سمعت خبرًا منذ أيام صادرًا عن مرصد الأزهر الشريف؛ أن بعض العائلات تهاتفه لتشكو من “إلحاد أبنائها”! ورغم غرابة تصور اجتماع أطفال ويافعين (وهُم الصبية المقتربون من سن الشباب) مع مصطلح ضخم مزعج كالإلحاد؛ إلا أن صدوره من جهة موثوق بها يدل على حراك يحدث داخل المجتمع الإسلامي العربي، طالت هوجائيتُه أبناء هذه السن الصغيرة التي -حسبما أذكر- لم يكونوا يفعلون شيئًا في دنياهم إلا ملازمة المذاكرة ضغطًا من الأهل، والرغبة الدائمة في التخلص منها إلى اللعب، أو التملص من الشعائر الدينية -التي من لوازم السن استشعار ثقلها-. هذه هي أوصاف مراحل الطفولة واليُفُوعة والشباب الأول في جيلي وما سبقه من أجيال. حتى أتى على الإنسان حينٌ من الدهر صار “إلحاد اليافعين” فيه شيئًا مذكورًا!

أهميَّة روايات الناشئة في عالمنا الإسلاميّ

وفي ظل هذه الظروف التي تداهم ظاهر المجتمع العربي وباطنه؛ تظهر لنا جميعًا أهمية الدعوة الإسلامية لهذه الفئات العُمريَّة. هذه الدعوة التي تكتسب خُصوصيتها من القدرة على التفاعل الناجح مع فئات الطفولة والصبا والشباب؛ وهي مراحل تقتضي خطابًا خاصًّا ومهارةً أشد من مهارة مخاطبة الكبار. ولعل أظهر الوسائل التي تلجأ لها الشعوب في مخاطبة هذه المراحل واستمالتها هي روايات اليافعين أو الناشئة (يكفي أنْ أذكِّر أنَّ سلسلة “هاري بوتر” رواية ناشئة). وهي روايات مُوجَّهة لكُلّ مَن غادر الطفولة الأولى الساذجة، وبدأ وعيُه ينشأ وينمو، وبدأ سؤالا: “مَن أنا” و”كيف أسير في الحياة” يتشكَّلان داخله بفعل العوامل والمؤثرات دون إرادته.

ومنذ أيام استرعاني خبر صدور رواية “عُمَريُّون“. فسعدت بقرائتها، ووجدتها فرصة للتنبيه على أهمية زيادة هذا النمط كمًّا وتجويده كيفًا. وها أنا أدعو لقراءة هذه الرواية وتداولها على نطاق واسع من الآباء والأمهات إلى أبنائهم، أو من الفئات المُستهدَفة مباشرةً، كما أدعو مَن كانت له أهلية الكتابة لهذه الفئات ألَّا يتقاعس عن أداء هذا الدور. وها هي محلات النشر متاحة لتضمن فرص ظهوره للقرَّاء. وليتفضَّل القارئون لهذه السطور بإهداء هذه الرواية لأولياء الأمور أو للصبية النابهين لينتفعوا بها.

هذه هي الدعوة. أما ما سيأتي من سطور فيتضمن عرضًا لأسباب جعلتني أدعو لقراءة هذه الرواية، وتحليلًا لها. وكما تبدو أهمية الكتابة الإبداعية الإسلامية المباشرة -كما سبق-؛ تبدو أيضًا أهمية النقد الجاد الصادر من العقل المسلم للأعمال. فلا قيمة -في التقييم الجدي- لمجرد أن يُقبِّح النقد عملًا ولا أن يمدح عملًا؛ بل الأصل أن يرتكز النقد الحقيقي على فهم لطبيعة مجال العمل (أعمال فكرية، أدبية، سينمائية…)، ليخرج علينا بتقييم نقدي مفيد يؤثر في توجيه الرأي العام.

