عندما أصف الدعاء بأنَّه “فنٌّ”؛ فهذا الوصف يبدو دقيقًا جدًّا، مُعبِّرًا كلَّ التعبير عن حقيقة الدعاء. فمن معاني الفنّ والتفنُّن المشهورة هو التعديد في وسائل إيصال المعنى، وكذلك البراعة في إيصال هذا المعنى. لعلَّ هذَيْنِ المعنَيَيْنِ هُما أَولى المعاني التي تُبادر الذهن حينما يتأمَّل معنى “الفنّ”؛ وكذلك كلاهُما ينطبق على الدعاء في الإسلام. والذي أستطيع أنْ أقول عنه إنَّه “فنّ الوِصال مع الله -تبارك وتعالى-“.

وباختصار سأحاول توضيح هذا المعنى، ومعنى الدعاء العموميّ؛ الذي لمكانته البارزة في الإسلام قد خصَّص له الإمام النووي في “رياض الصالحين”؛ “كتابَ الدعاء”، وتحته أبواب: “باب الأمر بالدُّعاء، وفضله، وبيانِ جُمَلٍ من أدعيته -صلَّى الله عليه وسلَّم-“، “باب فضل الدعاء بظَهر الغَيب”، “باب في مسائل من الدُّعاء”.

ما الدعاء؟

الدعاء

من أهمّ ما يوضِّح فكرة أنَّ الدعاء فنُّ الوصال أنْ ندرك معنى الدعاء. فدُعاء الشخص هو نداؤه؛ فإنْ قلتَ: يا محمد فقد ناديتَه، ودعوته لاستجابتك. وكذلك الدعاء لله يكون في الأصل لندائه؛ إمَّا لندائه المُطلَق من كلِّ غرض إلا استحضار الله -تعالى- في القلب، مِثلما نرى في كلمة: يا ربُّ، أو يا الله التي نسمعها من عباد الله جميعًا في موقف لا يحتاجون فيه لمعونة أو دفع حرج أو غيره. ويقصدون بتلك الكلمة ذلك النداءَ المُطلَق والدعاءَ المُستحضِر مَحضَ استجابة الله، والاستعانةَ بهذا الدعاء على استقامةِ الفعلِ أو الشُّعورِ، أو إشعارِ النَّفس بالأُنس بالله -تعالى-. وهذا هو المعنى الأوَّل الذي كثيرًا ما يُغفل عندما يكتب أحدهم أو يتحدَّث عن الدعاء.

والنوع الثاني من الدعاء هو الدعاء لغرض من الأغراض؛ إمَّا لجلب مصلحة للعبد يراها في نفسه أو في غيره -ما يُعبَّر عنه بدُعاء ظَهر الغيب-، وإمَّا لدفع مشقَّة أو عَنَتٍ ألمَّ بهذا العبد في وقت الدعاء، أو قبله، أو تخوُّفًا واستباقًا لما يأتي في المُستقبل.

وعليه أستطيع أن أعرِّف الدعاء بأنَّه نداء الإله على وجه من وجوه الطلب. وكلمة على وجه من وجوه الطلب أتيت بها لأنَّ العبد مِنَّا تأتيه أوقات يدعو الله فيها بطُمأنينة نفس -مثلًا- من غير أنْ يكون المُكدِّر للنفس واضحًا بيِّنًا؛ فهو يدعو الله بشيء لا يدرك حقيقته أصلًا. وكذلك قد يدعو الله بخير غير مُحدَّد أو برؤية الخير عمومًا وحسب، وأغوارُ النّفس الإنسانيَّة بعيدةٌ بعيدةٌ، لا يكشفها إلا خالقها الذي برأها على ذلك التكوين. وفي هذه الحالات يغمُضُ الطلب أصلًا، حتى يبدو كأنَّه ليس طلبًا لشيء إيجابًا أو سلبًا، إيجادًا أو عدمًا.

