في كل عصر من العصور تُنجب لنا أمتنا العديد من الشخصيات التي تترك بصمتها في صفحات التاريخ، لما كان لها من دور كبير قدمته في مختلف ميادين الحياة، وموضوعنا اليوم هو عن الشيخ الجليل علي الطنطاوي، الذي ظهر في بدايات القرن العشرين، والذي يستحق أن يُكتب اسمه بماء الذهب؛ حيث إنه يُعد من أهم رموز العمل الإسلامي، وتميز بغزارة العلم في التاريخ والأدب والعلوم الشرعية والقانون. وكان من أعاجيب زمانه علمًا، وحكمةً، وفصاحةً، قادرًا على إيصال ما يريده بطريقة سلسلة، استطاع أن يجمع حوله طلبة العلم، ومن الألقاب التي أُطلقت عليه جاحظ القرن العشرين.

كان الشيخ علي الطنطاوي -رحمه الله- قريبًا من الناس، متفهمًا لرغباتهم، حاملًا على كاهله راية الإصلاح الديني في كل الميادين، متصديًا لظلم رجال السياسة، محاربًا للعادات والتقاليد البالية المنتشرة في ذلك الوقت.

نشأته وأسرته

وُلِد الشيخ علي الطنطاوي في 12 حزيران 1909 م، في مدينة دمشق، ينحدر من أسرة عُرفت بشغفها للعلم، فوالده الشيخ مصطفى الطنطاوي، الذي كان من العلماء المعدودين في بلاد الشام، وكان من الطبقة المرموقة من المعلمين والمربين، كما أن أسرة والدة شيخنا من الأسر العلمية رفيعة المستوى في دمشق، واسم والدته رئيفة بنت الشيخ أبي الفتح الخطيب، وأصلهم من بغداد.

دراسته

منذ أن بلغ الشيخ علي الطنطاوي سن الدراسة، اختارت له عائلته أن يتلقى العلم على يد المشايخ المعروفين بورعهم، بالإضافة إلى التعلم في المدارس النظامية، حيث إنه تنقل بين المدارس حتى تخرجه من الثانوية الوحيدة في مدينة دمشق في عام 1928م. وارتحل إلى مصر طلبًا لإكمال مسيرته العلمية، ودخل دار العلوم العليا.

وقبل أن يُكمل سنته الأولى فيها، عاد إلى مسقط رأسه دمشق ليدرس الحقوق في جامعتها المشهورة، واستطاع إنهاء المرحلة الجامعية الأولى فيها سنة 1933م، وفي أثناء عودته إلى دمشق عمل على تطبيق التجربة التي أعجبته بمصر، وهي تأليف العديد من لجان الطلبة، وشكل اللجنة العليا لطلاب سورية، وانتُخِب رئيسًا لها، وكان لهذه اللجنة تحت قيادته دور كبير في مقاومة الاحتلال الفرنسي في سورية؛ حيث إنها كانت تقوم بتنظيم المظاهرات ضد هذا المحتل.

حياته العملية

منذ نعومة أظفار الشيخ علي الطنطاوي، كان مُحبًا للصحافة، منتقدًا لكتاب عصره، الذين لم يكتبوا بمهنية، وعندما أُتيحت له الفرصة أصبح كاتبًا ماهرًا في العديد من الصحف التي كانت تصدر في عصره، وأهم الصحف التي تهافتت إلى الشيخ الجليل ليكون كاتبً فيها جريدة المقتبس، والفتح، والزهراء، وفتى العرب. وتولى إدارة تحرير العديد من المجلات المشهورة ومنها جريدة الأيام، والنصر، وكان صاحب قلم مشهود بنزاهته، و كلمته الجريئة، ومفرداته الشيقة.

ومن أهم الأعمال التي عمل بها الشيخ علي الطنطاوي، مهنة التعليم، والتي يعتبرها أسمى ما عمل به، لما لها من دور كبير في تربية الأجيال، والتي يرى فيها الشيخ هي المُخلص الحقيقي من الأوضاع الرديئة التي تمر بها الأمة في عصره، وبدأ بممارسة هذه المهنة في مدارس الشام عندما كان طالبًا في الثانوية.

