ما ذُكر الصدق يومًا إلا ولاح في سماء ألبابنا ذاك النجم الثاقب؛ “أبو بكر الصديق” خليفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وصاحبه وصفيه وخليله، من قُرن اسمه باسم سيدنا المصطفى في حياته وبعد مماته، ونعت بصاحبه في قرآن يتلى إلى يوم الدين. مَن أجمع العلماء على خيرته وفضله على كل الناس بعد الأنبياء.

ما إن تبدأ بالترحال في حياة العتيق -رضي الله عنه- فلن تخرج بمثل ما دخلت به. سترى بعين يقينك لماذا اصطفاه الله ليكون صاحب نبيه وخليفته؟ ولماذا اصطفاه خير الورى في كل شيء؟ آلاف الكتب والمقالات قد كتبت في فضائل ومناقب هذا الصدّيق ونعلم أنها لن تعطيه حقه، فلولا الله ثم هو لهلكنا؛ كما قال سيدنا عمر -رضي الله عنه-. ولكن ما أريده في مقالي هذا هو أن نرفع شراعنا ونبحر في نفس هذا الصدّيق ونصيب من خيراته ونقتفي سننه ومحامده؛ لنرى آيات الله وبديع خلقه في هذه النفس. إن كان أفضل مكارمه وخير ما يدعى به هو الصدّيق، فإن له طبائع أخرى لا تقل سحرًا وإبهارًا للنفوس عن تلك وعن الرحمة التي قرنت به؛ فهلمَّ معي نرفع مرساة سفينتا ونتوكل على الله.

وكان حِبَّ رسول الله قد علموا *** من البرية لم يعدل به رجلا

خير البريّة أتقاها وأرأفها *** بعد النبي وأوفاها بما حملا

الرحمة

عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:

أرحَمُ أمَّتي بأمَّتي أبو بَكْرٍ. [الصحيح المسند].

الرحمة هي اسم جامع لخير الخصال؛ فالرحمة تشمل اللين والرأفة والرقة والإحساس بالآخرين، وهي أيضًا وقود الإيثار وأخلاق كثيرة تنبع من هذه الرحمة. لكن هناك لبس حصل عند أقوامٍ قد أخرجهم بقناعة: أن الإنسان الرحيم رقيق القلب هو إنسان ضعيف، ولبس ثانٍ أقنعهم أن الرحمة تعني السيلان والذوبان وأن يكون الإنسان بلا مبادئ وثوابت. إن نظرنا للأمر فهذا خاطئ؛ فلربما نرى أبًا قد حرم ابنه شيئًا يحبه حفاظًا على صحته، أو أمًا قد أنّبت طفلها لئلا يقع في السوء؛ فليس كل الرحمات ندركها وقتها وليست تعني أن تكون متسامحًا سائلًا مع كل شيء. والله -تبارك وتعالى- قد أوجب الرحمة على نفسه {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۖ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} (الأنعام:54).

أرأيت كم مرةً رأيت ظاهر الأمر سوءًا ثم ما لبثت أن رأيت باطنه يفيض بالرحمات الإلهية؟ سواءً كانت رحمات تتعلق بالدنيا أو بالآخرة. فكل بلاء تتعرض له هو رحمة لك ربما ليعيدك إلى الصراط المستقيم، أو يرفعك درجات عند الله. أخبرنا الله أنه أرسل نبيه رحمة للعالمين. ومن المؤسف اختزال رحمة النبي في أفعاله الرحيمة مع الصبية والكبار والنساء وغيرهم؛ نعم رسول الله يضيء العالم برحمته، ولكن أكبر رحمة هي رسالته لإخراج النّاس من الظلمات إلى النور؛ لضمان مقعدهم في الجنة في حياتهم الحقيقية.

وهذا بالتأكيد لا يكون دائمًا بالأساليب التي يراها الناس اليومَ هي الرحمة والسلام. فنبينا -صلوات الله وسلامه عليه- قد بذل نفسه وكل ما يملك لنشر هذا الدين شفقة بالناس بل حتى بمن سيخرج من أصلابهم. أرأيت إن رأيت شخصًا يسير للنار عمِّيًا عن رؤيتها أو مصرًا على إلقاء نفسه بها؛ أكنت تتركه؟ أم ستحاول بكل السبل أن تكفه؟ كذلك كان نبينا ولذلك هو رحمة للعالمين.

