نتناول فيما يلي سيرة السلطان أبو المظفر جلال الدين منكبرتي، ابن علاء الدين محمد الخوارزمي، آخر سلاطين الدولة الخوارزمية. اشتهر باسم خوارزم شاه؛ أي أمير خوارزم. وهي سيرة حافلة بالبطولات المبهرة والشجاعة الآسرة والخيانات المفجعة والفتن المؤلمة والكثير من العبر والدروس الملهمة.

سيرة تجاذبتها الأقلام بين مثمّنٍ لعطاءات صاحبها وبين منتقدٍ لأخطائه الجسيمة. إلا أن المطلع على تفاصيلها يدرك أن الطرفين يتفقان على علو همة السلطان جلال الدين التي ازدان بها، ودرجة العزم والشجاعة التي تميز بها، وعلى استحقاقه مرتبة البطولة عن جدارة وباعتراف ألدّ أعدائه؛ المغول؛ حيث قال عنه قائدهم جنكيز خان: “هكذا يكون الرجال الشجعان”.

لقد كان السلطان جلال الدين ينبعث في كل مرة من جديد بشكل أقوى بعد خسارة كل شيء، وبعد خذلان القادة له وتفرق الجنود عنه، ويرحل من أرض إلى أرض فيتجثم الصعاب ويتجاوز العقبات ليصنع من كل أرض وطنًا، ويكفي أنه أول قائد مسلم سجّل انتصارات مهيبة ضد جيوش المغول التي كانت مصدر الفزع في العالم، ويكفي أن المغول لم يتمكنوا من قتله أو أسره، فأعياهم قتالًا ومطاردةً وهم في أوج قوتهم فكان في ذلك مصدر الإلهام والمثل.

ويكفي أن نستفيد من أخطائه فلا نكررها ونعتبر من نقاط ضعفه فنتعظ بها.

الدولة الخوارزمية (490هـ – 628هـ) (1096م – 1231م)

شهد القرن الخامس الهجري تأسيس الدولة الخوارزمية لكنها لم تدم طويلًا جدًا بسبب اشتباكها مع المغول الذي انتهى بانهيارها. وكانت مدة بقائها منذ تولاها خوارزم شاه محمد بن أنوشتكين في سنة 490هـ (1096م) إلى مقتل السلطان جلال الدين منكبرتي تزيد على 138 سنة حكم فيها سبعة سلاطين.

وانطلق سلطان الدولة الخوارزمية من على إقليم خوارزم وهو الآن موزع بين أوزبكستان وتركستان، واتسعت رقعتها وتقلصت خلال مراحلها من سلطان لآخر.

وعرف إقليم خوارزم الإسلام مع فتوحات القائد المسلم الشهير قتيبة بن مسلم الباهلي في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك، واستمر الإقليم تابعًا لسلطان المسلمين في الخلافة العباسية، ثم انتقل إلى سلطان عدد من الدول التي عرفها التاريخ في المنطقة، فكان جزءًا من سلطان الدولة الطاهرية ثم الدولة الصفارية ثم الدولة السامانية ومن بعدها الدولة الغزنوية، لينتهي به الأمر تحت سلطان الدولة السلجوقية منذ عام 432هـ (1041م)؛ والتي شهدت عصرها بوادر تأسيس الدولة الخوارزمية، بفضل التركي أنوشتكين؛ ساقي السلطان السلجوقي ملكشاه بن ألب أرسلان، والذي كسب ثقة السلطان فتدرج في المناصب حتى تم تعيينه واليًا على خوارزم في عام 471هـ (1077م).

وبعد وفاة أنوشتكين سنة 490هـ (1096م) خلفه ابنه قطب الدين محمد، برضا السلطان سنجر بن ملكشاه السلجوقي خلال فترة حكمه. وكان قطب الدين يحضر كل عام إلى بلاط سنجر مع ابنه أتسز ويقاتل في صفه. ويعتبر تاريخ تولي قطب الدين حكم خوارزم تاريخ تأسيس الدولة الخوارزمية. لكن الإقليم بقي في طاعة السلاجقة رغم تمكن قطب الدين من بسط حكمه عليه وتقوية نفوذه، وبقي كذلك قويًا مستقلًا وفي ذات الوقت لا يخرج عن طاعة السلاجقة حتى توفي في سنة 521هـ (1126م)، فظهرت نزعات الاستقلال مع ابنه علاء الدين أتسز، الذي ازدحمت ولايته بالحرب والسلم مع السلطان سنجر إلى أن وافته المنية في عام 551هـ (1156م).

وخلف علاء الدين أتسز ابنه إيل أرسلان، وتزامن ذلك مع انشغال السلاجقة في الاقتتال والنزاع على السلطة بعد وفاة آخر سلاطين السلاجقة العظام، وكان في بداية حكمه مطيعًا لسنجر إلا أن بعد وفاته وبداية انهيار الدولة السلجوقية استغل إيل أرسلان الأوضاع وسيطر على مناطق من خراسان وما وراء النهر، ولكنه قبل أن يتوسع أكثر عاجلته المنية في عام 568هـ (1172م).

ثم بعد وفاة إيل أرسلان دخلت الدولة الخوارزمية في نزاع على السلطة بين ولديه السلطان محمود شاه وعلاء الدين تكش الذي سيطر على مقاليد الحكم في نهاية المطاف بشكل تام بعد أن توفي محمود شاه في عام 589هـ (1192م)، فاستقر ملك الدولة الخوارزمية بلا منازع في يد علاء الدين تكش؛ الذي استغل استمرار النزاعات بين السلاجقة وضعفهم ليوسّع سلطان دولته، فدارت بينه وبينهم معارك، انتهت بعد انتصاره على آخر سلطان للسلاجقة في العراق بالسيطرة على الكثير من المدن والقرى والقلاع وذلك في عام 590هـ (1194م)، واستمر في توطيد أركان ملكه إلى أن عاجله الموت في عام 596هـ (1200م). وقد اضطر الخليفة الناصر العباسي -على الرغم من الخلاف بينه وبين الخوارزميين- إلى إصدار منشور يعترف له فيه بلقب سلطان ويقرّه على حكم غرب خراسان وما وراء النهر وخوارزم. وتعد فترة حكم علاء الدين تكش التي امتدت أكثر من ربع قرن؛ العصر الذهبي للدولة الخوارزمية.

السلطان محمد خوارزم شاه والد السلطان جلال الدين

 بعد هذا التاريخ المتشعّب استلم حكم الدولة الخوارزمية محمد خوارزم شاه؛ ابن علاء الدين تكش، وتميزت فترته بطموحات التوسع فاصطدم مع الدولة الغورية ودولة الخطا، لكن سلطان الدولة الخوارزمية تمكن في نهاية فصول صراع طويل من هزيمة الدولة الغورية ودولة الخطا وضم أملاكهما لدولته وأنهى بذلك وجودهما للأبد.

ولم تقف طموحات محمد خوارزم شاه عند هذا الحد بل استمر في توسيع نفوذه حتى بلغت الدولة الخوارزمية أقصى مساحة لها في عهده، إلا أن هذا التوسع أوصل الخوارزميين لحدود دولة جنكيز خان الصاعدة؛ حيث امتدت من حدود العراق العربي غربًا إلى حدود الهند شرقًا، ومن شمال بحر قزوين وبحر آرال شمالًا إلى الخليج العربي والمحيط الهندي جنوبًا.

