تشهد سوق الكتب في العالم العربي ظاهرة غريبة عنه؛ وهي امتلاء السوق العربية بعديد الكتب التي تفتقد لأقلّ مستوى من أهلية النشر على السياق العام. لا أقصد بقلة أو انعدام الأهلية هنا تلك الصفات التي تتمتع بها بعض الكتب؛ مثل تكرار المُكرَّر والسابق قوله، أو أن الكتب تفتقر للجدية في الطرح، أو أن منهج المعالجة به عوار. بالقطع لا أقصد تلك الصفات -وغيرها يشبهها-؛ فتلك الأصناف من الكتب التي تحوي هذه الصفات تُكتب دومًا، بل تسود في كثير من الأحيان -فالجيد هو القليل، والممتاز هو النادر-. بل أقصد أن الكتب التي تنشر في العالم العربي وصلت من حالات الفوضى إلى حد العبثية، وهذا ليس وصفًا قاسيًا بل الحقيقة.

فيرى القارئ كتبًا كثيرة كاثرة وصلت إلى حد التفاهة البالغة حدًا يسهل معه وصف ما ينشر بالتهريج؛ فيجد القارئ تلك النوعية التي تدِّعي أنها “تُسهِّل” على القارئ الأسلوب حتى يقرأ (تطور لما أراده أنيس منصور، لكنَّهم لا أنيس أصابوا، ولا توازن كتابته فهموا). فمثل هذه الكتب تشبه برامج التسلية والترفيه التي تدَّعي أنها تقدم العلم بطريقة محببة إلى النفس، وما هي إلا برامج ترفيهية. ويجد القارئ درجةً أشدَّ سُفُولًا في امتلاء السوق بروايات الرعب، وتلك القصص التي تشبه أفلام الغموض والإثارة. وقد يَعجَب القارئ الجادّ -كما الكاتب الجاد- من الانتشار الضخم لمثل هذه النوعية، حتى كادت تستحوذ على السوق مزاحمةً كل الأنواع الأخرى.

ويُقلِّب القارئ ناظريه في السوق فينزل درجة في سُلَّم السُّفُول؛ ليرى تلك النوعية التي أطلقوا عليها “أدبًا ساخرًا”؛ هذا الصنف الذي نظلمه كلَّ الظلم، فننسب إليه كلام كل عاطل عن أية معرفة، وحديث كل فاشل عن إدراك غاية. ويسوء الوضع فيُنشر تحت هذا الصنف -زورًا وافتئاتًا- كتبًا تصل إلى حد الجرائم. ثم يحاول القارئ تلمُّس سوق النشر في مواقع الكتابة الإلكترونية بأصنافها المتعددة؛ فيجدها مليئة بما فسد -ولا أقصد الجميع قطعًا؛ فهناك كثير جيد-، ولا يختلف الحال فيها عن سوق نشر الكتب في شيء، بل قد يزيد لسرعة النشر وتجدُّده.

هل هذا الوضع جديد؟

التفاهة

وقد يقول قائل: وماذا في هذا؛ كل الأزمان قد شهدت الجيد والرديء؟ فهل هذا الوضع جديد حتى نلتفت إليه؟ أجيب: نعم كل العصور شهدت الجيد والرديء، بل الرديء دومًا كثير -كما سبق-. لكنَّ الوضع الذي نحن فيه الآن جديد من ناحية الكمّ، لا من جوهر المسألة. فالجديد هو كمّ التفاهة واللاشيء الذي يُقدَّم، بل يتحكَّم في المشهد الثقافيّ العربيّ كله، ليس في نشر الكُتب والمقالات وحسب. هذا الطغيان الكمِّيّ أثَّرَ على الكيف؛ فجعل المشهد الثقافي الجاد مَسوقًا لا سائقًا، حتى أستطيع أن أقول:

لقد نحَّتْ التفاهةُ والسطحيةُ رُوحَ العمل الهادف والعميق والجاد جانبًا، وانفردت بالحلبة.