وما استفتحت بهذا كله إلا لأؤكد أن خليفته قد أُشرب رحمته هذه ووعاها وفقهها، وهذا واحد ممَّا حمله على قتال المرتدين الذين فرَّقوا بين الصلاة والزكاة. فنعم كان والله أرحم الأمة بالأمة؛ فلولا إقدامه هنا، وكل من حوله رافضو الفكرة بادئ الأمر لذهب دين النّاس وانفضت عرى الإسلام عروة عروة، لكن الله يحفظ دينه بخير الرجال. فما زلت أرى فعله هذا من أرحم ما فيه بالأمة، فهلمَّ لنبحر في رحمة هذا الرحيم.

بعد أن قبض النبيّ -صلى الله عليه وسلم- انفضت الجزيرة العربية بالمرتدين الذين كانوا حديثي عهدٍ بكفر؛ منهم من اتبع مدِّعي النبوة طمعًا، ومنهم من منَّ بإسلامه وطلب إسقاط الزكاة عنه؛ فاعلين فعل أهل الكتاب من قبلهم. وعلى ما كان يحيط في المدينة من أخطار وخلوّها من جيش المسلمين؛ فجيش أسامة -رضي الله عنه- قد أنفذه أبو بكرٍ الصديق إلى الشام؛ كما أمر النبي -عليه الصلاة والسلام- قبيل وفاته. تقول أمنا عائشة -رضي الله عنها- في ذلك الوضع: “قبض رسول الله؛ فارتدَّت العرب واشرأب النفاق بالمدينة. فلو نزل بالجبال الراسيات ما نزل بأبي لهاضها. فوالله ما اختلفوا في نقطة إلا طار أبي بحظها وغنائها في الإسلام” [سنن البيهقي]. 

ولكنه أبو بكر، فمع تردد الصحابة ومراجعتهم لأبي بكر في قراره؛ فقد كانوا يرون أن يتألف النّاس حتى يلينوا، وأن الخطر المحيط بالمدينة مع خلائها من الجيش ليس بهين، فما كان جواب أبي بكر؟ “…قالَ عُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عنْه-: كيفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ؟ وقدْ قالَ رَسولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-: أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حتَّى يقولوا: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فمَن قالَهَا فقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ ونَفْسَهُ إلَّا بحَقِّهِ، وحِسَابُهُ علَى اللَّهِ. فَقالَ: واللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَن فَرَّقَ بيْنَ الصَّلَاةِ والزَّكَاةِ، فإنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ، واللَّهِ لو مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إلى رَسولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- لَقَاتَلْتُهُمْ علَى مَنْعِهَا…” [صحيح البخاري].

وقد كان أبو بكر الصديق وقتها أفقههم وأوسعهم إدراكًا وأرحمهم؛ فلولا موقفه الحازم ورحمته الخفية به لما قام للدين قائمة بعد ذلك، فقد زادت كل قراراته من هيبة المسلمين حولهم. وقد أتى من ارتدوا صاغرين ومهَّد بفعله هذا الآفاق للمسلمين وحفظ دينهم.

ومن رحمته الفائضة أنه في أوج الاضطهاد للمسلمين في مكة كان يبذل كل ماله في شراء العبيد والإماء الذين كانوا يعذبّون لإسلامهم، فما كان يسمع بعبد يضطهد حتى يشتريه من سيده ويعتقه. فقال له والده يومًا: “إنّي أراك تعتق رقابًا ضعافًا فلو أنك إذا فعلت ما فعلت أعتقت رجالًا جلدًا يمنعونك ويقومون دونك”. فكان رد أبي بكر: “يا أبت إنّي أبتغي ما عند الله”. وقد قيل إنه كان إذا مرّ الرجل بضيق عيش أخذ يعذب عبده حتّى يشتريه أبو بكر الصديق.

