وإذا عرفتَ أنَّ لك موعدًا مع الله خاصًّا فهل تخلفه؟! .. إنَّ الله قد أفرد هدف الإنسان بالعبادة في سُبُلٍ مُعيَّنةٍ وضَّحَها في خطابه؛ فتعبده إيمانًا به، وإخلاصًا له، وإيصالاً لذِكره، وإقامةً لشعائره، وتنفيذًا لشرعه، وإعمارًا لأرضه. هذه هي وجوه العبادة المُحدَّدة من مجموع الأصول الشرعيَّة. وفي كلِّ وقت الله أنتَ على موعد معه، لكنَّ وقتًا مخصوصًا رقيقًا كلَّ الرقَّة قد دلَّنا عليه الرسول للقاء الله، سيكون مَوعدَك الخاصَّ مع الله.

فممَّا أخبر رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- من سُبُل الوصول إلى ربّ العباد قوله “وصلُّوا بالليل والناسُ نِيام”. فهذا هو موعدك الخاصّ مع الله في وقت الليل، وبشعيرة إقامة الليل. ومعنى إقامة الليل عمومًا إقامتُه بكُلِّ عبادة كقراءة القرآن، أو الذِّكر، أو التدبُّر في أحوال النفس مع الله، أو مُراجعتها على مقياس الشرع حتى تستقيم عليه. كلُّ هذه إقامة بالعموم، لكنَّ شعيرةً تجمع كلَّ السابق وتزيد هي إقامته بالصلاة -كما سيأتي في أوَّل عنوان-.

وفي كتابنا الرقيق “رياض الصالحين” -الذي جمع فيه الإمام النووي طُرُق الصلاح لنسلكها- أبوابٌ كثيرة للصلاة. منها ثلاثة أبواب في دعوة العباد للقاء ربِّهم ليلاً تحت عناوين: “باب فضل قيام الليل”، “باب استحباب قيام رمضان، وهو التراويح”، “باب فضل قيام ليلة القدر، وبيان أرجى لياليها”. ولأنَّنا عَرَفنا أنَّ طريق العبادة طريقُ التزام لما وصفه لنا الشارع لا طريق ابتداع واختراع؛ فلنتريَّض في هذه الرياض العطرة كيْ نعرف شيئًا عن إقامة موعدنا مع الله.

لماذا الصلاة خاصةً؟

الصلاة قراءةٌ للقرآن، وذِكرٌ لله، وتدبُّرٌ فيه وفي حالك، بل هي نيَّةٌ طيِّبةٌ منك إلى تقويم حالك، وكذلك فيها مُراجعة النفس أمام الله الذي تقف أمامه. وتزيد على هذا بأنَّها “الطريق الموصوفة من الله -تعالى-” لأبلغ مواطن العبادة، وفيها يكون العبد أقرب ما يكون لله ولنتذكَّر حديث: “أقرب ما يكون العبد من ربِّه وهو ساجد”. ولهذا كانت صلاة الليل تاج إقامته لله، وإفراده به، وإشهادك إيَّاه أنَّك هنا تعبده أيُّها العبد الذي اختار الفلاح.

لماذا قيام الليل خاصةً؟

هذا عن سرّ الصلاة خاصَّةً، أمَّا عن الليل ولماذا هو دون النهار؟ فسأقسِّمها إلى قسمَيْنِ أحدهما يتعلَّق بالظرف الزمانيّ نفسه -الليل-، والآخر بحال العبد فيه. (ولنتذكَّر أنَّنا في سياق الحديث عن الفضل والزيادة وحسب، وإلا فكلُّ أوقات الله لعبادته).