وهنا أوضح -حتى يصير رأيي جليًّا- أنَّ قضيتنا لا يدخل فيها سيادة رأي أو اتجاه؛ فقد كانت الثقافة العربية في عصورها المُتتالية تتعرَّض لمثل هذه السيادات والهيمنات على ساحة النشر والثقافة؛ مثل سيادة آراء المعتزلة في بعض عقود الدولة العباسية، وسيادة فكرة التغريب منذ العصر الحديث حتى اللحظة. فمثل هذه السيادة هي لقضية فكرية ينافح عنها البعض، وينافح دونها الآخرون. أمَّا الوضع الآن هو ألَّا رأي ولا فكر؛ بل السائد هو الاهتراء والتفاهة والسطحية؛ التي تشكل بدورها عبثيَّة المشهد. فالموجات الأولى هي طبيعة حال الثقافة، بل طبيعة حياة الثقافة في المجتمع الإنسانيّ، أمَّا الموجات التي نشهدها فهي من علامات المرض والتدهور الواضح. فليس من طبيعة الفكر والثقافة أن تنكر تماوج الآراء وصراعها، إنما المرض كل المرض أنْ تُزاح الصراعات الجادة عن الطريق، وتستولي التفاهة على المشهد، وكأنها محارب شرير غرَزَ رُمح رايته على جثة الأبطال الحقيقيين.

غرور القرَّاء بهذه الموجة وتأثيرها فيهم

يغترُّ بعض القرَّاء بهذا الوضع السائد؛ أيْ بكون هذه الكتابات تنشر، وهؤلاء الكُتَّاب تَصدُرُ لهم كتب ومقالات. ويعتقدون أنهم على حق طالما نجحوا في عملية النشر. وأتذكر مرةً وجدت أحد الأصدقاء يرسل لي صورة لكتاب، كنت قد ناقشت معه أهلية الكاتب على ممارسة الكتابة؛ فإذا بالصديق يرسل صورة كتاب صدر لهذا الكاتب نفسه، ويُسمعني اندهاشه وتعجبه؛ ظانًّا التناقض بين رأيي وبين كون الكاتب نُشر له كتاب بالفعل (وسأرد على هذه بعد حين).

ومن القراء غير المعتادين على القراءة بانتظام، أو غير المتعرِّضين للنماذج العُليا من الكتب والكتابات مَن يغترُّ بهذا الوضع بدرجة أسوأ؛ فيظن أن ما ينشر صحيح لا شيء فيه، بل يعتاده ويراه الأصل، بل يعتقد -مع توالي الأجيال- في كاتبيه أنهم كتَّاب مرموقون! وكم رأينا إصباغ صفة “كاتب كبير” على أمثال هؤلاء العاطلين عن أيَّة أهلية.

النشر لا يعني أهليَّة المنشور

دور النشر

وهنا أنبِّه على هذا المبدأ العامّ أن النشر لا يعني أهليَّة المنشور واكتسابه إيَّاها. فمُجرَّد أن كتابًا نُشر ليس دلالةً على أنه كلام جيد أو ملائم لمخاطبة الكافة به. فإنَّ النشر هنا كالحديث بين الناس؛ كلٌّ واحد من الناس يتحدث ويطلق كلماته عابرةً إلى الآخرين، ومجرَّد إطلاقه الكلام وتعبيره عنه لا ينسب لهذا الكلام صحةً ولا فسادًا، ولا جمالًا ولا قبحًا. إنَّما الكلام نفسه هو الفعل؛ أمَّا الصحة والفساد والجمال والقُبح هو حُكمٌ على هذا الفعل، يأتي بعده في الترتيب.

فليس من قبيل الدلالة على الجودة أو الأهلية أن كلامًا قد سُطر ثم نُشر؛ فهذا كمثل أن تقول: إن كلام هذا الرجل منطقيٌّ ومُرتَّب بدليل أنه قاله وخرج من فمه! إنَّما الكتابة والنشر هي المُمارسة التي تصدر عن الكاتبين والناشرين، ثم يأتي ميزان هذا النشر ليصفه ويضعه في موضعه الصحيح. ولهذا وجب التنبيه؛ حتى لا يغترَّ أحد بفعل النشر وحده، فيعتقد مكانةً في المنشور ويُقبل عليه دون بصيرة.

أسباب تفشِّي ظاهرة عبثية النشر

هذه الظاهرة لم يخلُ منها سوق النشر في زمنٍ؛ لكن الإشكال -كما سبق- مُنصبٌّ على تفشِّي وطغيان هذا النشر العبثيّ على السوق العربية، لا محض وجوده. بدأ طغيان الظاهرة في آخر عقدين؛ أيْ منذ السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين، لكنَّه بدأ يتوحش في العقد الأخير خاصةً. وهنا سأورد بعض الأسباب التي ساعدت على نماء هذا الطغيان؛ مما يتعلَّق بالنشر فقط، لا بالكاتبين ولا القارئين، فالحديث عن الأسباب العامة الشاملة لمثلث النشر هذا لا يمكن أن يحتويه مقال، لذا سأقتصر على ما كان مُنصبًّا على جانب النشر.