ومن رحمته موقفه في أسارى بدر؛ أولئك الذين عذّبوا المسلمين وكادوا المكايد لهم طوال ثلاثة عشر عامًا. فها هم مقيدون بالأصفاد والنبيُّ يشاور أصحابه ماذا يفعل بهم؟ أخذ عمر بالشدّة فكان رأيه أن يقتلوا، وغلبت أبو بكر رأفته فقال للنبيّ أنهم بنو الرحم وأن يتلطف بهم ويأخذ منهم الفداء، فشبّه النبي يومها أبا بكر بإبراهيم وعيسى -عليهما السلام- برحمتهما حين قالوا: {فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ۖ وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (إبراهيم:36). {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (المائدة:118).

وكان -رضي الله عنه- رجلًا رقيقًا أسيفًا تسبقه عبراته في الحزن والفرح، ومن خشية الله. فكان لا يملك دموعه إذا قرأ القرآن وكان هذا ممَّا يجذب نساء وأطفال مكة لمَّا ابتنى مسجدًا له في فناء بيته وكان يصلي فيه. فكانوا عليه لبدًا حتى طار عقل قريش وخافوا أن يفتنهم. فقالوا لابن الدغنة (الرجل الذي أعطاه الحماية والجوار) أن يمنعه أو يرد جواره. وكان لا يمسك دموعه إن أشفق؛ خصوصًا إذا تعلق الأمر بخليله رسول الله، ففي خروجهما للهجرة لمّا لحقهما سراقة بن مالك -رضي الله عنه- قبل أن يسلم بكى أبو بكرٍ. ولما سأله النبي علام يبكي؟ قال: “ما على نفسي أبكي يا نبي الله، ولكن خوفًا عليك”. وتكرر هذا في الغار؛ فلمّا جاء من فوقهما المشركون ظنّ أبو بكر ألّا مناص؛ بكى شفقةً على صاحبه وعلى أمر هذا الدين. فطمأنه صاحبه قائلًا: “ما ظنّك باثنين الله ثالثهما؟” {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ} (التوبة:40).

ومن رحمته -رضي الله عنه- محبته وألفته للصغار، فقد كان الصبيان إذا رأوه نادوه: أبتِ أبتِ حتى يربّت على رؤوسهم. وهذه الرحمة تتجلى أيضًا في رعايته لأبناء الشهداء واتخاذهم بمنزلة أبنائه. وقد كان ماشيًا يومًا مع سيدنا عليّ -رضي الله عنه- فرأى الحسن فحمله ولاعبه. وقال: “بأبي شبه النبي ليس شبيهًا بعلي”. وكان يتعاهد الأرامل فيحلب لهن حتى بعد توليه الخلافة وانشغاله بأمور الدولة.

نستسقي من بحر فضائله ما علمنا الإسلام هو وما صاغه في أبي بكر وأقرَّه؛ أن الرفق ما دخل في شيء إلا زانه؛ وكان كذلك في أبي بكر، وأن المكانة العالية لا تعني الجفاء والغلظة، ولم تكن رحمته هذه ضعفًا يومًا لأنه كان يفقه أين يضعها وهذا من الحكمة {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} (البقرة:269).

الحزم

صفات أبي بكر الصديق هي التي تكوّن سجيته في كل مواقفه؛ فليست الرحمة وحدها أو الحزم وحده هو ما يكون جوهر هذا الموقف وإنّما هو كالماسّة؛ كل ضلع فيها يجتمع حتى تخرج بهذا الجمال. فرحمته ورأفته كان يشدهما بالحزم؛ فلا تصبحان نقطة ضعفٍ يطمع فيها طامع. فكان أبو بكرٍ لا يخاف في الله لومة لائم، وحزمه هذا هو ما أنقذ الأمة الإسلامية، فمن رحمه ولد الثبات، وإذا ذكر الثبات نذكر موقفًا قد هزّ أركان المدينة وجبالها الراسيات؛ فحين توفي خير البشر أنكر النّاس هذا، ومن بينهم عمر؛ حيث وقف وقام يهدد أن يقتل من يقول إنّ النبيّ مات.