واعتبر المؤرخون هذا التوسع الكبير للدولة الخوارزمية بداية نهايتها؛ كونه جاء على حساب هدم الحصن الحصين بين الخوارزميين وبين المغول؛ وهو دولتا الغور والخطا، فأصبحت الدولة الخوارزمية في محاذاة المغول بشكل مباشر وفي مرمى أهدافهم.

أخطاء السلطان محمد خوارزم شاه تكلفه ملكه

وتُرجع الروايات التاريخية سبب فساد العلاقات بين محمد خوارزم شاه وبين جنكيز خان إلى احتكاكات سابقة ظهر خلالها ضعف سياسة سلطان الخوارزميين حيث تسبب بنفسه في جلب عداء المغول، ومن ذلك  قصة تروى عن السلطان محمد خوارزم شاه في شتاء عام 612 هـ (1215م) أنه خرج يعبر من مدينة جند حوالي نهر سيحون فالتقى في صحراء القبجاق بجمع من المغول على رأسهم ابن جنكيز خان؛ جوجي دوش أتوشي، وكان الأخير ممتنعًا عن الحرب لكون سبب تواجده في المنطقة كان بهدف سحق أحد المتمردين من المغول، إلا أن محمد خوارزم شاه لم يقبل منه ذلك وقاتله، فاشتعلت معركة بين الطرفين حتى أوشك السلطان أن يهلك لولا أن لحق عليه ابنه جلال الدين الذي كان يمر من المكان بالصدفة، فضغط بثقله مع من برفقته من الجند وأنقذ والده، ثم ليلًا انسحب جوجي بهدوء وعاد الخوارزميون أدراجهم، ولكن بقي لهذه الواقعة أثرها لدى جنكيز خان.

ويرجع السبب الأبرز لاندلاع الحرب بين الخوارزميين والمغول إلى مقتل تجار من المغول في مدينة أترار التابعة للدولة الخوارزمية على يد حاكم المدينة. وكانت أترار في مقدمة ديار خوارزم شاه ويحكمها ابن خال السلطان محمد، واسمه ينال خان أو غاير خان، الذي كان يعمل تحت حماية تركان خاتون أم السلطان محمد، فأثارت الحادثة سخط جنكيز خان الذي طالب محمد خوارزم شاه بتسليم القتلة، لكن الأخير رفض ذلك على أنه سيحاكمهم بنفسه. وكانت تلك قصة بداية اشتعال فتيل الغزو المغولي الوحشي. ويقال إن حاكم أترار طمع في التجار المغول فنهب مالهم وقتلهم وتستر على ذلك فحماه السلطان لقرابته من أمه السلطانة.

وفشل محمد خوارزم شاه في معالجة القضية ولم يتمكن من تهدئة جنكيز خان بل أهمل غضبه فكان لذلك تداعيات جمّة. ووقعت احتكاكات عديدة بين الخوارزميين والمغول انتهت بإرسال جنكيز خان لجيش يصل إلى نحو 200 ألف جندي، فأمعنوا تدميرًا في حواضر الإسلام؛ بخارى وسمرقند، وسطروا المجازر الدامية ونهبوا الأموال الطائلة، وكان أثرهم فظيعًا على ملك الدولة الخوارزمية ومن بعدها على الأمة الإسلامية قاطبة.

ثم استقر جنكيز خان في سمرقند، وأرسل عشرين ألفًا من جنده لمطاردة السلطان محمد خوارزم شاه الذي نجح في الهروب من مدينة إلى أخرى حتى استقر به المقام في جزيرة آبسكون في وسط بحر قزوين، مع من فر معه من أفراد أسرته وحاشيته، لكنه في هذه الجزيرة اجتمع عليه المرض والهم واليأس لما كان يصله من أخبار المغول الفظيعة وفتكهم بمملكته ورعيته، فتوفي بعد مضي شهر واحد فقط في هذه الجزيرة، مضى كأنه دهرًا كاملًا لثقله وثقل أحداثه، وذلك في عام 617هـ (1220م). وكان مما نُقل عنه قوله لمن حوله:

لم يبق لنا مما ملكنا من أقاليم الأرض قدر ذراعين تحفر فنقبر، فما الدنيا لساكنها بدار، ولا ركونه إليها سوى انخداع واغترار.

وتوفي السلطان محمد خوارزم شاه ولم يكن لديهم ما يكفنوه به، فخلع أحد مقربيه قميصه وكفنوه به وواروه التراب.

ويذكر أنه لم ينج من أبنائه من مذابح المغول إلا ثلاثة؛ جلال الدين ابنه الأكبر، وقطب الدين أوزلاغ (ركن الدين)، وآق شاه أبو المظفر (غياث الدين)، الذين لحقوا به في الجزيرة، بينما أُسرت أم محمد خوارزم شاه تاركان خاتون، وقُتل نساؤه وأطفاله.

وأوصى السلطان قبيل رحيله بالملك من بعده لابنه جلال الدين الذي رأى فيه الأمل الوحيد لاسترجاع ملك الخوارزميين. وفي هذه الأثناء كانت جيوش جنكيز خان قد انطلقت تعيث في الأرض فسادًا، فدمرت أذربيجان وخراسان وخوارزم وبلخ ومرو ونيسابور وهراة والري، وكما قيل: إنه لم تمر على البشرية منذ خلق آدم ما يشبه هذه الأفعال من قريب ولا بعيد، بل كان هذا من أعجب الأمور التي مرت بالأرض على الإطلاق.

من أسباب هزيمة السلطان محمد خوارزم شاه

يرى المؤرخون أن أحد أبرز أسباب هزيمة السلطان محمد خوارزم شاه هو تدخل والدته السلطانة تركان خاتون وأقاربها بما شكّل سلطة موازية لحكمه، ضاعف من تأثيرها ما تملكه السلطانة من نفوذ كبير في البلاد وعلى القبائل، فتسبب ذلك في انقسام الصف وتفرق الكلمة وضعف القيادة واختلال الآراء والعصبية، فكانت الهزيمة جزاءً وفاقًا.

وقد انتهى أمر تركان خاتون بالأسر على يد جنكيز خان مع بقية نساء القصر؛ اللاتي تزوج بعضهن من المغول، أما السلطانة فقضت نحبها تتجرع مذلة الأسر. حتى أسلمت روحها في عام 630هـ (1233م).

هذا دون الحديث عن أسباب ضعف بارزة أخرى في شخصية القائد نفسه السلطان محمد خوارزم شاه حيث عرف عنه الجبن في الكثير من المواقف وفقدان الحكمة في الكثير من السياسات، فضلًا عن اضطراب الجيش الذي تشتت قواه بلا فائدة أو إدارة واعية.

ويبدو أنه جنى تداعيات تفكك الوحدة الإسلامية على إثر حملته على بغداد بهدف عزل الخليفة العباسي، وتعمده محو اسم الخليفة من الخطب والعملات، حيث سفك في سبيل ذلك الكثير من الدماء المسلمة فكأنها اللعنة قد حلت به.

