ننتقل هنا للحدیث عن أول شيء یتبادر للأذهان عندما نتكلم عن النظام السیاسي في الإسلام وثوابته، وهو موضوع “الحدود” فهي قضیة تشغل أذهان الكثیرین!

الحدود في النظام السیاسي الإسلامي

الحدود في الإسلام

لا یمكن لأحد یؤمن بالقرآن أن ینكر وجود الحدود، وإذا تأملت الحدود في النظام السیاسي في الإسلام ستجدها تتعلق بالجرائم المجتمعیة أو ما یسمى فقها “الجنایات”، فهي جرائم فیها جنایة خطیرة تجاه الآخرین أو فیها جنایة على الدین والمجتمع معًا كالردة المعلنة.

فمثلًا: الزنا العلني -الذي یشهد علیه أربعة فأكثر- والاغتصاب والسرقة -بصورتها المذكورة- والقذف المعلن للأعراض والسكر العلني والحرابة إضافة إلى القتل العمد، كل هذه جرائم مجتمعیة خالصة، ولیست ذنوبًا شخصیة.

فالذنوب الشخصیة والتي لم تبلغ حد الاستعلان والظهور ولم تدخل في حیز المساس بالمجتمع ككل لن تجد فیها حدودًا، والأصل فیها الستر كما ستر الشخص فیها نفسه، ولا یصح التنقیب عنها ولا تتبع عورات الناس فیها، فالمجتمع المستقیم یجب أن یُبنى على الخوف من الله لا الخوف من الحدود، وإنما العقوبات لمن نشز وشذ عن هذا الأصل وأصبح مستعلنًا بفسقه وفجوره ومعتدیًا على حقوق الناس.

جاءت الحدود بهذه الصورة القاسیة التي قطعًا تهز النفس لأن المقصود منها بالأساس الردع والوقایة وأن یمتنع الشخص عن الجریمة من البدایة، ولیس المقصود منها العقوبة بعد الجریمة فقط، فالحدود وقایة قبل أن تكون علاجًا، وكأنها ترسم بصورتها القاسیة إطارًا من نار حول المجتمع، وتضع خطوطًا حمراء بارزة لمن انحطت نفسه وفجرت وانعدم فیه كل معاني الدین والمروءة والأخلاق لتقول له:

إذا لم تضع أي اعتبار لأي شيء، فهناك مانع قاس كبیر یمنعك من جریمتك وهي الحد الذي ینتظرك فلا تقترب من هذه الجریمة وعُد إلى رشدك، فإن لم یكن خوفًا من الله فخوفًا من الحد القاسي على الأقل!

ولذلك فالمقصود فعلًا أن تكون الحدود بتلك الصورة القاسیة، وكونها تثیر اشمئزازًا في النفس ونفورًا فطریًا فهذا غرضها وهذا المقصود منها، والذي یصر بعد كل هذا على فعل جریمته تجاه المجتمع فهو شخص لم یردعه أولًا خوف من الله، ولا خوف من الناس، ولا نفع معه أمر بمعروف ونهي عن منكر، ولم یضع أي اعتبارات لأخلاق أو مروءة أو ضمیر، ثم لم یردعه الخوف الفطري الطبیعي من إقامة الحد القاسي علیه في الدنیا، فهو إذًا یستحق الحد بلا رحمة ولا رأفة، ولیكون عبرة لمن بعده، فتلك نفسیات شاذة خطیرة جدًا في المجتمع.

بل هذا -والله- الخیر له هو نفسه لیقیه الحد شر نفسه في الدنیا قبل أن یذوق وبال الآخرة! هناك محاولات دائمة لإظهار الحدود بصورة ساذجة، حتى ظن البعض أن أي اثنین سیذهبون للشهادة ضد أي أحد فسیُقام علیه الحد!، هكذا بهذه البساطة والسذاجة!

وكأنه من السهل أن یُقام الحد على أي أحد! وبالطبع هذا ظن لا علاقة له بالواقع ولم یحدث في تاریخ المسلمین قط ولا حتى في أكثر عصور التدهور الدیني! ومن له بعض الدرایة الفقهیة یعرف كیف أن إقامة الحدود لیست بالأمر السهل مطلقًا ولا الهین!، فإثبات التهمة على الشخص لیست بهذه السهولة ولا السذاجة.

بل قد تجدها أصعب بكثیر من إثبات التهم الموجود في المحاكم الوضعیة الیوم، ومناقشة الأدلة الجنائیة وسماع الشهود ومناقشتهم ودفع الشهادة بالشهادة المعارضة وإعطاء حق الدفاع معمول به في الإسلام، إضافة أصلًا لأن الحدود یتم دفعها بالشبهات، فشبهة البراءة ولیس البراءة فقط تدفع الحد، وهذا شيء تختص به الحدود من دون باقي العقوبات فهي لا تقام إلا بعد ثبوتها بصورة قطعیة لا یتطرق إلیها الشك.

