برزت في السنوات الأخيرة ظاهرة جديدة على الوسط المعرفيّ والثقافيّ العربيّ؛ وهي ظاهرة استعراض الكُتُب التي استطاع كلُّ شخص إنجاز قراءتها، بتصويرها وعرضها على الجمهور في وسائل التواصل الاجتماعيّ المُختلفة، وتبرز جدًّا في نهاية العام. ولا أشكّ أنَّ جميعنا قد رأى نموذجًا من تلك الظاهرة؛ فطالع شخصًا ينشر صورةً بها كُتُب متراصَّة، وقد يكون بها عشرات الكُتُب بعضها فوق بعض، وقد يصل المنشور الواحد إلى صور بها مئات الكُتُب؛ ثُمَّ نرى تعليقًا من صاحب المنشور يُعلمنا فيه: أنْ هذه مُحصِّلة ما قرأ هذا العام.

تحوُّلها إلى مُوضة معرفيَّة

لقد احتالتْ هذه الظاهرة التي بدأتْ -كطبع الأمور- قليلةً إلى موضة معرفيَّة وثقافيَّة أصيلة؛ فما يأتي آخر العام إلا ويتوقَّع المُطالع لوسائل التواصل أنْ يجد هذه المنشورات تملأ حيِّز بصره، بل تكاد تُنافس الأخبار من كثرتها.

ولمْ تكُن هذه الظاهرة موجودةً من قبل؛ وأقصى ما كان موجودًا في حيِّز ثقافتنا أمرٌ قد لا يُشابه هذه الظاهرة إلا في فكرة الكُتُب المُقتناة والمجموعة، وهو أنَّ الجماعة القارئة قد طالعتْ في الكُتُب والمقالات عن امتلاك المفكِّر والأديب “عباس محمود العقَّاد” خمسين ألفًا من الكُتُب تملأ عليه بيته، وقد يُطالع ممَن سبقه كمَّ الكُتُب في بيت الأستاذ “أحمد تيمور باشا”، أو “أحمد زكي باشا”، ومن بعد العقَّاد مكتبة أنيس منصور الضخمة. كُنَّا نقرأ عن مكتبات هؤلاء وغيرهم، ونرى صورًا لبعضها في الصحافة والتلفاز.

لكنَّ تطوُّر وسائل التواصل الاجتماعيّ مكَّن لكُلّ شخص أنْ يُشارك في هذه الظاهرة، وأن يتأثَّر بفعل غيره؛ فينشر مقدار ما قرأه على مُتابعيه. ولعلَّ هذه الظاهرة لا تنفكُّ عن الظاهرة الأكبر أو الفكرة التي تطرحها -بل تفرضها- علينا هذه الوسائل؛ وهي أنْ نُحوِّل حياتنا لفرص للعرض والاستعراض، وأنْ نُشبه في سلوكنا هذا السلوك التِّجاريّ المحض الذي يسلكه المُوزِّعون والمُروِّجون لبضاعتهم في المحالّ التِّجاريَّة. بل تغذِّي فينا النظرة الاستثماريَّة لذواتنا وحيواتنا؛ حين ننظر إلى تفاصيلها من حيث استحقاقها الخروجَ على الجمهور. فنرى في هذا الجانب استعراضَ الإنسانِ مَأكَلَه ومَشرَبَه ومَلبسَه ومَأواه ومُستخدماته الصغيرة والكبيرة على تلك الوسائل. ولست هنا في مقام نقد لهذا السلوك، بل في توصيف وتأصيل للظاهرة محلّ الحديث.

بعض إيجابيَّات هذه الظاهرة

ولهذا السلوك الذي انتشر جوانب إيجابيَّة لا يمكن أنْ ننكرها. منها -بل لعلَّه أعظمها- أنَّه إشهار وإظهار لشيء جيِّد، ولسلوك “جادّ”. فهذه الوسائل التواصليَّة تمتلئ بالهُراء والسخف، وتكتظُّ بمظاهر الاستهلاك السخيف والدنيء؛ فنجد فيها أشخاصًا يصرُّون على أنْ يصوروا لنا الطعام الذي يأكلون!، ونجد مشاهير يستعرضون ملابسهم في عديد المنشورات، ونجد مساحةً ضخمةً جدًّا من النكات والصور المُعاد استخدامها أو المُتلاعب بها لغرض الإضحاك، وكثيرًا من كلمات “الفضائح، السقطات، انظر ما أخفاه فلان لمدة سنوات، وما شابَهَ …..”.