فيمتاز الليل عن النهار بانقضاء العمل -ومَظنُّ الأعمال في النهار دراسةً أو اكتسابًا للرزق-، وخلوّ النفس من همّ العمل، وخُفُوت ضجَّته من رأس المسلم، فضلاً عن هدوء الليل نفسه عن النهار، وقلَّة التلوث السمعيّ والبصريّ الذي نشهده في الأخير، وكونه مَحلاً للسكن والسكون كما في قوله -تعالى- (وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا) -الأنعام 96-، وليس أدلّ في التعبير عن كلّ السابق إلا الآية الكريمة (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا) -النبأ 10- فهو ظرف زمانيّ يأتي ليصبغ النفس بصبغته بأمر الله، وكأنَّه لباس للكون.

أمَّا عن النفس فلنتوقَّع تأثير العوامل السابقة عليها؛ فهذا “الخلاص” من عمل النهار وكَدِّه يُؤدِّي بالنفس إلى “الخُلُوص” لما ستفعله بوصفه مُتعة الوقت الذي تملكه لتذهب إلى العمل بعد ساعات. وهذا الهدوء العامّ إثرَ نوم من حولك يمنحك هدوءًا نفسيًّا، ويُساعد على السَّكِينة. وما سبق فرصة لدخولك في وقت الصَّفاء النفسيّ. وحال صفاء النفس غير حال كَدَرها وهمِّها وانشغالها؛ فكمْ تأتي اللحظات السعيدة في أوقات الصفاء!

وهذه الصفات التي عرفناها عن الليل تصبغ عليه مُتعة في النوم؛ مِمَّا يمنحك أنت فرصة لمُجاهدة لمْ تكُن في الحسبان. فتصوَّرْ معي أنَّ أوقات اليوم البسيطة التي تمرُّ عليك طوال عُمرك تصير فرصة مُجاهدة للنفس، بعد أنْ كانت وقتًا عاديًّا تنفقه كيف تشاء، وكأنَّك خالد أبدًا وكأنَّه لنْ ينفد. ولعلَّ “الشعور بالوقت” من أعظم نِعَم النباهة التي قد تحوزها إنْ ركَّزتَ على استثماره في الصالح.

ويبدو السرّ الأعظم -فوق ما سبق- أنَّك بقيامك لليل تنفذ أمر الله وتمتثل له، وقد نسأل: أهذا هو السرّ الأعظم؟ نعم إنَّه السرّ الذي أسرَّه إيَّاك خالقُ الكون وصاحبُ الزمن الذي يدور. وانظر إلى حالك حين تقوم الليل وأنت تُشهد الله أنَّك تلقَّيتَ سرَّه، وعملتَ به .. وأحبُّ ما يُعبَدُ الله به هو أمره الذي أمر، وأعظم الطاعات هي الطاعة المَوصوفة منه.

ولعلَّ حالة الصفاء من الجانبَيْن: الليل والنفس دلَّ عليهما الحديث ببلاغة ترغيبيَّة تُخفي الكثير الذي تكتشفه حين التأمُّل. يقول الحديث الذي أدرجه الإمام: “إنَّ في الليل ساعةً لا يُوافقها رجل مُسلم يسأل الله -تعالى- خيرًا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إيَّاه. وذلك كل ليلة”. فانعم أيُّها المسلم الصالح بنِعَم ربِّك السابغة ليلاً ونهارًا.

صلاة الليل أفضل الصلاة

ولعلَّ السابق -على متانته واتفاقه مع المنظور المعروف من النفس- يقف مُعضِّدًا فقط أمام الآيات والأحاديث. وهنا نعلم أنَّ النصَّ الشرعيّ الثابت في أيَّة مسألة له السَّبق؛ فهو خطاب الشارع إلينا. وينشأ تأمُّل العقل منه وفي فضائه لا مُناصبًا له الحِكمةَ واختراعَ الأمور. يقول الله -تعالى- في عظم أمر قيام الليل -الإسراء 79-:

(وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا)

ولعلَّنا نلحظ أنَّ الآية قد دلَّت على أنَّ قيام الليل يكون في بعضه “ومن الليل”، وأنَّه نافلة أيْ ليس واجبًا، ودلَّت على جزائه وحِكمة قيامه وهو أنْ يُقيمك الله مقام حمد. وهو من أبلغ مطلوب الشرع.

