لم يكن الشيطان ليفوِّت مثل هذه الفرصة في ثَنيِك عن مسيرتك في الالتزام. ولا شك أنه سيعمل كل ما بوسعه ليخلق في نفسك شعور التراجع أو الخوف أو التردد، وإن لم يفلِح معك ولم يتمكن من ذلك فسيؤلِّب عليك مَنْ حولك وقد يصل الأمر لِأَن يتفرغ أحدهم لمضايقتك والسخرية من مظهر الالتزام الجديد ولا يبالي بمروءةٍ أو أدبٍ!

حينها أنت في موقفٍ يتحتم أن تواجهه بحكمةٍ وعقلٍ، أولُه ألا تباليَ بما يقوله ولا تلتفِت لما يَهرِف به، لأنه ليس إلا من ثرثرة الفراغ، ولن يكون حقًا ما خالف أمر الله، ثم استعن بقاعدة (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ). [1]

ولْتستغِل المرحلة في تقوية إيمانك وأنت يحدوك قول ابن تيمية رحمه الله: “من كان إيمانه أقوى من غيره، كان جنده من الملائكة أقوى”. فأقبِل أكثر وتقرب أكثر وتفكر أكثر وألِح بالدعاء أكثر أن يوفقك الله ويسدد خطاك ويذيقك من لذة الإيمان ما يُنسيك عقبات الدنيا.

ثم انتهز الفرصة للعمل على دعوة هذا المرء وهدايته، أهدِه كتابًا يتحدث عن واجب الالتزام. عن إعفاء اللحية أو لبس الحجاب، أرسل له رسائلَ دعويةً بطريقتك، استفِدْ من حالة الثوران التي هو فيها والتي ليست إلا بدافع النقص أو الجهل، بشعورٍ بالذنب إنه يود منك أن تبقى في مرتبته! فكن كريم النفس وأقبل بهدوءٍ وإشفاقٍ تنير له ظلمة قلبه وتبسِّط له المفاهيم وتزرع في نفسه بذرةً من عزة المسلم!

قد يكون شخصًا أكبر مكانةً في أهلك، كوالدك أو والدتك، فعامله بالتي هي أحسن وإياك أن تغضبه ولكن تلطَّف معه وبيّن له وجهة نظرك بالقناعة التي ترسخت في قرارة قلبك، بالحكمة والموعظة الحسنة، وعادةً ما يتفق الأهل في الخوف عليك من تَبِعات هذا الالتزام في بلدٍ يحارب أي مظهرٍ من مظاهره، فذكِّرهم بمعية الله وبأن الله مولى الذين آمنوا.

إنها معالجةٌ نفسيةٌ… ستصبح داعيةً قبل أن تقرر ذلك، ستجد أن الدفاع عن حرياتك في الالتزام أصبح بمنزلة نشرٍ للدعوة في وسطك وهي التجربة الأولى لك كداعيةٍ للخير مبتدئٍ، فكُن على قدرٍ من النجاح قد تجني معه الكثير من الأجر، فقد رأينا من التزم وما لبث حتى التزمتْ أسرته بالكامل، وقد يكون الأمر صعبًا في بعض الحالات ولكن لا أقل من المحاولة. قال تعالى: (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) . [2].

وقد قال بعض أهل العلم: “لو فُرِضَ أنا عَلِمنا أن الناس لا يتركون المنكر، ولا يعترفون بأنه منكرٌ: لم يكن ذلك مانعًا من إبلاغ الرسالة وبيان العلم”.

وهل يحزِنك أن يستهزؤوا بك؟! أو لم تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر عليه ما هو أعظم من الاستهزاء، ولكنه صبر! فما بالنا لا نصبر كما صبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصبر الصحابة رضي الله عنهم من بعده ونحن نحمل ذات الدين بين ضلوعنا، ونسبح بحمد ربٍّ واحدٍ! إنها مسألة أخذٍ للكتاب بقوةٍ وصبرٍ ويقينٍ.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ” قد ذكر الله الصبر في كتابه في أكثرَ من تسعين موضعًا، وقرنه بالصلاة في قوله: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة: 45]، وجعل الإمامةَ في الدين موروثةً عن الصبر واليقين بقوله: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24]، فإن الدِّين كلَّه علمٌ بالحق وعملٌ به، والعمل به لا بد فيه من الصبر؛ بل وطلبُ علمه يحتاج إلى صبرٍ”.

ثم المخالطة التي تحرمك متعة هذا الالتزام اهجرها، ابتعد عنها، لا تقترب مما ينفِر من التزامك أو يحاربه، فلا ترتَدْ ذات الأماكن التي كنت ترتادها من قبلُ وكانت سببًا في غفلتك، حاول أن تتجنب المشي في أماكنَ لا يظهر فيها ملتزمٌ، إنها أماكن يسخرون فيها بكل تأكيدٍ من شكلك الجديد فلا تعطِهم الفرصة على طبقٍ من ذهبٍ.

