واجه الإسلام منذ فجره حروبًا فكرية شعواء، كانت تهدف لتشويهه والصدّ عن سبيله؛ وقد تصدى أهله لكل هذه الهجمات جنبًا إلى جنب مع تصدِّيهم لكل التهديدات العسكرية. لكن السمة التي كانت تتسم بها مجمل تلك الهجمات هي الصراحة والمواجهة المباشرة، وبالتالي كان يسهل على المسلم أن يميز بين من ينصر الدين ومن يعاديه دون أدنى صعوبة؛ وذلك لوضوح حجم المفارقة بين الإسلام وما يناقضه من تيارات على مستوى المرجعية والمنطلقات.

لكن العصر الحديث قد شهد تغيرًا بارزًا في هذه النقطة؛ فقد تحوّل الهجوم الصريح إلى التفخيخ من الداخل، والعداء الظاهر إلى التدثر بدثار التجديد والتنقيح، بل ربما الدفاع وتحسين الصورة.

هذا الهجوم قد ظهر بعدة صيغ ومسميات خصوصًا في العقود الأخيرة، فتارة يسمى تجديد الخطاب الديني، وتارة حركة التنوير، وتارة الحداثة والمدنية، وعلى ما تحمله هذه المسميات من تباينات جزئية فيما بينها على مستوى الدلالة إلا أنها تتقاطع في عدائها للإسلام المنزل ودعوتها للإسلام الحداثي المفرغ من محتواه.

ولكي نفهم دوافع هذه الحركات وظروف نشأتها فلا بد من إطلالة تاريخية على جذورها وعوامل تشكلها ومن ثم العروج على أبرز أطروحاتها وسماتها عرضًا مع شيءٍ من النقد، وكذا التعريف بنخبة من رواد حركة التنوير في العالم العربي، في محاولة لجعل المقال عبارة عن مدخل مختصر للتعريف بهذا التيار.

التنوير في أوروبا

سنة التاريخ تقول إن الحضارة الغالبة تكون لها دائمًا تأثيرات عميقة في تشكيل الخريطة الفكرية للعالم، وبما أن الحضارة الأوروبية الحديثة تتربع عرش القوى العالمية، فإن تتبع خيوط نشأة حركة التنوير العربية سيوصلنا حتمًا إلى نقطة البداية: التنوير في أوروبا، وذلك للسبب الأول الذي ذكرناه، وكذلك لِما سنمر عليه لاحقًا من التّبعية المفرطة للغرب عند معشر التنويريين العرب كما سنرى عند تناول سمات الحركة.

تبدأ قصتنا في القرن الثامن عشر الميلادي حين ظهرت حركة فلسفية في أوروبا تزعمها عدد من كبار فلاسفة تلك الحقبة؛ مثل فولتير وديفيد هيوم وكانط وغيرهم الكثير، دعت هذه الحركة إلى إعادة بناء النظم السياسية والفلسفية وحتى الدينية على أساس العقل واستبعاد ما سواه.

كانت هذه الحركة وليدة منظومة مركبة من العوامل؛ أبرزها الإنتاجات العلمية والفكرية التي جاءت على يد مجموعة من العلماء والمفكّرين؛ أبرزهم إسحاق نيوتن؛ الذي استطاع أن يرسم بنظرياته واكتشافاته صورة جديدة عن البنية المادية للعالم خلافًا لما كان سائدًا من التصورات السابقة، فبدأت مكتشفات نيوتن وغيره تعطي دفعة نحو إعادة بناء التصورات عن الكون والحياة والمجتمع والدولة بعيدًا عن إملاءات الكنيسة ورجال الدين.

وبالنظر لما كانت تعانيه أوروبا من استبداد سياسي وطغيان كنسي يستند إلى الدين في تبرير جميع أفعاله، فقد بدأت تستقر لدى هذه الحركة ومنظريها وأتباعهم فكرة أن الدين أساس الشرور، وأنه لا سبيل للتقدم إلا إذا تم إقصاؤه من الحياة العامة وجعله حبيس دور العبادة والشؤون الشخصية، ومما يبرر مقدار العداء الذي تشكل عند الشعوب الأوروبية للدين تلك الشعارات التي كانت تنادي بها حشود الثوار خلال الثورة الفرنسية -التي كانت تبلوُرًا لحركة التنوير- حيث كان الناس يهتفون آنذاك:

اشنقوا آخر إقطاعي بأمعاء آخر رجل دين!