الدعاء وعُمق اللُّجوء إلى الله

وإنْ أشعَرَنا هذا المعنى بشيء فسيُشعرنا بمعنى “اللُّجوء”؛ إنَّه اللُّجوء إلى الله -تعالى-. هذا الفعل الذي قد يتعالى الإنسان عنه في أوقات من حياته تعلوها الفتوُّة والقوَّة، وقد يغفل عنه لاهيًا نائمًا سعيدًا لاجِئًا لغير الله من عَرَض الدنيا في أوقات من حياته مُطمئِنَّة هادئة، وقد يتحامق في البُعد عنه وهو يرى بُعد تأثيره أمام التعامُل مع الأسباب الدنيويَّة المُباشرة التي يراها حقيقيَّةً في أوقات قد تضطرب فيها حياته، وقد يتعامى في حُمقه فيظنُّ أنَّه أعلى من طلب استجداء ولُجوء، أو ينسى تمام النسيان هذا الإله في أوقات من حياته تُشعره بالتحكُّم والسيطرة؛ فيعتقد الجهول أنَّ الحُكم له، ولا يدرك أنَّ الحُكم لله جميعًا.

أنَّ الحُكم لله جميعًا؛ يسري هذا الحُكم الأبديّ في بدنه الذي بدأ صغيرًا فيضخُمُ ويعظُمُ حتى يصير إلى هشاشٍ وفُتات. يسري هذا الحُكم في أطوار حياته من ابنيَّتِهِ إلى فتوَّتِهِ إلى أُبُوَّتِهِ إلى جَديَّتِهِ. يسري هذا الحُكم في حاله العُموميَّة من مَحكوم عليه مُسيَّر مسئول عنه غيرُه في الطفولة والصبا والشباب، إلى حاكم مُسيِّر مسئول عن غيره وعن نفسه، إلى أنْ يعود كما بدأ لا يقدر على شيء فيسألون غيره عنه. يسري هذا الحُكم على دائرة علاقاته التي تتسع ثمَّ تتسع، ثمَّ تتصل في اتساعها إلى أنْ يعود فردًا وحيدًا. يسري هذا الحُكم في مجال جسده حين بدأ في ظلام دامس في قبر هو بطن أمِّه النَّسَبِيَّةِ، إلى أنْ يعود إلى ظلام دامس في قبر أمِّه الحقيقيَّةِ وهي الأرض. فسبحان مَن وصف هذا الإنسان بالجهول المُعاند الجَدِل!

ومن هنا نستدعي تصوُّرنا عن “اللُّجوء” الذي يظهر أشدَّ ما يظهر في فعل الدعاء. ولعلَّنا الآن ندرك قيمة الدعاء الذي يُعبِّر عن هذا اللُّجوء، والذي يُعبِّر أيضًا عن “لحظة الاكتشاف” في حياة الإنسان؛ لحظة اكتشاف “الأعلى، الأوَّل، الآخر، الرحمن، الرحيم” مِن دُونِ مُفاضَلَة، “القادر، القيُّوم، الواسع” مِن دُونِ مُفاصَلَة، “الجوَّاد، اللَّطيف، الخبير، الحليم” مِن دُونِ مُساءَلَة، “الحيّ، السميع، البصير، البديع” مِن دُونِ مُعامَلَة، “المتين، المُحيي، المُميت، المُعزّ، المُذلّ، الوارث” مِن دُونِ مُصاوَلَة. لحظةَ أنْ اكتشفتَ؛ فبصرتَ؛ فتحقَّقتَ؛ فدعوتَ. هذا هو الدعاء أخي الكريم.

الدعاء الفريضة الأولى

الدعاء

ولما ذُكر لا تستغرب إنْ قُلنا إنَّ الدعاء هو الفريضة الأولى. تلك الفريضة التي تعرف فيها الله حقَّ المعرفة، وتدرك حقيقة وجودك منها وبها، وتقف عند مقام العبوديَّة لله وقوفًا ثابتًا راسخًا، وتلتجئ فيها أيُّها العبد الضعيف إلى ذي القوَّة والسُّلطان، والعظمة والإحسان. هذا المعنى الذي جاء بصورة إعلان واضح في حديث رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: “الدعاء هو العبادة”. فإنْ عَرَفنا أنَّ العبادة تتركَّب من فعل -والقول داخل في حيِّز الفعل-، وتعبُّد أيْ توصُّلٍ بهذا الفعل إلى الإله الواحد الأحد أدركنا أنْ ليس أعلى من عبادة الدعاء شأنًا.