وكان دائمًا يواجه المشاكل بسبب كلمته الجريئة، والتي لم يكن ليخفيها؛ لأنه يعتبر السكوت عن قول الحق إثمًا كبيرًا، وكان شديد التقوى، لا يخاف في الله لومة لائم، ولا سطوة غاشم، وتوجه إلى العراق ليكون مدرسًا في الثانوية المركزية في بغداد، ودار العلوم الشرعية، عاد بعدها إلى دمشق ليعمل في أكبر مدارسها الثانوية. وفي أثناء زيارته لمدينة دير الزور، قام بإلقاء خطبته المشهورة، محرضًا السكان على الثورة ضد الاحتلال الفرنسي، الذي منعه من ممارسة مهنة التدريس، في محاولةٍ منه لإسكات صوت الحق.

وبعد منعه من ممارسة مهنة التعليم من قبل المحتل الفرنسي، توجه الشيخ علي الطنطاوي للعمل في مجال القضاء، حيث استمر فيه قرابة خمسة وعشرين سنة، ويعدها من أفضل أيام حياته. وكان قاضيًا ممتازًا في مدينة دمشق، وبعدها أصبح مستشارًا لمحكمة النقض في الشام، وبعدها تولى نفس المنصب في مدينة القاهرة، في أيام الوحدة بين سورية ومصر، وكان متقنًا لعمله، وما كان ليرضى أن يستغفله أحد.

رحلات الشيخ علي الطنطاوي

لا يمكن لرجل بقيمة الشيخ علي الطنطاوي، أن يبقى عاكفًا في مكان واحد، حيث كان عاشقًا ومولعًا بالسفر بين البلدان، رغبةً منه بتحصيل العلم أينما كان، وإفادة المسلمين من علمه، وشارك خلال رحلاته بالعديد من المؤتمرات. ومن هذه المؤتمرات نذكر: حلقة الدراسات الاجتماعية التي أقامتها جامعة الدول العربية في دمشق، ومؤتمر الشعوب العربية لنصرة الجزائر، ومؤتمر تأسيس رابطة العالم الإسلامي، والمؤتمر الإسلامي الشعبي في القدس.

وفي عام 1963م اتجه الشيخ علي الطنطاوي إلى المملكة العربية السعودية ليكون مدرسًا في كليات الرياض ومعاهدها، وانتقل إلى مدينة مكة المكرمة ليكون مدرسًا في كلية التربية فيها، وكُلِّف بتنفيذ العديد من البرامج التوعوية، متنقلًا بين الجامعات والمعاهد والمدارس، ليكون محاضرًا فيها. كما أنه عمل في المملكة العربية السعودية في مجال التوعية عن طريق الإعلام؛ حيث إنه يعتبر من أقدم الإذاعيين في العالم العربي، وكانت دروسه تُسمع في كل أنحاء الوطن العربي من مشرقه إلى مغربه.

ومن البلدان التي زارها الشيخ الجليل علي الطنطاوي مصر والعراق وباكستان والهند والملايو وإندونيسيا، حاملًا راية نشر العلم والتربية، وتصحيح المفاهيم المغلوطة المنتشرة في ذلك العصر، وكان في كل محفل يشارك فيه، يتحدث عن أهمية فلسطين، وأنها هي الخاصرة المجروحة للمسلمين.

مؤلفاته

قضى الشيخ علي الطنطاوي جُلَّ حياته بين الكتب، قارئًا ومؤلفًا؛ حيث أنه ترك للأجيال التي لم يحالفها الحظ أن تجلس معه، وتنهل من علومه، العديد من المؤلفات الغنية، ومن أهم هذه المؤلفات نذكر:

  • تعريف عام بدين الإسلام.
  • صور وخواطر.
  • من حديث النفس.
  • الجامع الأموي.
  • هتاف المجد.
  • مباحث إسلامية.
  • فصول إسلامية.
  • نفحات من الحرم.
  • صور من الشرق.
  • تحقيق صيد الخاطر لابن الجوزي.
  • فكر ومباحث.
  • بشار بن برد.
  • مع الناس.
  • رسائل الإصلاح.
  • مسرحية أبي جهل.
  • ذكريات علي الطنطاوي، وهو في ثمانية أجزاء.
  • أخبار عمر.
  • عمر بن الخطاب، وهو في جزأين.
  • أبو بكر الصديق.
  • بغداد.
  • حكايات من التاريخ.
  • أعلام التاريخ، وهو عبارة عن سلسلة هدفها التعريف بأهم أعلام الإسلام.
  • في إندونيسيا.
  • في بلاد العرب.
  • في سبيل الإصلاح.
  • رسائل سيف الإسلام.
  • رجال من التاريخ.
  • الهيثميات.
  • التحليل الأدبي.
  • من التاريخ الإسلامي.
  • دمشق.
  • مقالات في كلمات.

وهكذا نرى أن مؤلفات الشيخ علي الطنطاوي كانت متنوعة، فنجد أنه كتب في التاريخ والأدب والتراجم، وغيرها من الموضوعات التي لا بد لأي شخص يطلب العلم أن يمر على هذه المجموعة الفريدة من الكتب. وأهم ما يميز كتابات الشيخ علي الطنطاوي هو الأسلوب الذي كان يمتلكه، حيث إنه كان أسلوبًا شيِّقًا ماتعًا، لا يستطيع القارئ مفارقة الفكرة التي يقرأها، لأنه يشعر وكأنه يعيش الحدث.

منهجه في التربية

علي الطنطاوي

عمل الشيخ علي الطنطاوي بالتعليم، وهذه المهنة تعد من أهم المهن، والتي لا يستطيع أي معلم فيها أن يكون مربِّيًا، لكن الشيخ الطنطاوي كان مُربِّيًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لما يحمل من خصال غير موجودة عند أقرانه، حاملًا عبء التربية والتوجيه الصحيح لكل فئات المسلمين، وشهد له كل من عاصره بأنه من أفضل المربين في عصره.

وكان يدرك أن أي كلمة تخرج من فمه ربما تكون سببًا في تغيير مسار حياة طالب من طلابه، أو أن أي تصرف يقوم به، سيؤثر سلبيًا أو إيجابيًا على من يلحظه فيه؛ لأنه القدوة التي يجب أن تكون مثالًا يُحتذى به، وكان دومًا يسعى ليزرع في أذهان طلابه بعض المعاني الأخلاقية، ويقوم بربطها بمصطلحات خاصة وطريفة، وهذا أهم ما يميز أسلوبه التربوي.

كما أنه كان يعتمد في كتاباته التوجيه التربوي غير المباشر، فيستطيع إيصال ما يطمح إليه لكل من يقرأ كتبه. ومن أهم العبارات التربوي التي كان يرددها الشيخ:

رجل الغد الذي ينفع نفسه والناس بعلمه وخُلقه، وعلى الأب أن يُمهد لطفله بحسن التربية طريق السعادة في الدارين، والنجاة من الحياتين.

لقد استطاع الشيخ علي الطنطاوي تقديم الكثير من المفاهيم التربوية، والتي لا زالت تُدرس حتى يومنا هذا، منطلقًا من تربيته لأهل بيته، وها هو يذكر لنا في ذكرياته عن أسلوبه في التربية مع إخوته؛ فيقول: (أما ناجي، فاشتركت في تكوينه تربيةُ أبيه، وآصار مدرسته، وما عملته أنا. وأما عبد الغني، فتوجيهي أنا، وتأثير المدرسة أقوى فيه من أثر أبي، فكنت أنا العامل الوحيد في تربيته الدينية، والسلوكية، والثقافية، صنعتُ له، أكثر مما صنع أبي لي، وكنت أنا دائمًا معه، وسيَّرني أبي في طريق العلم فقط، وسيرتهُ في طريق العلم وطريق الأدب معًا، حتى صار في يوم من الأيام كأنه صورة مني، ونسخة عني). ويبرز هنا الدور التربوي الأخلاقي للشيخ علي الطنطاوي في تربية إخوته.

