في آخر مقالات كتاب “المَخرَج الوحيد” لكاتبه “د/ عبد الله الشهري” سنكمل الحديث عن أحد أهمّ الأسباب التي تجعل الإسلام المَخرَجَ الوحيدَ للبشر. يتمثَّل هذا السبب في وضوح العقائد الإسلاميَّة وقابليَّتها للإقناع العقليّ والإشباع الرُّوحيّ لكلِّ إنسان.

وقبل أنْ نطرح مُجمل ما يتعلَّق بالعقائد في اختصار لا بُدَّ أنْ نسأل أنفسنا سؤالاً: لماذا قد نحتاج نحن البشر إلى عقائد الإسلام؟ ولماذا نلجأ لعالَم الغيب الذي يُمثِّل للكثير مِنَّا شكًّا والعِلمُ الذي نعتقد فيه اليقين موجود؟ لنبدأ بإجابة بسيطة عن الحاجة إلى الوحي، وعدم إفادة العلم في ذلك السياق، ثم نستعرض بإيجاز ما جاء في الاعتقادات من الكتاب.

القسم الأوَّل: الإنسان ذلك الجاهل بالوجود المُحتاج للوحي

عقائد الإسلام

ركَّز الكاتب جهوده حول جهل الإنسان؛ وهنا لا يقصد جهلَ الإنسان كُليًّا فهو يثبت للإنسان علمًا بالجزئيَّات محلّ العلم. لكنَّه يقصد جهل الإنسان بمُطلق وجوده. وقد عرَّف “مُطلق وجوده” بأنَّها المرتبة من الوجود التي تثير الأسئلة عن المعنى النهائيّ لما يفعله، ومصيره الشخصيّ بعد كفاحه القصير في هذه الحياة.

ولعلَّنا نتذكَّر هنا ذلك النَّفس النابع من الفلسفة الوجوديَّة -أقصد الاتجاه الإلحاديّ– التي ترى الإنسان “مَقذوفًا به” في الحياة، هذا الشعور الذي تتناوبه نفوس كثيرة قلِقَة في حياتها وهي تسأل تلك الأسئلة العُظمى: مَن نحن؟ ومن أين أتينا؟ ولماذا أتينا؟ وإلى أين المصير؟ هذه الأسئلة التي تمثِّل درجة الأهميَّة القصوى هي التي تمثِّل أهميَّة الوحي ودوره في أنْ يجيب عنها.

هل يستطيع العلم أنْ يحلَّ محلَّ الوحي؟

هذا الموضوعُ الذي يدور في خلد كثير من شبابنا، والذي يقدِّمه كثير من رُسُل الإلحاد الجديد ويدَّعون أنَّ العلم كافٍ لسدّ الاحتياج المعرفيّ للإنسان عمومًا وأنَّه استبدل أيَّة إجابات أخرى يقدمها الوحي أو تحاول الفلسفة تقديمها؛ أمرٌ وَهمِيٌّ بامتياز. فلا يستطيع العلم أبدًا أنْ يحلَّ محلَّ الوحي لأنَّ العلم موضوعه عالَم المادة والجزئيَّات وكيفيَّتها، ولا علاقة له من حيث الهدف ولا الآليَّات ولا الموضوع بإجابة الأسئلة الوجوديَّة العُظمى.

ولمْ يدخل هذا الوهمُ على عقول الناس ولا استطاع المُغرضون أنْ يُلبِّسوا على الناس فيه إلا للاعتقاد السائد بأنَّ العلم التجريبيّ يقينيّ، وبذلك رَبَطَ الناسُ سِمَةَ اليقينيَّة بالعلم. وهذه اليقينيَّة المُطلقة وَهمٌ هي الأخرى. ويسوق لنا الكاتب ثلاثة أمثلة تنفي عن العلم هذه السمة، بل عن المعرفة البشريَّة نفسها. هي “مبدأ اللَّايقين” الذي يصبُّ في جانب العجز الإدراكيّ العلميّ للإنسان، و”نظريَّة تأثير المُراقِب” التي تكشف لنا أنَّ القصور مُلاصق للجهود العِلميَّة البشريَّة بطبيعتها، كما أشار إلى “مُبرهَنَة عدم الاكتمال” -أو بدقة مُبَرهَنَتَيْ عدم الاكتمال- التي تقدح في يقينيَّة المنظومات العلميَّة المَجاليَّة أو المحدودة. هذه التجارب كلُّها تنفي عن المعرفة البشريَّة مهما كانت مُنظمَّةً مُتمتّعةً بقوانين وضوابط صفةَ اليقينيَّة، وتؤكد -وكذلك المتاهة العقليَّة للإنسان- على أهميَّة الوحي والعقائد الإيمانيَّة.