ويقول: (تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا) -السجدة 16-، وليس هذا وصفًا لعباد الله عامةً، بل هو وصف لعباد الله المُخلصين الذين كأنَّ جنوبهم لا ترضى أنْ تنام عن موعد الليل مع الله. ويقومون راغبينَ فيه خائفينَ حسابهم يوم القيامة، يدعون ربَّهم بما يريدون. ولنتذكَّر قاعدة قرآنيَّة: (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) -الرحمن 60-. وفي وصف هؤلاء المُخلصين الصَّفوة نرى الله -تعالى- يُعدِّد ويُثمِّن لهم عملهم فتقول الآية: (كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ) -الذاريات 17-، وكأنَّ هذه الآية استجابة الإشهاد؛ حين قامت هذه الصفوة في الليل تُشهد اللهَ على عبادتها وإخلاصها. ونرى الإمام قد أورد حديثًا ينصُّ نصًّا على أنَّها الأفضل: “أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل”.

حثّ النبيّ على إتيان موعد الله ليلاً

واستمِعْ إلى حثّ النبيّ يقول: “نِعْمَ الرجُلُ عبدُ الله لو كان يُصلِّي الليل” وهذا أسلوب مدح خصَّ فيه الرسول مدحه لهذا العبد الذي يصلي الليل، ويا له من فضل أنْ تكون مَمدوحًا من رسول الله! .. ونجد في حديث آخر نهي أنْ يترك العبد قيام الليل -وليس النهي هنا تحريمًا بالقطع- بعد أنْ فعله، يقول: “يا عبدَ الله لا تكُنْ مثل فُلان؛ كان يقوم الليل فترك قيام الليل”. وقد مرَّ حديث: “وصلُّوا بالليل والناس نيام”.

وأسوق حديثًا أدرجه الإمام يقول: “يعقدُ الشيطانُ على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاثَ عُقَدٍ. يضرب على كُلِّ عقدة: عليك ليلٌ طويلٌ فارقُدْ. فإنْ استيقظ وذكر الله -تعالى- انحلَّتْ عقدةٌ، فإنْ توضَّأ انحلَّتْ عقدةٌ، فإنْ صلَّى انحلَّتْ عقدُهُ كلُّها. فأصبح نشيطًا طيِّب النِّفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان”. فكما ترى قيام الليل دعوة مُجاهدة للشيطان الذي يوسوس لك، ولا يقدر عليك متى قاومتَه والتحقتَ وسبقتَ إلى جوار الخير. فإلى جوار الخير سابِقْ.

مِقدار وكيفيَّة صلاة النبي ليلاً

سألتزم هنا بما جاء في الرياض فعن السيدة “عائشة” -رضي الله عنها-: “أنَّ النبيّ كان ينام أوَّلَ الليل، ويقوم آخِرَه فيُصلِّي”، ولعلَّ هذا المعنى يلتقي مع وصف الآيات للمؤمنين المُجتهدين (وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) -الذاريات 18- والسَّحر آخر الليل. ولنتذكَّر أنَّ الليل يبدأ بغروب الشمس، وينتهي مع ظهور خيوط الصبح الأولى. فكما نرى هناك فرصة للنوم من بعد العشاء إلى قبيل الفجر.

ويبدأ النبيّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- عبادته الليليَّة بركعتَيْن خفيفَتَيْن كما في الحديث:

كان رسول الله إذا قام من الليل افتتح صلاته بركعتَيْنِ خفيفَتَيْنِ.

ولعلَّ المعنى الظاهر لخفيفتَيْن قصرهما، والتسريع من أداء الصلاة التفاعليَّة -التي ستأتي-. فهُما في مقام الفعل الافتتاحيّ المُؤهِّل لما سيأتي.