الخوارزميون والخلفاء العباسيون

تزامنت حقبة جلال الدين مع الخلفاء العباسيين المعاصرين له وهم الناصر لدين الله (575 – 623هـ) (1178 – 1226م) ثم الظاهر بأمر الله (622 – 623هـ) (1225م – 1226م) ثم المستنصر بالله (623هـ – 640 هـ) (1226 – 1234م) وأما الخليفتان الثاني والثالث فكانا على توافق مع السلطان جلال الدين، أما الناصر الذي عاصر تكش ومحمد الخوارزميين والخلافات بينهما فكان يحمل حقدًا كبيرًا على الخوارزميين ولم يكن على وفاق مع جلال الدين.

السلطان جلال الدين منكبرتي

في مثل هذه الظروف الدامية والمعنويات المحبطة والصعود المغولي والضعف الخوارزمي ورث جلال الدين منكبرتي الملك، وقد خسرت دولته معظم مدنها وأراضيها وجنودها ومصادر قوتها وثرواتها. لكن السلطان الجديد كان يحمل عزمًا كبيرًا، اشتهر به منذ الصغر حيث كان أكثر أبناء السلطان تعلقًا بامتشاق الحسام وأكثرهم اتصافًا بصفات الشجاعة والجسارة والعقل؛ مما أهّله بجدارة لأن يحظى بمرافقة والده في مجالس صناعة القرار وساحات القتال.

قال الشهاب النسوي الموقع؛ المؤرخ الذي رافق جلال الدين خوارزم شاه: “كان جلال الدين أسمرًا تركيًا قصيرًا منعجم العبارة، يتكلم بالتركية والفارسية. وأما شجاعته فحسبك ما أوردته من وقعاته، فكان أسدًا ضرغامًا، وأشجع فرسانه إقدامًا، لا غضوبًا ولا شتامًا، وقورًا، لا يضحك إلا تبسمًا، ولا يكثر كلامًا، وكان يختار العدل غير أنه صادف أيام الفتنة فغلب”.

ويذكر أن جلال الدين كان قد عارض قرار والده بالفرار من المغول وآثر المواجهة، لكنه لم يتمكن من تغيير قرار السلطان. وقال النسوي أن العقلاء والمفكرين كانوا يقولون للسلطان محمد خوارزم شاه في وقت المشورة وتدارس المصلحة: “إن الجيوش يجب أن تحشد في وقت الحرب مع المغول، ويُتخذ من جيحون خندقًا، ويكون الزحف عامًا، ولا يترك المغول يتجاوزون الماء”. ولكن السلطان لضعفه فضل الفرار وترك رعيته من خلفه تواجه الموت بدم بارد، وبالفعل هرب إلى ما وراء النهر ثم إلى خراسان ومنها إلى العراق ثم إلى مازندران ليذود لجزيرة “آبسكون” حيث أسلم الروح.

الانبعاث الأول من جزيرة آبسكون

توجه جلال الدين بعد وفاة والده من جزيرة آبسكون إلى خوارزم بصحبة أخويه قطب الدين أوزلاغ شاه وآق شاه، حيث رحب بهم الأهالي أحر ترحيب ورأوا في عودتهم الأمل في رد عادية المغول.

وبدأ جلال الدين بالعمل من نيسابور إلى غزنة يخطط للجهاد ضد المغول، وكان يحظى بقبول واسع بين الغزنويين، فقد كان دخوله بمثابة إحياء لعزائم الناس وإعادة أمل وثقة، ولقيت دعوته للعمل على بناء الجيش تمام الشغف والدعم من الأهالي الذين لم يبخلوا بكل ما يملكون في سبيل ذلك.

لكن بذرة الشقاق التي زرعتها السلطانة تركان خاتون كان لها أثرها الفاسد، ففي الوقت الذي كان من المفترض أن يجتمع الجميع في وحدة صف واحدة بدأ أنصار أوزلاغ شاه -الذين لم يعجبهم توريث محمد خوارزم شاه السلطنة لابنه جلال الدين- بالتآمر لقتل جلال الدين أو سمل عينيه غير مبالين بالظروف المصيرية التي تمر بها الدولة.

وكان محمد خوارزم شاه قد نصب أوزلاغ شاه ولي عهده بتأثير جدته السلطانة تركان خاتون وأمه، لكنه بعدما عاين شراسة المغول وما يتميز به جلال الدين من كفاءة عن أخيه تراجع عن قراره قبل وفاته وجعل جلال الدين ولي عهده وألزم أبناءه بهذه الوصية.

وكشف جلال الدين خيوط المؤامرة بمساعدة بعض الأوفياء من حوله ففرّ باتجاه خراسان ومعه قرابة ثلاثمائة فارس، وفي طريقه تمكن من تجاوز كمين خطير لجنكيز خان الذي كان يتربص به كأخطر رجل في الخوارزميين يجب القضاء عليه، فخاض جلال الدين معركة شرسة مع المغول في سهول براون شمال شرقي غزنة في سنة 618هـ (1221م)، وانتصر عليهم ليكمل مسيره إلى نيسابور. وهنا يجب التركيز على جزئية تربص جنكيز خان الذي كان يشاهد كل خلافات الخوارزميين ويتحرك بناء على ذلك.

ففي نفس الوقت الذي نصب فيه كمينًا لجلال الدين أرسل القائد المغولي جنوده إلى خوارزم وكان لا يزال فيها أوزلاغ شاه وآق شاه، فلم يجدا من بد إلا اللحاق بجلال الدين والفرار من هذا الزحف الوحشي لكنهما لم يوفقا في الفرار فاشتبكا في معركة بنواحي خراسان مع المغول قُتلا فيها وانتهت منازعة أوزلاغ شاه للملك، ليستقر بيد جلال الدين بشكل نهائي. أما مدينة خوارزم فكان مصيرها داميًا.

سقوط عاصمة خوارزم

وجه جنكيز خان أقوى جيوشه للاستيلاء على عاصمة خوارزم مدينة كهنه غرغانج سنة 617هـ (1221م)، فأطبق عليها الحصار لمدة خمسة أشهر كاملة ومع ذلك عجز عن دخولها لشدة مقاومة أهاليها، فدفع جنكيز خان بالمزيد من الجند ليضاعفوا الضغط على أسوار المدينة حتى تمكنوا من إحداث ثغرة فيها، ودخلوا المدينة حيث دار قتال عنيف شرس بين المغول والمسلمين، وكانت خسائر الطرفين جسيمة فقد استمات المسلمون في هذا القتال واستبسلوا، وبعد أن سيطر المغول على المدينة هرب المسلمون أو اختفوا في السراديب والخنادق والمنازل، فعمد المغول إلى هدم سد كبير على نهر جيحون، وأغرقوا المدينة بكاملها وقتل بذلك أهل خوارزم جميعًا واندثرت مدينتهم بشكل كامل. وكانت هذه من أبشع جرائم المغول في التاريخ.

مرحلة الإعداد والجمع والتلاحم

استرجع جلال الدين أنفاسه وقوته ومكانته في ظرف قياسي وتمكن من بناء الجيش وإعداد العدة وتحصيل أسباب القوة لتنتهي جهوده ببناء جيش كبير في غزنة من الفلول الهاربة من المغول وممن أخذتهم الغيرة على الإسلام وحب الجهاد من المتطوعين، كما حصل على التمويل لجيشه من أغنياء المسلمين وحتى فقرائهم الذين قدموا بلا تردد في مقام لا يتخلف عنه مسلم.