سمة الإقناع في عقائد الإسلام

عقائد الإسلام

هنا سأخرج قليلًا عن الكتاب لأوضِّح أسباب إقناع العقيدة الإسلاميَّة. فوضوحُ أيَّة فكرة وبساطتها -مع انضباطها بالقطع- معيارٌ حاسمٌ في ترجيح صحَّتها -إنْ لمْ يكُن القطع به-، ومعيارٌ حاسمٌ بالتَّبعة في قُدرة هذه الفكرة الإقناعيَّة للإنسان. لنُمثِّل لهذه الفكرة البسيطة بقضيَّة “الكلُّ أكبرُ من الجُزء”، هذه القضيَّة حاسمة في صحَّتها وفي إقناعها، ولا يستطيع أحدٌ أنْ يجادل فيها -إلا على سبيل السفسطة وحسب-.

هذا المثال يوضِّح لنا أنَّ البساطة والوضوح حاسمان لأنَّهما يرتبطان باتفاقِ الشيء مع بَدَهيَّات العقل أو نبوعِهِ منها. وكُلَّما اقتربتْ الفكرة من حيِّز البداهة كُلَّما علتْ درجةُ يقينيَّتها وإقناعها.

ويتمثِّل عنصر الوضوح في عقائد الإسلام في بساطتها وبدهيَّتها. فتمركُزُ العقيدة الإسلاميَّة حول فكرة “التوحيد” والإله الواحد، وقلَّةُ أركانها تعطيانِها اتساقًا مع العقل البشريّ وقدرةً ذات نطاق شديد الاتساع في قبوله. فلننظر إلى اعتماد العقيدة الإسلاميَّة على الضرورة العقليَّة التي تردُّ الكائنات شديدة التنوُّع التي نراها وحيِّزها المعلوم “الكون” إلى خالقٍ واحدٍ ومُدبِّرٍ واحدٍ أيضًا مُغاير لها بالكُليَّة -عن طريق مجموعة من الأدلَّة-. وبالعموم السمات العقديَّة في الإسلام تجعله مُقنعًا لكافَّة الناس مُشبِعًا لحاجاتهم الرُّوحيَّة.

لا للمَنطق نعم للفِطرة

وهنا يجب أنْ أنوِّه إلى أنَّ الكاتب اعتمد على الفطرة الإنسانيَّة في العقيدة وتأسيسها وحَمَلَ على المنطق -عمومًا وفي مجال العقيدة الإسلاميَّة- حملةً شديدةً ورماه بالقصور والضيق وقلَّة القدرة، وأنَّ الإنسان أمامه لا يشعر إلا بالاختناق. وكلُّ هذا الكلام مردود بالقطع لا يحتاج إلا إلى توضيح بسيط. فما المقصود من “المنطق” في عبارته؟ الذي يتضح لديَّ أنَّه يقصد المنطق الأرسطيّ -أيْ الذي صاغه أرسطو الفيلسوف اليونانيّ الشهير-؛ بدليل استناده على هجوم “ابن تيميَّة” عليه، وذكره المنطق الصُّوريّ.

وهُنا يجب أنْ نوضِّح أنَّ المنطق الأرسطيّ ليس هو “المنطق” عمومًا بل هو بدقَّة تشكيل منطقيّ، وأنَّ نقض “ابن تيميَّة” كانت له أسباب واضحة ومنطقيَّة أيضًا، وأنَّه وضَّح فساد “البعض” من هذا “التشكيل الأرسطيّ للمنطق” وأنَّه شهد بمواطن الحُسن فيه ثُمَّ قرَّرَ ضرورة ضمّ نتائج المحسوس والضرورات لهذا البناء.