كان هذا مرورًا مُقتضبًا على نشأة حركة التنوير الغربي وعدائها الشديد للدين، وكيف أن تصورات روادها للنهضة والتقدم والازدهار كانت تدور حول إقصاء رجال الدين والقضاء على رجال الكنيسة واستبعادهم عن شؤون الدولة والمجتمع.

التنوير في العالم الإسلامي

عملت الدول الأوروبية على تصدير الفكر التنويري لمستعمراتها بغرض الإخضاع الثقافي والهيمنة الفكرية وكذا إرساء التبعية. لذلك كانت نقطة بداية التيار التنويري في العالم الإسلامي هي نفسها نقطة دخول الاحتلال الأوروبي الإمبرياليّ إليه، وقد سهل العملية على المحتل الأوروبي الفارق الكبير على مستوى الحضارة المدنية؛ حيث كان هذا الفارق من أهم ما عزز الهزيمة الثقافية في نفوس كثير من المسلمين آنذاك، ما يعني اهتزاز ثقتهم وانكسار اعتزازهم.

وقد شهدت فترة الاحتلال كذلك بعثات تعليمية نحو دول أوروبا كان أغلب من يذهبون إليها يعودون محملين بالهزيمة الحضارية والانبهار بمدنية الغربيين، يقول الأستاذ الباحث عبدالله الشتوي في كتابه “أسلمة الإلحاد”: “دخلت أفكار التنوير الأوروبي إلى العالم الإسلامي مع بدايات التوسع الاستعماري الأوروبي، فقد كانت هزيمة المماليك أمام جيوش نابليون نقطة تحول واضحة في موازين القوى، فكانت مصر رائدة في إدخال هذا الفكر التنويري إلى الأدبيات الإسلامية، ومع البعثات التعليمية ازداد التأثر بالتيارات الفرنسية خاصة مع محاولات إنشاء الدولة الوطنية الحديثة في مصر.” (1)

ومع توالي الهزائم على العالم الإسلامي تطورت حركة التنوير العربي وكثر عدد رموزها وصارت أطروحاتها مع الوقت أكثر جرأة وفجاجة في مهاجمة تراث المسلمين وتاريخهم وهويتهم، وانتشرت أفكارها في المجتمعات الإسلامية كالنار في الهشيم خاصة لدى فئات الشباب، حتى صار من الطبيعي جدًا أن تجد شابًا ينسب نفسه للإسلام ومع ذلك تراه منخدعًا بشعارات وأطروحات تحمل مضامينًا مناقضة للإسلام جملة وتفصيلًا.

أبرز رموز التنوير العربي

محمد شحرور

مع توسع حركة التنوير في العالم العربي والإسلامي وانتشارها كما ذكرنا سابقًا ظهرت أسماء عديدة لمفكرين ومثقفين ينتسبون للتنوير ويزعمون تجديد الخطاب الديني ليتلاءم مع “متطلبات العصر”، ومن الجدير بالذكر هنا أن ننوه على أن هؤلاء المفكرين يختلفون في درجة عدائهم للتراث ومهاجمتهم للثوابت، وقد تصل الاختلافات فيما بينهم درجة التشاحن والعداء، لكن ما يجمعهم -وهو ما يهمنا في المقال- هو أن نتاجهم عبارة عن تفريغ للإسلام من مضامينه وصلابته وتحويله إلى كتلة سائلة تقبل التشكل في أي قالب وُضع لها. ولنستعرض الآن نبذة مختصرة عن نخبة من الأسماء البارزة من التنويريين العرب:

محمد شحرور (1938 – 2019م)

محمد شحرور هو أحد أشهر الحداثيين، إن لم يكن الأشهر على الإطلاق في الأوساط الشعبية، وُلد شحرور في دمشق عام 1938 ودرس الهندسة الميكانيكية في الاتحاد السوفياتي (روسيا حاليًا) في جامعة موسكو ثم عاد لسوريا حيث استمر في دراسته حتى صار مدرس هندسة مدنية في مدينة دمشق.

