهيب]

تأمل بالله عليك! قد فعلوا ما هو واجب عليهم، ورغم ذلك توسلوا إلى الله بهذه “الواجبات” وماذا؟ لم يردهم الله -سبحانه- لأنه الشكور! بل شكرهم على عملهم في الدنيا ونجاهم!

فنزع المودة والتقدير والشكر من العلاقات منهج دخيل ينافي ما أمر به الإسلام. وانظر مثلًا لعظم حق الوالدين وكيف يذكر الله بتعب الأم -الطبيعي- قائلًا: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف:15].

فلم يقل الله تعالى بأن هذا واجبهم! بل ذكر هذا الابن بأنه يجب عليه برهم لهذه (الواجبات)! 

الحقيقة من يتبنى هذه المفاهيم هو إنسان لن يعرف للسعادة طعم لأنه سينظر لكل شيء بأنه مستحق له، وستنتج إنسانًا لا يعرف إلا التسخط ومد عينيه. وقد ربط الله شكر الناس بشكره، قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: “لا يَشْكُرُ اللهَ مَن لا يَشْكُرُ الناسَ”. [صحيح أبي داوود].

قيمة الإحسان والعفو

الاستحقاقية

يعجب الإنسان للتحدث عن شيء من المفترض أنه بديهي. والشواهد عليه تكاد لا تعد، ولكن يجب ذلك. حث الإسلام على الإيثار، ورغب في مكارم الأخلاق، مثل العفو وكظم الغيظ والدفع بالتي هي أحسن، وكانت هذه هي أخلاق الأنبياء الذين قال الله تعالى عنهم: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:90].

وأظن أن عرض الآيات والأحاديث كافٍ، كافٍ لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، ليفكر بنفسه ويرى هل ما ينشر اليوم من هشاشة العلاقات وسهولة التخلي موافق للشريعة؟ أم سيقر أنه ليس كذلك ثم يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير؟

 ﴿إِن تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَن سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء:149].

﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:133-134].

﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:34].

وعلى ذكر هذه الآية، أعرف امرأة رأيت بها هذه الآية، هذه المرأة كان لها صديقة منذ وقت طويل، ثم تنكرت لها وهي لم تؤذها بشيء، واستمر الوضع لسنوات، لكن هذه المرأة كانت تتجاهل، ثم قدّر الله أن تصاب الأخرى بكورونا هي وزوجها وقد ألم بهما التعب. فكانت المرأة تطبخ كل يوم وترسل الطعام إليهما وإلى الأطفال. بعد أن مرت تلك الوعكة، أتت الأخرى لبيت هذه المرأة وهي لم تدخله من سنوات، وشكرتها وعبرت عن امتنانها كثيرًا! تلك المرأة فعلت ذلك لله، وكان هذا مصداق قوله سبحانه!

الإسلام يريد مجتمعًا متماسكًا متحابًا متعاونًا يفكر في غيره مثلما يفكر في نفسه. ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ۚ وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة:237].

ولتعلم أن هذه الآية تخاطب من لم يعيشوا مع بعض بعد! “ولا تنسوا الفضل بينكم” فكيف بمن عاشوا ويعيشون؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ۚ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التغابن:14].

جرم الأزواج والأولاد هنا جرم عظيم، فهم لم يخطئوا في حق من الحقوق، بل في أعظم شيء وهو الدين! كان أناس من أهل مكة لم يهاجروا لمنع أزواجهم وأولادهم لهم؛ فضيعوا عليهم هذا الواجب والفضل، وأخبرهم الله أنه لربما كان من أزواجهم وأولادهم عدوٌ لهم يصدهم عن سبيل الله! ثم ماذا؟ يخبرهم الله أن يعفوا ويصفحوا ويغفروا فإن الله غفور رحيم! هذا وهو فتنة في الدين الذي هو أغلى ما للإنسان؛ فكيف بما دونه من أشياء؟

يدعونا الله لنحافظ على علاقاتنا وتماسكنا ونرتاض العفو والصفح، ثم نحن نفعل العكس، ولا نقدر حتى الميثاق الغليظ! فتجد عند كل مشكلة -عادية لها ملايين الحلول- تعليقات مثل: “طلقيه” “اخلعيه”!

عن عقبة بن عامر -رضي الله عنه-، قال: قال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: “يا عقبة، ألا أخبرك بأفضلِ أخلاق الدنيا والآخرة؟! تَصِلُ من قطعك، وتعطي من حرمَك، وتعفو عمَّن ظلمك”. [سنن الترمذي]

وقد مدح الله الأنصار لإيثارهم -وانظر اليوم لمن يشوه مفهوم الإيثار ويعتبره تضحية غبية ويشجع الأنانية وأن يتمركز المرء حول نفسه-: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:9].