الدعاء فنُّ الوِصال مع الله

ولعلَّ قارئنا الكريم قد أحاط ببعض معنى أنَّ الدعاء فنُّ وِصال، يتوجَّه به العبد المُفتقر إلى هذا الإله الغنيّ الواسع الكريم. وهو أشعَرُ العباداتِ بالأُنس بالله، وهو من أصدقِ العبادات وأكثرِها تمحُّضًا؛ فهو فعل “مُكاشفة” بين العبد وبين الله عن رغبة إمَّا في الوِصال المُطلق معه، وإمَّا بالالتجاء إليه لقضاء حاجة.

وسمة الإنسان “الضعيف” (وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا) -النساء 28– التي ركَّبها الله فيه تُضطَرُّه إلى اللُّجوء والارتكان إلى جهة؛ نفسه، أو غيره، أو…. لكنْ حين التمعُّن سنجد أنَّها صفة وجِبِلَّة رُكِّبت لتقود الإنسان إلى ربَّ الإنسان؛ فيصله ويُواصله. تقول الآية الكريمة: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) -البقرة 186-.

وفي كونه فنًّا تقول الآية الكريمة -الأعراف 55-:

(ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ).

حيث توضِّح كيفيَّتَيْنِ للدُّعاء؛ التضرُّع وهو التواضع والوقوف عند مقام العبوديَّة -كما وُصف من قبل-، و”خفية” أيْ بستار الخشوع والتوجُّه السليم؛ الذي عُبر عنه بالخفاء. وكأنَّ طلبك ونداءك لله في خفاء حتى إنْ كان دُعاءً جماعيًّا؛ وذلك لصحَّة النيَّة من العبد، وصدق التوجُّه إلى الربّ.

حقائق عن الدعاء

ومن حقائق الدعاء التي من الممكن استفادتها ما يلي:

1- الدعاء هو أخصر -أكثرها اختصارًا- العبادات وأصوبها تحقيقًا لمعنى العبوديَّة. ولهذا به مركزيَّة العبادة؛ فيمكن أنْ يتعبَّد به بقول: يا الله فقط، وفي هذه الكلمة صُلب مفهوم العبادة، وأداء العبوديَّة. تقول الآية الكريمة: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) -النمل 62-.

2- الدعاء “عبادة” مأمور بها، ومن ذلك قوله -تعالى-: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) -غافر 60-. ولعلَّك لمْ تلحظ أنَّك حينما ترجو ما ترجو من الله -من جلب مصالح أو دفع مضارّ- أنَّك تعبده في الوقت عينه. وما عبادتُك بالطلب إلا أنَّك قد تمحَّض عندك أنَّه الإله، وأنَّه القادر على كلّ شيء، وأنَّه وحده جهة الالتجاء. فيا سعدك يا عبد الله الصالح الداعي!

3- الدعاء بالطلب يُسمَّى دعاءً، والدعاء نجاةً من شيء تُسمَّى استعاذة -وهي دعاء أيضًا-.

4- للدُّعاء حيِّز زمانيّ أفضل من غيره. وفي هذا جاء حديث الباب: “قِيل لرسول الله: أيُّ الدعاء أسمع؟ قال: جوف الليل الآخر، ودُبُر الصلوات المكتوبات” أيْ بعد الصلوات المكتوبة مُباشرةً.

5- للدُّعاء حيِّز مكانيّ -أو موقفيّ بالتعبير الدقيق- أفضل من غيره. وفي هذا جاء حديث الباب: “أقرب ما يكون العبد من ربِّه وهو ساجد؛ فأكثروا الدعاء”.