وتزامن مع هذا النشاط العسكري الذي اجتمع في غزنة نشاط سياسي آخر بإرسال الرسائل واستنهاض الهمم لسائر الملوك والأمراء الذين تمردوا سابقًا على السلطان محمد خوارزم شاه وسائر المعارضين والجيران من الممالك الإسلامية والإمارات، فلقيت دعاوي جلال الدين قبولًا كبيرًا وحصل على الكثير من الدعم. كما أنه هادن من يستوجب المهادنة. فانتهت جهوده لاجتماع القوى من حوله واشتداد أمر الجيش وتمام الاستعداد لمواجهة المغول.

وكان ممن انضم إليه سيف الدين بغراق أحد ملوك المسلمين، وكان مشتهرًا بشجاعته وإقدامه ورجاحة عقله في الرأي ومكيدة الحروب. ولم يكن هذا التطور ليغيب عن أعين المغول حيث كان جنكيز خان يخطط لغزو وسط أفغانستان وجنوبها لقتال جلال الدين، وكانت غزنة في مرمى أهدافه.

معركة بروان والنصر التاريخي

ومع ذلك ومع شدة التربص، فقد فاجأ جلال الدين المغول بأول هزيمة لم تكن في حسبانهم حين هجم على جمع من المغول في حصارهم لقلعة واليان في أفغانستان، وتشير لها بعض المصادر بقلعة كابول، فقضى عليهم وقتلهم شر قتلة، ونقل فلول الناجين من المغول الخبر إلى جنكيز خان الذي بدوره قرر أن يرسل جيشًا إلى جلال الدين لينهي أمره قبل أن يشتد، وما منع جلال الدين عن المغول الفارين إلا هدمهم لسد في المنطقة فحال الماء بينه وبينهم.

وبالفعل أرسل جنكيز خان جيشًا ضخمًا بقيادة صهره قوتوقو نويان (شيكي قوتوقو)، والتقى الجيشان في بروان ويقال في منطقة بجوار مدينة غزنة تدعى بلق، وهنا في هذه المعركة ظهرت قدرات جلال الدين القيادية واكتشف المغول كيف أن مقابلهم رجل حرب وحنكة، الذي كان في قلب الجيش وعلى ميمنته أمين الملك (والد زوجته) وعلى ميسرة الجيش سيف الدين بغراق الذي يرجع بعض المؤرخين النصر لبراعته وحنكته أيضًا في هذه المعركة.

ولم تنطل على جلال الدين حيل المغول ولم يزل يمعن فيهم قتلًا وأسرًا طيلة ثلاثة أيام، فألحق بهم هزيمة كبيرة في عام 618هـ (1221م)، ومن شدة فرح جنود جلال الدين بهذا النصر قاموا يثقبون آذان المغول بالأوتاد انتقامًا لجرائمهم الفظيعة في بلاد المسلمين. ولم يكن مجرد نصر بل سببًا كبيرًا في استعادة الثقة بالنفس والانطلاق بقوة وعزم أكبر، كانا كافيين لهدم الفزع الذي ترسخ في قلوب الناس في كل مكان عند ذكر جيش المغول الذي لا يهزم.

وكانت هذه هي المرة الأولى التي ينهزم فيها جيش المغول الكبير في بلاد المسلمين وإن كان قد سبقها انتصارات أخرى على طلائع وجيوش المغول الأصغر في مواقع مختلفة على يد جلال الدين منها التي أباد فيها جند المغول إبادة تامة.

ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم

ورغم أن النصر على المغول تسبب في استبشار كبير لدى المسلمين في كافة العالم الإسلامي، وفتح باب أمل كبير لهم بعدما ذاقوه من ويلات وهزائم وما سمعوه من فظائع ومجازر، إلا أن سنة الله في التنازع والفشل تحققت من جديد مع الخوارزميين؛ فبدل الاستفادة من فضل النصر تحطم كل إنجاز بتنازع قادة الجيش على تقاسم الغنيمة، ولم يتمكن جلال الدين من حسم النزاع فانسحب بعض القادة بقسم كبير من الجيش الخوارزمي بلا مبالاة بالعواقب ولا مناشدات السلطان، ويقال أن أبرزهم هو سيف الدين بغراق الذي رفض توسلات جلال الدين خوارزم شاه.

ضعف جيش المسلمين وتفككت وحدته، وتمكن المغول الذين كانوا يراقبون المشهد من الانقضاض عليهم فرادى فأنهوهم بسهولة بعد تفرقهم إلا من نجا منهم. وذلك من تداعيات العصبية بين القادة وضعف الإخلاص وافتقاد الحكمة في أصعب النوازل التي عاشها المسلمون.

أما جلال الدين فلم يكن أمامه من حل بعد انهيار جيشه إلا الانسحاب إلى سهل يقع غربي نهر السند أمام أخبار تقدم المغول بقيادة جنكيزخان نحوه للانتقام من هزيمته على يد جلال الدين.

معركة نهر السند

وفي هذه الأثناء عمل السلطان على جمع السفن للإبحار في نهر السند مع جنوده باتجاه الهند، لكن خبر تقدم طلائع جنكيز خان اضطره إلى خوض معركة مفاجئة لم تكن في الحسبان، فحمل جلال الدين بنفسه على الجيش المغولي حملة تتفجر قوة أردتهم بين قتيل وفار بنفسه، لم يكن يتوقعها جنكيز خان الذي انبهر بشجاعة جلال الدين، فراح يتقدم بكل ثقله نحو نهر السند لتجري بعد ذلك فصول حرب عظيمة قد سطر التاريخ الصفحات في شرح هذه الموقعة الضروس ولهجت ألسنة المؤرخين بالشجاعة التي أبداها جلال الدين خوارزم شاه وجنكيز خان في مواجهة بعضهما البعض في عام 618هـ (1221م).

ولشدة هول المواجهة قيل عنها:

إن كل ما مضى من الحروب كان لعبًا بالنسبة إلى هذا القتال.

بل من شدة حنق جنكيز خان على جلال الدين وعجزه عن قتله أو أسره، عمد إلى قتل ابن السلطان الذي وقع في الأسر ولم يتجاوز عمره 8 سنوات، فقتله بيديه مما يعكس شدة القهر التي أوصله لها ثبات جلال الدين.

وتتحدث بعض الروايات إلى أن هذه المعركة استمرت مدة ثلاثة أيام لحقت فيها خسائر جسيمة بالفريقين رغم عدم تكافؤ القوتين.

وفي هذه الأثناء مع اشتداد الضرب والقتل سمع جلال الدين صيحات والدته وزوجته يستغثن به كي يغرقهن ولا يقعن في ذل الأسر في يد العدو، فأمر بهن فأغرقن فكان مشهدًا من أحزن مشاهد الحزن في تاريخ الخوارزميين، عندما يضطر الرجل الغيور أن يختار بين موت أحبائه أو أسرهم فيرى هلاكهم بعينيه.

لقد كانت قوة المغول أكبر بكثير وأساليبهم أفتك، وعاين جلال الدين ذلك بنفسه وأدرك استحالة هزيمتهم في مثل ظرفه، فلم يجد من بد هذه المرة إلا الفرار فقذف بنفسه في النهر بفرسه من على ارتفاع 20 ذراعًا في مشهد مهيب، وسبح بسلاحه مقاومًا طغيان الماء وتبعه ما بقي من رجاله وعبروا النهر إلى الضفة الأخرى. وقال المؤرخون:

أن الجواد الذي خرج من فيضان طاغ ودوامة عميقة حاملًا السلطان ظل يرافقه في كل مكان حتى فتح تفليس.