بدأت مسيرته التأليفيّة سنة 1990 حيث أصدر كتابه “الكتاب والقرآن” الذي زعم أنه دراسة معاصرة للقرآن، وقد أثار بذلك جدلًا واسعًا توسعت على إثره دائرة معارضيه ومؤيديه، ثم ألف بعد ذلك عدة كتب ودراسات مثل “الدولة والمجتمع” سنة 1994، و”نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي” سنة 2000، ثم “تجفيف منابع الإرهاب” سنة 2008، و”السنة الرسولية والسنة النبوية – رؤية جديدة” عام 2012، وغيرها الكثير من المؤلفات التي حوت عجائبًا وغرائبًا من الشذوذات الفقهية والعقدية والطعونات الفجة في ثوابت الأمة، وصلت غرابتها في كثير من الأحيان إلى درجة إثارة السخرية.

نشط محمد شحرور في مجال القراءة المعاصرة وكان له حضور واسع فيها في مجال الكتابة والحوارات على الفضائيات والبرامج التلفزيونية، حيث دافع باستماتة عن أطروحاته وأفكاره، وللاطلاع على بعض الردود على شذوذاته ومغالطاته فهناك كتاب “قراءة معاصرة في القراءة المعاصرة” للدكتور صهيب السقار الصادر عن دار الفكر، وكذلك كتاب “بؤس التلفيق” ليوسف سمرين الصادر عن مركز دلائل، وهناك غيرها الكثير مما تحاشيت ذكره خشية الإطالة، كما تجنبت لنفس السبب استعراض بعض أطروحاته، ولعلنا نلقي نظرة على بعضها في الفقرة المخصصة للأطروحات التنويرية.

محمد أركون (1928 – 2010م)

محمد أركون أكاديمي ومؤرخ جزائري ولد سنة 1928 بالجزائر، عمل مدرسًا بعدة جامعات مثل جامعة السوربون التي عمل فيها أستاذًا لتاريخ الفكر الإسلامي والفلسفة.

يعد أركون من أبرز المفكرين العلمانيين الذي دافعوا عن الطرح التنويري الحداثي المنتقد للإسلام، وله في ذلك مؤلفات عديدة كـَ “تاريخية الفكر العربي الإسلامي” و “نزعة الأنسنة في الفكر العربي“. “وقد بلغ محمد أركون درجة كبيرة في نقد الإسلام، ولكنه مع ذلك بقي متهمًا بالتمويه والخداع والمراوغة من طرف أصدقائه في التيار الحداثي.” (2)

وقد كان أركون من الداعين لتحويل النص القرآني إلى كتلة هلامية لا تنضبط بمعنى ولا تُحد بدلالة، ولا يجد أي غضاضة من الاعتراف بذلك إذ يقول: “إن القراءة (قراءة النص الديني) التي أحلم بها هي قراءة حرة إلى درجة التشرد والتسكع في كل الاتجاهات، إنها قراءة تجد فيها كل ذات بشرية نفسها.” (3)

نصر حامد أبو زيد (1943 – 2010م)

نصر حامد أبو زيد

نصر حامد أبو زيد أكاديمي مصري ومتخصص في الدراسات الإسلامية، ولد بطنطا بمصر سنة 1943، وهو أحد أشهر المعادين للتراث والداعين لإسقاط مناهج دراسة النصوص الحديثة التي نشأت في الأروقة الفكرية الغربية على النصوص الشرعية الإسلامية.

