كنا استعرضنا في الجزء السابق مرحلة المواجهة مع الطاغوت في قصة موسى وبني إسرائل، وبعد فضل الله وعونه، تحرّر بنو إسرائيل من الطاغوت فرعون وشهدوا مهلكه أمام أعينهم وورثوا بعد ذلك الأرض. ولكن كيف تعامل بنو إسرائيل مع هذا النصر وهذا الفضل العظيم من ربّهم؟ هو ما سنتناوله في هذا الجزء الثالث والأخير من قصّة موسى عليه السلام بتبيان بعض معالم الصراع بين الحقّ والباطل في هذه القصّة العظيمة.

بنو إسرائيل بعد هلاك فرعون ودعوة التوحيد

قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (الأعراف: 137).

ونال بنو إسرائيل شرف وراثة الأرض والتمكين، فماذا كان من قوم شهدوا بأمّ أعينهم آيات الله وتأييده لهم وهلاك الطاغوت فرعون الذي سامهم سوء العذاب، وعاينوا بأنفسهم تحقّق وعد نبيّهم لهم كما بشّرهم به أثناء محنتهم؟ لقد خرج بنو إسرائيل من جانب البحر، وما أن تجاوزوه وجدوا قومًا يعبدون أصنامًا على هيئة بقر، فطالبوا موسى بلا خجل أن يجعل لهم عجلًا يعبدونه كما يفعل هؤلاء القوم. فكيف نسي بنو إسرائيل بهذه السرعة كلّ ما مضى؟ وتناسوا أصل دعوتهم لله سبحانه وحده لا شريك له، كيف وقعوا في الضلال والجهل بهذه السرعة؟ 

فما كان من نبيّ الله موسى إلا التذكير من جديد بدعوة التوحيد أصل الصراع الأوّل. مردّدًا نعم الله عليهم وتفضيله لهم وما منّ به عليهم لعلّهم يذّكّرون ويتّقون. 

لكنّ بني إسرائيل حملوا ذلك الضلال في قلوبهم ولم يظهروه إلّا حين ذهب موسى للقاء ربّه، فاتّبعوا السامري واتخذوا عجلًا من ذهب وأعرضوا عن وصايا موسى وتنبيهاته. 

وهنا يبرز أصل الصراع دائمًا كقاعدة أولى في المواجهة بين الحقّ والباطل، وهو عقيدة التوحيد التي يجب أن تكون راسخة في قلوب العباد لتتصدّى لأيّ محاولات شركيّة بائسة ولتتجاوز شراك المضلّلين مهما بلغت من درجات الشبهات. وحين تترسّخ هذه العقيدة فلا يمكن أن تعصف بها العقائد والدعوات الأخرى المضلّلة.

الجحود صفة الظالمين

لقد اتّصف بنو إسرائيل بالجحود وكفران النعم فضلًا عن تاريخ طويل من التلاعب والتحايل كما رأينا مع قصّة السبت فضلًا عن طلبهم رؤية الله وقتلهم الأنبياء رغم معاينتهم لآيات الله سبحانه، فكانت نهاية هذا الجحود والعصيان والاستكبار غضب الله وعقابه والهلاك، ومن المواقف التي يظهر فيها ظلم بني إسرائيل لأنفسهم، موقفهم وهم في طريقهم إلى الأرض المقدّسة بفلسطين حيث مكثوا ثلاثة أيّام لا يجدون ماءً، فأمر الله نبيّه موسى أن يضرب بعصاه الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينًا من الماء قد علم كلّ أناس مشربهم، وشهدوا مرّةً أخرى فضل الله عليهم.

ولم يكن الماء النعمة الوحيدة التي أنعم الله بها عليهم وهم في أمسّ الحاجة لها بل زادهم المنّ والسلوى وظلّلهم بالغمام، فكيف واجهوا هذا الكرم الإلهي؟ لقد احتجت نفوسهم المريضة على هذا الطعام الفاخر واشتهت أطعمة مصريّة متدنية كالبقول والقثّاء والفوم والعدس والبصل، فما كان من موسى إلّا أن قال: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ، ولكن الثمّن كان ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ.