ثُمَّ أنَّ العقل السليم -أقصد هُنا نتائجه- لا يمكن أن يخرج عن حدّ المنطق؛ شرح ذلك أنَّ العقل لا يقدر أنْ يفكِّر إلا عن طُرُق وفي سُبُل إمَّا صحيحة -وهذه موضوع علم المنطق بمفهومه الشامل- وإمَّا غير صحيحة وهذه نصِفُها جميعًا بأنَّها “غير منطقيَّة”. كذلك القضايا العلميَّة أو الرياضيَّة الثابتة داخلة تحت حيِّز المنطق. وهناك الكثير من النقاش في هذا الأمر لكنَّنا سنخرج به عن حيِّز الموضوع وسأحاول أنْ أكتب فيه بإفراد في القريب بإذن الله.

القسم الآخر: العقيدة الإسلاميَّة

عقائد الإسلام

اعتمد الكاتب في تقسيم الإيمان الإسلاميّ على الحديث الشهير “ما الإيمان” الذي رواه “مُسلِم” وفيه (أنْ تُؤمنَ باللهِ ومَلائكتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليومِ الآخرِ، وتؤمنَ بالقَدَرِ خيرِهِ وشَرِّهِ). وسأوجز الآن ما جاء في هذا القسم. مع العِلم أنَّه من أفضل وأمتع ما جاء في الكتاب وبها التماعات كثيرة ومجهود واضح. ولعلَّ أبرز ما في هذا الجانب من نجاح هو قدرة الكاتب على رؤية المدخل الصحيح لكلِّ عقيدة من الآتي، وقدرتُهُ على التركيز على جوانب فعَّالة في الخطاب الإيمانيّ كما سنرى.

أولاً: الإيمان بالله وحده، أو التوحيد

هنا يجب أنْ نستحضر ما قُلناه من مركزيَّة الإيمان بالله الواحد الأحد “التوحيد”، وما قُلناه قبلُ عن البساطة -التي هي هُنا الواحديَّة أو المركزيَّة-، والذي حاول الكاتب الاقتراب منه لكنْ بطريق أخرى غير التي ذُكرتْ هنا. وقد أكَّد الكاتب في الفصل الثاني على المُغايرة التامَّة في مفهوم الإله في الإسلام عن بقيَّة الأديان وعن التصوُّرات الفلسفيَّة الأخرى (راجع مقال تخبُّط البشريَّة من السلسلة). وأبان -وهذا هو الأهمّ- عن التفرُّد في وصف الإله في الإسلام ومصادره، وهذا العنصر له تأثير ضخم في إقناعنا بأنَّ “الله” -تعالى- في الإسلام ليس له تداخل مع أيّ تصوُّر “إلهيّ” آخر.

اعتمد الإسلام في تعريفنا بالله وتمييزه على طريقَيْن: نفي الجنس في مجال النفي، والإثبات التفصيليّ في مجال الإثبات. ويُقصَد بنفي الجنس -عمومًا- ذلك الصنف من النفيّ الكُلِّيّ الذي ينفي نفيًا عموميًّا عن جميع أفراد الجنس، لا النفي الجُزئيّ الذي ينفي حالة جزئيَّة وحسب. وأورد آيتَيْن يتمثَّل فيهما هذا النفي في وصف الإله: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) -الإخلاص 4، (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) -الشورى 11-.

وبذلك يختلف الإسلام تمامًا عن طريقة “اللاهوت السلبيّ” التي يتبعها غيره من أصحاب الديانات والتي تورَّط فيها بعض أهل الفرق الكلاميَّة. والمقصود باللاهوت السلبيّ نفي الجزئيَّات فردًا فردًا عن الإله مثل “الإله ليس جسمًا وليس حجرًا وليس إنسانًا”. ويعيب هذا اللاهوت أنَّ الأحكام السلبيَّة لا تُنتجُ معرفةً إثباتيَّةً.

أمَّا الإثبات التفصيليّ فهو التعيين في إلحاق الصفات المُثبتة لله. بمعنى أنْ يُثبت المُسلمُ لله الصفات التي أثبتها لنفسه فقط صفةً صفةً دون زيادة عليها. وهذا صحيح مع جانب الإثبات لأنَّه الذي يُعلمنا بالله تعالى. ويستحضر هنا قاعدة: “التزِمْ النفي الشامل عند نفي النقص، والإثبات التفصيليّ عند إثبات الكمال”.