وبالعموم فهذه الظاهرة الفوضوية والعبثية لا تنفصم عن فوضى المجتمع العربي العامة؛ بل هي صورة من صوره في خلقه المشكلات بنفسه، وفي طريقة تعامله معها التي تزيدها سوءًا وبشاعةً.

التزايد الضخم في أعداد الناشرين

أكثر ما ساعد على انتشار هذه الظاهرة -إجرائيًّا وتطبيقيًّا- هو التكاثر الكبير في أعداد دُور النشر في العقد الأخير؛ فقد تنامت دور النشر في العالم العربي عقدًا بعد عقد. منذ عهد المطبعة الأميرية ببولاق إلى أن صارت الدُّوْر بالمئات والآلاف. لكنَّ العقد الأخير شهد نوعًا مخصوصًا من الناشرين؛ وهم الناشرون المحدودون، فيقوم شخص أو بضعة شخوص بإنشاء دار جديدة متناهية الصغر، ويسوِّقون لها على مواقع التواصل، ويستقطبون الكتَّاب.

وهذه المشاريع في غالبها تنشأ للمنفعة المادية المحضة، لا تصدر عن فكرة تنتصر لها ولا عن جهة تنافح عنها (ولا أنفي وجوه نفع لهذا التزايد لا يتعلق بسياقنا الآن).

هذه الدور أغرقت السوق بالكُتب. وهي في الغالب تجعل الكاتب يدفع ثمن الكتاب الذي ينشره؛ لذا تستهدف مَن لم ينشر من قبل، أو ذوي الأعمال بالغة الرداءة (وللنشر أسرار كثيرة ستفاجئ الجمهور قد أسردها في مقال آخر) لتجعله يدفع ثمن النشر وأكثر؛ ثم تبيع الكتب وتستفيد بالجزء الأكبر من الربح -إنْ وُجد-.

وأتذكر أنني كنت أجلس مع أحد الناشرين في عام 2018 من هذا الصنف؛ وطفق يسرد لي تفاصيل كثير من الدور التي تنافسه، ومقدار ما ستُقدِم على نشره من كتب. وذكر أن دارًا واحدةً أُنشئت من شهرين فقط ستدخل معرض الكتاب الدوليّ في القاهرة بأكثر من خمسين كتابًا دفعة واحدة! وذكر أخرى تقترب من مائة كتاب، وأكثر من هذا في بعض الدور. وهذه أعداد ضخمة من الكتب المنشورة، لا يُقدم عليها أكبر الناشرين الذين لهم قَدَم راسخة في سوق النشر منذ عقود، فما بالنا بمثل هذه الدار!

وباختصار فهذه الدور التي ملئت السوق كانت من أكبر الأسباب في نشر عدد ضخم جدًا من الكتب التي لا تليق للنشر، ولا تتوفر بها أقل أهلية له. وترك هذه الدور بهذه الكيفية زاد من توغلها. وللعلم غالب هذه الدور تغلق بعد شهور من افتتاحها لسوء الإدارة والانعدام التام في الخبرة، أو لكونها قد حصدت غلَّتها واكتفت. وبالعموم الوضع الاقتصادي القائم، والارتفاع الضخم في أسعار المواد الخام للطباعة، مع تفاوت أسعار العملات العربية المحلية والدولار؛ سيطيح بما تبقى من هذه الدور، وللأسف بغيرها من الدور الجادة المحترمة.

تنامي النشر الإلكترونيّ

دور النشر

ومن أسباب تفشِّي هذه الظاهر تنامي النشر الإلكتروني للكتب؛ فبرز عدد من المواقع العربيَّة المُستضيفة للكتب بصيغة PDF، يستطيع كل أحد أن يكتب ما يريد وينشره في صورة كتاب بعد تحويله لهذه الصيغة. هذه المواقع فتحت باب النشر على مصراعَيْه لكل من أراد، أيْ أن مجرد رغبتك في النشر تكفي لتكون كاتبًا وتنشر لك الكتب. وإنْ سألت عن السبب فهو تجاريّ؛ فهذه المواقع لا تهتم بالمحتوى جودةً، بل به كمًّا. لأن هذا الكمّ كُلَّما عظم زادت نسبة الوصول إلى الموقع، مما يُعلي من أسهمه، ويُكثر من فرص الإعلان فيه والاستثمار به.

