هذا المقال ترجمة بتصرف وقد حُذف منها عدة أجزاء لا تناسب النشر، ولكنها لا تؤثر على المعنى العام المقال الأصلي بعنوان: The sexfluencers لكاتبته: Rebecca Jennings في موقع: vox.com. الآراء الواردة أدناه تعبّر عن كاتب المقال الأصلي ولا تعبّر بالضرورة عن تبيان. ملاحظة مهمة: المقال موجّه للباحثين والمهتمين الجدييّن بمجال الإباحيّة، ولا يناسب الجميع والنساء خاصة.

هناك قاعدةٌ في عالم الإنترنت تُعرف بـ”القاعدة 34″، والتي تفترض أنه: “إذا كان هذا الشيء موجودًا، فهناك موادٌ إباحية عنه”. عادةً ما يتم الاستشهاد بالقاعدة 34 في حالات الجنس الغريبة وغير التقليدية، والتي عادةً ما تكون مُمعنةً في البذاءة والرّذالة، على سبيل المثال، هاجريد، نصف العملاق، الذي وقع في حُبّ هيدويج، بومة هاري بوتر، في الفيلم.

ولكن هناك قاعدةٌ أخرى أقلّ حضورًا، ولا تُطرح في وسائط التواصل كثيرًا، ولم تشعّ في الواجهة إلا خلال العقد الماضي، فلنسمِّها بـ”القاعدة 43″، وتفترض هذه القاعدة أنه: “إذا كان لك حضورٌ كافٍ في وسائل التواصل، فسيَرغب شخصٌ ما في الحصول على موادٍ إباحية منك”.

عندما يحدث هذا للمرة الأولى، فإنه يمكن أن يفاجئك. قالت لي صديقتي ماري قبل بضعة أشهر: “اعتقدن أنه يعبث معي”، مُستَحضِرةً الرسائل الأولى التي تلقتّها من شخصٍ غريب اقترح عليها العمل في مجال الجنس الافتراضيّ بمقابلٍ ماديّ. “اعتقدت أن هذا الشخص سيجري هذه المحادثة السخيفة معي ويلتقط صورًا عنها لينشرها في جميع أنحاء الإنترنت. لقد كنت مترددة، بعد ذلك قمت ببعض البحث”.

ماري – التي غيرت اسمها، تعمل في مجال الجنس الافتراضي، ولديها أكثر من مئة ألف متابعٍ على الإنستغرام. وهي مناضلةٌ منذ نعومِ أظافرها، وهذا ما عرفته عنها عندما التقينا أول مرةٍ في المدرسة الإعدادية، وهذا شيءٌ تنسبه إلى والدتها، التي هاجرت قديمًا إلى الولايات المتحدة، وعملت في محلات البقالة والمتاجر ومراكز التسوُّق لإعالة أسرتها.

إنّها أيضا “مُثيرةٌ” بشكلٍ تقليديٍّ جدًّا، وقول هذا عن صديقٍ أفلاطونيٍّ يُعتبر غريبًا نوعًا ما، لكن يُمكن أن يُعتبر ذو صلةٍ، وأن يُمرّر، في مقالٍ يحكي كيف أصبحت مثالًا لمذهبٍ جنسيٍّ ينتشر بشكلٍ متزايد، قوامه شخصيةٌ رقمية يرسل لها الرجال أموالًا مقابل صور ومقاطع فيديو تعرض فيها مفاتنها، أو حتى لمجرّد ردٍّ نصيّ.

لا يعني المال دائمًا الجنس، فالمرسِلُ قد لا يحصل على أي خدمةٍ جنسية نظير المال الذي يعطيه. لكنه يرسل المال لأسبابٍ مختلفة، قد يكون راغِبًا في تقديم نفسه إلى الناس بصفته راعٍ لك، وقد يكون معتادًا على نظام الدعم العشوائي في المواقع المختلفة، لدرجة أن إرسال 50 دولارًا لفتاةٍ مثيرة لا يعرفها يكون أمرًا طبيعيًّا بالنسبة له. المال ببساطة يعني إلى حدٍّ كبير هذا: “مرحبا، أنا هنا، لاحظي وجودي”.