ومن مواقف الجحود والعصيان لبني إسرائيل استثقالهم لما جاء في التوراة من أمر ونهي بعد أن عرضها موسى عليهم. وأبو الإقرار بما جاء فيها بكلّ جرأة بعد كلّ ما شهدوا من آيات الله. فكان الردّ الإلهي أنَّ نَتَقَ الله الجبل فوقهم، أي ارتفع فوقهم كأنَّهسحابة تظلّهم، حتَّى إذا كان بين السماء وبين رؤوسهم حذّرهم موسى بأنَّ رفضهم للتوراة وعدم استجابتهم لأمر ربّهم وأخذه بقوّة سيؤدي بهم لإسوأ مصير، حيث سيُرمى بالجبل عليهم، فلمَّا أفزعهم المشهد خرّوا لله سجّدًا ولكن ما لبثوا أن عادوا لنفاقهم.

بنو إسرائيل والقعود عن الجهاد

إنَّ مواقف عصيان بني إسرائيل لأوامر الله كثيرة بعد أن نجّاهم من فرعون ومكّن لهم، ومن أبرز هذه المواقف التي يجدر بنا تسليط الضوء عليها، القعود عن الجهاد، فحين أمر الله نبيّه موسى بدخول الأرض المقدّسة التي يسكنها عمالقة جبّارون -وقال ابن كثير: هي فلسطين- حرّض بني إسرائيل على الجهاد في الأرض التي كانت في يد أبيهم يعقوب عليه السلام، وكانوا قد تركوها لمــّا تقلّد يوسف عليه السلام حكم عرش مصر فأقاموا في بلاد النيل، وظلّوا فيها حتّى خرجوا منها فرارًا من بطش فرعون.

ولكن حين أمرهم موسى بدخولها، لم يكن من جواب بني إسرائيل إلّا جواب من اعتاد الذلّة والهوان، وأَلِف الصغار في أرض الفراعنة، فقالوا: ﴿يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (المائدة: 22).

فكان القعود والتهرّب من أداء الواجب والاستجابة لأمر الله ونبيّه صفة بني إسرائيل رغم كلّ ما عاينوه من آيات الله ونصره وتمكينه.

مع ذلك بقيت نماذج مؤمنة تنير الواقع المظلم الذي يصنعه الظالمون لأنفسهم، فقد نطق بالحقّ رجلان من الذين أنعم الله عليهم بالإيمان من الاثني عشر نقيبًا، فقالا: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (المائدة: 23)، قال الضحّاك: هما (يوشع بن نون، وكالب بن يوقنا فلم يثنهما حجم العماليق عن الاستجابة لأمر نبيّهم وحرّضا القوم بتبيان حقيقة هذا الحجم، وأنَّ العماليق أجسامهم كبيرة وقلوبهم ضعيفة. ورغم قوّة الحجّة التي نطق بها الرجلان المؤمنان، جاء جواب بني إسرائيل معاندًا، وقالوا: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (المائدة: 24).

وكما جرت به السنن مع من عصا ربّه وتمرّد على أمره، أن يستحقّ العقاب، فاستحقوا بذلك عقاب التيه بعد أن اشتكاهم نبيّهم لله، وتاهوا في الأرض أربعين سنة. لقد كانوا يسيرون فيها على غير هدى أو مقصد ليلًا ونهارًا صباحًا ومساء، ويُقال إنّه لم يخرج أحد من التيه ممن دخله، بل ماتوا كلهم في مدّة أربعين سنة، وخلال تلك الفترة مات هارون ومن بعده بثلاثة أعوام مات موسى عليه السلام، ولم يبق من ذراريهم سوى يوشع بن نون، وكالب عليهما السلام.

وكانت عاقبة عصيان الله التيه والهلاك.

الاستجابة لأمر الله لا لأمر النفس

لقد حوت قصّة موسى الكثير من الدروس والعظات والعبر، ولعلّ أحد أهمّ هذه الدروس ما يقع فيه المندفعون بحماسة لنصرة الإسلام حين يغيب عنهم أنَّ نصرة الدين تكون وفق أصول ومنهج الإسلام لا عواطفهم وما تراه أنفسهم وتنحرف له أهواؤهم.

فقد اختار موسى سبعين رجلًا من قومه للميقات المعلوم، ولمــَّا بلغوا جبل الطور، ترك موسى قومه تحت إمرة أخيه هارون، ثمّ صعد الجبل يسبق قومه متعجّلًا الوصول يدفعه الشوق والحبّ لربّه، ولكن خلال استعجاله كانت أمور أخرى تجري بين قومه. قال تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (الأعراف: 142).

وسأل الله سبحانه عبده موسى الذي وصل مبكّرًا فقال تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى فأجاب العبد النبيّ: ﴿قَالَ هُمْ أُولاَءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى، لكن خلف هذه العجلة كانت هناك مصيبة قال تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (طه: 83-85).