وليس النشر الإلكتروني نفسه عيبًا، بل هو امتياز وفرصة. لكنَّ العيب في الفوضى التي تنتظمه؛ فهناك نشر منظم وآخر فوضوي، بغضّ النظر عن الوسيط (ورقيّ أم إلكترونيّ). ولعلَّ فوضى هذه المواقع بسبب جدَّتها وحداثتها، كأي نشاط جديد يكثر فيه الاضطراب، ثم يبدأ يُكوِّن لنفسه عقدًا اجتماعيُّا وميثاقًا بالتراضي وبحُكم التداول. وأنا أورده هنا لكونه سببًا في زيادة فوضى النشر ليس أكثر.

ولا ينفكُّ عن هذه المواقع مثيلاتُها من مواقع نشر المقالات (جرائد، مجلات، مواقع المقالات المخصصة لها). فقد زادت بشدة في العقد الأخير؛ وتسعى كلٌّ منها إلى زيادة محتواها بأية طريقة على حساب أية درجة من الجودة، أو اختراق ميثاق الأمانة المهنية.

ونهايةً فهذا التنامي الضخم لمَحلَّات النشر في عالمنا العربي بظهيرَيْه (الورقي والإلكتروني) قد أطلق عنان هذا الطغيان للفوضى والعبثية والسخف الذي اكتسح الساحة في السنوات الأخيرة. لكن ليس هذا التنامي وحده السبب، بل صاحب هذا التنامي منظومة فاسدة في رؤية عملية النشر والثقافة كليَّةً، ومنظومة أخرى فاسدة نجمت عنها شكَّلت أخلاق النشر.

المنظور التجاريّ للنشر الثقافيّ

ومن أكبر تشكيلات هذه الرؤية الفاسدة؛ هي نظر الناشرين للمهنة على أنها تجارة. فالناشر -ليس كل ناشر- ينظر إلى عمله من منظور تِجاريّ ربحيّ محض. وينبني على هذا اتخاذ كافة قراراته (من قبول النشر حتى آخر تعامل له مع الكتاب أو الكتابة المنشورة) على أساس سؤال: ماذا سأربح من ورائه؟ ما الذي سأجنيه من مكاسب؟ وما فرص نجاح هذا النشر؟ فهذا معيار التعامل مع المنشور ومع كاتبه. وبالقطع غنيّ عن الذكر أن أبيِّن فساد هذا المنظور، وإفساده للعمل الثقافي كليَّةً.

وهنا أوضح أن النشر جزء كبير منه عمل تجاري كأية تجارة، بها حساب المكاسب والخسائر؛ لكن الخطأ أن نحصر منظورنا على هذا الجانب، وأن يكون مقياسَنا في العمل كله. وكم تحاورت مع ناشرين لأقول لهم إنهم ليسوا تجَّار فاكهة أو عطور أو سيارات (مع كون هذا المنظور مُفسِد حتى في هذا المثال)؛ بل هم يقومون بعمل جليل، لا يصلح أن نحطَّ من قدره بهذا السلوك. لكن كما قال الشاعر: لقد أسمعتَ إذ ناديتَ حيًّا .. ولكنْ لا حياةَ لمَن تُنادي!

الرؤية الاستهلاكية للمنتج الثقافيّ

دور النشر

ولا يكفي هذا العامل سببًا في تبرير هذه الظاهرة؛ فلعلَّ الناشرين ينظرون بمنظور تجاريّ، فينشرون أفضل الموجود لتحقيق المكاسب. لكنَّ الواقع لا يتضح إلا إذا أضفنا لهذا المنظور التجاريّ عنصر الإغراق في الرؤية الاستهلاكية. فالناشرون -أقصد هنا كل صنوف الناشرين كتبًا ومقالات مُفردة وأشعارًا وغيرها- يتعاملون مع النشر الثقافيّ بهذه الروح الاستهلاكية؛ أيْ البحث عن أشدَّ المواد استهلاكًا من الجمهور وتقديمها لهم، بغضِّ النظر عن كون هذه المواد هي الأَولى بالنشر أم لا، وبغضِّ النظر عن صلاحيتها أصلًا. وهذا المنظور يجعل الناشرين يعملون وفق مبدأ “جذب المُستهلك”، وتطغى هذه الفلسفة على كل عملهم. وهذا المبدأ متى طُبِّق أتى بالعاقبة الوبيلة؛ فليس الإنسان الذي كرَّمه الله بعقلٍ وجعل مهمته البحث عن الهداية دجاجةً يغريها المُربِّي ببعض الحبوب، أو أرنبًا يسعى وراء جزرة.