أمَّا عن مقدار الصلاة نفسها فيأتي الحديث عن “عائشة” -رضي الله عنها- “أنَّ رسول الله كان يُصلِّي إحدى عشرة ركعةً -تعني في الليل-“. علمًا بأنَّ أحاديث أخرى تفيد ثلاث عشرة ركعة، وقد نقل كلُّ صحابيّ ناقل ما رآه. وبالعموم فالأحاديث لا تلزمنا بعدد مُعيَّن فهي صلاة غير مكتوبة. ولكُلٍّ جُهده فيها وبإذن الله لكُلٍّ الأجر شرط خلوص النيَّة. وسيأتي حديث آخر بحدٍ أدنى ركعتَيْن وحسب، وسنرى كيف ثمَّن الحديث الركعَتَيْن. فليعمل كلٌّ حسب جهده ووقته، وليُجاهد نفسه في سبيل نيل لذَّة اللقاء. أمَّا عن الكيفيَّة فأورد الإمام حديث: “كان النبيّ يصلِّي من الليل مَثنى مَثنى. ويُوتر بواحدة”. أيْ ركعَتَيْنِ ثمَّ ركعَتَيْنِ، وبقيَّة التفاصيل يُرجع فيها لكُتُب الفقه ويُسأل فيها أهله.

هل يرهقني الدين بأمره قيام الليل؟

هذا سؤال قد يُسأل أو يُثار، ولا إشكال في إثارته بنيَّة حسنة -لا بقصد التآمر وتثبيط المُسلمين عن دينهم، والكيد للدين باسم السؤال-. وديننا قد أمر الإنسان بالتفكُّر، وأوَّل الفكر السؤال. وكذلك نقلت لنا الأحاديث كثيرًا من الأسئلة وُجِّهتْ للنبيّ ولمْ ينكرها، بل أجاب عنها. فإنَّ الخوف من سؤال “المعقوليَّة” في غير الإسلام لا في الإسلام، فإنَّه بناء فكريّ بديع لا يخشى السؤال.

وبعد؛ فهل يرهقنا الدين بأمره قيامَ الليل؟ .. لا بالقطع، فليس الأمر هُنا للوجوب، بل هو أمر زيادة مُجاهدة وتزكية نفس، وسبق أنْ رأينا الآية تصف الفعل بالنافلة. كما أنَّنا نعرف أنَّ عدد ساعات الليل في المتوسط اثنتا عشرة ساعةً يحتاج الإنسان لنصفها فقط كيْ يرتاح، ولا يحتاج قيام الليل إلى ساعات طويلات، بل قد تكون دقائق قبل الفجر تمتدُّ لنصف الساعة أو الساعة، ولو أردتَها قبل النوم فافعل. وهنا أورد الإمام حديث: “أحبُّ الصلاة إلى الله صلاةُ داود، وأحبُّ الصيام إلى الله صيامُ داود. كان ينام نصفَ الليل، ويقوم ثُلثه، وينام سُدسَه. ويصوم يومًا ويفطر يومًا”.

فكما ترى ليس الأمر بأنْ تقوم الليل هو ألا تنام، بل أنْ تتزوَّد بهذه الفرصة من الصفاء لشحذ همَّتك، ولزيادة صفاء نفسك، كما أنَّها فرصة لاستجابة الدعاء -كما رأينا في حديث سبق-. ولتفعل فقط ما عليك، ولتفعل مثل فعل الرسول نفسه: “كان رسول الله يُفطِرُ من الشهر (المقصود سائر شهور العام إلا رمضان) حتى نظنَّ أنْ لا يصوم منه شيئًا، ويصوم حتى نظنَّ أنْ لا يفطر منه شيئًا. وكان لا تشاءُ أنْ تراه من الليل مُصلِّيًا إلا رأيتَه، ولا نائمًا إلا رأيتَه”. فليس في الأمر مشقَّة، بل فيه لذَّة. فتعلَّمْ كيف تلتذُّ بالعبادة كما كان الرسول يفعل.