وفي ظلّ هذه المساءة العُظمى لأنفسنا بأنفسنا، وتلويثنا الذاتيّ لوعينا الجماعيّ؛ من الجميل أنْ نرى منشورات كثيرةً تطالعنا بالكُتُب، وبسلوك جادٍّ ليس هزليًّا هو القراءة، وتذكِّرنا به وبغيره من السلوك الجادّ الذي تختار الثقافة الرابضة على وعينا الآنَ طرحه جانبًا من حياتنا العامَّة. بل لعلَّ هذا السلوك مِمَّا يوازن كفَّة النشر -أقصد يحاول موازنة الكفَّة- المائلة في الخضمّ الواسع الفسيح إلى سمة الاستهلاك المُباشر والاستعراض المحض.

ومن إيجابيَّات هذه الظاهرة تشجيع غير القارئ على القراءة؛ وهذه السمة مرتبطة بجبلَّة في النفوس، وهي تأثُّرها بالذي تراه وتسمعه ويحيط بها، فالإنسان كائن اجتماعيّ يؤثِّر ويتأثَّر. وفي اعتقادي أنَّ الحسابات الكُبرى ذات المُتابعة العالية -التي منها حسابات جهات كثيرة من الصحافة- تقع عليها مسئوليَّة التوجُّه الفاضح نحو نشر المحتوى الاستهلاكيّ، والمحتوى التافه الفارغ من أيّ معنى جيِّد. فيجد الإنسان نفسه مَحُوْطًا بهذه التفاهات طوال الوقت.

وهنا تبرز هذه الظاهرة الجديدة لتقوم بدورَيْنِ: مُقاومة المحتوى الفاسد والمُفسِد، وتشجيع الناس على القراءة، من خلال إعطائهم فكرة “إنجاز عدد مُعيَّن” من الكُتُب التي يقرأونها، ومن خلال مظهر الكُتُب المُغري بالقراءة في تلك الصور؛ التي يُجيد البعض إخراجها بطريقة جماليَّة تدخل البهجة على النفس لمَرآها وحسب.

بعض السلبيَّات في هذه الظاهرة

في ظاهرة استعراض الكُتُب تبرز بعض السلبيَّات، وتبرز بعض المخاوف أيضًا. ولعلَّ أعظمها خطرًا هو التركيز على “الكمّ” في القراءة؛ وهنا يجب التنويه على أنَّ فكرة “الكمّ” و”العدد” لا تتعلَّق ضرورةً بتحقيق استفادة عُظمى من فعل يُسمَّى “فعل القراءة”، أقصد هنا فعل القراءة الصحيحة المُثمرة. فالكثير يظنُّ صحَّة هذه المُعادلة: قراءة أكبر عدد من الكُتُب = تحقيق أعظم إفادة منها. وهذه المُعادلة لا دخل لها بالقراءة، بل بتفكيرَيْن: التفكير الأوليّ الساذج كطفل يفكر في حلواه الكثيرة التي أعطاه والده إيَّاها، والتفكير التِّجاري في القراءة، أيْ أنْ نُفكِّر في القراءة من خلال منظار التاجر أو المُستثمر. ومسألة علاقة الكمّ بالقراءة موضوع وحده للحديث.

نجد كذلك ما تتضمنُّه فكرة الكمّ من شعور النفس بالدفع من أجل إنجاز هذا الكمّ، والضغط عليها لتحقيق أكبر عدد وكأنَّنا في خط إنتاج بأحد المصانع. وقد يتحوَّل الأمر -على صعيد آخر- من تقديم فعل القراءة وإظهاره للناس إلى مُسابقة فيمَنْ ينشر أكبر عدد. ولا داعي لتقرير أنَّ جميع هذه السلوكيَّات التي تتعلَّق بالكمّ تتنافى بل تتناقض مع فكرة “الوعي السليم” التي يرجوها الإنسان من قراءته.

