كثيرة هي الشُّبَه التي ألحقت بدين الإسلام على مر العصور، يخفت ويغيب تشويش بعضها -ولو مؤقتًا-، لكن أغلبها كلما غاب تم استدعاؤه من جديد للحضور على وجه السرعة؛ لدعم مخططات جديدة وشعارات أكثر جدة. ومن هذه الشبه، شبهة “انتشار الإسلام بالسيف” وهي شبهة قديمة جديدة. قال بها المستشرقون ثم تلامذتهم من المسلمين، والآن يرددها الكثير من ملحدي البلدان الإسلامية؛ بناء على قراءات مغلوطة وعجلى للتاريخ الإسلامي؛ مما يعني أن المروجين للشبهة كثر وأدلتهم أيضًا عديدة. وهنا دفعانِ يدفعان الشبهة من أصلها.

الدفع الأول: مخالفة الشبهة للقرآن والسنة

انتشار الإسلام بالسيف

أولًا: مخالفة الشبهة للقرآن 

لم يثبت أن المسلمين أرغموا غيرهم على اعتناق الإسلام عن طريق السيف، بل تُرك اعتناقه للقناعة الشخصية تطبيقًا للقاعدة الربانية: ﴿وَقُلِ اِ۬لْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُومِنْ وَّمَن شَآءَ فَلْيَكْفُر﴾[4]. وما الرسول إلا مبلغ مبين لا سلطة له لإكراه الناس على التحول من الكفر إلى الإيمان، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَوۡ شَاۤءَ رَبُّكَ لَـَٔامَنَ مَن فِی ٱلۡأَرۡضِ كُلُّهُمۡ جَمِیعًاۚ أَفَأَنتَ تُكۡرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ یَكُونُوا۟ مُؤۡمِنِین﴾[5]. أليس هذا أكبر دليل على زيف مقولة الدين انتشر بالسيف؟ فالقرآن أكد حرية المعتقد في غير آية. على رأسها: ﴿لا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾[6]، والآية “محكمة غير منسوخة، لأن القول بنسخها يتعارض مع قواعد النسخ وضوابطه، ويتعارض كذلك مع نصوص واضحة من القرآن”[7]. نزلت في جماعة من الصحابة، تنصر وتهود أولادهم قبل مجيء الإسلام، ولما جاء الإسلام واعتنقه الآباء، أرادوا إكراه أبنائهم على اعتناق الدين الجديد، فنهاهم الله عن ذلك، حتى يختاروه طواعية[8]. “وهذا نفي في معنى النهي، أي: لا تكرهوا أحدًا على الدين، والصحيح أن الآية على عمومها في حق كل كافر”[9].

فإغماض العين عن أدلة القرآن ورقة رابحة في يد الملحدين والمنصرين والعلمانيين وكل كاره لدين الإسلام يتقوى بها، ويدعم بها مخططه الدنيء الذي يرفع شعار “الإسلام انتشر بالسيف”. مع العلم أنه  لم يرد اسم واحد للسيف في القرآن، للدلالة على الغاية من بعثته، فكل ما ورد يفيد التبشير، النذير، التعليم، والهداية، والرحمة. ﴿إنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلاَ تَسْأَلْ عَنَ اَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾[14]، و﴿يا أيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤمِنِينَ﴾[15]، و﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [16]، و﴿يا أيُّهَا النَّبِيءُ إنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إلَى اللهِ بِإذْنِهِ وسَرَاجًا مُنِيرًا﴾[17]، و﴿وإن جَنَحُوا للسَّلْمِ فَاجْنَح لهَا وَتَوَكَّل عَلَى اللهِ إنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾[18].