الاعتماد على غير ذوي الكفاءة

ومن أسباب هذه الظاهرة الاعتماد على غير ذوي الكفاءة والخبرة في كافة مهامّ النشر الثقافيّ (فحصًا للأعمال، وتصحيحًا، وتصميمًا، وترويجًا). فلا لجنة القراءة أو لجنة الاستشارة الثقافية صالحة لأداء هذه المهمة الخطيرة (وفي الغالب يكون الناشرَ نفسَه أو كاتبًا من ذلك الصنف العاطل يستعين به أو أكثر)، ولا يُستقدم مُصحِّحون ومُراجِعون لُغويون أكفاء (وفي الغالب يكون أعلم الموجودين باللغة أو شخصًا أتى بالواسطة أو شابًا صغيرًا ليتقاضى أجرًا بالغ الضآلة)، وكذا في مجالات التصميم وغيرها. وقد رأيت ناشرين أفاضل يريدون أن ينشروا الجيد حقًّا؛ لكنهم استعانوا بمثل هؤلاء فأحبطوا عملهم. وبالقطع هذا الكم الهائل من الناشرين في العقد الأخير لا يجد إلا هؤلاء، ونادرًا ما يتمُّ التعاون مع أشخاص ذوي كفاءة.

أعظم نتيجتين خطرًا لهذه الموجة الجديدة

دور النشر

هناك آثار كثيرة لهذه الموجة -يضيق المقام عن ذكرها الآن-؛ لكني سأقتصر على أخطر نتيجتين من نتائج هذه الفوضى العارمة في سوق النشر العربية.

الأولى هو تجريف الثقافة العربية بترسيخ روح التفاهة ومنهج السطحية في التعامل مع الفكر والمجتمع ومشكلاته. وللأسف تؤثر هذه الروح على الشباب أشدَّ التأثير؛ ففارقٌ ضخمٌ بين من فتح عينَيْه يسمع عن معارك فكرية بين مصطفى محمود ومحمود أمين العالم، أو قبلهما بين العقاد وطه حسين، أو بينهما وبين الرافعي، أو بين محمود شاكر ولويس عوض -وكل هذه المعارك كانت تنشر في أكبر محلَّات النشر الصحفي، ثم تودَع الكتب بعدها-؛ وبين ما يراه الشاب الآن من الفراغ المطلق، واللامحتوى، والسطحية الطافحة، والسذاجة المغرقة في كتابات القوم من حوله أو أحاديثهم. فيكبر هذا الشاب ولمْ تُتحْ له فرصة رؤية الجيد أصلًا؛ وهنا نسأل سؤالًا: يا ترى عَلامَ ستكون صورة عقله ومنطقه ولغته؟!

والأخرى يأس الكتَّاب الجيدين الحقيقيين الجادِّين من مزاولة عملهم؛ وهم يرون هذا التصدُّر الشاسع للتفاهة والتهريج. فإمَّا ينصرفون انصرافًا عن أيّ نهج كانوا ينوون السير عليه، وإمَّا ينكفئون مُحطَّمين يمارسون ما يمارسونه على استحياء. ليس الكاتبون وحسب؛ بل الناشرون الجادون ييأسون أيضًا من تسويق أعمالهم الجادة المحترمة ذات الشأن والأهلية. ولعلَّ الجميع رأى ويرى انزواء ناشرين كانوا ملأ السمع والبصر، وأخرجوا أفضل الكتب جودةً في العقود السابقة في ظل هذه الهجمة التَّتريَّة الشنيعة التي نشهدها جميعًا.

وبعدُ، فهذه بعض الأسباب، وبعضٌ من مُعالجة ونظر في هذه المسألة. لا أقصد بها أن أُحبط ذوي البصائر، فالخير موجود دومًا، وقد وصَّفتُ ما يحدث بالظاهرة والموجة التي سيمضى زمنها -طال أو قصر-. لكن حل كل المشكلات رهين بمعرفتها وتحليلها. وهذا بلاغٌ للناس لعلَّهم يرشدون!

55

الكاتب

عبد المنعم أديب

باحث في الفكر الإسلامي والفلسفة. صدرت له كتب أدبيَّة، ومئات المقالات في العالم العربي وخارجه. وله مئات من القصائد، وما يقرب من عشرين بحثًا علميًّا.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.