حين نتغير ونرتقي لا بُدَّ أن نحفظ هذا التغيير وهذا الارتقاء من السفهاء بالابتعاد عنهم ومجانبتهم وإن لزِم الأمر فحدِّد علاقاتك من جديد، كل من يسخر منك فليس أهلًا لصحبتك، وليس لديك الوقت لتعطِّل مسيرتك بسبب غفلته، إن صَاحَبَكَ مُحترِمًا رغباتك وقناعاتك فها قد قبلت به وسعَيت في هدايته، ولكن إن أصرَّ على محاربتك وإلهائك عن مطلبك وغايتك، فابتعد عنه لعله يتعلم منك أن في الحياة ما هو أسمى وأثمن من مجرد صحبةٍ ساخرةٍ.

واجعل نُصبَ عينيك الهجر الجميل: هو هجرٌ بلا أذًى، والصفح الجميل: صفحٌ بلا معاتبةٍ، والصبر الجميل: صبرٌ بغير شكوًى إلى المخلوق.

وتذكَّر قول الله تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ).  [3]. بهذا التصنيف وصف الله عباده، فأيَّ العباد تتوق همتُك أن تكون؟!

ثم إياك وتعدي حدود التعامل مع الجنس الآخر، رجلًا كنتَ أو امرأةً فلا بد من التزام حدود الحديث والتعامل فيما سمح به الشرع لا غير، وإلا فإنه بابٌ آخر للفتنة والتراجع وجب إيصاده.

وابحث عما يُعينك في مسيرتك، عن ملتزمٍ جديدٍ أو قديمٍ أو من يتمتع بخُلقٍ وصدقٍ في النصح، كن مُحسنًا في اختيار رفقتك فإن لم توفَّقْ ولم تجِدْ من يقاسمُك هذه القناعات، ابحث في الشبكة العنكبوتية عمن يبحث، مِثلَك، عن رفيقٍ… ولكن بِحرصٍ شديدٍ، فليس دائمًا الظاهرُ كالباطنِ لمن بدا أنهم استوحشوا الطريق وبات الإنترنت صديقهم الوحيد.

فالإنترنت صديقٌ يقدم لي المحاضرات التي أريد… يبحث لي عن المقالات التي أحتاج، يبسُط لي الدردشات مع أهل الفضل وأصحاب الهمم… يفتح لي الآفاق للتعلم والعمل، يحيطني علمًا بأخبار أمتي وهموم المسلمين لأكون على درايةٍ بما يدور من حولي، إنه بحرٌ زاخرٌ إن أبحرنا فيه بتقوًى وهمةٍ عاليةٍ جنينا منه خيرًا كثيرًا وصَيدًا وفيرًا، وإنه بحقٍّ صحبةٌ ثمينةٌ فأحسِن استعماله والاقتداء بالناجحين فيه وإياك وتلبيسات إبليس الذي سيحاول أن يعرِّج بك في مستنقعات الفساد والضياع فينزل بك لمراتب الردى والانحدار ويؤول بك الحال إلى الندم الشديد لاتباعه والاغترار به (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ). [4].

جميلٌ أن تتعرف على أصحاب الهمم… الأصدقاء الجدد… من يحمل ذات همك وهدفك وربما تجربتك، من لجأ إلى الإنترنت يتزود من خيره ويسترزق الأجر من الدعوة عليه، بل قد تجد لنفسك كل الصحبة وأبواب العمل على الإنترنت إن ضاقت عليك الأرض بما رحُبت.

ضع قائمةً بأفضل المواقع والحسابات التي تستحق المتابعة، كن على اطلاعٍ جيدٍ بكل ما يغذي فضولك في بحر الالتزام والاستقامة، استمع واقرأ لتجارب الغير فإنها تعزز الثقة لديك وتُلهب فيك الأفكار وربما تُكسِبك فرصًا أخرى لمزيدٍ من الارتقاء.

إن الصحبة الصالحة ومرافقة الهمم الصاعدة والتسابق في الخيرات والاقتداء بالنماذج الناجحة وتحديد الأهداف السامقة كل هذا يشكِّل الوسط الجديد الذي عليك أن تضع نفسك فيه وتنتشلها من كل ما يُنزِلها للقاع ويهوي بها في مهبات الضياع.

قال شيخ الإسلام: “الناس كأسراب القَطا(طيور)، مجبولون على تشبُّه بعضِهم ببعضٍ” فاختر من تُصاحِب فإنك حتمًا ستأخذ منه ويأخذ منك.

ولا شك أن القيام على الطاعة سيكون أسهل مع رفقةٍ صالحةٍ فقد قال الله تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا)[5].