ما هي رواية عُمريُّون؟

عمريون

رواية “عُمَريُّون” من تأليف الأستاذة سلوى شلة. صدرت عن مؤسسة السبيل، شهر سبتمبر 2022، مُزدانة برسوم قشيبة جميلة بريشة الأستاذ عُمر السامرائي. تقع الرواية في 106 صفحة، وتتوزَّع على خمسة فصول، وتنتهي في صفحتها الأخيرة بنبذة تشويقية عن الرواية.

وهي من حيث التصنيف العُمريّ رواية ناشئة، تصلح ببنيتها للأطفال من سن سبع سنوات -برواية ولي الأمر وتفهيمه الطفل-، إلى الصدر الأوَّل من الشباب. ومن حيث التصنيف النوعيّ فهي رواية خيالية (لا تصنف تحت الخيال العلمي). ومن حيث المنظور فهي رواية إسلامية محافظة. ويستطيع الوالد أو الولد أن يقرأها في جلستين أو جلسات.

تتناول الرواية قصة بطلها “عدنان” الشاب اليافع، الذي في عُمر الفئة المُستهدَفَة نفسها -كما غالب روايات الناشئة-. عدنان يملك حسابًا ناجحًا على “إنستجرام”، حيث يتابعه مليون شخص، من مثل هذه الحسابات التي لا تعد ولا تحصى التي تملأ فضاءنا التواصليّ. يركز عدنان في حسابه على المحتوى الترفيهيّ الاستهلاكيّ، ويخرج ليعرض على الشباب المتابعين أحدث الملابس التي اشتراها، ويدعوهم إلى شراء مثلها (دعاية تجارية مدفوعة الأجر)؛ وفي أثناء عرضه لتجارته “يدهش” مُتابعيه بمواقف ساذجة سخيفة من تلك التي تطفح بها وسائل التواصل، ومثالها في الرواية كيف تكسر بيضة على رأسك!

تنقلب سعادة عدنان بين ليلة وضحاها لسبب موصوف في الرواية، فيقع في مشكلة ضخمة لا يدري كيف تحل. وفي أثناء انتظاره وقوع الكارثة يحدث له أمر موصوف في الرواية، وينتقل إلى فلسطين. يرى عدنان في الأراضي المحتلَّة بعضًا من نماذج الشباب في مثل سنه، لكن شتَّان بينهما في هدف الحياة ونمط المعيشة. ونطالع في الرواية ماذا سيحدث مع عدنان في مغامرته الخيالية، وكيف ستغير نظرته إلى الحياة، وإلى أي حال ستنتهي مشكلته الكبرى التي تم إيقاعه فيها.

كيف بُنيت رواية عُمَريُّون؟

عمريون

أنا لست من قارئي روايات الناشئة، وقد قرأت هذه الرواية لأنني استوسمت فيها خيرًا؛ ولمْ تخيِّب ظنِّي. رواية “عُمَريُّون” رواية جيدة، وتمثل إضافة لأسباب واضحة. سأعرض الآن بعضًا منها، وبعدها يأتي الحديث عن أفكار الرواية.

بدايةً -للإجراء وحسب- أقول إن الرواية معتمدة على الضمير الثالث (أيْ أن الراوي غير الشخصيات)، وهو ضمير سلس يسهل متابعة الأحداث. واعتمدتْ مكانَيْنِ عامَّيْنِ لأحداثها: دولة عربية مُجهَّلة لا يرد اسمها، وأظن عملة “الدرهم” لا تدل عليها، بل مجرد عملة عربية وحسب. والآخر هو أرض فلسطين. وفي الزمان لها زمانانِ: الأول -وتدور فيه الرواية كلها- عدة أيام فقط، والآخر بعد سنوات لا يظهر إلا في آخرها.