ليس جديدًا أن العديد من الرجال يميلون إلى التحدث إلى أشخاصٍ آخرين بهذه النزعات المنحرفة، لكن الجديد هو كيف يمكن لمُحادثة أن تصبح بسهولةٍ اتفاقًا تجاريًّا، وكيف استخدمت العديد من “المؤثرات” هذا كمنبعٍ متدفقّ بالمال والإيرادات.

وبفضل الوباء، الذي جعل العديد من الناس في بيوتهم يقضون أوقات فراغهم في التحديق الحميميّ في الشاشات، وظهور المنصات التي تدمج التواصل الاجتماعي بالعمل الجنسي، تحولت صانعات محتوى “الفانيلا” إلى الجنس، بجميع أشكاله التي تعد ولا تُحصى، كمصدر دخلٍ جانبي.

من الناس من قد ينظر إلى العدد المتزايد من الأشخاص، الذين يُحتمل أن يكونوا يُعانون من الوحدة، ويدفعون مقابل علاقات حميميّة رقمية، وأولئك اللاتي يبِعنَها، على أنها نتيجة مأساوية لمسارات اقتصادية واجتماعية فاشلة، وخاطئة، وضلّت طريقها. ومن الناس من قد يعتبر مفهوم “الحبيبة الإلكترونية”، التي تعطي الحب والجنس إلى واحدٍ أو أكثر من متابعيها في وسائل التواصل، علامةٌ على اقتراب العالم إلى ديستوبيا مروعة. لكن ربما لا يعرف هؤلاء الناس ما الذي يفوتهم.

تقول ماري: “لهؤلاء الرجال وصولٌ مباشرٌ إليّ، يمكنهم أن يطلبوا مني ما يريدون رؤيته، وأنا على استعداد لأخذ أموالهم.” ربما تكون هذه بداية نظام بيئي متبادل المنفعة، حيث يكون لبعض المفاهيم مثل “الدِّعارة”، أو “العمل الجنسي”، معانٍ أكثر مرونة، وتبعد في الدِّلالة عن التابوهات، لأن مفهوم “الجنس”، ومفهوم “العمل”، هي مفاهيم مشحونة للغاية، وذات مخزونٍ فكريٍّ واضح، لكن الجمع بينهما غالبًا ما يكون ذا دِلالة غامضة، وغير مقبولة عند الجميع تقريبًا.

إذا كان فهمنا الأساسيّ للعمل الجنسي هو التبادل التوافقيُّ للخدمات الجنسية، فإنّي لم أجد من بين العاملات في مجال الجنس أو الخبراء الأكاديميين الذين تحدثت إليهم بشأن هذا المقال مقدرةً لأي منهم في تقديم تعريفٍ ثابتٍ، صارمٍ، وواضح للنقطة التي يبدأ منها الخط والنقطة التي إليها ينتهي.

ولكن، إذا أصبحت فكرة العمل الجنسي أقلّ جلْبًا للعار، فهل ستخضع العاملات في هذه الصناعة، واللاتي هن أكثر عرضة للعواقب القانونية، والجسدية، لجرعةٍ من الازدراء أقلّ؟ أو، كما يجادل العديد من العاملين في مجال الدّعارة، هل سيُساهم تدفق صنّاع المحتوى على بعض المنصات في توسيع الفجوة بين صُنّاع المحتوى الذين يكسبون عيشهم عبر الإنترنت، وأولئك الذين بالكاد يقدرون على كسب أي شيء؟

ولكن هذا العمل، بالرغم من كونه مُربِحًا جدًّا في بعض الأحيان، غير مستقر بطبيعته. ففي أواخر أغسطس على سبيل المثال، أعلنت إحدى المنصات التي يعمل عبرها هؤلاء أنها سوف تحظر المحتوى “الجنسي” من موقعها، في محاولةٍ من الشركة للظهور بمظهرٍ شرعيٍّ للمؤسسات المالية الكبرى، وفيما اعتبره العديد من المشتغلين بالمجال مثالًا آخر على منصة شركة إلكترونية تستفيد من عملهم، ثم تبيعهم بعد أن ترى أنها لم تعد بحاجة إليهم.