وفي الباب حديثانِ يُحثَّانِ المُسلم ألا يُجاوز طاقته في عبادة الليل. أحدهما: “إذا نعس أحدُكم في الصلاة فليرقُد حتى يذهب عنه النوم. فإنَّ أحدكم إذا صلَّى وهو ناعس لعلَّه يذهب يستغفر، فيسبّ نفسه”. والآخر: “إذا قام أحدُكم من الليل فاستعجَمَ القرآنُ على لسانه؛ فلمْ يدرِ ما يقول فليضطجعْ” أيْ صار لا يفقه ما يقول – يقصد من التعب، أمَّا من انشغاله بالدنيا فليُجاهد هذا الشعور- أو صار لا يستطيع أنْ يقرأ قراءةً صحيحة.

الصلاة التفاعليَّة

ويعرض علينا حديثٌ سِمةً في صلاة النبيّ؛ ألا وهي سمة التفاعُليَّة أو الصلاة التي تصل إلى منزلة التدبُّر. أتى في الحديث: “يقرأ مُترسِّلاً. إذا مرَّ بآيةٍ فيها تسبيح سبَّح، وإذا مرَّ بسؤال سأل، وإذا مرَّ بتعوُّذ تعوَّذ”. ويقرأ مُترسِّلاً أيْ على تَؤُدَةٍ وتحقيق، يؤدِّي كلَّ حرف حقَّه في الظهور والاكتمال، وهذه سمة الخشوع فمن خشوع العبد وقوفه عند كلام ربِّه وهو أمامه. ولأنَّ النبيّ مُعلِّم الناس الخير يخشع في صلاته فتكون صلاته صلاةَ تفاعُل؛ فإذا مرَّ بأمر بالتسبيح سبَّح، أو بعذاب أهل النار تعوَّذ منه، أو بنعيم أهل الجنَّة طلبه ودعا الله به، أو بوصف مُحبَّب دعا الله به.

هكذا تكون الصلاة يا عبد الله، فليست الصلاة أنْ تقف خُشُبٌ مُسنَّدةٌ تردِّد كلمات وتؤدِّي حركات. بل الصلاة -التي هي من الصِّلة- تفاعُل وخشوع ومجموع أفعال تُحيي القلب، وتسقيه من بعد جفاف، وتزيد المرء إيمانًا، وتبعد عنه الكفر والفسوق. فإذا علمتَ هيئة الصلاة رغبتَ في تجربتها فأقبلْ ولا تتأخَّر؛ عسى أنْ تكون هذه الكلمات قد أوصلها الله لك على يد أحدهم لتكون لك، وتكون سرًّا بينك وبين ربِّك.

صلاة الليل إحياء لأواصر الأسرة وقلوبها

قيام الليل

وصلاة الليل كُلّها خير فحاوِلْ جهدك حثَّ الناس عليها، وحثّ أهل بيتك عليها خاصَّةً. ويكفيك سعادةً أنَّك بذلك تفعل ما فعله الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم-. فعن عليّ -رضي الله عنه- “أنَّ النبيّ طَرَقَه وفاطمةَ ليلاً. فقال: ألا تُصلِّيانِ؟” أيْ طَرَقَ بابَهُما وتفقَّدهما ليلاً ليحثَّهما على ذلك.

وحديث لطيف غاية اللُّطف في الباب يقول:

رحم اللهُ رجُلاً قام من الليل فصلَّى وأيقظَ امرأتَه، فإنْ أبَتْ نضَحَ في وجهها الماء. ورحم الله امرأةً قامت من الليل فصلَّتْ وأيقظتْ زوجها، فإنْ أبى نضحتْ في وجهه الماء.

ويا لها من صورة لطيفة تدخل السرور على النفس لهذه الأُسرة المُتفاعلة على الخير، المُتعاونة على التقوى. ونضح الماء في الحديث لا يحمل إلا محبَّة الخير للآخر فهو ليس إيذاءً.