وقد تمادى أبو زيد في دعوته للتحرر مما سماه السيطرة الثقافية للنص حتى قال في كتابه “الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية”: “وقد آن أوان المراجعة والانتقال إلى مرحلة التحرر لا من سلطة النصوص وحدها، بل من كل سلطة تعوق مسيرة الإنسان في عالمنا، علينا أن نقوم بهذا الآن وفورًا قبل أن يجرفنا الطوفان.” (4)

وله مؤلفات عديدة طرح فيها مجموعة من الانتقادات والطعون على منهجية فهم التراث والنصوص الشرعية التي عرفتها الأمة طيلة تاريخها، ونادى بدل ذلك باعتماد نظرية الهرمينوطيقا؛ التي تعني باختصار مجموعة القواعد والمناهج التي كانت تُستخدم لفهم النصوص الدينية في اللاهوت المسيحي واستخراج المعاني الخفية والباطنة، ثم تطورت واتسعت بعد ذلك لتشمل دراسة النصوص في العديد من حقول العلوم الإنسانية، وقد تلقى هذه النظرية واحتفى بها العديد من المفكرين التنويريين، ومنهم أبو زيد؛ لكونها تخدم بشدة أهدافهم في تسْييل النصوص الشرعية وجعلها قابلة للرضوخ أمام أي مُستجَدٍّ ثقافيّ.

حسن حنفي (1935م)

حسن حنفي مفكر مصري وأحد منظري ما يسمى “اليسار الإسلامي”، حاز على شهادة الدكتوراه من جامعة السوربون برسالتين، ترجمهما للعربية فيما بعد، من مؤلفاته “التراث والتجديد” و “من العقيدة إلى الثورة”.

وهو صاحب المقولة الشهيرة التي تصف أسلوب التنويريين في التخفي بقناع الدفاع عن الإسلام وتجديده لتمرير الأفكار المسمومة التي تؤدي في نهاية المطاف إلى خلع ربقة الإسلام بالكلية، حيث يقول: “نحن مجموعة من الأفراد لو اصطادونا لتمت تصفيتنا واحدًا واحدًا، ولذلك أرى أن أفضل وسيلة للمواجهة هي استخدام أسلوب حرب العصابات، اضرب واجرِ، ازرع قنابل موقوتة في أماكن متعددة تنفجر وقتما تنفجر ليس المهم هو الوقت، المهم أن تغير الواقع والفكر.” (5)

طه حسين (1889 – 1973م)

طه حسين

طه حسين أديب مصري ولد بمحافظة المنيا عام 1889، درس العديد من العلوم كالتاريخ والجغرافيا والحضارة الإسلامية وعلم النفس والتاريخ الحديث، وذلك في مصر وفي فرنسا، ليعمل بعد ذلك مدرسًا للتاريخ اليوناني والروماني ثم الأدب العربي، ثم صار عميدًا لكلية الآداب، وقد كان يلقب بعميد الأدب العربي وقيدوم العقلانيين العرب.

لطه حسين عدة مؤلفات انتقد فيها الكثير مما جاء في التراث الإسلامي، أشهرها هو كتابه “في الشعر الجاهلي” الذي خلص فيه إلى أن الشعر العربي الجاهلي منحول بعد الإسلام ثم تم تلفيقه للشعراء الجاهليين، وقد تصدى للرد عليه عدد من كبار الأدباء مثل مصطفى صادق الرافعي ومحمود شاكر رحمهما الله. كما طرح عدة أفكار حداثية في كتابه “مستقبل الثقافة في مصر” بدا فيها انبهاره واضحًا بالحضارة الغربية لدرجة الدعوة إلى تقليد كل ما عند الأوروبيين.

أبرز أطروحات حركة التنوير العربي

بتطبيق الحداثيين العرب مناهج دراسة النصوص الحديثة التي نشأت عند الغربيين على نصوص الشريعة، وباستيرادهم لِمُخرجات الحداثة الغربية وتنصيبها حكمًا على التراث الإسلامي، تكونت عندهم مجموعة من الأطروحات التي قد تبدو في شكلها النهائي مستشنعة ومصادمة لأصول إسلامية كبرى، لكنها في الحقيقة نتيجة طبيعية جدًا لمحاكمة التراث، ومن ثَم الدين الإسلامي، إلى منظومة خارجة عنه، إضافة إلى التزام قانون المتوالية الفكرية، وذلك أنهم حين تبنوا مبادئ نظرية تنتمي لأيديولوجيات أجنبية كالليبرالية والإنسانوية والعلموية، اضطروا لاحقًا إلى الاستمرار في قبول لوازم أقوالهم حتى وصلوا في نهاية المطاف إلى أقوال شنيعة لا يُتصوّر أن يقول بها مسلم. (6) وفيما يلي استعراض لأبرز أطروحاتهم، وقد راعيت أن تكون هذه الأطروحات بمثابة أصول ناظمة لكافة أقوالهم الجزئية بُغية الاختصار وعدم الإطالة.