ولكن هذه المنصة، وبعد موجة الانتقادات الكبيرة التي تعرضت لها، أصدرت، بعد أيام قليلة من البيان الأول، بيانًا عكسيًّا تراجعت فيه عن خطوتها. لكنها لن تكون المرة الأخيرة التي يضطر فيها العاملون في صناعة الجنس إلى إعادة مراجعة مشاريعهم بالكامل بسبب أهواء متقلبة لبعض التكنوقراطيين مجهولي الهوية. ولكن على الرغم من كل ذلك، فهناك بعض العاملات اللاتي بسطْن نجاحهن في هذه المواقع.

في أيامها الأولى، كانت المواقع الإباحية تُعتبر، كما سارت القوالب النمطية، أنها مرتع الفاشلين. وقد لوحظ هذا في شهرية كانت تصدر في كاليفورنيا في عام 1998، وادّعت أن أغلبية المستهلكين للمواقع الإباحية هم “مجرد فاشلين اجتماعيًا، يقضون معظم أوقاتهم في غرفهم خافتة الإضاءة، يحدقون إلى شاشات الكمبيوتر، ويدفعون 5.99 دولارًا للدقيقة لمشاهدة نساء عاريات متعرِّقاتٍ يستعملن الحُقَن لتكبير أعضاءهن”.

ومع ذلك، كان المجال مزدهرًا، لقد كانت أرباح بعض المواقع، التي كانت رسوم التسجيل فيها محددة بـ 19.95 دولارًا مقابل 20 دقيقة من التفاعل الشخصي، تصل إلى 60 ألف دولار شهريًا. لقد كانت الإباحية في ذلك الوقت “واحدة من الصناعات القليلة التي تجني المال من الإنترنت، ولقد كانت تُدِرُّ الكثير”، كما كتبت أسوشيتد برس في عام 1997. ربما يرجع السبب في ذلك إلى أن الإباحية كانت دائما هي الأسرع في التكيف مع التقدم التكنولوجي، لقد تأقلمت مع التكنولوجيا من عصر كاميرا الفيديو، إلى التلفزيون، إلى البث المباشر.

من السهل القول إن التسعينيات كانت الوقت المثالي ليكون المرء نجمًا إباحيًّا. لقد كان ممكنًا للعاملات في الصناعة عقد صفقات كبيرة مع استديوهات لصناعة الأفلام الإباحية، والمشاركة في جلسات تصوير فاخرة، منسقة بسلاسة ضمن شبكة من الموزعين والمعلنين والوكلاء. ولكن بحلول أواخر العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، عطلت مواقع الإباحية التي انتشرت، والمملوكة كلها تقريبا لشركة MindGeek الكندية – نظام الاستديو بتقديمها لمكتباتٍ ضخمة من الفيديوهات الإباحية، التي كان معظمها مُقرصنًا، مجانًا.

أما اليوم، فكما أوضحت شيرا تارانت في كتابها: “صناعة الإباحية: ما يجب على الجميع معرفته”، فإن معظم المواد الإباحية على الإنترنت هي من طرف الهُواة، ومُرتَجلة، وذات ميزانية قليلة، وعنيفة معظم الوقت. وقد انخفضت الأجور بنسبة عالية، تقدر تارانت أن الممثلة التي تصور ثلاثة مشاهد جنسية في الشهر، فستربح حوالي 40 ألف دولار في السنة، في حين أن المشهد الجنسي الواحد يمكن أن يجني منه الممثل حوالي 2000 دولار. بينما في التسعينيات، كان من الشائع جدًا أن يوقع ممثلو الإباحية عقود أفلام متعددة؛ قدر أحد وكلاء المواهب أنه في عام 2000، كان يمكن للممثلة الإباحية المتوسطة أن تحقق حوالي مئة ألف دولارٍ في السنة.

لقد أجبرت وسائل التواصل الاجتماعي الجميع على تعلم كيفية تقديم أنفسهم للاستهلاك الرقمي.

