إن الوحي قد أرشدنا إلى الأدلة العقلية التي يمكن الاستدلال بها على صدق ما أتى به الإسلام من الإيمان بالله -عز وجل-، وبأنه هو الإله الخالق، وكذلك الإيمان باليوم الآخر، والقدر، وغيرها من المسائل العقائدية. وهذا يمكن ملاحظته بوضوح في القرآن الكريم، الذي يحث في الكثير من آياته على استخدام العقل في التفكر والاستدلال؛ كما في قوله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) البقرة: 164. وقوله تعالى: (إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ* وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ * وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) الجاثية: 3-5.

ويبين القرآن أيضًا أن السبب الذي أدى بالضالين إلى الضلال هو عدم استعمالهم لنعمة العقل كما ينبغي، ولهذا فإن الكفار وأهل النار يوم القيامة سيعترفون بذلك؛ حيث قال تعالى: (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ) الملك: 10-11. وقد قال الشيخ عبد الرحمن السعدي إنهم حينها يعترفون بعدم أهليتهم للهدى والرشاد، واعترفوا أنهم لو كانوا يسمعون ما أنزل الله وما جاءت به الرسل ويستخدمون عقولهم لما أصبحوا على الحال التي هم عليها في النار، لأن العقل هو ما ينفع صاحبه ويرشده لحقائق الأشياء، ويجعله يختار الخير على الشر، لذا فإن الكفار وأهل النار لا سمع ولا عقل لهم، وهذا بخلاف أهل اليقين أصحاب الصدق والإيمان، الذين سمعوا لما أنزل الله واستخدموا عقولهم وآمنوا بما أنزل الله على رسوله بالعلم والمعرفة والعمل.

ويقول السعدي: “والأدلة العقلية: المعرفة للهدى من الضلال، والحسن من القبيح، والخير من الشر، وهم -في الإيمان- بحسب ما منَّ الله عليهم به من الاقتداء بالمعقول والمنقول، فسبحان من يختص بفضله من يشاء، ويمنّ على من يشاء من عباده، ويخذل من لا يصلح للخير”.

وشرح شيخ الإسلام ابن تيمية إن الله وضح الأدلة العقلية التي تدل على وجوده وصدق ما أنزل على رسله بما لا يدع مجالًا للشك؛ فقال ابن تيمية: “وإن كان يظن طوائف من المتكلمين والمتفلسفة أن الشرع إنما يدل بطريق الخبر الصادق،  فدلالته موقوفة على العلم بصدق المخبر، ويجعلون ما يبنى عليه صدق المخبر معقولات محضة؛ فقد غلطوا في ذلك غلطًا عظيمًا؛ بل ضلوا ضلالًا مبينًا في ظنهم أن دلالة الكتاب والسنة إنما هي بطريق الخبر المجرد؛ بل الأمر ما عليه سلف الأمة وأئمتها -أهل العلم والإيمان- من أن الله سبحانه وتعالى بيّن من الأدلة العقلية التي يحتاج إليها في العلم بذلك”. وقال أيضًا: “جميع الطوائف -حتى أئمة الكلام والفلسفة- معترفون باشتمال ما جاءت به الرسل على الأدلة الدالة على معرفة الله وتصديق رسله”.

الأدلة العقلية على وجود الله سبحانه وتعالى

هناك الكثير من الأدلة العقلية التي يمكن من خلالها الاستدلال على وجود الله والإيمان به، وسنكتفي بالتالي؛ وهي:

قانون السببية

من أدلة العقل على وجود الله

لنتعرف أولًا؛ قبل أن نسترسل في الحديث عن هذا الدليل، على قانون السببية؛ فهذا القانون واحد من أهم القوانين، إذ إنه يربط ويوضح العلاقة بين حدث يعرف باسم السبب وحدث آخر يعرف باسم الأثر أو النتيجة، حيث يكون الثاني نتيجة للأول، لا يوجد إلا بوجوده. وعليه فتبعًا لهذا القانون لا يمكننا أن نقول على أي شيء إنه جاء من العدم أو بدون سبب، وهذا يعني أن كل الأشياء التي نراها عبارة عن موجودات أتت بسبب معين أو بفعل تأثير آخر. كما نستنتج من هذا القانون ألا شيء يمكن أن يحدث نفسه بنفسه، لأن أي شيء يحدث نفسه يجب عليه أن يكون موجودًا أصلًا قبل أن يحدث نفسه.