تاريخية النص الشرعي

يُعرّف ألان تورين التاريخية بأنها:

مقدرة كل مجتمع على إنتاج مجاله الاجتماعي والثقافي الخاص به، ومحيطه الذاتي.(7)

ويُقصد بتاريخانية النص الشرعي أنه عبارة عن إفرازات بيئة معينة، وسياق ثقافي وحضاري مخصوص، وبالتالي فلا يجبُ أن تكون قراءة النص ملزمةً إلا إذا كانت نابعة من اللحظة التاريخية، أي باختصار؛ يجب أن يقرأ الناس النص الشرعي ضمن بيئتهم وسياقهم الثقافي والزمني، وألا يتقيدوا بأفهام الأجيال السابقة، وألا يُقيدوا بأفهامهم الأجيال اللاحقة.

تبدو الفكرة مجرد منهجية لدراسة النص تحفظ له هيبته وقداسته وحاكميته، وقد يقدمها بعضهم في صورة تجدد الفتاوى بتجدد الأزمنة، بينما هي في الحقيقة لا تعدو عن كونها إلغاء لشرعية النص، ونزعًا لصفة الحاكمية عليها وجعلها للقارئ بدلًا منه، إذ أن النص بذلك يتحول من كتلة لغوية ذات دلالات واضحة ومحددة، إلى كتلة هلامية سائلة يمكن لقارئها أن يشكلها كيفما أراد حسب أهوائه الشخصية ونوازعه النفسية، خصوصًا أن تحديد خصائص البيئة الثقافية واللحظة التاريخية يخضع لقمر لا بأس به من النسبية.

إن القول بتاريخية النص هو في الحقيقة نرع للقداسة عنه، فالأمر يبدو “للوهلة الأولى وكأنه نقاش حول آلية فهم النصوص الشرعية، ويسوق الخلاف على أنه قائم على أصول شرعية غايتها الحفاظ على حاكمية الوحي وملاءمته مع تطور المجتمعات البشرية، لكن هذه النزعة القائلة بتاريخية الشريعة والقوانين الاجتماعية تستبطن إسقاط جوهر الشريعة واعتبارها منهجًا بشريًا يناسب فترة من فترات التطور.” (8)

“إن الهدف من محاولة أرخنة القرآن الكريم هو وضعه في سياقه التاريخي والزمكاني، وفي ظروفه البيئية والثقافية وحدوده الجغرافية؛ من أجل تجاوز مفاهيمه وأحكامه وتشريعاته، فإذا كان الأصوليون يقولون بقاعدة: “العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب”، فإن الحداثيين يعكسون هذه القاعدة ويقولون: “العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ”، وفي هذا الصدد يقول الدكتور محمد عمارة: “المراد بتاريخية الأحكام: أن أحكام القرآن كانت استجابة لواقع معين، وبالتالي فهي صالحة لذلك العصر بشروطه التاريخية والمعرفية والثقافية، لكن التطور التاريخي نسخ هذه الصلاحية، ولم تعد أحكام القرآن صالحة لهذا الزمان ويتعين تجاوزها وإهمالها.” (9)

تسييس التراث الإسلامي

يُقصد بتسييس التراث ببساطة إحالة حركة تطور العلوم بكل ما تحمله من إنتاجات أو خلافات إلى العامل السياسي؛ أي أن علماء الإسلام وفقهائه ومحدثيه كانوا ينتجون علومهم ويبنون مؤلفاتهم إما على رغبة إرضاء نظام سياسي معين والتقرب منه أو على معارضة آخر والسعي للإطاحة به بما يتماشى مع مصالحهم، وهي أطروحة اعتنى بالكتابة فيها بشكل موسع المستشرقون الكبار أمثال نولدكه وجولدزهر. (10)