بل حتى مجرد الاعتراف لا یثبت الحد بدون مناقشة الاعتراف نفسه والتأكد من صحته، ومسائل التفرقة بین المتلبس وغیر المتلبس، وتقییم الأدلة ومناقشتها، وسماع شهود الطرفین، وسماع الدفاع، كل هذا تأمر الشریعة بإعماله.

وكذلك التقنیات الحدیثة في الإثبات والاستدلال كالطب الشرعي فإنها مما یلزم القضاء استخدامه وصولًا إلى الحق في المسألة.

والقضاء في الإسلام علم كبیر واختیار القضاة لیس بالأمر السهل، ولابد من توافر شروط كثیرة فیهم، والأمر بالطبع لیس حكمًا یصدر في زاویة من إمام مسجد!! نحن نتكلم عن نظام ومؤسسات ومجتمع وقضاء ومحاكم وأدلة وعلم، فمن خوّف الناس من الحدود بعد هذا فهو إما جاهل بها وبشروطها أو أنه ممن یبغونها عوجًا ویدّعون رحمة بالخلق أكثر من الخالق!

ملخص الفارق بین الشورى والدیمقراطیة

الشورى هي استشارة من یعلم فیما یعلمه، كاستشارة المتخصصین في تخصصهم، حتى یستطیع المرء أن یصل إلى الحق، فالتشاور هو بحث ومناقشة وتنقیب بغرض الوصول للحق وفعل الأصلح. وحتى لو كان الشخص عالمًا متخصصًا فیجب ألا یكتفي برأي نفسه لأن رأي الاثنین سیكون أكثر إثراء من رأي الفرد، ورأي الثلاثة سیكون أفضل من الاثنین وهكذا، هذا بشرط أن یكون تعدد الآراء والمناقشات كلها مبنیًا على العلم لا الجهل، وأن یكون الغرض منها هو الوصول للحق وللأصلح.

وإذا كان الغرض والهدف في الشورى هو الوصول للحق، فبالتالي لا یوجد شورى في الثوابت ولا في الأمور القطعیة لأن الحق محسوم فیها بدون استشارة.

أما الدیمقراطیة فهي التحكیم المطلق لإرادة الأغلبیة، أیًا كانت هذه الإرادة مبنیة على الجهل أو العلم، مبنیة على التخصص أم لا، ولا یهم أن تكون الأغلبیة على صواب أو خطأ، المهم هو أن ما أرادته الأغلبیة یتم، هكذا بدون أي مقومات ولا معاییر ولا ثوابت، فالدیمقراطیة هي أخذ رأي كل أحد في أي شيء، ولیس مهمًا فیها الوصول للحق ولا للأصلح ولا للأصوب، ولا قیمة فیها للثوابت أمام إرادة الأغلبیة!

ودعونا نضرب مثالًا بدائیًا جدًا لیتضح الفارق بین الدیمقراطیة والشورى:

إذا افترضنا مثلًا أن هناك 10 أفراد یعیشون في بیت واحد، وقرر 6 منهم فجأة أن یبنوا دورًا جدیدًا فوق البیت، فاعترض ال 4 المتبقون لأن البیت قد لا یتحمل أي بناء جدید، فحتى لو كان المعترضون كلهم مهندسین متخصصین یتكلمون وفق علمهم وتخصصهم وبالحسابات والأدلة فإن كلام من یریدون البناء عند الدیمقراطیة هو الأصلح الذي یجب أن ینفذ لأنهم الأغلبیة حتى ولو كانوا جهلة لا یعرفون شیئًا، ولا قیمة هنا لكلام المتخصصین ولا لمشورتهم، ولا یهم أن یسقط البیت فوق رؤوسهم كلهم!

أما من جهة الثوابت فلو افترضنا أیضًا أن هناك 10 أفراد یعیشون في بیت واحد وقرر الأغلبیة منهم أن كل من یدخل البیت علیه أن یتجرد تمامًا من ثیابه ویصبح عریانًا، فإن المعترضین علیهم أن یلتزموا بقانون الأغلبیة حتى ولو كان هذا القانون یخالف ثوابت الشرع ویخالف العرف والعقل، فإرادة الأغلبیة هي التي ترسم الثوابت!

المشكلة لیست في أن كلام الأغلبیة سیُنفذ فقط، المشكلة أن الدیمقراطیة تدعي أن ما اختارته الأغلبیة یجب أن یتم احترامه، وتعتبره الأصلح والأصوب والأفضل!! وهو ادعاء ینسفه الواقع، وینسفه التاریخ، بل وینسفه قول الله تعالى: (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ یُضِلُّوكَ عَنْ سَبِیلِ اﻟﻠﮧَّ) .

وبذلك تعرف أن من یقول لك أن الدیمقراطیة هي الشورى فهو جاهل لا یعرف لا الدیمقراطیة ولا الشورى!

اضغط هنا لتحميل كتاب معركة الأحرار كاملًا PDF – الطبعة الثانية

324

الكاتب

أحمد سمير

ناشط ومهتم بالشأن الإسلامي والعالمي.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.