ولنفهم بشكل أكثر وضوحًا دعونا نأخذ مثالًا؛ لنفترض أن هناك شخصين في متحف لوحات زيتية؛ رجلًا وطفلًا، ويتأمل كلاهما إحدى اللوحات المعلقة على الجدار، إذا سأل هذا الطفل الرجل الذي يقف بجواره قائلًا: لو سمحت يا عم من الذي رسم هذه اللوحة؟ ومن الذي أتى بها إلى المتحف؟ فرد عليه الرجل قائلًا: في الواقع يا صغيري هذه الصورة جاءت فجأة من العدم وأوجدت نفسها بنفسها وتعلقت بهذا الجدار بنفسها! هل من المعقول أن يصدق الطفل مثل هذه الإجابة أم أنه سيعتقد أنه محض هراء وضرب من ضروب الخيال وشيء لا يمكن للعقل تصديقه؟ وهذا ينطبق على كل شيء. فإذا رأينا بيتًا رمليًا على شاطئ البحر؛ فإننا نستدل منه على أن أحد الأطفال كان هنا بكل تأكيد وقام ببنائه، وإذا شاهدنا سيارة في الطريق فسنعرف يقينًا أن أحدًا أوقفها هنا، وإذا رأينا هاتفًا ذكيًا سندرك بكل بساطة أنه مصنوع بدقة وتقنية حديثة في مصنع من مصانع الهواتف الذكية. إلا أن الشيء الغريب والمحير فعلًا؛ لماذا تختلف الموازيين عند الاستدلال بهذا القانون نفسه على وجود الله عز وجل؟

فحين نرى الكون الكبير الواسع بكل ما فيه من مخلوقات وأشياء؛ لماذا لا نطبق عليه -مثل كل شيء- مبدأ السببية، ولماذا في هذا الوقت تختلف كل الموازين ويتغير المفهوم ويصبح هناك إنكار وجود خالق لهذا الكون؟ على الرغم من أن الكون بكل ما يحتوي عليه من نجوم وأفلاك في الواقع أشد وأكثر تعقيدًا بملايين المرات من البيت الرملي والسيارة والهاتف الذكي واللوحة الزيتية. ولهذا فإن القول بوجود إله خالق لكل هذا هو شيء قاطع وواضح.

ونظرية الانفجار العظيم؟

تقول نظرية الانفجار العظيم أو الانفجار الكبير إن الكون له بداية وإنه ليس كونًا أزليًا، فمن فترة تتراوح بين 12 إلى 15 مليون سنة كان الكون عبارة عن كتلة غازية كبيرة عالية الكثافة شديدة اللمعان والحرارة، وبفعل الضغط الكبير الذي تولد من شدة هذه الحرارة حدث انفجار هائل فتق الكتلة الغازية لأجزائه، وذهب كل جزء من هذه الأجزاء في اتجاه مختلف، وهذا ما أدى لتكون الكواكب والنجوم والمجرات مع مرور الوقت. وربما تتوافق نظرية الانفجار العظيم مع الآية القرآنية التي قال الله -سبحانه وتعالى- فيها: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ۖ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ) سورة الأنبياء: 30. ومعنى الآية أن كل الكون من أرض وسماوات ومجرات وكواكب ونجوم كان كتلة واحدة ملتصقة، ثم حدث لهذه الكتلة فتق وانفجار وانفصال أدى لتكون المجرات والكواكب والنجوم، وهذا بالفعل ما كشف علماء الفلك عنه في نهاية القرن العشرين فقط.

ولا تقدم نظرية الانفجار الكبير شرحًا تفصيليًا عن نشأة الكون، بل تكتفي فقط بشرح لحظة الانفجار وما حدث بعده، لكن لا توضح مصدر هذه الكتلة ومن أين جاءت ومن الذي جاء بها ولماذا؟ كما لا تذكر أي شيء عن المسبب الرئيسي الذي أدى لهذا الانفجار.

وسنختتم هذه النقطة بقصة حقيقية حدثت أيام الرسول -صلى الله عليه وسلم- لرجل من أهل البادية في الجزيرة العربية يعرف باسم جبير بن المطعم، وكان لا يؤمن بوجود الله عز وجل، كان مارًا ذات يوم، وسمع الرسول يقرأ هذه الآيات: (أَمۡ خُلِقُواْ مِنۡ غَيۡرِ شَيۡءٍ أَمۡ هُمُ ٱلۡخَٰلِقُونَ (35) أَمۡ خَلَقُواْ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ (36) أَمۡ عِندَهُمۡ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمۡ هُمُ ٱلۡمُصَۜيۡطِرُونَ (37)” سورة الطور. فهذه الآيات الثلاث تعطي ثلاث احتمالات لوجود الإنسان والكون عمومًا؛ وهي:

  • الاحتمال الأول يتمثل في (أَمۡ خُلِقُواْ مِنۡ غَيۡرِ شَيۡءٍ)، ويعني أن الإنسان خُلق صدفة بدون سبب وبدون خالق، وبالطبع هذا الاحتمال باطل ولا يحتاج لدليل على بطلانه.
  • الاحتمال الثاني يتمثل في (أَمۡ هُمُ ٱلۡخَٰلِقُونَ)، وهذا يعني أن الإنسان هو من خلق نفسه أو أن الكون قد خلق نفسه بنفسه، وهذا أيضًا احتمال باطل لا يحتاج لحجة ولا دليل على بطلانه.
  • الاحتمال الثالث يتمثل في أن يكون هناك خالق هو من خلق الإنسان والكون، وهذا هو الاحتمال الذي لا يشوبه شك، فالله سبحانه وتعالى هو خالق الكون والإنسان. فيقول الله عز وجل بعد ذلك (أَمۡ خَلَقُواْ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ)، كي لا يتفاخر الإنسان ويغتر. وحين الرجل سمع هذه الآيات قال: “كاد قلبي يطير”، لأنه أدرك باستخدام عقله أن هذا الكون لا بد له من خالق، وكانت هذه الآيات سببًا في إيمانه بوجود الله ووحدانيته.

نظام الكون وتصميمه الفريد

من أدلة العقل على وجود الله

الكثير من الملحدين يعتمدون على العلوم التطبيقية والقوانين الفيزيائية والرياضية لتفسير نشأة الكون، وأنه قد جاء بالصدفة البحتة؛ وبالتالي فإن الكون ليس له خالق. وعليه فإننا لا بد من أن نستعين بدليل عقلي قائم على العلوم التطبيقية لإثبات وجود الله ودحض هذه الجدلية تمامًا.

يوجد في علم الفيزياء قانون اسمه الديناميكا الحرارية أو كما يطلق عليه قانون العشوائية، هذا القانون من أهم القوانين الأساسية في الفيزياء، وفيه أن أي نظام محكم إذا لم يضبط بقوى خارجية فإنه سيصبح غير مستقر وسيفقد تنظيمه مع مرور الزمن. وهذا يعني أن مقدار الفوضى سوف يزداد مع مرور الوقت، فالأشياء بطبيعتها دائمًا ما تتجه من حالة الترتيب لحالة الفوضى.

على سبيل المثال؛ إذا تركت الأم غرفة أطفالها دون تنظيفها وترتيبها ماذا سيحدث؟ سوف تصبح الغرفة غير مرتبة ومتسخة كل يوم أكثر من اليوم السابق، وهذا مثال يقاس عليه الكون كله، فإذا ترك الكون دون تدبير أو عناية قوى خارجية فسوف يضطرب وتختل موازينه، وإذا افترضنا صحة جدليتهم؛ في أن هذا الكون المنظم هو وليد الصدفة، فكيف لنا أن نفسر أن تتابع مجموعة من الصدف العشوائية تؤدي إلى إيجاد كون منتظم ومحكم بهذا الشكل، وكيف أن هذه الصدفة العشوائية أوجدت الكون بكل هذه الدقة والعناية والتوازن والنظام؟ وعليه فإن هذا القانون يدحض هذا الادعاء تمامًا من جذوره.

دعونا ننظر إلى كل الأشياء العظيمة الموجودة حولنا؛ النظام الشمسي والكواكب والقمر والنجوم، كلها موجودة ضمن نظام دقيق ومتكامل ومحكم يجعل الحياة على الأرض ممكنة ومضبوطة بمقدار وميزان دقيق، وحين ننظر حولنا نجد أن هذه الدقة والإحكام موجدان في كل الأشياء، ولنأخذ عدة أمثلة على ذلك:

  • مقدار المسافة بين الأرض والشمس؛ إنها مثالية تمامًا، فالأرض لا يمكن أن تكون مقرًا للحياة إذا كانت أقرب قليلًا إلى الشمس مثل كوكب الزهرة، أو بعيدة مثل المشتري. فالأرض هي الكوكب الوحيد وسط مجموعة الكواكب الذي يصلح للحياة، بفضل درجة حرارتها الوسطية.
  • مكونات الغلاف الجوي للأرض؛ هذه النسب محسوبة تمامًا، حيث يتكون الغلاف الجوي للأرض من 77 % نيتروجين و 21 % أكسجين. وإذا افترضنا أن نسبة الأكسجين قد زادت عن هذه النسبة لتصبح مثلًا 25 %؛ فإن أراضي كوكب الأرض الزراعية سوف تشهد الكثير من الحرائق العنيفة التي يمكن أن تدمر الغابات الاستوائية، فمستوى الأكسجين الحالي يتميز بالتوازن الشديد بين المخاطر والمنافع.
  • مستوى الكربون وبخار الماء في الجو؛ إنهما مثاليان جدًا، فلو كانتا أكثر من هذا فسوف ترتفع درجة حرارة الجو بشكل كبير، وإذا كانتا أقل فسوف تنخفض الحرارة بشكل مبالغ فيه.
  • مستوى الأوزون في الجو؛ إذا كان مستوى الأوزون في الجو أكبر من النسبة الحالية فستكون درجة الحرارة الخاصة بسطح الأرض منخفضة جدًا، أما إذا كانت أقل مما هي عليه الآن فستكون درجة حرارة السطح مرتفعة للغاية، وحينها ستصبح نسبة الإشعاع فوق البنفسجي كبيرة جدًا.