ولقد حدث شيءٌ آخر في نفس الوقت تقريبًا أثّر على نوع الإباحية التي يريد الناس مشاهدتها. لم يعد المشاهدون يرغبون في الأفلام المكتوبة التي يأخذ دور البطولة فيها مشاهير، وإنما أراد الناس مشاهدة الأفلام المُرتجلة، التي تجعلهم يشعرون أنهم يشاهدون علاقة جماع طبيعية بمستوى العلاقات التي قد يقوم بها أي شخص. إن بناء العلاقات الطفيلية بين المتابعين والنجوم الإباحيين قديم قِدم ثقافة الشهرة نفسها، لكن وسائل التواصل الاجتماعي ساعدت في سد الفجوة بين الخيال والواقع، وعلمتنا تقدير الأصالة المتصورة لصانع المحتوى فوق كل شيء آخر.

إنه ليس من قبيل المصادفة أن وسائل التواصل الاجتماعي قد ازدهرت بالموازاة مع رغبة العديد من مدمني الإباحية في المواد والأفلام التي من صنع الهواة. ففي عام 2019، تصدرت كلمة “هواة” قائمة المصطلحات الأكثر بحثًا على موقع كذا. وفي السنوات الأخيرة، انضم العشرات من المشاهير إلى منصات مخصصة لعرض صورهن بالبيكيني، أو بعض الصور الأكثر إثارة، لمعجبيهم المستعدون للدفع.

لقد أجبرت وسائل التواصل الاجتماعي الجميع سواء النكرة الذين لا يأبه بهم أحد إلى أكبر نجوم العالم على تعلم كيفية تقديم أنفسهم للاستهلاك الرقمي. والذين برعوا في هذا قد استحدثوا مصطلحات جديدة لتصنيف أنفسهم، كمصطلح “المؤثر”. ولقد أصبحت طبيعة المعاملات في العلاقة بين المؤثر ومتابِعه أكثر وضوحًا: أصبح من السهل إرسال أموالٍ إلى المؤثر، بل يُنصح بذلك، ومع وجود مواقع تُسهّل هذه العملية، أصبح كافيًا لصانع المحتوى أن ينشر روابط الدعم، فيرسل له متابعوه أموالًا دون أن يطلب ذلك بطريقة مباشرة. وهكذا، لم يعد العمل الجنسي عبر الإنترنت بالأمر الصعب.

صناع المحتوى أو “المؤثرات” الصغار اللاتي يستفدن من أتباعهن لكسب المال على إحدى المنصات غالبًا ما يكون دورهن هو “حبيبات إلكترونيات” للمعجبين الأوفياء، لتوفير علاقة حميمية متبادلة. هذه الديناميكية الشعبية المتزايدة لا تمر دون نقد، فقد وصفها أحد الكُتّاب في موقع Medium بـ “أنها مُخادعة لعقلك تجعلك تعتقد بأن لديك علاقة حب حميمية مع أنثى.. لجعلك تظن أن شخصًا ما يهتم بك عاطفيًا.. يعطيك إحساسًا أن هذه المرأة تُقدِّر وجودك.”

من المؤكد أن ظهور الإنترنت تزامن مع صعودٍ لأزمة الشعور بالوحدة. وجدت دراسة أجرتها مؤسسة “عائلة كايزر” عام 2018 أن 22 بالمائة من البالغين في الولايات المتحدة يشعرون في معظم الأحيان أو دائما بالوحدة أو العزلة الاجتماعية. وانخفض متوسط حجم الأسرة في الولايات المتحدة أيضًا، مما أدى إلى زيادة بنسبة 10 بالمائة للأشخاص الذين يعيشون بمفردهم. في حين أن مجموعات مثل incels أو حركة Cancel Porn تختار إلقاء اللوم على النسوية أو الوصول السهل إلى الإباحية، يرى العديد من الخبراء أن الجاني هو ثقافتنا الغربية القائمة على تقديم العمل والإنجاز والفردانية.

تقول إليزابيث بيرنشتاين، أستاذة دراسات المرأة وعلم الاجتماع في كلية بارنارد، إنه خلال عقود من دراستها لطبيعة عمل المشتغلات في الجنس، كانت السمة المشتركة للعملاء الذكور هي جدول العمل المجهد أو الشاق. وتقول: “كانوا يأكلون بمفردهم، ويعيشون بمفردهم، ويقضون اليوم كله منحنين على مكتب”. “لديك ثقافة العمل المُجهِد المرهق، والوباء يُسرِّع ذلك.” تظهر الأبحاث الحديثة أن الأشخاص يقضون أكثر من ساعتين إضافيتين يوميًا عندما يعملون من المنزل.