ففي كلّ مجتمع شياطين إنس، تعمل على تضليل الجماهير وصدّهم عن عبادة الله وحده، وكذلك كان السامري الذي استغل غياب موسى وحكمة هارون عليهما السلام، ثمّ استعداد بني إسرائيل للانحراف، فأضلَّ القوم وصنع لهم عجلًا من الذهب له خوار كخوار الثور. وانحرف بنو إسرائيل لهذه الضلالة رغم تبيان موسى لأصول دعوة التوحيد التي خرج بها وتكرارها على مسامعهم، كما رأينا جنوحهم للشرك بالله وهم خارجون للتّو من أحد أعظم مواقف النصر في التاريخ.

والخلاصة أنَّ الاستجابة تكون لأمر الله لا لأمر النفس أو دعاة الضلالة مهما استحسن الناس أو استحسنت النفس الأمر، ولا يثبت إلَّا من ترسّخت لديه عقيدة التوحيد وأدرك أنَّ الاتّباع لا الابتداع هو السبيل للنّجاة ونيل رضى الله سبحانه.

حين يختلف الأخوان

غضب موسى أشدّ الغضب من قومه وكان يحمل الألواح في يده ولكن من شدّة غضبه ألقى بها على الأرض، وبدأ بمواجهة أخيه هارون من تولّى مسؤولية بني إسرائيل في غيابه. وإنَّ هذا الموقف المهيب يستدعي التدبّر والتفكّر في شخصيّة موسى عليه السلام، لندرك درجة الغضب التي وصل إليها حتّى أنّه رمى بالألواح التي فيها وصايا ربّه والتي عليه أن يأخذها بقوّة، رماها على الأرض ولم يشعر بنفسه. وأخذ برأس أخيه يجرّه إليه، يسأله معاتبًا له على فتنة السامري في غيبته وقال: ﴿يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي فكان ردّ هارون عليه السلام: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (طه: 92- 94).

ونشاهد كيف حاول هارون استيعاب غضب أخيه للحقّ، وكيف عمل على تهدئته فذكّره برابط الأخوّة بينهما مستعملًا أدقّ الألفاظ، وبالأعداء الذين يرقبون مشهد اقتتالهما ليشمتوا بهما وهما أصحاب دعوة واحدة، فقال لموسى: ﴿ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأَعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (الأعراف: 150).

لقد قدّم هارون أروع نموذج لاستيعاب الأخ في ذروة غضبه وبيّن أصول الوفاق بينهما، كما استوعب موسى أخاه وتفهّم موقفه، الذي كان الهدف منه ألّا يتفرّق القوم وتحدث فتنة أكبر إلى حين قدومه. ويا لها من علاقة رائعة بين أخوين في نفس طريق الدعوة للتوحيد يستوعبان بعضهما البعض مهما اختلفا.

الجزاء من جنس العمل

أحد الدروس المهمّة المستخلصة من قصّة موسى عليه السلام في صراع الحقّ مع الباطل، أنَّ الجزاء من جنس العمل، فقد نال السامري الجزاء الأوفى على ظلمه وفتنته التي نشرها بين بني إسرائيل، قال موسى: ﴿فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ (طه: 97).

لقد أخذ السامري ومسّ ما لم يكن له أن يأخذه، حين مسّ أثر الرسول جبريل أثناء غرق فرعون، فكانت عقوبته في الدنيا أن يقول لا مساس، لا يمسّ الناس ولا يمسّونه، يعزل تمامًا عن المجتمع ويهيم في الأرض لا يقرب أحدًا ولا يمسّه. وهذا عقابه في الدنيا ويا له من عقاب! أمَّا في الآخرة فعقابه أعظم.

وحرَّق موسى العجل ونسفه في اليمّ أمام أعين بني إسرائيل، وقال للسامري: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثمّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (طه: 97)، لندرك أهمية نسف الأباطيل أمام أعين الجماهير ودعوتهم إلى عبادة الله وحده سبحانه، قال موسى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (طه: 98).

وكذلك جزاء كل من كفر بربّه واتّخذ إلـهًا من دونه قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (الأعراف: 152).

وكان هذا الجزاء ألَّا يقبل الله توبتهم عن عبادتهم العجل إلَّا أن يقتل بعضهم بعضًا، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (البقرة: 54).

فاستجاب جزء منهم فأخذ يقتل بعضه بعضًا، فمن قُتِل نال مرتبة الشهداء ومن لم يُقتَل عفا الله عنه وقَبِل توبته. وبالحساب تدوم الاستقامة والخير وبالعقاب يدوم العدل والأمان.