وقد تلقف هذه الأطروحة رواد التنوير العربي -كما هي عادتهم مع تراث المستشرقين- أمثال محمد عابد الجابري وغيره، إذ يقول مثلًا في كتابه “تكوين العقل العربي”: “في التجربة العربية يجب أن نضع السياسة مكان العلم في التجربتين الرومانية والأوروبية الحديثة.. فاللحظات الحاسمة في تطور الفكر العربي الإسلامي لم يكن يحددها “العلم”، وإنما كانت تحددها “السياسة”.” (11)

وهذا النص للجابري يمثل احتقارًا واضحًا للحضارة الإسلامية دون أدنى موضوعية، فما معنى جعل العلم محركًا للتجربة الأوروبية واليونانية، بينما السياسة محرك التجربة الإسلامية؟! إن الجابري (وأمثاله ممن أعادوا طرح هذه الفكرة) ينطلق ابتداء من انسحاق حضاري يرى أن العقل العربي غير قادر على الإنتاج العلمي ما لم تحركه السياسة والمصالح، ثم يبحث لهذه المقدمة عن أمثلة تعضدها من داخل التاريخ الإسلامي، وقد يتم إقحام بعض النماذج بشكل تعسفي فقط لأن المقدمة عبارة عن مسلمة، وبالتالي فلا بد من وجود أدلة عليها!

توفيد التراث الإسلامي

انطلاقًا من نفس المقدمة التي تقضي بأن العقل العربي المسلم لا يملك القدرة على إنتاج منظومة معرفية وعلمية، فقد حاول المستشرقون إحالة هذه العلوم على الحضارات السابقة، وذلك بالقول بأن العلوم الإسلامية هي في حقيقة الأمر مقتبسة من الإنتاجات المعرفية للأمم السابقة، فإنهم كانوا كلما أبهرهم علم من علوم الشريعة بدقته وانضباطه وعبقريته، بحثوا له عن أصل في أقرب حضارة سابقة، وقد استعرض إبراهيم السكران أمثلة كثيرة عن مثل هذه الإحالات في كتابه “التأويل الحداثي للتراث”. (12)

وكما هو متوقع طبعًا، فقد أعاد الحداثيون العرب صياغة هذه الأطروحة وضموها لترسانة أسلحتهم ضد التراث الإسلامي، خاصة أولئك المولعون بإعادة قراءة التراث، لأن هذه الأطروحة أعطتهم فرصة لا تُعوّض للادعاء بأن العلوم التراثية إنما هي اقتباس من حضارات ما قبل الإسلام، وبالتالي فهي دخيلة على الدين وينبغي التخلص منها.

ومن الطريف حقًا أن كثيرًا منهم يصوغ هذه الفكرة في قالب درامي ملتبس بلباس التقوى والإيمان، وذلك بقولهم أنهم لا يدعون إلا إلى اتباع القرآن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، بينما الفقهاء وأهل العلم نبذوه وراء ظهورهم واستبدلوه بأقوال الآباء والأجداد ونتاج الحضارات القديمة. وبرأيي أنه لا يوجد ما هو أكثر إثارة للسخرية من محاولة تصوير ذاك الذي أفنى عمره في خدمة القرآن ووضع السياجات التي تحميه من التلاعب به على أنه نابذ للقرآن، بينما ذاك الذي يعمل أكثر مما في جهده من أجل إخضاع القرآن للمناهج الوضعية الحديثة معظِّمٌ له!