وأهم ما اعتمدت عليه في بنائها هو العناية برسم الشخصيات وتوصيفها. وقد أفرغت له الكثير من سطورها. وهذا الأمر هام جدًّا في روايات الناشئة؛ لأن هذه الشخصيات هي التي يتقمصُّها القارئ اليافع، ويرى نفسه فيها، ويعيش حياتها، بل قد تظل شخصية ما -قرأها أو تعرَّض لها- معه وفي خياله طوال حياته؛ لذلك يجب الحذر ممَن نُصدِّرهم بصورة جيدة لهذه الفئة. وقد كان ركن بناء الشخصيات وحُسن تصويرها هو الأشد نجاحًا في الرواية؛ ولننظر معًا كيف اهتمَّت الرواية بشخصية عدنان ذلك الذي يمثل فئة عريضة من الشباب العربي المسلم اليوم، فوصفت أحلامه وآماله ونماذجه العُليا، وكيف وقع فريسةً لعالم العولمة دون أي درع وقائيّ، كما نرى أيضًا حسن وصف بقية الشخصيات المحورية المعتبرة في الرواية.

الرواية اعتمدت على مركزية البطل “عدنان”؛ حيث يرى القارئ الأحداث من خلال منظوره لها، ويعيش معه مغامرته (وهكذا يجب أن يُشعر وليُّ الأمر ابنَه وهو يقرأها له)، ويكتشف من حواراته مع الآخرين الوعي الصحيح الذي تثبت صحته، فيعتنقه ويرضى به ويحبه. وعدنان -كما سبق- مُمثِّل حقيقي لشريحة كبرى من شبابنا اليوم؛ إنه ليس فاسدًا، بل لم يُعطَ ما يرى به الصلاح، لم يجد مَن يعرض عليه إجابة سؤال “مَن أنا” (سؤال الهُوِيَّة) عرضًا صحيحًا مستقيمًا مُقنعًا؛ لذا اعتقد أنه الآخر (النموذج الغربيّ)، واغترَّ بهذا غرورًا بعيدًا؛ حتى صار وكأنه حقًّا مسخ من المسوخ، لا هو عربي ولا هو أعجمي. كذلك لم يجد -بالتبعة- مَن يعرض عليه إجابة سؤال “كيف أسير في الحياة” (سؤال الأخلاق والسلوك) عرضًا مُحبَّبًا لطيفًا؛ فتاهَ في حياته لا يعرف هدى. هذا هو عدنان الرواية، وكمْ نرى بين شبابنا عدنان!

كما اعتمدت الرواية على مقابلة الشخصيات ومقارنتهم بعضهم بعضًا؛ من خلال مَن لاقاهم عدنان في رحلته؛ وأهمهم خالد. هذا الشاب الذي يمثل نقيض عدنان، أو هو المثال والأنموذج للشاب العربي المسلم المُرتَجى لهذه الأمة ومستقبلها. فقد تمَّ ترسيخ إجابة السؤالين السابقين في بنيته، وظهر أثر هذه الإجابة في تكوينه. إنه الشاب المتعلم المهذب، الحريص على أمَّته، المهتمّ بقضاياها، العارف بأحوالها، المناضل من أجلها، المحافظ على شعائره، الفاهم لدينه وعقيدته. ومن خلال مقابلة الشخصيات أفادت الرواية إفادات عظيمة في تغيير نموذج عدنان من الفساد إلى الصلاح. وهذا ما يحدث في الحياة حقًّا؛ فيقابل المرءُ آخر يُغيِّره من حال إلى حال، لذا حرص الدين على حُسن الصحبة والجوار.

سمات روايات الناشئة ووجودها في عُمَريُّون

عمريون

ليست روايات الناشئة كروايات الكبار، بل تختلف بشدة عنها في كل شيء. لسبب واضح هو الفئة المستهدفة، وخصوصية تكوينها العقليّ والعاطفيّ واللغويّ وجميع المُستقبِلات الإدراكية. لذا تمتاز روايات الناشئة بميزات معينة لتؤدي مهمتها بنجاح. وقد استطاعت “عُمَريُّون” التحلِّي بهذه السمات.

تمتاز الرواية بسهولة الأسلوب واللغة وقُربها من الفئة المستهدفة، والمباشرة في القصد بوضوح أفكارها المُصدَّرة، واستخدام مُسلَّمات مستقيمة صحيحة تؤدي لما يُراد تعريفه للناشئ. والاقتصار على ما يخدم الغرض والأحداث، دون تشعُّبات. وقد يحدث بسبب الميزة الأخيرة ضعفٌ في روابط بعض الأحداث (مثل مسألة خروجهم من السجن في النهاية).