كما أشار إلى نقطة هامَّة هي بعض الخفاء في الاستدلال على وجود الله؛ فينقل تعليل هذا الخفاء وحِكمتَه في امتحان الله لكلِّ مِنَّا فلو كانت مسألةُ وجود الله بيَّنةً كلَّ البيان مُبرهنةً لكلِّ عقل لَلَزِمَتْ كلَّ إنسان -أيْ صار قبولُها لازمًا عليه-، ولدخلتْ في حيِّز الإجبار ولفسد بالتَّبعة امتحان البشر في مسألة الإيمان.

وأشار -مُتابعًا تقسيم “ابن تيميَّة” الذكيّ- أنَّه يلزم عن إيمان المُسلم ثلاثة أمور:

الاعتقاد بأنَّ الله هو خالق كلِّ شيء، وأنَّه الإله الوحيد المعبود المُستحق لهذه العبادة، والإيمان بأسماء الله وصفاته الثابتة له.

وعن ثمرة التوحيد الإسلاميّ فيُوجِّه إلى أنَّها تُحرِّر الإنسان من كلِّ عُبُوديَّة لمخلوق -شخصًا أو غريزة- حينما يعلم الشخص بأنَّ الله -وحده- خالقُه ومُدبِّرُ أمره، وصاحبُ حياته ومَماته، وأنَّه لنْ يُصيبَه إلا ما كتب الله له. عندها يتحرَّر من تلك العُبُوديَّة الزائفة المُرهقة التي يُفني حياته فيها بين عُبُوديَّة لمال أو لشهوة أو لسلطة أو لاستبداد غيره عليه بغير حقّ.

بعض النقاط الهامَّة المتعلِّقة بمسألة الأسماء والصفات:

  1. تعدُّد أسماء الله لا يتعارض بأيَّة طريق مع وحدانيَّته، وأنَّ أسماء الله تخصُّه بالطريق التي تتناسب مع كمال عظمته؛ فاسم الله “العليم” يقتضي الإحاطة التي لا يسبقها جهل، أو يُصاحبها نسيان، أو يقطعها سِنة من نوم.
  2. بعض الصفات لا تُعلَم بالعقل بل بالوحي وحسب، وهناك صفات من الممكن للعقل أنْ يَعلمَها وحده مثل صفة تدبير وانتظام الكون التي تدلُّ على الخلق والقدرة والقوَّة.
  3. الفَهم السُّنِّيّ -المُلتزم بالقرآن والسُّنَّة- يتوسَّط فهمَيْنِ مُنحرفَيْن للصفات الإلهيَّة: الأوَّل هو “التشبيه” الذي فيه يُقرِّبُ الفاهِمُ هذه الصفات من الهيئة البشريَّة التي نعلمها ولا يُراعي أنَّ الله ليس كمثله شيء، والفهم الآخر هو “التعطيل” عن طريق نفي الصفة تمامًا أو إثباتها مع إلغاء معانيها، والذي يُحيل الأمر إلى إله مُفتقر إلى الوجود الحقيقيّ.
  4. التفريق بين معنى الصفة الذي نعرفه ونقدر على تصوُّره -صفة الكريم أو الرافع مثلاً-، وبين حقيقتها الإلهيَّة وكيفيَّتها التي لا نقدر على تصوُّرها.

ثانيًا: الإيمان بالملائكة

تتوقَّف قضيَّة الإيمان بالملائكة على الإيمان بالله والتصديق بالوحي، وهي قضيَّة توقيفيَّة من عالَم الغيب لا تُدرَكُ بآليَّات الإدراك في عالَم الشهادة. ولا يمكن إدراكها بالعِلم أو التدليل عليها. وهُنا يُوضِّح الكاتب أنَّ جحد هذه الحقيقةِ الثابتةِ بالوحي بداعي عدم البرهنة عليها علميًّا لا يصحُّ إلا في نظر تلك الطائفة التي تعتبر الملاحظة والتجربة المعيارَ الوحيدَ لرؤية الأمور والحُكم عليها. وهذا القول بيِّن البُطلان -هذا الاتجاه يُسمَّى “العِلموِيَّة” وهناك تفاصيل أخرى تتعلَّق بهذا المصطلح بالقطع-. وقد أثار الكاتب هذا الجانب ليدحض هذه الاتجاهات التي تُعمل المبادئ العِلميَّة في أمور خارجة عن حدّ العلم.