ثم أحاله على التقاعد.

وأمام هذا المشهد البطولي كتب الجويني يصف ردة فعل جنكيز خان الذي أدهشه المنظر؛ فوضع أصابعه بين أسنانه متعجبًا، وقال لأولاده بين عسكره الذين أخذتهم الدهشة: هذا الشبل من ذاك الأسد، وقد نجا جلال الدين ووصل سالمًا للضفة الأخرى.

والتقى جلال الدين بعسكره ممن نجح في اجتياز النهر، أما من فشل فكان مصيره القتل بسيوف المغول الذين أمعنوا قتلًا وأسرًا في أفراد عائلة جلال الدين فلم يرحموا حتى الرضع.

ومع أن جلال الدين بعد مغادرته الجزيرة التي توفي فيها والده قد حقق هدفه باسترجاع نفوذ واسع في ظرف قياسي؛ فأخذ كلا من كرمان وفارس والعراق وأذربيجان وهاجم نواحي القفقاز وفتح أجزاء من غرب آسيا الصغرى وأخضع ملوك تلك الحدود، حتى وقعت الحرب الكبيرة مع المغول، لكن حكم السنوات العشر لجلال الدين وهو يبسط يده على كل هذه المناطق اختلف كثيرًا مع حكمه وهو يواجه شوكة العدوان المغولي الهائل.

ولم يسمح جنكيز خان بملاحقة جلال الدين في الماء. واكتفى بما حققه من نصر ولكنه صب جم غضبه على بلاد المسلمين، فضاعف دماره وشهد المسلمون الويلات، خاصة مدينة غَزنة الحصينة التي شهدت نصر المسلمين على المغول. وتقع غزنة الآن في أفغانستان على بعد حوالي مئة وخمسين كم جنوب مدينة كابول، في وسط جبال باروبا ميزوس الأفغانية.

الهند والانبعاث الجديد

وصل السلطان جلال الدين إلى الهند برفقة أربعة آلاف من جنده الذين نجحوا في الفرار معه، ولكنهم وصلوا في حالة مزرية للغاية.

ورغم أن جلال الدين أضحى شريدًا بلا عتاد ولا عدة ولا موطن إلا أنه كسب من نصره على المغول في حرب بروان انبعاث الشجاعة ضد المعتدين المغول فتبعها ثورات في هرات ومرو من العصيان عليهم طمعًا في تحقيق نصر كنصر جلال الدين، وهاجت الكثير من المدن الإسلامية المحتلة من المغول الذين اضطروا إلى كف أيديهم عن حصار عدة قلاع في ذلك الوقت، فكان أقل بركاتها أن تسببت في الاضطراب.

واختلفت الروايات بشأن ما عاشه جلال الدين وجنوده في الهند فبعض الروايات تشير إلى أنهم في طريقهم للبحث عن مأوى لهم توحشوا، فأغاروا على بعض البلاد ونهبوها وفرضوا على أهلها الإتاوات التي سمحت لهم بالاستقرار في الهند ثلاث سنوات انشغل خلالها جلال الدين بجمع قواته التي تفرقت في الأمصار، وانضم إليه كثير من القادة الخوارزميين والمتطوعين الراغبين في الدفاع عن الإسلام، وساعده في ذلك غزوه لبعض الأقاليم الهندية الواقعة في حوض نهر السند وسيطرته عليها وحجم الغنائم التي حصل عليها والتحاق المعارضين لحكام الهند به. لكن الشوق للعودة إلى بلاده كان غلابًا، فكانت مرحلة الهند مرحلة نجاة من المغول وجمع لهم.

وبعض الروايات تصف جلال الدين بالشخصية القيادية التي يمكنها الانطلاق من جديد في كل أرض وصناعة ملك ووطن تحت أي ظرف، فقد اتجه السلطان إلى الغرب بعيدًا عن أنظار المغول وأنشأ مملكته الجديدة التي استقطبت الخوارزميين المتفرقين وفرضت هيبتها واحترامها بين الهنود.

عودة جلال الدين القوية

وفي الواقع لم يكن جلال الدين يطمع في حكم الهند بل بقي فيها يتحين الفرصة للانتقام من المغول فكانت الفرصة مواتية تمامًا بعد رجوع جنكيز خان سنة 621هـ (1224م) إلى منغوليا وذلك لقناعته أن جلال الدين لن يرجع، فانسحبت جيوشه الرئيسية من أقاليم الدولة الخوارزمية إلى العاصمة المغولية قراقورم. وكان في هذه الأثناء غياث الدين أخو السلطان جلال الدين يراقب الأوضاع وينتظر الانفراجة للعودة من جديد، وبالفعل نجح في استرجاع بعض الأقاليم وفشل في استعادة أقاليم ما وراء النهر.

ولضعف خبرته وسوء قيادته حيث قال عنه الموفق عبد اللطيف: “كان غياث الدين أجمل الناس صورة وأرقهم بشرة، لكنه ظلوم وأمه تركية”.

عاشت الأقاليم خلال حكمه الاضطراب والفوضى، وتزامن ذلك مع عزم جلال الدين على مغادرة الهند فاستقر به الرأي مع قادته على استرجاع الملك من غياث الدين، وبالفعل في عام 622هـ (1225م) خرج السلطان من الهند بمعية أربعة آلاف من رجاله، وسارع للسيطرة على الأقاليم الغربية من الدولة الخوارزمية التي كانت تحت حكم أخيه.

وتحولت غزنة وكرمان وأصفهان إلى حكمه، وتزوج جلال الدين ابنة البراق؛ وهو عامل سابق في جهاز كورخان الخطائي كان يشغل منصب الحجابة، وسبق وأن جاء كرسول ومندوب لكورخان إلى بلاط محمد خوارزم شاه في النزاع بينهما لكنه لم يسمح له بالعودة فأقام في البلاد إلى زوال دولة القراخطائيين، وتولى الحجابة لدى خوارزم شاه ثم لما فر الأخير دخل البراق في خدمة ابنه غياث الدين.

واستمر جلال الدين في التخطيط حتى استولى على كافة المدن والأقاليم التي كانت تحت يد غياث الدين، وكسب بذلك ولاء قادة الدولة الذين أعلنوا بيعتهم له بدل غياث الدين. وحصلت وحشة بينه وبين أخيه لكنها انتهت بالمصالحة.

السفر إلى خوزستان وفتح تبريز

اتجه جلال الدين إلى خوزستان بعد استقرار أوضاع العراق العجم (الواقعة شرق عراق العرب بما في ذلك مدن مثل أصفهان والري وقزوين وكرمنشاه) فحاصر مدينة تُستَر في مطلع سنة 622هـ (1225م) وكانت تحت يد الأمير مظفر الدين مملوك الخليفة الناصر لدين الله العباسي، ففشل في الاستيلاء عليها، ثم أرسل جزءًا من جيشه إلى البصرة وجزءًا آخر إلى بعقوبا.

واستمر جلال الدين في التمدد حتى بلغ ذروة قوته وملكه في عام 623هـ (1226م) بعد أن ضم ملك عراق العجم وفارس وكرمان وأذربيجان وتبريز وتفليس إلى سلطانه، بعضها لم تكلفه عناء القتال فاستعمل السياسة والحيلة وبعضها كلفته الحروب الضارية كما كان حال تفليس وحربه الشرسة مع الكرج.

