وباب لطيف من أبواب “رياض الصالحين” نجد فيه الإمام النووي يذكر خُلُقًا ساميًا يُسمِّيه باسمه “باب الصدق”. وهذا الخُلُق الذي تعرفه منظومات الإنسان الخُلُقيَّة يتشكَّل في الإسلام تشكّلًا خاصًّا، ويتأصَّل بتأصيل الإسلام الدائب لكُلِّ خُلُق، ويرفعه الإسلام إلى مصافِّ أخلاقه. ولتعلم يا عبد الله الصالح أنَّ منظومة الإسلام الأخلاقيَّة حين تتأمَّلها بعُمق يتبيَّن لك اختلافها عن غيرها من المنظومات، لا على صعيد فكرة الأخلاق في الإسلام وحسب، بل على صعيد كلِّ خُلُق مُفرد.

ولعلَّ ما يمنعنا عن هذه الرؤية الثاقبة الخطأُ الذي نقع فيه دومًا؛ وهو الوقوف عند المعنى اللُّغويّ أو المعنى السطحيّ لأيَّ خُلُق أو أيَّة قيمة، فنظنُّ أنَّها واحدة في الإسلام وفي غيره. ولا ننتبه إلى أنَّ الإسلام كما قدَّمَ تصوُّرًا واضحًا كلَّ الوضوح ومُغايرًا كلَّ المُغايرة عن أصل العقيدة، قدَّم -وهذا يكون بالتبعة- تصوُّرًا مُغايرًا عن الأخلاق ومنظومتها. وتعالَ أيُّها العبد الصالح نتعرَّف على المعنى اللُّغويّ لكلمة الصدق، ثمَّ كيف جعل لها الإسلام معنى مخصوصًا فوق هذا المعنى.

ما هو الصدق؟

الصدق هو مُطابقة الكلام للواقع. هذا هو التعريف اللُّغويّ للصدق؛ فإذا قلت إنَّ مُحمدًا موجود في المدرسة، وكان موجودًا كان الكلام صادقًا، وإنْ لمْ يكُن موجودًا نُفي عن الكلام الصدق. وقد استخدمت مصادر الإسلام كلمة الصدق بمعناها اللُّغويّ. ومن آيات القرآن التي استعملت الصدق في محض معناه اللغويّ آية (إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) -يوسف 26-، وكما نرى تطبيق معيار مطابقة الواقع في وصف الكلام بالصدق.

وإذا طالعنا هذا الباب الرقيق وجدنا في أوَّله هذه الآية الكريمة -وسآتي بسابقتها- التي تتحدث عن حال المُنافقين حينما تأتي الآيات آمرةً بالقتال فتجد حالهم قد تغيَّر وبدأوا في التخاذُل على خلاف حال المُؤمنين: (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَىٰ لَهُمْ (20) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ) -محمد 21،20-.

وإذا تأمَّلنا الأخيرة سألنا: كيف تقول الآية “لو صدقوا الله”، فهل يمكن أنْ يكذب على الله أحدٌ والله عالِم السِّرّ وأخفى؟! ثمَّ إنَّ الآية تخبر بالفعل عن وجهة حال المنافقين ومعرفة الرسول هذه الحال؛ فكيف تقول بعدها “فلو صدقوا”؟ قد يثير القول تساؤلًا لأنَّ أذهاننا انسحبت للمعنى العامّ للصدق، ولمْ تنتبه لخصوصيَّة معنى “الصّدق” في الإسلام، والصّدق مع الله.

ما هو الصّدق مع الله؟

إذا كان الصّدق هو مُطابقة الكلام للواقع، فالصدق مع الله هو مُطابقة أفعالِ المُسلِم وأحوالِ نفسه لمُقتضى دين الله اعتقادًا وعملًا. فأنْ تكون مُسلمًا صادقًا بوصف الآيات الكثيرة المُتضافرة يا عبد الله الصالح يعني أنْ تعتقد في نفسك وتتيقَّن بأنَّ الله هو الواحد الأحد، الفرد الصمد، وسائر مطلوبات الاعتقاد، وأنْ تسير في حياتك على ما أمرك الله به.