العدوان على السنة النبوية

نزل القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم محتويًا لكل ما يحتاج المسلمون معرفته عن ربهم وعن أوامره وشرائعه، لكن على صيغة الإجمال، ثم جاءت السنة النبوية المطهرة مبينة للمتشابه ومفصلة للمجمل، فكانت بذلك بمثابة السور الذي يحمي الصرح القرآني من المفهوم الهلامية والقراءات السائلة غير المنضبطة، يقول ابن حزم الأندلسي رحمه الله:

جاء النص، ثم لم يختلف فيه مسلمان في أن ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قاله ففرض اتباعه، وأنه تفسير لمراد الله تعالى في القرآن، وبيان لمجمله. (13)

فمن هنا كان لا بد لمن أراد اقتحام الصرح أن يهدم السور أولًا، وهو تمامًا ما قام به التنويريون حين اصطدموا بواقع حماية السنة النبوية للقرآن، فكان لا بد لهم من التشكيك في ثبوتها وحجيتها، فحشدوا لأجل ذلك نِتاجًا ضخمًا من الطعونات منها ما يتعلق برواة السنة من الصحابة والتابعين وتابعيهم، ومنها ما هو محاولة للطعن في مناهج النقد والتوثيق لدى المحدثين، ومنها ما هو طعن في متون الأحاديث نفسها، إما لمخالفتها -حسب زعمهم- للقرآن أو للعقل أو للعلم..

وقد ألف العلماء المسلمون قديمًا وحديثًا في الرد على دعاواهم، وكل ذلك محفوظ في رحاب المكتبة الإسلامية، ولكون هذا الفصل مخصصًا فقط لعرض الأطروحات فلن أخوض في تفاصيل اعتراضاتهم على السنة والردود عليها، حتى لا يخرج المقال عن غرضه.

أبرز سمات حركة التنوير العربي

من خلال استقراء الأطروحات التنويرية، والنظر في منطلقاتها ومبرراتها والحجج التي يعتمد عليها التنويريون للدفاع عنها، فإننا نستطيع استنباط مجموعة من السمات التي تطبع هذه الحركة وتصف توجهاتها الفكرية، وفيما يلي عدد من هذه السمات..

استنساخ التجربة الأوروبية وإسقاطها على السياق الإسلامي

“علينا أن نصبح أوروبيين في كل شيء قابلين ما في ذلك من حسنات وسيئات.. علينا أن نسير سيرة الأوروبيين ونسلك طريقهم لنكون لهم أندادًا ولنكون لهم شركاء في الحضارة، خيرها وشرها، حلوها ومرها، ما نُحب منها وما نكره وما يحمد منها وما يُعاب.” (14)

هكذا يرسم لنا قيدوم العقلانيين العرب طه حسين خريطة الطريق نحو الحضارة والتقدم، وذلك ببساطة باتباع خطى الأوروبيين حذو القذة بالقذة، ما يميز هذه العبارة لطه حسين هو جرأتها وصراحتها في توضيح نظرة التنويريين للنهضة الحضارية، إذا أن غيره من الحداثيين يخجلون أحيانًا من التصريح بها، أو يضجرون من وصف منتقديهم لهم بها، بل ربما سعوا -دفعًا لهذه التهمة عنهم- إلى القول بضرورة الانطلاق من الهوية الإسلامية للتفاعل مع حركة الحضارة، لكن لسوء حظهم فإن التطبيقات العملية تفضح كذب التبني النظري المزعوم للهوية والانطلاق منها.

فغالب أطروحاتهم في هذا الباب تدور حول الأساس التالي: الواقع الإسلامي اليوم يشبه الواقع الأوروبي في القرون الوسطى، وبالتالي فإن أسباب الانحطاط الإسلامي هي ولا بد نفس أسباب الانحطاط الأوروبي السابق، ومن ثَم فإنه ما من سبيل نحو النهضة إلا سبيل اتباع الخطوات التي قامت بها أوروبا للخروج من عصرها الوسيط!

ولذلك فلا غرابة من المطابقات المغلوطة التي يجريها التنويريون بين بعض المشكلات التي كانت تقع داخل السياق الكنسي مع بعض الثوابت الإسلامية، فمناهج الفقهاء بما تحمله من قواعد تضبط فهم النصوص، ما هي إلا شبيه بالكهنوت الكنسي الذي يحتكر فهم الدين على طبقة من الناس، والتخلف الذي تعانيه الأمة اليوم في العلوم الطبيعية ما هو إلا نتيجة لجمود التراث الديني تمامًا كما حدث مع الهيمنة الكنسية، وهلُمّ استنساخًا وإسقاطًا!