وكان أبو بكرٍ بالسنح، وقبيل الصبح كان يناجي ويسامر خليله. فجاء والمدينة قد جنّ جنونها، إنّ المُحبّ المخلص أكثر من يُتوقّع منه الانهيار والإنكار لخبرٍ كهذا. لكنه أبو بكرٍ! وكفى بذلك، فبينما أُضرمت نيران الغمّ في قلبه لهذا الخبر لم يدع مشاعره تحكمه. جاء في صحيح البخاري: “عن ابن عبّاس أنَّ أبَا بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عنْه- أقْبَلَ علَى فَرَسٍ مِن مَسْكَنِهِ بالسُّنْحِ، حتَّى نَزَلَ فَدَخَلَ المَسْجِدَ، فَلَمْ يُكَلِّمْ النَّاسَ حتَّى دَخَلَ علَى عَائِشَةَ، فَتَيَمَّمَ رَسولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- وهو مُغَشًّى بثَوْبِ حِبَرَةٍ. فَكَشَفَ عن وجْهِهِ ثُمَّ أكَبَّ عليه فَقَبَّلَهُ وبَكَى، ثُمَّ قالَ: بأَبِي أنْتَ وأُمِّي، واللَّهِ لا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ أمَّا المَوْتَةُ الَّتي كُتِبَتْ عَلَيْكَ، فقَدْ مُتَّهَا. قالَ الزُّهْرِيُّ: وحدَّثَني أبو سَلَمَةَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ، أنَّ أبَا بَكْرٍ خَرَجَ وعُمَرُ بنُ الخَطَّابِ يُكَلِّمُ النَّاسَ فَقالَ: اجْلِسْ يا عُمَرُ، فأبَى عُمَرُ أنْ يَجْلِسَ، فأقْبَلَ النَّاسُ إلَيْهِ، وتَرَكُوا عُمَرَ، فَقالَ أبو بَكْرٍ: أمَّا بَعْدُ فمَن كانَ مِنكُم يَعْبُدُ مُحَمَّدًا -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-، فإنَّ مُحَمَّدًا قدْ مَاتَ، ومَن كانَ مِنكُم يَعْبُدُ اللَّهَ فإنَّ اللَّهَ حَيٌّ لا يَمُوتُ. قالَ اللَّهُ: {وَما مُحَمَّدٌ إلَّا رَسولٌ قدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ} إلى قَوْلِهِ {الشَّاكِرِينَ}، وقالَ: واللَّهِ لَكَأنَّ النَّاسَ لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ هذِه الآيَةَ حتَّى تَلَاهَا أبو بَكْرٍ، فَتَلَقَّاهَا منه النَّاسُ كُلُّهُمْ، فَما أسْمَعُ بَشَرًا مِنَ النَّاسِ إلَّا يَتْلُوهَا فأخْبَرَنِي سَعِيدُ بنُ المُسَيِّبِ، أنَّ عُمَرَ قالَ: واللَّهِ ما هو إلَّا أنْ سَمِعْتُ أبَا بَكْرٍ تَلَاهَا فَعَقِرْتُ، حتَّى ما تُقِلُّنِي رِجْلَايَ، وحتَّى أهْوَيْتُ إلى الأرْضِ حِينَ سَمِعْتُهُ تَلَاهَا، عَلِمْتُ أنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- قدْ مَاتَ”.

أرأيتم كيف تنطق الحكمة منه؟ واسى النّاس وكان أحوج للمواساة، ثبتهم وكان أشدّهم كمدًا. ولا غرو فليس بأول موقف يكون فيه أثبت الثابتين. لمَّا قال كلمته المخلّدة: “من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات” أكان هنالك أحد يعبد النبي أي يصلي ويصوم ويذبح له ويشركه مع الله؟ بالطبع لا! لكنّ أبا بكرٍ قد خطّ لهم نهجًا من هنا للمستقبل أنّ هذا الدين ليس بالرجال، ولن ينتهي إذا مات النبيّ لأن الله حيٌ لا يموت، ولن ينتهي إذا مات هو أو عمر أو غيره، كان يؤسس لهم بحزمه وحكمته هذا النهج المنير.