أي إذا اعتدوا بنوع من العدوان، وبدأ القتال بين المسلمين والمعتدين، وقرروا لسبب من الأسباب طلب السلم؛ أمر الله بقبول هذا الطلب، لأن الحرب ليست هدفًا، بل سبب لدفع الظلم الواقع. فالرسول لم يكن يشتهي الحرب ولا يتمناها، وأوصى أصحابه ألَّا يتمنوها. والدليل قوله:{يا أيها الناس لا تمنوا لقاء العدو. وسلوا الله العافية. فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف}[19]. وأمثلة كثيرة تدل على أن الرسول بعث رحمة لا نقمة، وليس لقتال الناس جميعًا كما يحاولون عبثًا من خلال هذه الشبهة.

ثانيًا: مخالفة الشبهة للسنة

انتشار الإسلام بالسيف

ثبت عن الرسول ﷺ من السنة العملية ما يرد هذه الشبهة ويجعلها في مهب الريح. ومن ذلك ما قام به من موادعة يهود المدينة أول مقدمه إليها، ووثق ذلك في كتاب بينه وبينهم “واشترط عليهم أن لا يمالئوا عدوه، وأن ينصروه على من دهمه”. كتبت وثيقة الموادعة قبل غزوة بدر بسنة وأيام، ومن بين بنودها “من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم .. واليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين .. لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم إلا من ظلم نفسه فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته…”.

فمن خلال هذه البنود وباقي بنود الوثيقة، يتبين أن اليهود كانوا جزءًا من النسيج المجتمعي في المدينة؛ لهم حريتهم الدينية، لهم حقوقهم وواجباتهم التي دونت في وثيقة دستور المدينة. لكن طبعهم غلب ما أرادوا وأظهروا التطبع عليه “فلم يلتزم اليهود بالمعاهدة التي أبرمها الرسول ﷺ معهم، بل سرعان ما نقضوها ولم يكتفوا بعدم الوفاء بالتزاماتهم التي حدتها، بل وقفوا مواقف عدائية أيضًا، فكان ذلك سبب إجلائهم عن المدينة المنورة”. بعدما أظهر بنو قينقاع الغضب والغل تجاه النصر الذي حققه المسلمون ببدر، وجاهروا بعدائهم وعدم انضباطهم، فأجلاهم الرسول عن المدينة. ومن بني النضير برز كعب بن الأشرف الشاعر يناصب المسلمين العداء بعد انتصار المسلمين ببدر، فزار مكة، وهجا الرسول ﷺ، وحرض عليه كفار قريش، وبكى قتلى المشركين ببدر، ثم رجع للمدينة فشبَّبَ بنساء المسلمين، فأمر النبي بقتله فقتل.

لكن مع ذلك، الرسول لم يؤاخذ بني النضير جملة بجريرة كعب، واكتفى بقتله وحده جراء غدره. لكن قتله كان سببًا في المضي في كيدهم للإسلام، وصل بهم الأمر إلى القيام بمحاولتين لقتل الرسول بعد غزوة بدر، فأجلاهم الرسول عن المدينة بما حملت إبلهم جراء غدرهم ونقضهم للعهود والمواثيق معه. فهذا يعني أنه لم يجبرهم على اعتناق الدين الذي جاء به، بل احترم دينهم وحاول التعايش معهم، لكن رفضوا وجوده بينهم، ورفضوا كل خير يصله حسدًا وغلًا، فأجلوا عن المدينة اتقاءً لشرهم وعقوبةً لهم على خيانتهم. ولو كان أجبرهم على الإسلام لكان واقعهم أحد أمرين الإسلام أو القتل، والإسلام قسرًا يعني انتهاء وجودهم كيهود وهو ما لم يحدث، والقتل لمجرد إجبارهم على الدين لم يحدث أيضًا، والدليل وجودهم لحد الآن.

وتعتبر حادثة فتح مكة دليلًا آخر على تهافت الشبهة؛ إذ لم يقتل النبي خلال هذه الحادثة من آذوه وآذوا أصحابه طول عُمر الدعوة، سواء في مكة أو المدينة بعدما هاجر، بل كان أكثر حلمًا مع أشدهم عداوة له. فقال: {من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن…}[10]. فلو كان كما يزعمون لبدأ بهؤلاء، وما ترك منهم أحدًا. ولكن بما أن هدفه هو أن يخَلُّوا بينه وبين دعوة الناس إلى دين الله، وترك عبادة من سواه، لم يفعل وتركهم ودينهم، فمن شاء فليومن ومن شاء فليكفر.