ودعونا هنا نتذكر آية السطور السابقة التي تفرِّق بين صنفَيْنِ مِمَّن سمعوا الآيات التي تأمرهم بالقتال: صنف المؤمنين الصادقين؛ وهُم الذين امتثلوا لأمر الله تعالى عالِمين أنَّ في أمره مشقةً وخطرًا. وصنف المُنافقين الذين كذبوا في اعتقادهم فلمَّا أتتْ المَشقَّة تراجعوا وانتكسوا.

ما هو الصّدق في الإسلام؟

وهكذا يكون الصّدق في الإسلام هو:

  • الإيمان الحقّ بالله تعالى؛ وفيه تكون صادقًا مع نفسك وداخل قلبك تتيقَّن من أمر معرفتك بعقيدتك الواضحة الصريحة الدائرة على “التوحيد”. وتختبر صدق إيمانك بنبذ أيَّة وسيلة -شرك- أو أيّ ولاء لمال أو لجاه ولمِلك قد يُشارك هذا المُعتقد التوحيديّ.
  • لازِم الاستقامة التي أمرك الله بها؛ فعندما أمرنا الله في الآية الكريمة (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) -هود 112- فيلزم عن استقامتنا هذه “صدق” أفعالنا مع التسليم لأمر الله، وأنْ تكون أقوالُنا وأفعالُنا واتجاهاتُنا في الدنيا “صادقةً” مع استقامتنا. ومن الآيات التي تذكر في المعنى آية -العنكبوت 3-:

(وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) .

فمن الآية نعلم أنَّ الله يُدير علينا أحوال الدنيا ليعلم “صدق” أفعالنا مع أمره من “كذب” هذه الأفعال. ونرى كذلك هذا الصّدق دافعًا إلى بذل المَشقَّات في سبيل إيمانك. ومن هنا نجد الصّدق أهمّ صفة وصف الله بها عباده الأشدّ إيمانًا وإخلاصًا، تقول الآية الكريمة: (مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) -الأحزاب 23-.

  • وبِناءً على ما سبق نجد الصّدق القوليّ بمعناه المُعتاد أحد الأفعال المُندرجة تحت عباءة الصّدق العُظمى في الإسلام.

وإذا أردنا أنْ نُفصِّل يا عبد الله -لغرض التدقيق والاستعداد للتطبيق وحسب- صنوف الصّدق، لذكرنا معًا: صدق اليقين القلبيّ، والصّدق الفعليّ، والصّدق القوليّ -وعلى التحقيق القول نوع من الفعل-.

الصّدق فرقان بين عباد الله

ونرى في الحديث الأوَّل الذي أورده الإمام النووي الصّدقَ فُرقانًا يكشف لك عن الصراط المُستقيم، ويهديك في طريقك للجنَّة. يقول رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: “إنَّ الصدق يهدي إلى البِرِّ، وإنَّ البِرَّ يهدي إلى الجنَّة. وإنَّ الرجُل لَيصدقُ حتى يُكتبَ عند الله صدِّيقًا”. وهنا نرى الصدق يهدي إلى العمل الصالح والطريق القويم.

ونسأل: لماذا يفعل الصّدق خاصَّةً هذا؟ لأنَّ الصّدق يُقابله الكذب والنفاق؛ وهذه النفس الإنسانيَّة التي تألف وتعتاد، ما إنْ تطرق طريق الكذب والنفاق حتى تستسيغه وتلتذَّ به وتُفتَن فيه، ويصير طريقَها. ثمَّ شيئًا فشيئًا تتدرَّج من الكذب البسيط إلى الكذب الأكبر، ثمَّ تسقط في فعل الخيانة؛ خيانة المبدأ والمعتقد والغير وو…

وهذه المُستنقعات العفِنة يجب علينا أنْ نحذر منها ونفرّ؛ فما إنْ تتسرَّب إلى قلبك يا عبد الله الصالح حتى تجد هُوَّةً بين ما تُردِّده على لسانك وما تفعله على أرض الواقع. وتجد نفسك بعيدًا عن طريق الحقّ، فضلًا عن أنَّ اعتياد النفاق ينهش القلب السليم، ولا يتركه إلا قِطَعًا مُمزَّقةً قد اسودَّتْ. فتصير وديعةُ الله في صدرك نقمةً عليك ووبالًا. أعاذك الله وأعاذنا من هذا الشرّ المُستطير.