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ، حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ”. [صحيح البخاري]

بل وقد حرم الإسلام هجر الأخ لأخيه المسلم! -إلا في مواضع محددة- بل إن المتشاحنين لا ترفع أعمالهما! “لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أنْ يَهْجُرَ أخاهُ فَوْقَ ثَلاثِ لَيالٍ، يَلْتَقِيانِ فيُعْرِضُ هذا ويُعْرِضُ هذا، وخَيْرُهُما الذي يَبْدَأُ بالسَّلامِ”. [صحيح مسلم]

“تُفتَحُ أبوابُ الجنَّةِ يومَ الاثنينِ والخميسِ، فيغفرُ اللهُ عزَّ وجلَّ لِكلِّ عبدٍ لا يُشرِكُ باللهِ شيئًا، إلَّا رجلًا كانَ بينَه وبينَ أخيهِ شحناء، فيقول: أنظروا هذينِ حتَّى يصطلحا، أنظِروا هذينِ حتَّى يصطلِحا، أنظِروا هذينِ حتَّى يصطلِحا”. [صحيح مسلم]

شتان بيننا وبين السلف الصالح

“أحبّ إخواني إليّ الّذي إذا أتيته قبلني وإذا رغبت عنه عذرني”. عبد الله بن عباس -رضي الله عنه-.

أولئك الذين تربوا على الوحي وعلى الحق، أولئك الذين تخرجوا من مدرسة النبوة، أولئك أصحاب المروءات؛ فانظر إليهم إن كنت مقتديًا، وتعلم من صفاء قلوبهم وكبير عقولهم.

إن موقفًا طالما استوقفني في كل مرة، أقلب في عقلي هذه الأُخوّة، وهذا الجمال غير العادي.

تأمل معي نص الحديث: “كَانَتْ بيْنَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ مُحَاوَرَةٌ، فأغْضَبَ أبو بَكْرٍ عُمَرَ فَانْصَرَفَ عنْه عُمَرُ مُغْضَبًا، فَاتَّبَعَهُ أبو بَكْرٍ يَسْأَلُهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ له، فَلَمْ يَفْعَلْ حتَّى أغْلَقَ بَابَهُ في وجْهِهِ، فأقْبَلَ أبو بَكْرٍ إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقالَ أبو الدَّرْدَاءِ ونَحْنُ عِنْدَهُ: فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أمَّا صَاحِبُكُمْ هذا فقَدْ غَامَرَ قالَ: ونَدِمَ عُمَرُ علَى ما كانَ منه، فأقْبَلَ حتَّى سَلَّمَ وجَلَسَ إلى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وقَصَّ علَى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الخَبَرَ، قالَ أبو الدَّرْدَاءِ: وغَضِبَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وجَعَلَ أبو بَكْرٍ يقولُ: واللَّهِ يا رَسولَ اللَّهِ لَأَنَا كُنْتُ أظْلَمَ، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: هلْ أنتُمْ تَارِكُونَ لي صَاحِبِي، هلْ أنتُمْ تَارِكُونَ لي صَاحِبِي، إنِّي قُلتُ: يا أيُّها النَّاسُ، إنِّي رَسولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ جَمِيعًا، فَقُلتُمْ: كَذَبْتَ، وقالَ أبو بَكْرٍ: صَدَقْتَ قالَ أبو عبدِ اللَّهِ: غَامَرَ: سَبَقَ بالخَيْرِ”. [صحيح البخاري]

أريدك أن تتأمل وتتفكر في تصرف عمر وأبي بكر -رضي الله عنهما-! انظر إلى تلك النفوس التي تقدر والتي تخشى ربها! أخطأ أبو بكر في حق عمر ثم ما لبث أن راح يستسمح منه، فأبى عمر عليه، ثم ما لبث أن ندم وراح يبحث عنه ليرجع صافي الود وحلو الأواصر! ثم لمّا رأى أبو بكر غضب النبي -عليه الصلاة والسلام- له، أشفق على عمر وراح يجثو ويقول: “أنا كنت أظلم”. والله إنها عبر فهل نعتبر؟

880

المصادر
الكاتب

أمجاد عوده

خريجة إدارة، قارئة ومُهتمة بالعلوم الشرعية والفكرية، تسعى لأن تكون ذات أثرٍ لأمّتها.

التعليقات

  • بنا السبيعي منذ 3 أشهر

    “عندما تعجز الكلمات عن التعبير
    عندما نخاف أن نقصر في حق من نحترم ونقدر ونحب في الله عند وصفه
    ببعض من الكلمات
    عندما نجلس لنبحث وسط الحروف عن كلمات تعطي الحق لمن أمامنا”
    نخاف أن لا نعطيه حقه ….. وأن تصبح الكلمات عاجزه عن التعبير عما يدور
    بداخلنا تجاه الآخر
    نحاول أن نبحث ثم نبحث لعل البحث يجعلنا ندرك كلماتنا التائهه التي
    نبحث عنها
    ثم نعود ليمتلكنا الخوف من أن نعجزعن ايجاد الكلمات التي يستحقها من
    أمامنا

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.