مهما كانت الأسباب، فإن المزيد من الناس يبحثون عن التواصل الإلكتروني. يوضح فيليب هاماك، أستاذ علم النفس ومدير مختبر التنوع الجنسي بجامعة كاليفورنيا: “الأشكال التقليدية للطريقة التي اعتدنا بها التفكير في الرومانسية والحميمية آخذة في الانخفاض، وقد تصاعدت بسبب الوباء بشكل كبير”. “الكثير من الناس الذين كانوا مترددين فيما يمكن تسميته بالعلاقة الحميمة الرقمية أو الشبكية أصبحوا يقولون: “حسنًا، ليس من الآمن بالنسبة لي تطوير ديناميكية شخصيًا، لذلك سأُجرِّب هذا.”

أعتقد أن ما وجده الكثير من الذين انغمسوا في هذا النوع من العلاقات هو شيءٌ من المعنى، لم يتوقعوا إيجاده، لقد وجدوا أنه يمكنهم التعبير عن أنفسهم بحرية أكبر، بقدرٍ لم يعرفوه ولم يتوقعوه.

بعد أن تم تسريح 22 مليون أمريكي في بداية الوباء، بلغت البطالة ذروتها عند 14.8٪ في أبريل 2020، وكانت وطأتها مركزة على النساء. وجدت دراسة استقصائية أجريت في مارس 2020 أن 52 بالمائة من عمال الوظائف المؤقتة في جميع أنحاء العالم فقدوا وظائفهم، بينما انخفضت ساعات العمل إلى 26 بالمئة.

وجدت دراسة أجراها مركز بيو للأبحاث في يناير 2021 أن ثلثي البالغين العاطلين عن العمل قد “فكروا بجدية” في تغيير حياتهم المهنية إلى شيء يحتمل أن يكون ذا دخلٍ أفضل أو أكثر استقرارًا. وفي ذات الوقت، كان اقتصاد صانعي المحتوى، القائم على العدد المتزايد من الأشخاص الذين يستفيدون ماديًا من محتواهم الرقمي، في انتظارهم. لقد كان وكأنه يعلن لهم، هنا جمهورٌ راغبٌ في مشاهدتك، لدرجة أنهم حرفيًا سيدفعون لك مقابل ذلك.

هذا ما حدث لهيلينا، البالغة من العمر 24 عامًا، عندما أُغلق المطعم الذي كانت تعمل فيه بسبب الوباء. لقد جربت حظها في الكوميديا لسنوات. لكن نكاتها السِّريالية على الإنترنت جعلت لها أتباعًا مخلصين في تويتر.

غالبًا ما كان الرجال يراسلونها على تويتر، ويسألون عما إذا كان بإمكانهم شراء مشروب افتراضي لها. كانت تتلقى في العادة مبالغ صغيرة كــ 10 دولارات فقط أو نحو ذلك، لكن شعرت أنه من المفيد الحفاظ على هذا.

لا يُعلن عن مقدار الأموال التي يكسبها صناع المحتوى في هذه المنصات، لكن أحد خبراء البيانات قدّر أن صانع المحتوى المتوسط يربح 180 دولارًا شهريًا، بينما أغلبية الأرباح، 73 بالمئة من إجمالي الأرباح من الموقع، تربحها فئة من صناع المحتوى نشِطةٌ ولها شعبية كبيرة وتمثل 10 بالمئة من العدد الكلي لصناع المحتوى في الموقع. أما من هم أعلى منهم، فقدّر البعض أنهم يكسبون ما بين 5 آلاف إلى 9 آلاف دولار شهريًا. هذا إذا تجاهلنا المداخيل التي يحصل عليها صناع المحتوى مقابل الصور الإضافية. لكن أعداد المشتركين وحدها، التي تتفاوت حسب القنوات، وتختلف من مؤثر إلى آخر، تكشف حجم الانتشار غير المتكافئ للثروة.