لذلك خصَّ الحديثُ الصدقَ بأنَّه هادٍ في نفسه إلى الطريق القويم. وفي السياق نفسه أكمل الحديث ليُريَنا الصورة المُقابلة:

وإنَّ الكذب يهدي إلى الفجور، وإنَّ الفجور يهدي إلى النار. وإنَّ الرجل لَيكذبُ حتى يُكتَبَ عند الله كذَّابًا.

ولعلَّ ما سبق يعرِّفنا على السبب في اختصاص الكذب عن بقيَّة الآثام الخُلُقيَّة؛ لأنَّه مَدخَل النفاق الأوسع.

الصدق مقام وحده

ولهذه الأهميَّة الضخمة لقيمة الصّدق بمفهوم الإسلام نرى الآيات تخبر عنه على أنَّه مَقام وحده. فتخبر الآية عن قومٍ من بني إسرائيل بلغوا هذا المقام -قبل أنْ ينحرفوا- (وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ) -يونس 93-. والمقصود هُنا المقام والمنزل والمنزلة.

ونجد الآيات تأمر سيد الخلق بدعاء هذا المقام (وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ) -الإسراء 80-، ولتسرحْ بخيالك وتلتذَّ يا عبد الله في الآية الكريمة، وتتفكَّر كيف أمرك الله بصدقه في إيمانك به وعهدك معه، ثمَّ كيف يكون جزاء المُحسنين الصادقين. وترى الآية تتحدث عن مقعد صدق في الجنَّة -أو هي الجنَّة نفسها- (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ) -القمر 55،54-.

من لازم الصدق تركُك ما يريبك

وفي الباب حديثٌ يصف تمام طريق الصدق مع الله يقول: “دَعْ ما يريبك إلى ما لا يريبك؛ فإنَّ الصدق طُمأنينة، والكذب ريبة”. ويفسِّر الإمام النووي قائلًا:

ومعناه اتركْ ما تشُكُّ في حِلِّهِ، واعدل إلى ما لا تشُكُّ فيه.

ويصف الحديث هُنا إكمال طريق الصدق، أو قُلْ كمال طريق الصدق مع الله. فكما عرفنا الصدق هو صدق إيمانك به في قلبك، وصدق أفعالك وأقوالك على مُقتضى هذا الإيمان. وإذا أردتَ أنْ تكون صادقًا كامل الصدق مع الله فاترك كلَّ ما تشُكُّ في أنْ يكون إثمًا؛ وأنتَ بذلك تُشهد الله أنَّك تفعل أقصى ما في وسعك لتكون على عهده بك. فنَلْ رفيع المنازل أيُّها الأخ الكريم.

نتائج الصدق

وفي الباب نجد من نتائج الصدق ما ذُكر في آخر حديث “فإنَّ الصدق طُمأنينة” أيْ اطمئنانٌ في القلب تجده متى كنتَ صادقًا مع ربِّك وصادقًا مع نفسك. وهذه الطُمأنينة تدلُّ على أنَّ الصدق هو الأصل في الإنسان لا غيره؛ وتأمَّلْ هنا ما يُسمَّى بـ “جهاز كشف الكذب” وهو جهاز يكشف صدق الكلام من كذبه من خلال انفعالات الإنسان حين الكذب. هو المعنى نفسه الذي تجده في الحديث بالنصّ؛ فمتى تكون صادقًا فأنت تسير مع فطرتك التي فطرك الله عليها، أمَّا الكذب -وعرَّفه الحديث بالريبة- فهو أنْ تخرج عن هذه الخلقة والفطرة.

ومن نتائج الصدق قبول الأفعال عند الله واستجابة الدعاء، يقول الحديث:

مَن سأل الله الشهادة بصدقٍ بلَّغَه الله منازل الشُّهداء، وإنْ مات على فراشه.

وهذا الحديث يدلُّ على أنَّ الصدق في القلب هو المُراد الحقيقيّ من الفعل. وعلى هذا فكُنْ يا عبد الله صادقًا كما أمرك الله تكُنْ في مقام الصدق بجواره.

132

الكاتب

عبد المنعم أديب

كاتب مصريّ، درس اللغة العربيَّة وتخصص في الفلسفة. صدرت له كتب أدبيَّة، وأكثر من مائة وثلاثين مقالاً، وله مئات من القصائد، وما يقرب من عشرين بحثًا علميًّا.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.