ثالثًا: الإيمان باليوم الآخر

وهو بالتبعة مُتعلِّق بالسناد الأوَّل “الإيمان بالله”. لكنَّ الكاتب هُنا ركَّز على جوانب أشدَّ فاعليَّةً في نفسيَّة القارئ؛ حيث لعقيدة اليوم الآخر في أيّ إنسان استدعاءٌ يشعر به داخل نفسه عندما يظلم غيره أو يؤذيه أو عندما يظلمه هذا الغيرُ أو يؤذيه، حينها يشعر الإنسان بأنَّ هذا الفعل لا يمكن أن يمضي هباءً طيَّ الرياح كما يقولون، بل لا بُدَّ له من يوم آخر تُردُّ فيه هذه المَظالم، ويُحاسب فيه الجميع. وهذه العقيدة من أهمّ العقائد في حياة الناس الأخلاقيَّة؛ حيث تعمل على ضبط تصرفاتهم حينما يعلم كلٌّ منهم أنَّ هناك حسابًا وأنَّ شخصًا مهما بلغت قوَّته وبطشه لن يفلت بفعله أبدًا.

كما بحث المسألة من جانب الدراسات التي تشير إلى أهميَّة الاعتقاد باليوم الآخر على صحَّة الإنسان النفسيَّة، وتدرَّج إلى اتفاق عقيدة اليوم الآخر مع رؤية الفيزياء لمستقبل الكون؛ في ظلّ نظريَّة توسُّع الكون المُطَّرد والذي يشير إلى ارتداده في المستقبل مرَّةً أخرى وهذا ما يتوافق مع عقيدة اليوم الآخر.

رابعًا: الإيمان بالرُّسُل والكُتُب

وقد جمعهما الكاتب لأنَّهما يُمثِّلان جانبًا واحدًا وهو التعبير عن “الوحي”، وسدّ الفجوة المعرفيَّة عند الإنسان، وتزويده بما يجهله وسيظلُّ يجهله دون الوحي. وقد عرض الكاتب مسألة الإيمان بالرُّسُل والكُتُب عرضًا ذكيًّا فعَّالاً؛ حيث تعرَّض لمسألة: ما هو الصواب؟ ولمَنْ تُوكَل مهمة تحديده؟ كما أنَّه نقل نقولاً ذكيَّة تعبِّر عن فراغ المفاهيم في مستواها التجريديّ، مثالاً ماذا تعني قيمة “العدالة” في ظلّ عدم وجود مُحدِّد أو نظام يُقرِّر معناها تفصيلاً وكيفيَّاتها؟

كما أنَّ الإنسان لا يدري من أمره ولا أمر الكون الشيءَ الكثيرَ (وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) -الإسراء 85-، وإذا تعجَّبت من هذا القول فانظر حولك لتجد أنَّ “الحضارات العُظمى” مثل الاتحاد السوفيتيّ تنهار مهما عَلَتْ، وأنَّه لا يستطيع التدبير الحقيقيّ لنفسه ولكونه، ولا يستطيع بناء أو تدبير حياته على حسب ما يرغبه سطحيًّا فقط. وهنا أنقل نقلاً مُعبِّرًا من الكتاب، أوردتْه “شارلوت روبرتس”:

الناس أحيانًا غيرُ دقيقِيْنَ بشأن ما يرغبون فعلًا حتى مع أنفسهم. رُبَّما كَتبتَ على سبيل المِثال أنَّك تحبُّ امتلاك قَصر. لكنْ لو أنَّ أحدهم أعطاك قصرًا بالفعل، مع صعوبات تجديده والحفاظ عليه، فإنَّ حياتك قد تتغيَّر للأسوأ. الآن بعد أنْ تخيَّلتَ نفسَك مسئولًا عن هذا القصر؛ هل مازلتَ راغبًا في امتلاكه؟!.

ومن هنا نتشكَّك في مسألة قدرة الإنسان وقدرة عقله في هداية نفسه، والتي تؤول في كثير من الأوقات إلى الفساد أو الهلاك، أو إلى توليد المزيد من المشكلات. ومن هنا أيضًا تأتي أهميَّة دور الوحي الذي يجيب عن تلك الأسئلة التي لا يجيب عنها غيره. هذا الوحي الذي يُمثِّله الرُّسُل والكُتُب.