ومن حزمه وشجاعته وحكمته موقفه في بعث أسامة الذي ذكرته آنفًا، فحتّى عمر الذي كان كتفًا يتكئ عليه، قد عارضه وأخذ برأي الصحابة في تأجيل البعث. فما كان إلا أن قال: “والله لئن تخطفتني الذئاب ما حللت لواءً عقده رسول الله -صلى الله عليه وسلم-“.

“وروى سيف بن عمر عن أبي ضمرة وأبي عمرو وغيرهما، عن الحسن البصري أنّ أبا بكر لما صمم على تجهيز جيش أسامة، قال بعض الأنصار لعمر: قل له فليؤمر علينا غير أسامة، فذكر له عمر ذلك، فيقال: أنه أخذ بلحيته وقال: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب أؤمر غير أمير رسول الله ﷺ ثم نهض بنفسه إلى الجرف فاستعرض جيش أسامة وأمرهم بالمسير وسار معهم ماشيًا وأسامة راكبًا…”.

فقد كان في موقفٍ يشكِّك الواثق في نفسه ويوهنه؛ إذ الجميع يرون غير ما يرى، ولكنّه عزم ولم ينثنِ. وقد كان ثاقب البصيرة ففي إنفاذه البعث هابهم كثير من الأعراب وأصبحوا يقولون إن هؤلاء لا يخافون! وقد قال أبو هريرة -رضي الله عنه- في هذا الموقف: “والله الذي لا إله إلا هو لولا أن أبا بكر استخلف ما عبد الله، ثم قال الثانية، ثم قال الثالثة. فقيل له: مه يا أبا هريرة. فقال: إن رسول الله ﷺ وجه أسامة بن زيد في سبعمائة إلى الشام فلما نزل بذي خشب قبض رسول الله ﷺ. وارتدت العرب حول المدينة. فاجتمع إليه أصحاب رسول الله. فقالوا: يا أبا بكر رد هؤلاء توجه هؤلاء إلى الروم، وقد ارتدت العرب حول المدينة”.

فقال: والذي لا إله غيره لو جرت الكلاب بأرجل أزواج رسول الله ﷺ ما رددت جيشًا وجهه رسول الله، ولا حللت لواءً عقده رسول الله. فوجه أسامة فجعل لا يمر بقبيل يريدون الارتداد إلا قالوا: لولا أن لهؤلاء قوة ما خرج مثل هؤلاء من عندهم، ولكن ندعهم حتى يلقوا الروم. فلقوا الروم فهزموهم وقتلوهم ورجعوا سالمين، فثبتوا على الإسلام”.

الشجاعة

وقف سيدنا علي -رضي الله عنه- يومًا على المنبر، وقال: “أيها الناس! أخبروني من أشجع الناس؟ قالوا: أنت يا أمير المؤمنين! قال: أما إني ما بارزت أحدًا إلا انتصفت منه، ولكن أخبروني بأشجع الناس. قالوا: لا نعلم، فمن؟ قال: أبو بكر -رضي الله عنه- إنه لما كان يوم بدر جعلنا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- عريشًا، فقلنا: من يكون مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لئلا يهوي إليه أحد من المشركين؟ فوالله! ما دنا منه أحد إلا أبو بكر شاهرًا بالسيف على رأس رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لا يهوي إليه أحد إلا أهوى إليه؛ فهذا أشجع الناس”.

وشجاعة أبي بكر قد بزغت معه منذ بزوغ فجر الإسلام؛ فأبو بكرٍ لم يكتم إسلامه يومًا، بل كان أول من ألحّ على النبي على الخطبة عند الكعبة، فخرجوا عند الكعبة وقام أبو بكرٍ خطيبًا يخطب في النّاس ويدعو إلى الله حتى اغتاظوا وقاموا عليه وضربوه حتّى ما عُرف وجهه من أنفه وغشي عليه من شدة الضرب!