وتمتاز هذه الروايات بالبُعديْنِ التعليميّ والتربويّ، الذيين يكادان يكونان الهدف من العمل؛ فرواية الناشئة لا تُسلِّي الناشئ، بل تبنيه. وقد خصَّصتْ الرواية الفصلين الثالث والرابع لهذين البُعدين التعليمي والتربويّ؛ لذلك نجد الأحداث تباطأت حتى يكاد الفصلان يخلوان من الأحداث. هذان الفصلان احتويا خلاصات فكرية وتربوية هامة جدًّا للناشئ المسلم المعاصر؛ في هذه الخلاصات أفكار واضحة، بصورة منطقية صحيحة، ملائمة للمرحلة ومُقنعة كذلك، تفيد الناشئ وترسِّخ بعض أساساته اللازمة.

ما هي الأفكار التي تضمنتها رواية عُمَريُّون؟

عمريون

رواية “عُمَريُّون” تأتي أهميتها من شرف مقصدها، الذي يبدو في العنوان (سببها مذكور في الرواية). وأهم أفكارها سألخصها هنا في نقاط؛ حتى يستطيع القارئ أن يركز عليها في قراءتها لأبنائه.

1-   النقد بالسلب لنمط الحياة (أسلوب المعيشة) الذي يمثله عدنان في أول الرواية. وأنقل هنا مثلًا: (صـ 61) “يتم توجيه اهتمام الناس إلى جمع الثروات، ونشر ثقافة الاستهلاك والسعادة بالماديَّات، أو إشغالهم بالأفلام والمسلسلات الهابطة والألعاب والمهرجانات الترفيهية، وزلزلة عقيدتهم، وتلميع صورة مشاهير غير المسلمين في عقول الجيل الصاعد….”. وكذا: (صـ 94) “فتجد كثيرًا مِنَّا يتمنى لو أنه ينتمي لأولئك النجوم وحضارتهم، ويخجل ربما من المظاهر التي تدل على انتمائه لبلده أو دينه الذي تم تشويه صورته في عقله وقلبه”.

2-   الكشف عن أهم مُسبِّب لتلك المنظومة؛ وهو الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، والتي تبثُّ في صغارنا -وفي كبارنا للأسف- هذه النزعات الاستهلاكية، وفكرة النفع المادي المُباشر، ورُوْح التفاهة، والعيش في فقَّاعة الحياة الزائفة.

3-   عرض ما تنتجه مثل هذه الثقافات من تدمير للأسرة (أسرة عدنان وما صارت إليه)، ومن ظهور نماذج كارثية على المجتمع (شخصية المُعلم حازم).

4-   نسيان قضايا الأمة، التي يجب أن ترتكز في عقلية المسلم المعاصر (قضية فلسطين نموذجًا).

5-   ترسيخ بعض المفاهيم بشكل صحيح، مثل مفهوم البطولة، ومفهوم الواجب.

6-   التوجيه لاستخدام جيد لوسائل التواصل الاجتماعي.

وبعدُ، فأكرر دعوتي للقرَّاء للإقبال على هذه الرواية، وقراءتها لأبنائهم. فمن خلال سلامة فكرها، وأسلوبها الإقناعيّ ستستطيع إيصال أفكارها لهؤلاء الأبناء -بإذن الله-. كما أكرر دعوتي لكُل مَن امتلك الأهليَّة الحقيقيَّة والموهبة لكتابة المزيد من روايات الناشئة؛ فكلَّما علت موجة الاستهداف بالهدم وجب علينا ترميم سُفننا لنعبر الموجة سالمين.

رابط تحميل الرواية من موقع السبيل

444

الكاتب

عبد المنعم أديب

باحث في الفكر الإسلامي والفلسفة. صدرت له كتب أدبيَّة، ومئات المقالات في العالم العربي وخارجه. وله مئات من القصائد، وما يقرب من عشرين بحثًا علميًّا.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.