إن ظهور شخصية “المومسة المؤثرة” ليس سوى مثال آخر على ما أشار إليه البعض على أنه “ترقية العمل الجنسي” الذي قدمته الإنترنت. ومع ذلك، حتى في الوقت الذي كانت فيه بعض المواقع الإباحية تجعل أنواعًا معينة من العمل الجنسي أقل خطورة جسديًا منذ التسعينيات، فإن هذا النوع من التحسين لا يتعلق كثيرًا بالإنترنت، بل يتعلق أكثر بتغيير الحقائق الاقتصادية.

بالنسبة لمقال نُشر في مجلة Sexualities، درست برنشتاين من كلية برنارد عاملات الجنس اللواتي اشتهرن في الفترة من 1994 إلى 2002، واللاتي تخرج كثير منهن من الكلية، ولكن لم يستطعن العثور على وظائف بأجور مناسبة. ووجدت أن الضغط الاقتصادي النيوليبرالي – وعدم استقرار الأجور، ونقص الوصول إلى الرعاية الصحية – كان يغير الصورة النمطية والطبقية للواتي يشتغلن في الجنس.

حتى لو حصلت صانعة المحتوى على مبتغاها من هذه المنصات، فإن الانضمام إلى منصة في الإنترنت كعامل جنسي يعني أن يكون مصدر رزقها مبنيًّا على قرارات شركة لا ترغب في الارتباط بها. على سبيل المثال، سعت إحدى المنصات جاهدة ومنذ فترة طويلة للتخلص من سمعتها كمركزٍ للإباحية، وحاولت في سبيل ذلك الترويج لصنّاع المحتوى الآخرين كالطُّهات والمدربين والمؤثرين. فكما ذكرنا، عندما ظن الموقع أنه سيفقد صلته بالبنوك الكبرى، قرر حظر المحتوى الجنسي، المحتوى الذي وهب للمنصة شهرتها، قبل أن يتراجع عن ذلك.

منذ أن وُجد الإنترنت، والعاملات في مجال الجنس معرّضاتٌ لخطر العزل منه. وجاءت أكبر ضربة في عام 2018، عندما وقّع الرئيس السابق دونالد ترامب على قانون “السماح للدول بمكافحة تجارة الجنس عبر الإنترنت”، مما أدى إلى تعديل نادرٍ للقسم 230 في باب “آداب الاتصالات”.

القسم 230 هو المبدأ الموجِّه لِشركات الإنترنت الأمريكية، وهو القانون الذي يحمي المنصات من المسؤولية عن سلوك مستخدميها، لكن القانون الجديد عنى أن المنصات المستخدمة للمساعدة في الاتجار بالجنس أو الدعارة يمكن، في الواقع، أن تكون مسؤولة أمام المحكمة المدنية أو الجنائية حسب الجرم المرتكب. وعلى الرغم من صيحات المشتغلين في مجال الجنس ومجموعات حرية التعبير، فقد دمر القانون فعليًا العديد من السبل التي كان يستند عليها العاملون في مجال الجنس لتحصيل أرزاقهم.

في ديسمبر، تلقيت رسالة مباشرة على تويتر من رجل يُدعى رون يسألني عما إذا كنت أرغب في أن أكون سيدته، والسيدة في هذا الباب تعني شخصية مسيطرة افتراضية تهين شخصًا آخر بالتراضي وتتحكم في أمواله، وتُعرف بعبارة أخرى بالـ BDSM. افتتح رسالته بـ: “مرحباً إلاهتي”، ثم ختمها بـ “أود مناقشة التفاصيل إذا كنتِ مهتمة.”

أخبرني رون أنه قرأ بعضًا من أعمالي واعتقد أنني سأكون متفتحة الذهن، وأنه يعرف أنني، حتى لو لم أرد عليه، فلن أقول شيئًا قاسيًا على الأقل. بعدما طرحت عليه المزيد من الأسئلة، اكتشفت أنه يبلغ من العمر 34 عامًا، ويسكن في الجنوب ويعمل في مجال تكنولوجيا المعلومات، وانتهى زواجه لأنه أصبح مدمنًا، على حد قوله، على الإباحية المرتبطة بالسيطرة والعبودية، وفقد الاهتمام بالتواجد مع امرأة في علاقة تقليدية، وعلمتُ أنه على مدى السنوات الثماني الماضية، كان لديه ما يقرب من 20 إلى 30 سيدة، ويقدر أنه أنفق حوالي خمسين ألف دولار.