لنتفكر معًا لمَ فعل أبو بكرٍ ذلك؟ أهو تهورٌ أم شجاعة؟ لا والله ما كان تهورًا! كان فعله هذا -وهم يومئذ نيف وثلاثون رجلًا- إعلانًا لقريش أنهم الأعزة، وأنهم لن يستخفوا خوفًا منهم وسيسمعونهم ما يكرهون وإن ضربوهم وشتموهم لن يحيدوهم عن الحق، كان نذيرًا لهم بأن أمر هذا الدين سيتم رغمًا عن أنفهم.

وفي يوم أحد لمَّا انفضَّ المسلمون وحدثت الكارثة وقف أبو بكر الصديق بينهم سالًّا سيفه يريد المشركين حتى أوقفه النبيّ. وقال له: “اغمد سيفك ولا تفجعنا بك”. وثبت في يوم حنين، وفي المشاهد كلها مع النبيّ.

 لمّا سألوه يومًا استعجابًا وانبهارًا بشجاعة هذا الصدِّيق التي لا تهن: “ما أراك تخشى لما قد بلغ النّاس من إغارة العدو؟”. فكان ردّه: “ما دخلني إشفاق من شيء ولا دخلني في الدين وحشة إلى أحدٍ بعد ليلة الغار، فإن رسول الله حين رأى إشفاقي عليه وعلى الدين قال لي: هون عليك، فإن الله قد قضى لهذا الأمر بالنصر والتمام”.

وقد قاد بنفسه الغارات على الأعراب المرتدين حول المدينة حتى ترجّاه الصحابة ألّا يخرج بنفسه فإن أصيب ستكون مصيبة على المسلمين، لكنّه أبى إلّا أن يواسيهم بنفسه.

المروءة

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:

خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا. [صحيح الأدب المفرد]. 

كان أبو بكر الصديق معروفًا في الجاهلية بصدقه وأمانته وكرمه حتى أنهم كانوا يجعلون الغرائم والديّات عنده وعند رأيه. وكانوا يحبون مجالسه، وكان موقرًا لديهم ومن أشرافهم، ولتجارته وفضله عُرف حتى خارج مكة، فها هنا أبو الدغنة لمّا رأى أبا بكرٍ خارجًا وسأله أين هو ذاهبٌ؛ قال له أبو بكرٍ إنه مهاجر لأن قومه أخرجوه وآذوه. فقال له ابن الدغنة: “فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرجُ ولا يُخرج؛ إنّك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكّل، وتقري الضعيف، وتعين على نوائب الحق. فأنا لك جار”. وإن أمعنت النظر سترى ما قاله ابن الدغنة قريبًا لما قالته أمنا خديجة -رضي الله عنها- للنبي -عليه الصلاة والسلام- بداية بعثته.

ومن فضله أن سادة من سادات قبيلة ثقيف بالطائف قد قال له في صلح الحديبية؛ حين شتمه أبو بكرٍ لأنه استهان بالمسلمين: “لولا يد لك عليّ لرددت عليك”. هنا أود أن نتوقف للحظة ونتأمل. فقد كان ذا مكانة في قومه وتطيب له النفوس، وتذهل لحكمته العقول؛ لكنّه ما تردد لحظةً أن يعلن كفره بما هم عليه وإسلامَه؛ على أنه سيعرضه للخطر في نفسه وماله ومكانته، وهذا والله لهو معنى القوة والشجاعة.

وذاك أيضًا أساس المروءة فمن محاسن الأخلاق ألّا تكون جبانًا وإمّعة. قال أبو بكر إنّه لم يسجد لصنمٍ قط، فقد كانت فطرته تسمو عن هذا. على أنّ جل قريش كانوا يعبدونها إلّا بضع رجالٍ نالوا ما نالوا من النبذ.

ولم يشرب خمرًا لا في جاهلية ولا في إسلام، وقال إنّ السبب هو أنّ الخمر يقدح في المروءة، فهو يرى أنّ في ذهاب العقل تصرفات وضيعة تنافي مروءته فكان زاهدًا فيه. ولتجانس هذه الصفات التي ذكرتها وأخرى لم أذكرها لمَّا أسلم راح يدعو من يتوسم فيهم الخير إلى الإسلام؛ فأسلم على يديه ستة من المبشرين بالجنة مباشرة! هذا يوحي بسؤال: ما الذي دفعهم بالثقة به والإسلام سريعًا؟ بعد توفيق الله ومعرفتهم لهذا النبيّ الصادق الأمين كان أبو بكر أيضًا سببًا، فهو كصاحبه صادق أمين حكيم وكانوا يعرفون حكمته وخير الطّباع فيه.