جريمة القتل بغير حق

عُرِفَت سورة البقرة بقصّة بني إسرائيل مع بقرة، وبحسب ما روى غير واحد من السلف فهي قصّة رجل ثريّ من بني إسرائيل لم يكن له ذرّية ترثه، فطمع فيه أقاربه، وكان المال والذهب أهمّ شيء في حياة بني إسرائيل، فتآمر ابن أخ هذا الثريّ عليه فقتله بهدف الاستيلاء على أمواله، وحتّى يبعد التهمة عن نفسه، حمل جثّة الثريّ وألقها على باب قرية مجاورة ليتّهم أهلها بقتله. 

وبعد اكتشاف جثّته اتّهم أهل القتيل أهل القرية بقتله، وقاد هذا الإفك ابن أخ المقتول، وتقمّص دور المفجوع بالتظلّم والصراخ، فجاءوا نبيّ الله موسى ليحكم بينهم، فسأل ربّه عزّ وجلّ عن القاتل فأمره أن يأمرهم بذبح بقرة وبدل أن يسارعوا بالاستجابة لأمر الله شدّدوا على أنفسهم، وماطلوا وسألوه عن صفتها، ثمّ عن لونها، ثمّ عن سنّها، وكما شدّدوا على أنفسهم شدّد الله عليهم. 

وإنَّ هذه القصّة لترسّخ في أذهاننا أنَّ مصير كل قاتل أن يفضحه الله عاجلًا أم آجلًا، وأنَّ قتل النفس التي حرّم الله من أعظم الحرمات في الدين، ولا يمكن الخداع والتمثيل ولعب دور الضحية حين تكون الأيدي ملطّخة بالدماء المعصومة. ومن لم يعتبر بقصة موسى فإنَّ السنن لا تحابي أحدًا، والله فاضحه وسينال عقابه الأوفى في الدنيا والآخرة.

قصة قارون عبر متصلة

قدّمت قصّة قارون العبر المتّصلة في كلّ زمان ومكان،  وهو قارون بن يصهر بن قاهث، ابن عمّ موسى عليه السلام وهو رجل من بني إسرائيل آتاه الله الرزق والثروة وامتلك كنوز الدنيا العظيمة، حتّى إنَّ مفاتيح خزائنه كانت تنوء بالعُصبة أولي القوة، ومع قوّة المال، كان لقارون نفوذ ومكانة بين قومه، وكان الناس يتمنّون أن يكون حالهم كحاله رغم ما كان يظهره من خيلاء وغرور وكبر وفساد في الأرض قال تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَءَاتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ (القصص: الآية 76).

وقال تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا ليْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (القصص: 79)، هكذا تنبهر الجماهير بصاحب الثروة والمال إلّا أنَّ أصحاب العلم والحكمة كانوا يعظون قارون وينصحونه ويدعونه للإخلاص لله، وأن يبتغي فيما آتاه الله من الكنوز والأموال والملك الدار الآخرة دون أن ينسى نصيبه من الدنيا، وألَّا يكون الثراء سبب غضب الله عليه بل أن يحسن به للفقراء، وأن يتذكّر نعم الله عليه، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الصَّابِرُونَ (القصص: 80)، لكن قارون استكبر وازداد غرورًا، وقال متفاخرًا: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي (القصص: 78).

وكانت عاقبة الجحود وكفران النعم العذاب. وعاقب الله قارون أمام أعين من كان مفتونًا به، فبينما هو خارج بكامل زينته والحشود تحتشد له على جانبي الطريق، يتقدّم مركبته الخيول الكثيرة والحرّاس، ليظهر بموكب مهيب يسحر أعين الناس، فإذا بالعذاب يحل عليه بغتةً ومن حيث لم يحتسب قال تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (القصص: 81).

والله لا يحبّ كلّ مختال فخور. وكلّ من يمضي في حياته مختالًا فخورًا كافرًا مصيره الهلاك كما فُعل بقارون، قال تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (القصص: 82).

والدرس الهامّ الذي يجدر التذكير به في هذا المشهد هو أنَّ ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين * مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا ۖ وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (القصص: 83 – 84).

دروس في مكانة العلم وآدابه مع قصة موسى

والحديث عن معالم الحقّ والباطل في قصّة موسى لا بد أن يدفعنا لتسليط الضوء على قصّة موسى مع الخضر لنتأمّل مكانة العلم وآدابه في حياة الدعاة لله.