إن الأمثلة التي ذكرناها الآن هي مجرد أمثلة بسيطة على التوازن الذي خلق الله -سبحانه وتعالى- الأرض عليه، والتي تعد ضرورية جدًا للحياة، وهذه التفاصيل هناك غيرها المئات والآلاف، والتي تؤكد كلها على حقيقة واحدة بسيطة وواضحة، يتمثل في أن الله -سبحانه وتعالى- وحده من خلق الكون والنجوم والكواكب والجبال والبحار، وهو من أعطى كل المخلوقات البشرية والكائنات الحية الحياة، وسخر كل شيء لسيطرة الإنسان بدليل قوله تعالى: (أَلَمۡ نَجۡعَلِ ٱلۡأَرۡضَ مِهَٰدٗا (6) وَٱلۡجِبَالَ أَوۡتَادٗا (7) وَخَلَقۡنَٰكُمۡ أَزۡوَٰجٗا (8) وَجَعَلۡنَا نَوۡمَكُمۡ سُبَاتٗا (9) وَجَعَلۡنَا ٱلَّيۡلَ لِبَاسٗا (10) وَجَعَلۡنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشٗا (11) وَبَنَيۡنَا فَوۡقَكُمۡ سَبۡعٗا شِدَادٗا (12) وَجَعَلۡنَا سِرَاجٗا وَهَّاجٗا (13) وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلۡمُعۡصِرَٰتِ مَآءٗ ثَجَّاجٗا (14) لِّنُخۡرِجَ بِهِۦ حَبّٗا وَنَبَاتٗا (15) وَجَنَّٰتٍ أَلۡفَافًا (16) سورة النبأ.

القيمة الأخلاقية

أزمة الإنسان المُتسيِّد في استغنائه عن الإله

التصور الصحيح والعقلاني والمنطقي يقول إن هناك إلهًا خبيرًا عليمًا حكيمًا عادلًا، هو من يطلع على أعمال الناس ويحاسبهم على كل أفعالهم الصغيرة والكبيرة الخيرة والشريرة، وفي الحياة الآخرة يلاقي كل طرف منهم ما يستحقه. أيضًا فإن شعور الإنسان بأن العدل قيمة حسنة والظلم قيمة سيئة، يشير إلى الذي أودع الشعور بهذه النزعة فيه. فالإنسان لا يمكن أن يصل إلى القيم المطلقة هذه بسبب قصور علمه وعدم استطاعته على التجرد بشكل كلي من الهوى، ولهذا فإنه لا وجود للقيم المطلقة بدون وجود الله -سبحانه وتعالى-.

وهذه القضية بشكل خاص؛ قضية الأخلاق تعد إشكالية كبيرة بالنسبة للملحدين، فالملحد يقع في إشكالية واضطراب عندما يتعلق الأمر بكيفية تحديد الأخلاق الحسنة من الأخلاق السيئة. ويرد بعضهم الموضوع إلى العلم؛ مثل سام هارس، فنجده يقول: “بما أن العلم قادر على إخبارنا بما يحقق الصحة والعافية، فهو إذا قادر على تحديد الأخلاق الحسنة والسيئة”، لكن العلم التجريبي نفسه في الواقع يقف عاجزًا عن إثبات صحة هذا الزعم. بينما يرى ريتشارد دوكنز أن تحديد الأخلاق الحسنة والسيئة يكون عن طريق المجتمع، ويعتمد على التفسير الدارويني للأخلاق، وعليه فإن الملحدين لا يجدون مفرًا من ضرورة القول بأن أفعالًا كزنا المحارم وممارسة الجنس مع الحيوانات وتعذيب الأطفال، كلها قضايا ليست من الأخلاق السيئة في المطلق، ولكنها سيئة بالنسبة لنا لأن هذا ما تطورت عليه عقولنا.

64

الكاتب

سارة سعد

كاتبة محتوى حصري منذ 2016م. حاصلة على ليسانس الآداب، دبلومة التربية ودورة في اللغة العربية. أقوم بتحضير الماجستير في الفلسفة أحب القراءة، السفر، وألعاب التفكير.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.