وما يؤكد هذه الحقيقة أكثر، قصة صفوان بن أمية أحد رؤوس الشرك في مكة[11]، لم يسلم أثناء الفتح، واستعار منه النبي ﷺ دروعًا لحرب “حنين”، فقال له: أغصبًا يا محمد؟ فقال: بل عارية مردودة.[12] أي ليس قهرًا ولا كرهًا. أعار صفوان المشرك الرسول ما أراد ولم يكتفِ بذلك، بل شارك مع الرسول ﷺ دفاعًا عن أرضه بمحض إرادته، وليس دفاعًا عن الإسلام مجبرًا. وبعد انتهاء المعركة وانتصار المسلمين وحصولهم على غنائم كثيرة، تألفه الرسول بالغنائم الوفيرة بقوله ﷺ أيعجبك هذا؟ قال: نعم. فقال خذه فهو لك. فأسلم صفوان بعد ذلك. أيصح بعد هذا المثال القول بأن الإسلام انتشر بالسيف؟

فلو كان الرسول ﷺ والصحابة من بعده أرغموا النصارى واليهود على اعتناق دين الإسلام لما بقي منهم أحد، ولما وجدت كنائس وبيع لهم في كثير من البلدان الإسلامية، التي تعتبر حماية كل أماكن العبادة جزءًا من مسؤوليتها، وذلك على مر العصور وإلى اليوم.

فما أحوج أمة الإسلام إلى البحث والدرس والتنقيب؛ لتصحيح المفاهيم المغلوطة التي أصبحت سلاحًا يرفع في وجهها تشويها للحقيقة، وإساءة للرسول ﷺ، وطمسًا وتشويشًا لمشروعية الجهاد الحقيقية، وهي رد العدوان بكافة الطرق والوسائل. إن كتب السيرة مليئة بالأمثلة على أن الرسول ما قاتل إلا دفاعًا عن دينه والمظلومين من أمته. وما هاجم ولا غزى رسول الله لإكراه الناس على الدخول في الإسلام بالسيف، ولا لأخذ الغنائم والسبايا وإن أحلت له. ففي القرآن أكثر من مائة آية تؤكد أن الإسلام يأبى الإكراه في الدين، “وتفيد أن نشر الإسلام أساسه الإقناع الهادئ، والتعليم المجرد، وترك الناس أحرارًا بعد عرض الدعوة عليهم ليقبلوها أو يردوها”[13].

الدفع الثاني: مخالفة الشبهة لواقع انتشار الإسلام

لو كان الإسلام انتشر بالسيف، لما وصل لمناطق شاسعة من الكرة الأرضية؛ أكد التاريخ عدم وصول جيوش الفاتحين إليها مطلقًا، ولبقي تواجده محصورًا فقط في المناطق التي وصلتها جيوش الرسول والمسلمين من بعده. والأمثلة التي تنفي هذه الشبهة كثيرة سأذكر منها، مثال دخول الإسلام لبلاد الهند الصينية التي تميزت بتضاريسها الوعرة، جعلت التواصل بين مناطقها صعبًا للغاية حتى بين أهل مناطقها. “فإن الجبال والمرتفعات والأراضي القاحلة ومناطق الأحراش تضع سدودًا وقيودًا حقيقية على التواصل والتلاقي”.