وأصل القصّة أنَّ موسى بينما انتهى من خطبة له في بني إسرائيل، سأله رجل منهم هل هنا من هو أعلم منك؟ فقال موسى: لا. فعاتبه الله على ذلك وأوحى إليه بأن يذهب عند ملتقى البحرين ليلتقي هناك بعبد من عباده، آتاه الله رحمة من عنده، وعلّمه من لدنه علمًا.

ولا يمكننا في هذا المقام تفصيل معالم القصّة العظيمة التي دارت بين موسى والخضر، والتي ذكرتها سورة الكهف ببيان مبهر، لكن ما ينبغي أن نسلّط عليه الضوء في هذه القصّة هو مكانة العلم وآدابه في حياة المؤمنين، وكيف يتحوّل العلم لعمل وتأثير في الأمّة والمجتمع، ثمّ أهمية الرضا بقدر الله وقضائه وتسليم الأمر لله تعالى، فالابتلاء يصيب الإنسان في الدنيا لحكم يعلمها الله سبحانه كما أنَّ الصلاح وصناعة المعروف من أسباب السلامة والنجاة. 

في الختام

إنَّ أبرز درس نستخلصه من قصّة موسى مع بني إسرائيل منذ بداية الابتلاء والاستضعاف مرورًا بالتمكين ثمّ الاستكبار. قول الله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا (الأعراف: 146)، فإنَّ الاستكبار وجحود الآيات والكفر بها أوّل سبب للحرمان من رحمة الله تعالى.

لقد بدّل بنو إسرائيل فبدّل الله حالهم، ومسخهم قردة وخنازير، وذكّرنا بهم في القرآن حتّى لا نسلك سبيل المغضوب عليهم ولا طريقتهم المهلكة.

واجتمعت في قصّة موسى جميع مواقف الحقّ مع الباطل سواء في الأسرة الواحدة، أو في المجتمع الواحد أو بين الأمم المختلفة. ولا ينجو وينتصر إلَّا من تمسّك بعروة الإيمان وعقيدة التوحيد الخالصة، أمَّا دون ذلك فالهلاك مهما جمع من أسباب القوّة المادّية والبشريّة والحيل. 

تُعلّمنا قصة موسى كيف أنَّ الله خبير بصير بعباده، وكيف يكون حلمه وكيف يكون غضبه. ونحن في هذه الأيّام التي تتوالى فيها آيات العذاب على بني البشر في عصرنا الحديث، إنّما يجدر بنا التذكير أنَّ الفرار إلى الله هو الملاذ الآمن والعاقبة الحسنى، وأنَّ تمسّك الجماهير بقرآنها وسنّة نبيّها بقوّة هو السبيل الوحيد لتجاوز الفتن والمصائب والنوازل التي تتوالى مع آخر الزمان.

ولعلّ أهمّ خلاصة أختم بها هذا الطرح، أنَّ الشعوب المسلمة التي تكبّلها أغلال الاستعباد والظلم والعدوان وتُسام العذاب على يد طاغوت متجبّر في الأرض، عليها أن تتأمّل قصّة بني إسرائيل مع فرعون، وأن تدرك بأنَّ النصر حليفها مهما طال الزمن أو قصر بوعد من الله حق، لكنَّ المصاب الأعظم هو في القلب، في عقيدة الإيمان التي يجب أن تبقى خالصة لله سبحانه، ولا يكفي التحرّر من حكم طاغوت والانتصار عليه بل يجب الثبات على هدي الإسلام وشريعته والتصدّي لكلّ دعاوى التحريف لمنهج الحقّ بترسيخ العقيدة والعلم والأخلاق والأخوّة والصبر وكلّ ما يدور في فلك صناعة الفرد المؤمن والأمّة الموفّقة والمزدهرة، وإلَّا فــ ﴿كَذَٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ ۚ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا * مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا * خَالِدِينَ فِيهِ ۖ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا(طه: 99-101).

مصدر صورة المقال.

413

الكاتب

د. ليلى حمدان

كاتبة وباحثة في قضايا الفكر الإسلامي، شغوفة بالإعلام وصناعة الوعي، صدر لي ثمانية كُتب حتى الآن (نجوم على الطريق، وصفحات من دفتر الالتزام، وإليكِ أنتِ، وقبس من خاطر، وأمريكا التي رأيت، وقراءات مختصرات، والمختصر في الملاحم والفتن، وخربشات على جدار الصمت).

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.