وساعده في ذلك موت جنكيز خان سنة 624هـ (1227م) وانشغال المغول في أمور خليفته. كما ساعده أيضًا استقرار الملك في يده دون منازعة.

وعزم جلال الدين ضم العراق العربي التابع للخلافة العباسية إلى سلطانه، ثم بعد احتكاكات بينه وبين العباسيين، واستنفار الخليفة لجيشه، أرسل جلال الدين رسالة للخليفة العباسي يقول فيها:

إن قصدي ليس تسخير بغداد وإنما أن أطمئن لرضاء الخليفة ومساعدته.

وانتهى الأمر بينهما بالصلح.

وبعد عودة السلام بين العباسيين والخوارزميين، توجه بعد ذلك جلال الدين إلى همدان عن طريق كردستان، ثم ناحية أذربيجان. وكانت تحت حكم الأتابك أزبك بن الأتابك محمد جهان بهلوان الذي تزوج من ابنة طغرل الثالث آخر ملك سلجوقي. وكان رجلًا يقضي وقته في الشراب فلما عرف أن جلال الدين وصل تبريز هرب إلى كنجه تاركًا المدينة في يد زوجته الملكة.

فوصل جلال الدين إلى تبريز وحاصرها. فرأت الملكة بعد مشورة أن تسلمه المدينة بشرط ألا يصيبها وحاشيتها بأذى. وتم الأمر كذلك. فقرأ الخطبة باسم الخليفة في المدينة ثم انتقل السلطان لحرب الجورجيين.

حاكم تبريز يموت كمدًا

يذكر أن زوجة الأتابك ابنة طغرل عرضت نفسها للزواج على جلال الدين فقبل بشرط أن تثبت طلاقها منه، ففعلت، فتزوجها وأدخل مدينتي سلماس وأورومية وتوابعهما ضمن حوزته فلم يضر الأتابك أزبك أخذ جلال الدين لتبريز في البداية عندما تسلط على أذربيجان وآثر السلامة لضعفه، لكن عندما سمع بزواجه من زوجته الملكة وعرف بوجوده معها اضطرب اضطرابًا شديدًا ومرض ومات بعد أيام. واعتبر المؤرخون زواج جلال الدين من هذه المرأة خطأ كبيرًا.

الحرب مع الجورجيين

واستعرت حرب ضروس آلت إلى ثبات حاسم بفعل شجاعة جلال الدين وجيشه مع الجورجيين حيث واصل السلطان هجومه حتى أبخاز حوالي النواحي الجنوبية للقفقاز والشمالية لنهر أرس بهدف التقدم نحو تفليس، لكن وصلته أخبار بأن شمس الدين طغراي وابن أخيه نظام الملك قد شرعا في التمرد ويقصدان قتله. فعاد إلى تبريز قبل أن يستفحل أمر الفتنة. فاكتشف حينها أن الطغرائي وابن أخيه أبرياء بعد أن حكما عليهما بالقتل، فأعادهما إلى تبريز، وأصبح يستشيرهما في مجالسه.

ثم عاد جلال الدين من جديد لصراعه مع الجورجيين.

فتح تفليس

خرجت ملكة جرجيا من تفليس قبل أن يصل جلال الدين وعهدت بالدفاع عن المدينة لقائدين من قادتها، ولكن السلطان أحبط خطط الجورجيين واشتعلت نار الحرب بينهما واستعر لهيبها واستمرت حتى هزم الجورجيين وقضى على نحو أربع وعشرين ألفًا من الجورجيين وأسر القائدين لهما وقيّدهما بالسلاسل. ثم أعطى جلال الدين الأمان للجميع استجابة لطلب أهل المدينة الأمان.

ووصف النصارى هجمة جلال الدين عليهم أنها أقوى ضربة نزلت بالنصرانية في القفقاز، ويعدونها نظيرًا لسفك الدماء في أورشليم على يد تيتوس إمبراطور الروم على حد تعبيرهم.

ووصل جلال الدين بعدها إلى كرمان حيث أرسل له البراق الحاجب الهدايا وطلب الصفح منه بعد وحشة بينهما. فاضطر جلال الدين إلى العودة قاصدًا أصفهان ليستريح. ودارت أحداث كثيرة قبل أن يقاتل جلال الدين الحشاشين ثم يصطدم مع الأيوبيين.

السلطان جلال الدين والإسماعيلية الحشاشين

كان حضور الباطنيين من فرقة الإسماعيلية في هذا الوقت متصلًا بحضورهم في واقع الدولة السلجوقية، وكان جلال الدين يدرك خطورتهم وشرهم على الإسلام، فبعد عودته من الهند ولى أرخان على نيسابور وأعمالها وكان وعده بذلك بالهند، وكان نائبه بها يتعرض لبلاد الإسماعيلية المتاخمة له بهستان وغيرها بالنهب والقتل، وقال ابن الأثير:

“إن السلطان بعد مقتل أرخان سار في العساكر إلى بلاد الإسماعيلية من الموت إلى كردكوه فاكتسحها وخربها وانتقم منهم وكانوا بعد واقعته قد طمعوا في بلاد الإسلام فكف عاديتهم وقطع أطماعهم وعاد فبلغه أن طائفة من التتر بلغوا الدامغان قريبًا من الري فسار إليهم وهزمهم وأثخن فيهم‏.‏ ثم جاء الخبر بأن التتر متلاحقة لحربه فأقام في انتظارهم في الري”.

وقد حاصر الخوارزميون في عام 624هـ (1226م) الإسماعيليين في قلعة أَلموت الشهيرة في رودبار والتي كانت مركز سلطانهم، واقتص منهم السلطان بحزم لجرائمهم واغتيالاتهم الغادرة. وبعد ذلك بسنة واحدة دخل جلال الدين أراضي أرمينية وملك مدينة خلاط التابعة للملك الأشرف الأيوبي، وذلك بعد حصار طويل كما سيأتي ذكره.

وسقطت جميع قلاع الحشاشين وقضي عليهم في الزحف المغولي في المنطقة.

حرب جلال الدين خوارزم شاه في أصفهان

واستنفر جلال الدين جيشه مع وقع خبر اقتراب المغول، فانطلق يجمع ما أمكنه من قوة للقائهم، لكنه كان قد استنزف في حروبه التوسعية. ومع ضعفه هذا، تمكن من إلحاق بعض الهزائم بالمغول؛ فقد قضى جنوده على كتائب المغول التي تسللت إلى جبال اللر في بختياري للإعداد لهجومها وحصار أصفهان، فطاردوهم في المضايق والمسالك وقضوا على الكثير منهم وأسروا المئات منهم وخنقوا منهم في القصر بأيديهم وألقوا بأجسادهم للكلاب.

ومما يذكر من بطولات جلال الدين في هذه المعركة التي وقعت في عام 625هـ (1227م) أنه انقطع عن عساكره فالتف المغول من حوله من كل ناحية وسدوا عنه طريق الخلاص، ولم يبق قلة قليلة من حرسه، فحمل حملة على المغول أذهلت من حوله، فكان يسقط الواحد من صهوة جواده ويمزّق الآخر من معدته ويطيح برقبة الثالث ويجرح المهاجمين إلى أن فتح ثغرة في الدائرة لنفسه ورفاقه وخرج من مضيق الموت.