وكان الصينيون يقبلون على الهجرة بشكل كبير لممارسة التجارة، فوصلوا إلى كل بلاد شرقي آسيا، ما عدا الهند الصينية؛ بقي وجودهم ضئيلًا جدًا لهذا السبب. وغالبية سكان الهند الصينية هم الأناميون الذين سكنوا السواحل، “فانتشر الإسلام وعم معظمهم، لأن وجودهم على السواحل واشتغالهم بالتجارة يسَّر اتصال الإسلام بهم فدخلوا فيه”. طواعية بسبب احتكاكهم بالتجار، وهو الأمر الذي لم يرق كهنة البوذية الذين ناصبوهم العداء، وضاعفوا جهودهم لردهم إلى البوذية فلم يوفقوا، وثبتوا على الإسلام، وبنوا المساجد في بلادهم بأنفسهم وليس من طرف الولاة الفاتحين، كدلالة على تعلقهم وتشبثهم بالدين الجديد. كما ساهم في نشر الإسلام في الهند الصينية “التامول”؛ وهم هنود مسلمون أهل سنة، مشتهرون بالرحلة والتجارة، وإلى الآن لا تزال بقايا المسلمين الأناميين جنوبي الهند الصينية تعيش في أعداد صغيرة.

المثال الثاني: إسلام أندونيسيا (جزر المهراج)

انتشار الإسلام بالسيف

لقد تعرف العرب على جزر المهراج قبل الإسلام، عن طريق التجارة. وبعد دخولهم في الإسلام تغير سلوكهم التجاري مع أهل كل أرض قصدوها؛ حيث “انتهج تجار المسلمين ودعاتهم نهجًا قويمًا في سلوكهم ومعاملاتهم مع الناس؛ مما أدى إلى اجتذاب الناس لدين الله وإدخالهم فيه، فوثقوا علاقاتهم بالناس، واختلطوا بهم وتزاوجوا معهم وأدخلوهم في الإسلام، فنشأ أولادهم مسلمين”. ومن التجار من فضل البقاء في هذه الجزر، وتعلموا لغة أهلها، واشتروا الدور والضياع، وأصبحت لهم منعة وقوة بفضل شبكة العلاقات التي كونوها من الأولاد والأصهار والخدم. فأصبح لهم مكانة رفيعة بين الناس، خاصة بعد إقناعهم للأغنياء وعلية القوم وأهل السطوة من أهل البلاد بالدخول في الإسلام.

ساعدهم في ذلك سلوكهم الحضاري الذي اكتسبوه بفضل الإسلام وثقافته، مما مكنهم من قيادة الناس ومن دعوتهم للإسلام أكثر، فكانت الاستجابة أكبر. فدخل الإسلام سومطرة وجاوة وبورنيو ومجموعة جزائر سِلِبيس وجزيرة لومبوك وبالي، إلا أن هذه الأخيرة انحسر فيها الإسلام بمجيء الهولنديين، لاعتبارها منطقة ذات طبيعة خلابة، ففضلوا إبقاءها مدينة للمتع واللهو والسياحة، وهي إلى الآن كذلك. فلقد وصل من همة التاجر المسلم وحزمه ألَّا يبالي بأي شيء في سبيل نشر الإسلام. “فقد كان بعض رؤساء القبائل الوثنية في دواخل جاوة يشترطون على التاجر الراغب في دخول بلادهم أن يتزوج من الفقيرات والأرامل المسنات ومن لا عائل لهن .. وقد تولى تاجر حضرمي مسلم أمور نحو مائة فقيرة معوزة من بنات القبائل، وتعهد بأن يأتي بأزواج لهم، وفعل، وأمهر البنات والنساء جميعًا وضاع ماله كله في هذا السبيل” فهل مثل هذا يحتاج لاستعمال السيف لنشر الإسلام؟

فمن خلال ما سبق، يتبين أن الإسلام ما كان في حاجة لسيف ولا لسوط من أجل أن يصل شتى مناطق العالم، بل فقط لمن يعيش أخلاق وثقافة الإسلام بصدق، حتى تنعكس على سلوكه مع جيرانه وخدمه، وأهل كل أرض حل بها، والصبر من أجل خلق فرصة إظهار تلك الثقافة وتلك الأخلاق.

120

الكاتب

د. أسماء غيلان

حاصلة على دكتوراه في التاريخ ودكتوراه في أصول الدين، أحب البحث في القضايا التاريخية والدينية.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.