6- الدعاء يكون حضورًا -أيْ لأمر حاضر-، وغائبًا -لأيّ أمر شخصًا أو غرضًا- غائب الآن. سواء كان الغائب محلَّ الدعاء أو غرضه.

7- الدعاء يكون باللسان أو بالقلب.

8- أنَّ الدعاء إذا أقمته بصورة صحيحة، وبقلب سليم أثابك الله عنه ونفعك به حتى إنْ لم يستجب لك في محلِّه. يقول الحديث: “ما على الأرض مُسلم يدعو الله -تعالى- بدعوة إلا آتاه الله إيَّاها، أو صرف عنه من السُّوء مِثلها؛ ما لمْ يدعُ بإثمٍ أو قطيعة رَحم. فقال رجل من القوم: إذا نُكثر”. وفي رواية في كتاب “المُستدرَك”: “أو يدَّخر له من الأجر مِثلَها”.

9- الله نهى عن أنواع دعاء يجب عليك أنْ تعلمها في الحديث: “لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم؛ لا تُوافقوا من الله ساعةً يُسأل فيها عطاءً فيستجيب لكم”.

10- الحديث الشريف نبَّه إلى أنَّ الدُّعاء للشخص هو أبلغ ما تؤدِّيه لشُكره. يقول:

مَن صُنِع إليه معروفٌ، فقال لفاعله: جزاك الله خيرًا؛ فقد أبلغ في الثناء.

لذلك احرص على قول جزاك الله خيرًا.

الدعاء للغير بظَهر الغيب

قد أورد الإمام أمثلة من الدعاء لغير الحاضر من القرآن. منها الآية الكريمة (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ) -الحشر 10-؛ فكما نلحظ يدعون للسابقين عليهم في الإيمان. والآية (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) -محمد 19-؛ وهؤلاء المؤمنون سابقون ولاحقون على الداعي. وهنا نجد الدعاء مستقبلًا ليوم الحشر: (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) -إبراهيم 41-.

وقد أدرج حديثًا ما ألطفه في صُنع التوادِّ والتراحُم بين المُؤمنين، يقول: “ما من عبد مُسلِم يدعو لأخيه بظَهر الغيب؛ إلا قال المَلَكُ: ولك بمِثلٍ”. وكذلك حديث: “دعوة المرء المُسلم لأخيه بظهر الغيب مُستجابة؛ عند رأسه مَلَكٌ مُوكَّل. كُلَّما دعا لأخيه بخير؛ قال المَلَكُ المُوكَّل به: آمينَ، ولك بمِثلٍ”. فأكثر من الدعاء لإخوانك أيُّها العبد الصالح تُسبِّب لك ولهم الخير بإذن الله -تعالى-.

أدعو الله بشيء ولا يستجيب؟!

ومن مسائل الدعاء المشهورة قولهم: أدعو لكنَّ الله لا يستجيب؟ وهنا لا بُدَّ من توضيح مبدأ أنَّ الدُّعاء نفسه عبادة كما تقدَّم، وأنَّها عبادة ناجمة عن أوامر الله العديدة بها في القرآن والسُّنَّة. لذا تذكَّر دومًا حينما تدعو أنَّك تصنع فعلًا تعبُّديًّا. كما لا بُدَّ أنْ تتذكَّر أنَّ الدعاء مُدبَّر منك، أمَّا الاستجابة فتدبير السميع البصير العليم؛ الذي يدري حالك وحال غيرك، والذي يُجري الدُّنيا على مقادير وسُنن. ورؤيتك للموقف ليستْ حاكمًا على الله، وليست دليلًا معك تحتجُّ به على دُعائك. كما أنَّ الدعاء يُصاحبه “العمل” بالأسباب فيما ترغب فيه أو ترغب عنه.