كذا نجد في الظاهرة خلطًا بين سلوك حقيقيّ -هو القراءة-، وسلوك زائف -هو الاستعراضيَّة والمَظهريَّة-. وأسابق بالقول: إنَّني لا أشكِّكُ في نيَّة أحد يسلك هذا السلوك، بل أنبِّه إلى تخوُّف قد يُصاحب هذا السلوك. وهنا نجد الفعل نفسه ذا حدَّيْن: هذه الظاهرة تُمثِّل إظهارًا للسلوك الجادّ -كما سبق-، وقد لا تُنبئ في أحيان إلا عن المَظهريَّة وحُب التميُّز. ويقف الأمر هنا عند حدّ التخوُّف والتنبيه؛ لأنَّه يتعلَّق بطويَّة النفوس لا علانيَّتها.

كذا لا بُدَّ أنْ يُسائل كلٌّ نفسه: لماذا أسلك هذا السلوك؟ لماذا أجمع ما قرأته في العام وأعرضه على الناس؟ هل هذا هو السلوك الصحيح مع الكُتُب التي قرأتها؟ أمْ أنَّ هناك سلوكًا أشدّ فائدةً لي ولغيري؟ الإجابات عن هذه الأسئلة ستختلف من شخص إلى آخر على كثير من الاعتبارات. لكنَّها أسئلة مشروعة لا تنفكُّ عن سلوك مراجعة النفس والتصرُّفات الضروريّ والاعتياديّ أيضًا.

والأفضل إذا صلَحَتْ النيَّة؛ فكانت نشر المعرفة بين الناس، وتعريف غير العارف بالكُتُب ألا يقتصر هذا السلوك على تجميع آخر العامّ، أيْ على توقيت بعينه. بل يكون سلوكًا عامًّا في حياتنا، وأنْ يؤدِّيه كلٌّ منَّا على حسب قدرته: فمِنَّا مَن ينشر الكتاب فقط مع تفاصيل (دار النشر، أسهل طريق للشراء، سعره)، ومِنَّا مَن يقدر على إضافة استقطاعات من الكتاب واقتباسات يراها هامَّة، ومنَّا مَن يقدر على يفيد القارئ بجملة أو جُمَل، ومنَّا مَن يستطيع كتابة فقرات أو مقال عن الكتاب وأسلوبه وأفكاره. والأَوْلَى أنْ يقف كلٌّ عند قدرته حتى لا ينقلب دوره الإيجابيّ (تعريف الناس بالكُتُب وهدايتهم إليها) إلى إضلال عن غير علم. وهذه مسئوليَّة مَن ينشر أوَّلًا وأخيرًا.

وبذلك نُنقِّي ما نفعل من شبهات السير وراء القطيع، والتقليد الأعمى، وكذا من شبهات شعور حُب الظهور واستعراض الإنجاز الذي في حقيقته لمْ يُحقَّق لتعرضَه أو لتظهَرَ به؛ فأنت لمْ تقرأ لتُقول للناس: ها قد قرأت، بل ليظهر هذا في وعيك وأخلاقك وطريقة تفكيرك وتناوُلك للفكر والثقافة وأسلوب الحياة. حتى ينجو كلٌّ منَّا فننجو في مجموعنا، لا ينحدر كلٌّ منَّا فيشدُّ الجُموع معه إلى المَهواة السحيقة.

355

الكاتب

عبد المنعم أديب

كاتب مصريّ، درس اللغة العربيَّة وتخصص في الفلسفة. صدرت له كتب أدبيَّة، وأكثر من مائة وثلاثين مقالاً، وله مئات من القصائد، وما يقرب من عشرين بحثًا علميًّا.

التعليقات

  • بدر منذ 5 أشهر

    مقالات جديره بالمتابعة

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.