التقية الفكرية (اضرب واهرب!)

واجهت الحركة التنويرية في بداياتها مقاومة شعبية عنيفة؛ وذلك لشدة وقاحة الطعونات التي كانت توجهها للدين من جهة، وللطابع المجتمعي العام الذي كان مُتسمًا بالتدين والغيرة على الثوابت من جهة أخرى، فبات من الضروري على التنويريين نهج طريقة أخرى، تستبطن العداء والسعي للقضاء على الدين، وتظهر الحياد تجاهه بل وأحيانًا الرغبة في الدفاع عنه، من ذلك مثلًا ما يكرره منكرو السنة من أن سبب إنكارهم ذلك إنما هو بالدرجة الأولى دفاعًا عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الدين الإسلامي مما يسيء إليه ويشوه صورته.

وقد طوروا لأجل ذلك أساليبهم حتى صاروا قادرين على تفكيك المعاني الدينية من داخل النسق الديني ومن ثم إفراغها من محتواها وحشوها بالمعاني الإلحادية والعلمانية، حتى صار من الدارج بينهم استخدام مصطلحات الشريعة، ما يعطي انطباعًا بأن هذا الكلام لا يحمل أي مناقضة للإسلام، في حين أنه محمل بالمفاهيم اللادينية، “وأقبح أفكار الباطل تلك التي ترفع شعار الحق!” (15)

الرافد الاستشراقي

من السمات البارزة عند الحركة التنويرية إعادة إحياء ما اندرس من تراث المستشرقين، والتوسع فيما لا يزال حيًا من أطروحاتهم، خصوصًا أن المستشرقين كانت لهم جهود كبيرة في دراسة المخطوطات الإسلامية، وقد خلفوا وراءهم تراثًا ضخمًا من البحوث حول التراث، لكن هذه الأبحاث لم تكن منفكة عن الخلفية الصليبية الاستعمارية التي كانت عند أغلبهم.

وقد استغل الحداثيون هذا النِّتاج أيّما استغلال؛ “فما توفره الكتابات الاستشراقية من معطيات ومراجع ومخطوطات تجعل الناقد للتراث أمام كم هائل من محاولات تشويه الإسلام والتي يمكن تقديمها في قالب البحث العلمي، بالإضافة إلى أن وقوع غالب الإنتاج الفكري للحداثيين وغيرهم تحت سطوة الثقافة الغربية يجعلهم أميل إلى اعتماد المادة الاستشراقية بدلًا من الإنتاج الإسلامي الأصيل.” (16)

خاتمة

التنوير لفظ ساحر في نفسه، فإذا تدثر بمصطلحات الشريعة زاد سحرًا وجمالًا.. وزاد التباسًا أيضًا.(17)

لذلك كان من الضروري التعريف بهذه الحركة وأهم أفكارها ورموزها، فجاء المقال كمحاولة لوضع بطاقة تعريفية لها.

والتنوير العربي يستوجب في الحقيقة الكثير من الدراسة، والتي لن يوفيها حقها بطبيعة الحال مقال أو حتى عشرات المقالات، خصوصًا لشدة تغلغل مقولاته في عقول الكثير من الشباب، وتسرب كثير من مفاهيمه وتطبيقاته إلى ساحات دعوية للأسف، وكذلك لأكثر الممارسات السياسية التي توصف بالإسلامية، وذلك لشدة التباسه من جهة، ولجماله وسحره الظاهرين من جهة أخرى.

فينبغي لذوي الهمم العالية ألا يَنُوا في دراسة هذه الحركة وإثراء المعلومات عنها في المكتبة الإسلامية، وكذلك توجيه شيء من الجهود نحو نقدها والرد على تلبيساتها.

746

المصادر
الكاتب

عبد الصمد الإشبيلي

طالب هندسة، مهتم بالقضايا الشرعية والفكرية المعاصرة.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.