خامسًا: الإيمان بالقَدَر

ناقش الكاتب هذه المسألة بكثير من الذكاء ومُراعاة الخطاب. والإيمان بالقدر عقيدة مُؤسَّسَة على الإيمان بالله ومدلول أسمائه وصفاته. وفائدتها كفائدة الإيمان باليوم الآخر -الذي يجعل المُؤمنينَ مُطمئنِّيْنَ لما بعد الموت- فالإيمان بالقدر يجعلنا مُطمئنِّيْنَ في دُنيانا ووقتنا الحاضر ومُستقبلنا القريب. لأنَّنا نعلم أنَّ ما يدور حولنا وداخلنا ليس عبثًا بل هو تدبير مُدبِّرٍ حكيمٍ عليمٍ، لا يغيب عنه شيء.

وأفضل ما في التناول هو مناقشته لموضوع الجبر والحُريَّة -الذي يمثِّل أهمّ جوانب القدر في النقاشات الفلسفيَّة والإلحاديَّة- من خلال تحرِّي علاقة الإنسان مع الكون وعلاقته بالحتميَّة واللاحتميَّة التي كثُر الحديث حولها في ظلِّ نظريَّة الكمّ، والبحثِ في عالَم ما تحت الذرَّة -أيْ الأقلّ من الذرَّة التي كانت أصغر وحدة عرفها العلم من قبل عالَم الكمّ الفيزيائيّ-. ففي اكتشاف الإنسان لعالَم ما تحت الذرَّة ظهر أمامه عالَم عجيب غريب بعيد عن التوقُّع إلى أقصى حدّ، فاستنتج من هذا أنَّ ما أمامه فوضى، وأنَّ الفوضى هي الأصل في العالَم وأنْ لا مُدبِّر لهذا الكون.

وهذا الاستنتاج المُتعسِّف جدًّا لمْ ينتبه إلى أنَّه يرى عالَمًا غير مألوف بالنسبة إليه، فلمَّا رآه فسَّر ما رآه على أنَّه فوضى. وكان الصواب أنْ يفسِّره بأنَّه عالَم مُنظَّم تنظيمًا لا نعرفه أو لمْ نكتشفْه بعد. لأنَّ الفوضى ليست لها حقيقة في ذاتها -أيْ أنَّها مفهوم مُتولَّد من معرفتنا بالتنظيم والقانون ومعرفتنا بما يُخالفه الذي أطلقنا عليه “فوضى”-، كما أنَّ الفوضى -أو التي أُطلِقَ عليها هذا الوصف- الدائمة في عالَم ما تحت الذرة لا يمكن أنْ تُنتجَ انتظامًا دائمًا في العالَم المنظور.

لكنَّ الغريب أنَّ الكاتب الذي أقرَّ هذه الفكرة تابع مُفكِّرين غربيِّين عندما قالوا إنَّ عالَمنا -يقصدون هنا العالَم المنظور الذي نعيش فيه- مُكوَّن من بعض النظام وبعض الفوضى، وأنَّه لا يستقيم أمره إلا بهذا التصوُّر. فكان الأَولى أنْ نتبع الفكرة نفسها التي تقضي أنَّ العالَم مُدار بقوانين ظاهرة لنا وقوانين خفيَّة عنَّا، بل هذه هي الرؤية الإسلاميَّة التي صُرَّح بها في نصوص وأُشير إليها في أخرى. وهنا يجب التنبُّه إلى هذا الأمر.

والكاتب ينحو منحى أفضل في رؤية مسألة القدر؛ وهو دور المُبادرة الإنسانيَّة في توجيه الأحداث، حيث للإنسان ومُبادرته بفعل مُعيَّن تأثير على توجيه الأحداث حوله. وقد أدار الكاتب -فيما يخبرنا- تجربةً على بعض مُتعلِّمِي اللغة في تصوُّرهم لأنفسهم ولنجاحهم في المُستقبل، وكيفيَّة إحداث هذا العنصر زيادةً في السلوك التحفيزيّ لهُم. وقد ذيَّلَ تجربته باقتباس من الفيزيائيّ “إيليا بريغوجين”:

أؤمِن أنَّ ما نفعله اليومَ يعتمد على الصورة التي نتخيَّلها للمُستقبل أكثرَ من إيماني أنَّ المستقبل يعتمد على ما نفعله اليوم.