يقول النسوي: “حكى واحد من أمراء المغول الذي انفصل عنهم بعد ذلك والتحق بخدمة السلطان أنه عندما تبين الخوارزم شاه بهذا الجلد وتلك الرجولة طريقًا للخروج من المعركة تحرك القائد المغولي تيانيا “ياينال” في إثره سريعًا وكان يخاطبه من شدة الإعجاب والدهشة قائلًا:

لتبق سالمًا في كل مكان فأنت أسد زمانك وشجاع أوانك!

وتفرق جيش جلال الدين بعد هذه الحرب بين فارس وأذربيجان وكرمان وأصفهان، واختفى جلال الدين ثمانية أيام لم يظهر عنه أي خبر حتى هم العامة بمد أيديهم على ماله لكن قاض أصفهان رفض بشدة وطلب مهلة حتى عيد الفطر كي يتأكد من مقتله، ثم تنصيب الأتابك يغانطياسي مكانه. ولكن ما أن حان موعد صلاة العيد حتى وصلتهم بشارة وصول السلطان سالمًا، فاستقبلوه بحفاوة وصلى معهم.

استعانة جلال الدين بالقبجاق والقنقلى

لجأ جلال الدين إلى طلب المساعدة خلال هذه الأيام الشديدة من سلاسل طائفتي القبجاق والقنقلى؛ لما لهما من علاقة صداقة قديمة مع الخوارزميين، خاصة بعد سعي جنكيز خان إلى القضاء عليهما حيث كان يخشى من قدراتهما القتالية وشدة ثباتهما. فلقي مطلبه القبول والترحيب. وقد نفعه ذلك في وقائع لاحقة مع الجورجيين والتي تصدرت بطولات جلال الدين تفاصيلها. وانتهت بتغلبه عليهم بعد هزيمة ساحقة لقائد الجيش الجورجي وأبنائه الثلاث ففتح النصر شهيته لكن هذه المرة نحو خلاط! (وهي ما يعرف الآن بمقاطعة بيتليس، بتركيا).

جلال الدين يصطدم مع الأيوبيين

كانت خلاط في ولاية الأشرف بن العادل بن أيوب، وكان نائبه بها حسام الدين علي الموصلي. وترك جلال الدين خلفه الوزير شرف الدين بتفليس قبل أن يرحل إلى كرمان فضاقت على عساكره المؤونة، فبعث جنوده إلى أعمال أرزن الروم فاغتنموا منها وحين عودتهم مروا بخلاط فاعترضهم نائبها حسام الدين وأخذ ما معهم من الغنائم‏.‏ فكتب الوزير شرف الدين بذلك إلى جلال الدين فسار السلطان إلى خلاط وأطبق الحصار عليها وقاتلها مرات عديدة واستعمل المنجنيقات.‏ ومع ذلك لقي مقاومة شديدة من أهل المدينة، فأظهر مقابلها جلال الدين ما أعجز الواصفين من صبر وجلدة وإصرار فبقي على ذلك الحال حتى أخذ المدينة عنوة فنال من أهلها بالقتل والقهر والغنيمة.

ويذكر التاريخ درجة الأذى التي ابتلي بها أهل خلاط من الحصار والقتال حتى بلغ بهم الحال لأكل لحوم الكلاب والقطط والأحصنة. ثم دخلها جلال الدين بعد دمار كامل، ليعود بعدها إلى تبريز.

من غريب قصص الخوارزميين

من غريب قصص الخوارزميين أنه كان للسلطان محمد خوارزم شاه ابنة قد تزوجت من عثمان خان حاكم سمرقند، وبعد مقتله في الغزو المغولي على خوارزم أُسرت مع السلطانة تركان خاتون، فاختار دوشي خان جوجي خان ابن جنكيز خان ابنة محمد خوارزم شاه زوجة له، وبقيت هذه المرأة تكاتب أخاها جلال الدين بين الحين والآخر تطلعه على الأخبار. فأخبرته في رسالة أن “الخان الكبير أوقطاي خان قد تلاطف مع دوشي وأمر أن يتعلم أولاده القرآن وأن يطلعهم ويطلعه على شجاعتك (جلال الدين) واتساع ملكك ويبدي ميله للسلم ويرغب في أن يكون نهر جيحون حدًا فاصلًا بين ممتلكاته وبينك”.

وجاء في الرسالة:

هذا فإن كانت لديك طاقة المواجهة أمامه فلتشحذ همتك وعدتك وإلا فهذه هذه الفرصة المناسبة للسلم.

إلا أن جلال الدين كان باله منشغلًا بحصار خلاط وتسخيرها فلم يقف عند كلمات أخته المهمة والتي كان من الممكن أن تغير مصير دولته للأفضل!

أخطاء استراتيجية كلّفته ملكه

لم تكن هذه التوسعات على حساب ممالك المسلمين إلا أخطاء جسيمة كلفت جلال الدين ملكه، فبدل أن يمد يده لمن حوله من مسلمين لصناعة وحدة متينة أمام خطر المغول؛ فضّل التغلب عليهم ومنازعتهم الملك مستهينًا بثمن الدماء والاعتداء، وهو ما أثار نقمة جميع الملوك والحكام المجاورين له، وسكان المدن والبلاد التي استولى عليهم دون الحديث عن عدوانية جنوده وسوء معاملتهم لهم وسيرتهم السيئة.

فانفض الناس من حوله، وفارقه بعض أتباعه المقربين ليدخل مرحلة مظلمة ضعفت فيها أركان دولته منذ سنة 627هـ/1229م. في وقت يتقدم فيه المغول والسلطان في أمس الحاجة للمدد والوحدة التي هدم فرصها بسبب سوء تخطيط لم يحسب حساب أيام الكرب.

ومع تمكن جلال الدين في البلاد واسترجاعه سلطانه وثقة رعيته أمام المغول إلا أنه لم يتمكن من استثمار الظرف بموت جنكيز خان واضطراب المغول خير استثمار، وبدل أن يؤسس وحدة إسلامية مع الممالك الإسلامية المجاورة، ويوحد قلوب أهلها على قضية واحدة؛ انشغل بتوسيع نفوذه وسلطانه على حسابها.

بل بلغ الطموح إن لم يكن الجشع بجلال الدين إلى الطمع في ملك الأيوبيين وسلاجقة الروم، بل وصل به الأمر إلى الطمع في الخلافة العباسية نفسها. كما أنه اقتتل مع أخيه غياث الدين بدل المسايسة والاتفاق فانعكس ذلك على أخلاق جنده سوءًا وقسوة.

وتسببت هذه الطموحات غير المدروسة في تشتيت قوة جيشه وتفككه وضعفه، وتراكم الأحقاد ضده، في وقت لم تكف جيوش المغول عن التربص به ورصد تحركاته.

هزيمة جلال الدين أمام الأيوبيين والسلاجقة

علاء الدين كيقباد

تمثال علاء الدين كيقباد.

استدعى سوء التخطيط من جلال الدين وجشعه تحالف الأيوبيين مع السلاجقة على إثر استيلائه على خلاط حيث بدأت هزائمه تتوالى بداية أمام سلطان السلاجقة الروم؛ علاء الدين كيقباد بن أرسلان ثم أمام الملك الأشرف صاحب دمشق والجزيرة وخلاط وذلك في عام 627هـ/1229م.