تواضعه

أجمع العلماء أنّ أبا بكر خير الرجال بعد الأنبياء وأفضل الصحابة، وجاء في ذلك أحاديث كثيرة تعلي مقامه حتى أنّ الصحابة بأنفسهم كانوا يوقرونه ويحترمونه ولا يرضى أحدهم أن يتقدم عليه أو يتأمّر على قومٍ فيهم أبو بكر. وكل ذلك التقدير والتوقير والرفعة ما زاده إلا تواضعًا! فما تكبّر يومًا بمنزلته في الإسلام، ولا الخلافة أدخلت غرورًا إلى قلبه. فأول خطابٍ ألقاه بعد توليه قال فيه: “وليت عليكم ولست بخيركم”. وليس بعجيبٍ تواضعه، فقد كان من أحرص النّاس تمسكًا بهدي النبي، وكان إيمانه شبيهًا بإيمان الأنبياء؛ فما تزلزل يومًا من بعد الغار.

 كان خير مثال لآية: {وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى ٱلْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَٰهِلُونَ قَالُواْ سَلَٰمًا} (الفرقان:63). فقد كان النبيّ في حياته يقدّره ويحث أصحابه على هذا. وقد كان يغضب لأجله.

ربيعة الأسلمي -رضي الله عنه- يحكي لنا ويقول: “كنتُ أخدمُ رسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ- فأعطاني أرضًا وأعطى أبا بكرٍ أرضًا. وجاءتِ الدُّنيا فاختلفْنا في عذقِ نخلةٍ. فقال أبو بكرٍ هي في حدِّ أرضي وقلت أنا هي في حدِّي وكان بينِي وبين أبِي بكرٍ كلامٌ. فقال لي أبو بكرٍ كلمةً كرهتُها وندِمَ فقال لي يا ربيعةُ ردَّ عليَّ مثلَها حتى يكونَ قِصاصًا قلت لا أفعلُ. فقال أبو بكرٍ لتقولنَّ أو لأستعدينَّ عليكَ رسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ-. قلتُ ما أنا بفاعلٍ. قال ورفضَ الأرضَ فانطلقَ أبو بكرٍ -رضيَ اللهُ عنهُ- إلى النبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ-. فانطلقتُ أتلوهُ فجاء أُناسٌ من أسلمَ فقالوا رحمَ اللهُ أبا بكرٍ في أيِّ شيءٍ يَستعدي عليكَ رسولَ اللهِ وهو الذِي قالَ لكَ ما قال فقلتُ أتدرونَ من هذَا؟ هذا أبو بكرٍ الصديقُ وهو ثانِي اثنينِ وهو ذو شيبةِ المسلمينَ؛ فإيَّاكم يلتفتُ فيراكم تَنصروني فيغضبُ فيأتي رسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ- فيغضبُ لغضبِه فيغضبُ اللهُ لغضبِهما فيهلكُ ربيعةُ. قالوا فما تأمرُنا قال ارجِعوا فانطلقَ أبو بكرٍ -رضيَ اللهُ عنهُ- إلى رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ- وتبعتُه وحدِي وجعلتُ أتلُوه حتى أتَى النبيَّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ- فحدثَه الحديثَ كما كان فرفعَ إليَّ رأسَه فقال يا ربيعةُ مالكَ وللصديقِ قلت يا رسولَ اللهِ كان كذا وكان كذا. فقال لي كلمةً كرهتُها فقال لي قلْ كما قلتُ لكَ حتى يكونَ قصاصًا. فقال رسولُ اللهِ أجلْ فلا تردَّ عليه ولكِن قلْ: غفر اللهُ لك يا أبا بكرٍ غفر اللهُ لك يا أبا بكرٍ قال فولَّى أبو بكرٍ رحمهُ اللهُ وهو يبْكي” [السلسلة الصحيحة].