وفي النهاية أعلِّق أنَّ مسألة الحُريَّة والجبر بعيد الغور إلى حدّ غير مُتصوَّر ولها تشعُّبات في كلّ البنية الفكريَّة مِمَّا جعلها دومًا أعقد ما يمكن للإنسان التفكير فيه.

بحث الكاتب عن الحِكمة في الكون

عقائد الإسلام

نختم بمسألة ألحقها بالقدر وهي تتعلَّق بها من عدَّة جوانب؛ وهي السؤال عن حِكمة ما يحدث في حياة الإنسان. وقد قسَّمها -كما هو معروف- إلى حِكمة ظاهرة وحِكمة خفيَّة. الظاهرة هي التي لنا قدرة على إدراكها بعقولنا، ومثَّل لها بحِكمة تشريع الزكاة في الإسلام. والأخرى الخفيَّة التي لا نستطيع أن نعرف لها تعليلاً مثل موت إنسان في وقت مُعيَّن أو على حالة مُعيَّنة، ومثل حالات المجاعات والحروب في العالَم التي يراها الإنسان شرًّا ويتساءل هذا السؤال الأبله: إذا كان الله موجودًا فلماذا تقع هذه الشرور؟ -تُسمَّى هذه المسألة في الفلسفة بمسألة الشَّرّ-. وقد مثَّل لها من القرآن بقصَّة سيدنا “موسى” -عليه السلام- والرجل الصالح في “سورة الكهف”.

ويذهب الكاتب مذهبًا غامضًا كلَّ الغموض يُسمَّى “الفوضى الهادفة”! حيث يرى أنَّ الفوضى قد تكون هادفة كما النظام، ومثَّل لهذا بلُعبة النرد “لعبة الطاولة في بعض البلاد” وما فيها من قوانين قليلة وفوضى تحكم اللعبة وتصنعها. وبالقطع هذا الرأي غريب كلَّ الغرابة ولعلَّ الكاتب يعيد النظر فيه بإذن الله فيما بعد. والصحيح هو ما ذكرتُه سابقًا أنَّ الكون تحكمه قوانين ظاهرة نقدر على إدراكها وقوانين خفيَّة لا ندركها لكنَّها تعمل عملها وتؤثِّر فينا.

أمَّا مثال النرد فهو مثال باطل وبسهولة يمكن إدراك بطلانه وفساده. فلُعبة النرد لعبة لها قوانين -وهذا هو العنصر الثابت الذي نتفق مع الكاتب على وجوده-، أمَّا غير القوانين فليس فوضى فاللعبة تعتمد على طرفَيْن يلعبان ومهارتهما، وكذلك تعتمد على طُرُق للعب -كما أيَّة لعبة أخرى-، كما أنَّ حجر النرد نفسه الذي يظنُّ فيه الفوضى هو حجر مُحدَّد مُنظَّم من الرقم الأول إلى الرقم السادس، وكلُّ ضربة يضربها أحد اللاعبَيْن يُحدث أثرًا معروفًا مُحدَّدًا. وبالعموم فيجب أنْ يعتقد كلُّ مُسلم أنَّ الكون ليس هملاً وأنَّه يخلو من “الفوضى” وأنَّ ما يراه فوضى هو في حقيقته إجراء نظاميّ يقصُرُ الإنسانُ عن فهمه وإدراكه وحسب، ويعتمد المسلم فيه على الله أيضًا الذي منه الأمر كلُّه، وإليه يُرجَع الأمر كلُّه.

دعاء للكاتب

وها نحن في آخر الرحلة لا نملك إلا أن نختم بما بدأنا به؛ وهو الدعاء للكاتب أنْ يجازيه الله خير الجزاء عن كتابه هذا، وأنْ يمنحه القدرة على إكمال طريقه بهداية الله ورُشده ليُخرج للمكتبة الإسلاميَّة المزيد من الكتب النافعة. ولنا جميعًا ندعو بالهداية والتوفيق والسداد. وأرجو من الله أنْ أكون قد وُفِّقتُ في هذا العمل.

(رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ).

507

الكاتب

عبد المنعم أديب

كاتب مصريّ، درس اللغة العربيَّة وتخصص في الفلسفة. صدرت له كتب أدبيَّة، وأكثر من مائة وثلاثين مقالاً، وله مئات من القصائد، وما يقرب من عشرين بحثًا علميًّا.

اترك تعليق

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.