أخبرني أنه وصل إلى مرحلة من الحياة حيث لم يعد المحتوى الجنسيّ الخالي من مادة حقيقية يثير اهتمامه، وأنه غير مهتم بعاملات الجنس المحترفات، يقول: “أعتقد أن إقناع فتاة عادية بأن تجعلني عاهرتها يجذبني أكثر”.

هذا بالنسبة لي لا يحدث إلا إذا اجتمع في المرء لقب “المؤثر” بلقب “عامل في الجنس”، أن يعرف المتابع شخصيتك، ويتابعك ويُعجب بك، يجعله مستعدًا لاتخاذ الخطوة التالية، حتى لو كان عليه دفع ثمنها.

لا يزال العمل بالجنس موجودًا عند تقاطع واحدة من أكثر المحرمات تعقيدًا في المجتمع، الجمع بين العلاقة الحميمة ورأس المال. ومع ذلك، فإن مجال صناعة المحتوى عبر الإنترنت الذي يغذي هذه الديناميكية سيستمر بالتأكيد في النمو. والمواقع القائمة على الاشتراك الشهري والتي توفر وصولاً أكبر لصناع المحتوى تتزايد بشكل كبير، والمشتغلات بالجنس “المومسات” مرحب بهن بشكل صريح على مواقع عديدة.

تمامًا مثلما جعل الإنستغرام جميع الناس مصورين فوتوغرافيين، وجعل تويتر جميع الناس كُتّاب رأي، فإن مجرد استخدامنا لوسائل التواصل جعلنا جميعا صُنّاع محتوى، نسعى للحصول على أكبر قدر ممكن من التفاعلات الرقمية في أكبر عدد ممكن من المنصات.

إذا كان الحلم الأمريكي يعني أن تتقاضى أجرًا مقابل عملك لِما تحب، وكان ما تحبه هو تقديم نسخة مثالية من نفسك على الإنترنت، وحشد جمهور من الناس الذي يحبون النظر إليك، فإن الفرق بين “التأثير الاجتماعي” وبين “الدعارة”، أصبح مسألة نسبية. إنها القاعدة 43 مرة أخرى: إذا كنت في رزقك تعتمد على إرضاء جمهور، وكان جمهورك لا يرضى إلا إذا رآك عاريًا، فالأمر متروكٌ لك. ولكن الخط الفاصل بين “المؤثر” و”العامل في الجنس” واضحٌ تمامًا.

في كل الحالات، أنت أصلًا معروضٌ للبيع، وجهك، جسدك، نصوصك الحزينة، وأفظع اضطراباتك، موجودة كلها على الإنترنت، محفوظة كلها عند شركات الإنترنت التي تغوص في منصاتها دون أن تقرأ سياسات الخصوصية الخاصة بها.

قد يبدو العمل الجنسي عبر الإنترنت وكأنه تخريب لهذه المنظومة، لهذه الديناميكية، والتي تُبنى على اتفاقياتٍ تتم من جانبٍ واحد، بين الشركات والمستخدمين. وفي أحد هذه السيناريوهات، لن تكون على درايةٍ بعملية التحويل الفعلي للأموال، أو حتى على علمٍ بما تم شراؤه بالضبط. تتم المعاملات عبر خط تجميع لا نهاية له، وغير مرئي، وبإِعادة تغليفٍ للأجسام البشرية وأسرارها، لتكون بيانات تُساعد أغنى الناس في العالم في سعيهم للبقاء أغنياء. وأنت من ناحية أخرى، وببساطة، مسؤولٌ عمّا تقدمه، ولمن تقدمه.

اقتصاد صُنّاع المحتوى هو النتيجة المنطقية والحتمية لإدراكي أنا وإدراكك أنت أن الإنترنت تتركنا جميعًا نتحمل مسؤولية أنفسنا، ونقاتل بعضنا البعض من أجل الحصول على الاهتمام، ومنه على المال، إنها ليست عالم جميل أو برّاق، إنها لصُنّاع المحتوى، وللجميع، ساحة صراعٍ من أجل البقاء.

201

الكاتب

كودري محمد رفيق

من الجزائر، أكتب في الدين والفكر والتاريخ، أرجو أن أكون مِن الذين تُسدُّ بهم الثغور.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.