وإن عثرتَ على صحبةٍ صالحةٍ، تعينك على الطريق فهذا فضلٌ من الله عظيمٌ، وإلا فأنت الملتزم المجاهد المجتهد، من أدرك نعمة الله عليه فشكر وأَخْبَتَ، حين علم أن الدنيا يعطيها الله للكافر والمؤمن على حدٍّ سواءٍ، والبَر والفاجر والمنافق بلا اختلافٍ، لكن الدين لا يعطيه إلا من يحبه قال صلى الله عليه وسلم:(إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الإيمان إلا من يحب، فإذا أحب الله عبدًا، أعطاه الإيمان)[6] فإن أُعطيتَه فاحفظْه بالشكر والإخلاص، بالصبر والاجتهاد، بالامتنان والدعاء.

وإن قلت ما زال أمامي الكثير لأتعلمه فاعلم أن العلم بحرٌ لا ساحل له وكذلك يقول العلامة في عصره ومن ذاع صيته في كتابة العلم، إذًا فارتشِف واستزِد ولا تَكِلَّ ولا تمَلَّ، إنما هي نعمةٌ من الله يمُن بها على من يشاء من عباده… فإن رأيت في نفسك نَهَمًا لطلب العلم، فامضِ على بركة الله لعل الله يفتح عليك آفاقًا وآمالًا، وإن رأيت هواك في الدعوة لله، وأشفقتَ على من تخلَّف عن هذا المركَب الميمون، فخُض غمار الدعوة وترفَّقْ و لا تنطلق فيها مندفعًا بحماسةٍ، بل متأنيًا بعلمٍ وبصيرةٍ، لأن الحماسة عمرُها محدودٌ والأناة تدوم بطولٍ…

ثم تذكَّر هذه القاعدة المفيدة: قال الإمام النووي رحمه الله في كتابه ” الأذكار”: ” اعلم أن فضيلة الذكر غيرُ منحصرةٍ في التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير ونحوها، بل كلُّ عاملٍ للّه تعالى بطاعةٍ فهو ذاكرٌ للّه تعالى، كذا قاله سعيدُ بن جُبيرٍ رضي اللّه عنه وغيرُه من العلماء، وقال عطاءٌ رحمه اللّه: مجالسُ الذِّكر هي مجالسُ الحلال والحرام، كيف تشتري وتبيعُ وتصلّي وتصومُ وتنكحُ وتطلّق وتحجّ، وأشباه هذا”.

ففضلًا عن الزاد الذي عليك أن تحصّله في هذه المسيرة، من العِلم الفرض الذي عليك معرفته وقد تُعلِّمه لمن حولك وتكسب الأجر بتبليغ الآية والحديث وبعض الفقه، هناك المعاملات في مجالات الحياة، والاستقامة والإحسان من خلالها.

لقد دخلت مضمار مسابقةٍ واسعًا، فيه الفرص تتوالى وتتكرر، فكن ذا الأيدي، كن الأواب، كن الذي لا يحمل همًّا إلا الفوز بأكبر رصيد حسناتٍ، والله لا يضيع أجر المحسنين والله يضاعف لمن يشاء.

قال ابنُ القيّم:” الصّادق مطلوبُه رضى ربه، وتنفيذ أوامره، وتَتَبُّع محابِّه، فهو متقلّبٌ فيها، يسير معها أينما توجهت ركائبها، ويستقل معها أينما استقلت مضاربها! فبينا هو في صلاةٍ، إذ رأيتَه في ذكرٍ ثم في غزوٍ ثم في حجٍ ثم في إحسانٍ للخَلق بالتّعليم وغيره من أنواع المنافع “.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: “من تعلَّم العلم الذي بعث الله به رسله، وعلَّمه لوجه الله كان صِدِّيقًا” تأمل معي مرتبة صِدِّيق! إنها المرتبة الثانية مباشرةً بعد مرتبة الأنبياء وهذا طريقٌ لنيل شرفها، أفلا تستحق المثابرة!

وفي الأخير، فإن الإنسان إذا كان مقيمًا على طاعة الله باطنًا وظاهرًا؛ كان في نعيم الإيمان والعلم، واردًا عليه من جهاته، وهو في جنة الدنيا كما وصف ذلك ابن تيمية رحمه الله.

فما أجمل الترقي في سلم الالتزام وما أجمل الاهتمام بمعالي الأمور والترفع عن سفاسفها، وما أجمل حياة الاستقامة وما أبلغ معانيها، رزقك الله صحبةً صالحةً وأقر عينك بمعونةٍ وثباتٍ.


الهوامش

[1]  الأعراف 199.

[2]  النحل 125.

[3]  فاطر 32.

[4]  البقرة 208.

[5]  الكهف 28.

[6]  أخرجه البخاري في الأدب المفرد (275)

205

الكاتب

د. ليلى حمدان

كاتبة وباحثة في قضايا الفكر الإسلامي، شغوفٌة بالإعلام وصناعة الوعي، صدر لي ستة كُتب حتى الآن (نجوم على الطريق، وصفحات من دفتر الالتزام، وإليكِ أنتِ، وقبس من خاطر، وأمريكا التي رأيت، وقراءات مختصرات).

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.