أمَّا الحديث الذي أشرت إليه قبلُ في أمر عدد الركعات فهذا هو: “إذا أيقظ الرجُلُ أهلَه من الليل فصلَّيا -أو صلَّى- ركعتَيْنِ جميعًا كُتِبَ في الذَّاكِرِينَ والذَّاكِرات”. فكتابته في مقام الذَّاكرين الله -أو الذاكرات- عن قيامه الليل، وعن تنبيه أهله للقيام حتى لو لمْ يقوموا.

التراويح وفضلها

وقد خصَّ الإمام النووي بابًا لقيام الليل، وعرَّفه بأنَّه ما يُطلق عليه “تراويح”. ولعلَّ الاسم على وزن “تفاعيل” مُفردها تفعيل أيْ ترويح. من الراحة التي تُراد من هذه العبادة، وللراحة في أدائها بين الركعات. وفي هذا الحديث الشهير: “كان رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- يُرغِّب في قيام رمضان من غير أنْ يأمرهم فيه بعزيمة. فيقول: مَن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه”. ويأمرهم بعزيمة أيْ يجعل أمره حُكمًا عليهم، وليس قيام الليل كذلك. وهنا ننوِّه إلى المعنى الخاصّ للصلاة في “قيام” رمضان -كما بدأنا المقال-. وفوق الصلاة فكلُّ فعل الخير المقصود بنيَّة هو قيام وإقامة للعبادة في الشهر.

عن قيام ليلة القدر

وفي رمضان الكثير من الأخبار التي تفيد أنَّه من مواسم الهجرة إلى الله بالكُليَّة، ومن مواطن العمل الأعظم، وهو من نفحات الله التي يجب أنْ نتعرَّض لها جميعًا. وقد ثبت حديث: “كان رسول الله يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره. وفي العشر الأواخر منه ما لا يجتهد في غيره”. وفي عشر لياليه الأخيرة ليلة القدر التي هي من مفاتيح الخير يقول الله في سورة “القدر” (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ).

وقد ورد عن السيدة “عائشة” -رضي الله عنها-: “أنَّ النبيَّ كان يُجاور في العشر الأواخر من رمضان”. والمعنى العامّ يُجاور ربَّه أيْ يبقى في جواره ويعتكف نفسه لعبادته. وغنيّ عن الذِّكر أنَّه إذا رأيتَ النبيَّ نفسه -يا عبد الله- يُنافس لينال الفرصة فهي أولى الفرص بالتسابق في الخير والتنافس عليه.

وقد بشَّر النبيّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- جموع المُسلمين قائلاً:

مَن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدَّم من ذنبه.

وقال: “تحرُّوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان”. وسُئل إنْ علمتُ بها ماذا أقول؟ فقال: “اللهُمَّ إنَّك عفُوٌّ تحبُّ العفوَ فاعفُ عنِّي”.

فاللهُمَّ إنَّك عفُوٌّ تحبُّ العفو فاعفُ عنَّا، وبارِكْ لنا في أعمالنا، وتقبَّلْ منَّا ما نخلص لك فيه قبولاً حسنًا. ويا راغب الخير اجتهد؛ فالخيرُ كما ترى بين يديك موفورٌ. فنَلْ منه ما قدرتَ؛ فإنَّها أيَّام وستمضي إلى جوار ربِّك فَرِحًا بهذا الخير الذي أعددتَه لنفسك. ولا تنسَنا من دعائك الصالح، ولا تنسَ إمامنا النووي.

163

الكاتب

عبد المنعم أديب

كاتب مصريّ، درس اللغة العربيَّة وتخصص في الفلسفة. صدرت له كتب أدبيَّة، وأكثر من مائة وثلاثين مقالاً، وله مئات من القصائد، وما يقرب من عشرين بحثًا علميًّا.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.