وقد كان بينه وبين عمر خصام يومًا وكان الصديق هو المخطئ، يحدثنا أبو الدرداء -رضي الله عنه- فيقول: “كَانَتْ بيْنَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ مُحَاوَرَةٌ، فأغْضَبَ أبو بَكْرٍ عُمَرَ فَانْصَرَفَ عنْه عُمَرُ مُغْضَبًا، فَاتَّبَعَهُ أبو بَكْرٍ يَسْأَلُهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ له، فَلَمْ يَفْعَلْ حتَّى أغْلَقَ بَابَهُ في وجْهِهِ، فأقْبَلَ أبو بَكْرٍ إلى رَسولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-. فَقالَ أبو الدَّرْدَاءِ ونَحْنُ عِنْدَهُ: فَقالَ رَسولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-: أمَّا صَاحِبُكُمْ هذا فقَدْ غَامَرَ قالَ: ونَدِمَ عُمَرُ علَى ما كانَ منه، فأقْبَلَ حتَّى سَلَّمَ وجَلَسَ إلى النبيِّ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-، وقَصَّ علَى رَسولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- الخَبَرَ، قالَ أبو الدَّرْدَاءِ: وغَضِبَ رَسولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-، وجَعَلَ أبو بَكْرٍ يقولُ: واللَّهِ يا رَسولَ اللَّهِ لَأَنَا كُنْتُ أظْلَمَ، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-: هلْ أنتُمْ تَارِكُونَ لي صَاحِبِي، هلْ أنتُمْ تَارِكُونَ لي صَاحِبِي، إنِّي قُلتُ: يا أيُّها النَّاسُ، إنِّي رَسولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ جَمِيعًا، فَقُلتُمْ: كَذَبْتَ، وقالَ أبو بَكْرٍ: صَدَقْتَ” [صحيح البخاري].

وهو الذي قال عنه النبيّ -صلى الله عليه وسلم-: “لو كُنْتُ متَّخِذًا خليلًا لاتَّخَذْتُ أبا بكرٍ خليلًا” [صحيح مسلم]. لمَ هذا كله لم يدخل عجبًا إلى قلبه؟ لأن هذا دأب الصالحين من عرفوا ربهم حق معرفته ومن عرفوا أنفسهم حقّ معرفتها! فنراه يومًا يسقط منه خطامه وهو خليفة فينزل بنفسه ليلتقطه. وحين يعاتبونه يقول لهم:

وصّاني خليلي ألّا اسأل النّاس شيئًا.

وتراه يحلب للأرامل قبل وبعد خلافته على ثقل المسؤولية وضيق وقته وكثر همومه ومصائبه، ويمشي بين النّاس كواحد منهم، بل لمّا سير جيش أسامة كان يسير على قدميه وأسامة راكب فترجّاه أن يركب أو ينزل هو، فكان رد الصديقّ: “والله لا تنزل، ووالله لا أَركب وما عليّ أن أغبر قدمي ساعة في سبيل الله”.

خاتمة

قد توقفت رحلتنا ها هنا ليس لأننا قد خضنا البحر كله؛ بل لأننا لن ندركه كلّه. فنفس أبي بكرٍ مليئة باللؤلؤ والمرجان الذي لم نظفر به في رحلتنا هذه بعد، ولو حاولنا وتحدثنا لن نعطي مقام الصدّيق حقه، ولكن ما لا يدرك جله لا يترك كله! فالصديّق قدوة من أول القدوات التي يجب أن نقفو أثرها ونهتدي بهديها. الصّدّيق كان ورعًا تقيًا حليمًا حكيمًا غضوبًا لله وقافًا عند كتاب الله، كريمًا وفطنًا. كثير لم أتطرق له بما يكفي، فاللهم ارضَ عن ثاني اثنين وأرضه واجمعنا به في جنات عدن، واحشرنا في زمرته، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “أنت مع من أحببت” [صحيح البخاري].

567

المصادر
الكاتب

أمجاد عوده

خريجة إدارة، قارئة ومُهتمة بالعلوم الشرعية والفكرية، تسعى لأن تكون ذات أثرٍ لأمّتها.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.