ومن هُنا نعلم أنَّ خلط العقول والأفهام بين “الدعاء” الذي هو عبادة مُنضبطة، وبين فكرة “جِنِّيّ الأحلام” قد يكون سببًا في إيقاع نفسك في هذا الوهم الذي قد يُدخل القنوط إلى قلبك، واليأس إلى نفسك. ولحظتَها يعود عليك تصوُّرُك الساذج ونَفَسُك القصير في أداء عبادة الدُّعاء بنقيض ما أردتَ وما عمِلتَ له.

ومن هُنا يُنجينا تصوُّرنا الصحيح لفكرة “عبادة الدُّعاء”؛ وأنَّه اتصال العبد بالله عن طريق المُباشرة التامَّة بطلب أو دون طلب، من كثير ضلالات تدخل على فكرة الدُّعاء. ثمَّ لعلَّ الله -تعالى- قد أوقع بك ضررًا أو أغراك بنفع كي تدعوه ويكون دعاؤُك هو امتحانك لا الشيء الذي تطلب. فينظر كيف تفعل حين يستأخر عليك الإجابة؛ هل سترتدُّ على عقِبَيْك راجعًا عن طَرقِ باب الله ووِصاله؟ أمْ ستظلُّ تدعوه وتُواصله في أُنس به -وكفى به أنيسًا-؟

وفي هذا الغرض أتى الإمام بحديثَيْن: “يُستجابُ لأحدكم ما لمْ يعجَلْ؛ يقول: دعوتُ ربِّي فلم يستجِبْ”.

لا يزال يُستجاب للعبد -ما لمْ يدعُ بإثمٍ أو قطيعة رَحم- ما لم يستعجِلْ. قِيلَ: يا رسول الله ما الاستعجال؟ قال: يقول: قد دعوتُ، وقد دعوتُ فلمْ أرَ يستجيب لي. فيستحسر عند ذلك، ويَدَع الدُّعاء.

وكما ترى في الحديْثَيْنِ كفاية وإجابة عن مسألتك، وتقرير أنَّ استعجال الطلب من أسباب عدم القبول. ولعلَّك هُنا تستأنس بقاعدة فقهيَّة ونصِّها -فليس غرضها الأصيل هذا- تقول: “مَن استعجَلَ الشيء قبل أوانِه؛ عُوقِبَ بحِرمانِه”.

من دُعاء الرَّسول -صلَّى الله عليه وسلَّم-

أبدأ بإرشاد عامّ؛ فعن السيدة “عائشة” -رضي الله عنها-: “كان رسول الله يستحبُّ الجوامع من الدعاء، ويَدَع ما سوى ذلك”. ومن أمثلة الأدعية الجوامع ما جاء في الأحاديث الآتية:

  • “اللهُمَّ آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار”.
  • “اللهُمَّ إنِّي أسألك الهُدى والتُّقى، والعفاف والغِنى”.
  • “كان الرجل إذا أسلم، علَّمَه النبيُّ الصلاةَ، ثمَّ أمره أنْ يدعو بهؤلاء الكلمات: اللهُمَّ اغفر لي، وارحمْني، واهدِنِي، وعافِنِي، وارزُقنِي”.
  • “اللهُمَّ مُصرِّفَ القلوب صرِّفْ قلوبَنا على طاعتك”.
  • “اللهُمَّ إنِّي أسألك الهُدى والسداد”.
  • “اللهُمَّ إنِّي ظلمتُ نفسي ظُلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت؛ فاغفر لي مغفرةً من عندك، وارحمني؛ إنَّك أنت الغفور الرحيم”.

ولعلَّ نظرك الكريم قد لَحَظَ أنَّ غالب الدُّعاء دائر على تثبيت القلب على الإيمان؛ فاللهُمَّ ثبِّتْ قلوبنا على هداك وطريقك، واحفظنا من الزوال عنه والتيه في طرقات الدنيا وطرقات النَّفس.

314

الكاتب

عبد المنعم أديب

كاتب مصريّ، درس اللغة العربيَّة وتخصص في الفلسفة. صدرت له كتب أدبيَّة، وأكثر من مائة وثلاثين مقالاً، وله مئات من القصائد، وما يقرب من عشرين بحثًا علميًّا.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.