كما أن الشيخ علي الطنطاوي يحث المعلمين على أن يكونوا مربِّين قبل أن يكونوا معلمين؛ لأن التربية هي الأسمى. ومن أهم خطاباته الموجهة للمعلمين:

يجب على المعلمين أن يدُلُّوا التلميذ على الطريق السوي والخطة المستقيمة، وأن يعلِّموه من هم أجداده وما حضارته؟ وأن يصبُّوا في نفسه أخلاق العروبة وآداب الإسلام، وأن يُحبِّبوا له العلم، حتى يُقبل علي بشغف ولذَّة.

هذا هو منهج الشيخ علي الطنطاوي في التربية، والذي لم يغفل فيه عن أدق التفاصيل، منطلقًا من ضرب الأمثال، وإيراد الحجج والبراهين، وسرد القصص الاجتماعية والواقعية، والحكايات التاريخية.

عُزلته و وفاته

علي الطنطاوي

أمضى الشيخ علي الطنطاوي حياته طالبًا للعلم، مُقدمًا للأمة الإسلامية كل ما بحوزته. وبعد أن مرض، اعتزل الناس في منزله، إلا قليلًا من أقاربه وأصدقائه وبعض طالبي العلم؛ لأن المرض أنهك جسده، وبقي على هذا الحال سنوات عديدة، وأمضى بعض وقته في المستشفى، إلى أن حانت ساعة الوداع، وكان ذلك يوم الجمعة في الثامن عشر من حزيران عام 1999م، في قسم العناية المشددة بمستشفى الملك فهد بجدة، وتم دفنه في مقبرة العدل.

وها هو الدكتور محمد منير الجنباز يُرثي الشيخ علي الطنطاوي بأبيات شعرية، يقول فيها:

وَارَوْكَ يَا شَيخنَا صَمْتاً فَوَا أَسَفي *** وَوَدَّعوكَ بِدَمعِ الْحُزنِ وَا لَهَفِي

وَغَيَّبوكَ الثَّرى لَو أنَّهُمْ عَلِموا *** أنَّ الْمُغَيَّبَ مِثلُ الدُّرِّ في الصَّدفِ 

لأسْبَلُوا دَمْعَهُمْ مِنْ عَينِ وَاكِفَةٍ *** وَأَرْسَلوا حُزْنَهُم مِنْ قَلبِ مُرْتَجِفِ 

تُوفي الشيخ الجليل، فارَقَنَا العالم الزاهد، ذهب بدون عودةٍ صاحب الكلمة الجريئة، وفارق الحياة، لكنه لم يُفارق طالبي العلم، ومحبيه، فلا زالت صورته راسخةً في أذهاننا إلى يومنا هذا، ولا زالت مواقفه التربوية وكتبه تُدرّس في الجامعات والمدارس. رحل الشيخ الجليل، ولم ترحل آثاره.

الخاتمة

ينتمي الشيخ علي الطنطاوي إلى أسرة علمية عريقة، أسهمت في تربيته تربيةً صالحةً، وكان محبًا للعلم، مقربًا من الشيوخ والعلماء. أمضى حياته في طلب العلم، وتأليف الكتب، والمشاركة في المؤتمرات التي تخدم مصالح الأمة الإسلامية. عمل بالتعليم والصحافة والقضاء، وكان ماهرًا بكل عمل يقوم به، متقنًا له.

وأهم ما يميزه هو الأسلوب التربوي الذي تميز به عن أقرانه في ذلك العصر؛ سواء في تربية إخوته أو أولاده أو طلابه، إلى درجة أنه اعتمد إيصال أسلوبه التربوي بطريقة غير مباشرة عن طريق كتاباته المختلفة. كان جريئًا، ناطقًا بكلمة الحق، لا يخاف في الله لومة لائم. وهذا الأمر أثار نقمة الاحتلال الفرنسي عليه، فقام بإبعاده عن مهنة التعليم، تنقل بين المدن والبلدان لإيصال منهجه لكل الفئات، وترك للأجيال اللاحقة الكثير من الآثار التي لا زالت تُدرس إلى يومنا هذا.

259

المصادر
الكاتب

عبدالله ياسين شيخ أوغلو

باحث في التاريخ الإسلامي، فخورٌ به، شغوف بالبحث العلمي، موضوعي وغير منحاز، مدركٌ لأهمية فهم التاريخ للتخطيط للمستقبل؛ لأن التاريخ يعيده الله.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.