معركة ياسي جمن

تحالف كل من علاء الدين والملك الأشرف وأمراء الموصل وحلب والجزيرة ضد جلال الدين، وأنفقوا ما أمكنهم في سبيل تقوية حلفهم، وساندهم في ذلك الملك الكامل ملك مصر لكنه لم يتحرك لقتال جلال الدين بسبب انشغاله بالصليبيين آنذاك وهجماتهم على سواحل الشام ومصر فاضطر للعودة. من جانبه تحالف جلال الدين مع جهان شاه؛ حاكم السلاجقة المتمرد في أرضروم.

 والتقى الجمعان في معركة ياسي جمن في الأناضول، فيما يعرف الآن بمقاطعة إرزينجان في عام 627هـ (1230م). واستمرت المعركة لمدة ثلاثة أيام. كاد جيش جلال الدين أن يهزم التحالف السلجوقي الأيوبي في اليوم الأول، ولكن تزامنت المعركة مع مرض السلطان حتى أنه لم يكن يقدر على ركوب الخيل والقتال، فتفرق جيشه وانهزم.

وبينما كانت رحى الاقتتال تشتعل بين جيوش المسلمين كان المغول يتقدمون بشكل مسعور، فاستولوا على الري ثم همذان ثم أذربيجان ولم يكن بإمكان جلال الدين أن يصد هذا الزحف المدمر لانشغاله بمعارك جانبية جلبت عليه وعلى العالم الإسلامي الخسائر الفادحة.

الصلح خير

وبعد هزيمة جلال الدين خوارزم شاه أمام تحالف الأيوبيين والسلاجقة وتجلي الطوفان المغولي في الأفق، ‏تردد شمس الدين التكريتي رسول الأشرف بينه وبين الأشرف وعلاء الدين لأجل إبرام الصلح.

لقد كان هؤلاء الحكام يدركون تمام الإدراك رغم القتال مع جلال الدين أنه ملجأهم الأخير أمام طوفان المغول الذي يقترب، فسرعان ما تلاشت أحقادهم وسارعوا بعد فرار السلطان الخوارزمي من ياسى جمن لتأليف قلبه، يقول النسوي: “شرع الملك الأشرف الذي مثل حجر الزاوية في الاتحاد مع علاء الدين كيقباد وهزيمة السلطان في مكاتبة للوزير شرف الملك فأرسل له ما مفاده:

“إن مليككم حامي الإسلام والسد المحكم بين المسلمين والمغول، وليس خافيًا علينا حجم الهزيمة التي حلت بحوزة الشرع والدين بسبب موت أبيه، ونحن ندرك ضعف هذا السلطان وهزيمته كضرر عام، وأنت نفسك رأيت حلو الأيام ومرها، وتجرعت غصص الدهر وعرفت النفع من الضرر فلماذا لا تدعو السلطان إلى سلوك الطريق المستقيم توخيًا للصواب ولا تشوقه إلى الوحدة والاتحاد؟ ومن جانبي وعلاء الدين كيقباد والناس أن أحقق ثباتًا وتعاونًا بصفاء فيه رضاء الخوارزم شاه فتضيع الوحشة والنفور والعداوة”.

وكان مما قيل في جلال الدين في ذلك الظرف؛ أنه بمثابة السد الذي يمنع يأجوج ومأجوج (المغول) من اجتياح العالم الإسلامي. واستجاب جلال الدين لدعوة الصلح فرفع يده عن خلاط ونواحيها بعد ذلك وعهد بها إلى الملك الأشرف، وتسامح مع علاء الدين كيقباد وأرجع له النقاط التي أخذها منه.

المواجهة مع المغول من جديد

اختار المغول الابن الثالث لجنكيز خان أوقطاي خان خلفًا له، فقاد حملته الجديدة على بلاد المسلمين بوحشيته المعتادة وعلى عكس ما كان ينتظر جلال الدين أن المغول سيقضون الشتاء قبل مهاجمته، فيسمح له ذلك بتجهيز نفسه لصدهم، فاجأه جيش المغول وهو في أضعف حال لم يتمكن بعد من استجماع قوته بعد هزيمته الأخيرة وطول استنزاف، فما أن اجتاز المغول نهر جيحون حتى اجتاحوا الأقاليم الغربية من الدولة الخوارزمية واستولوا على الري وهمدان وحتى أذربيجان، فلم يتمكن جلال الدين من مواجهة هذا السيل الجارف وفر منهم إلى تبريز ثم إلى سهل موقان المجاور للساحل الغربي من بحر قزوين.

وانتهى الأمر بجلال الدين إلى حفر خندق عميق يحيط به في مكان تمركزه بجانب قلعة شير كبود في موغان، لكنه في منتصف الليل تسلل المغول إلى معسكره فهرب من بينهم واتجه نحو نهر أرس. وأرسل رسله ليحذروا بقية الأمراء والملوك من خطر المغول، بينما واصل هو فراره من مدينة إلى أخرى والمغول يطاردونه فأظهر مهارات عجيبة في الخلاص منهم.

نهاية جلال الدين خوارزم شاه

وفي هذه الأثناء تمكن جلال الدين من جديد من جمع شتات جيشه واستقر مؤقتًا في ماهان – أورومية أين قضى شتاء 628هـ/1231م في ضيافة عز دين صاحب قلعة شاهق الذي أحسن استقباله وخدمته وجلب الأخبار له إلى أن كشف أمره المغول، وتزامن ذلك مع خيانة وزيره الملك الأشرف له الذي سرعان ما ندم وعاد يحمل كفنه يطلب الصفح، ويرى بعض المؤرخين أن هذا الوزير كان سبب الكثير من المصائب التي جرت في ذلك الزمان، وأنه لم يكن يتميز بالكفاءة التي تجعله يسجل أحداثًا تاريخية أجدر وإنجازات تليق. لكنه فر إلى مصر وبقيت وعوده بالعودة بالمدد مجرد حبر على ورق.

وتحرك جلال الدين وغير موقعه ثم استنجد بالخليفة العباسي وأمراء ديار بكر وخلاط ومدن الجزيرة لكنهم لم يستجيبوا له بسبب خشيتهم من أن ينقلب عليهم لاحقًا، وذكر النسوي أن جلال الدين كان يتوقع ذلك منهم لكنه أراد أن يثبت لقادة عسكره ومستشاريه أن هؤلاء الأمراء والملوك مجرد أعداء يدعون الصداقة! وكان كل منهما يحمل على الآخر، ويقال إن جلال الدين كان ناقمًا على علاء الدين كيقباد؛ حيث إنه حثّه ضد الملك الأشرف الأيوبي على تسخير أخلاط ثم انقلب عليه وتحالف مع الملك الأشرف وقاتلا السلطان فهزماه!

وفي تلك الأوقات الحرجة كان المغول يتقدمون باتجاه ديار بكر وآمد باتجاه السلطان جلال الدين، ولم يدّخر فيها جلال الدين جهدًا في الجمع والبحث ونصب الخطط لكن الخيانة والجبن وضعف المشورة كان يفاجئه، وفشلت خطط جلال الدين في الذهاب إلى أصفهان واتجه بدلًا من ذلك إلى آمد بديار بكر، فقطع عزمه حصار المغول لجيشه وتسللهم بينهم، فقرر الانفصال عن جنده والفرار على أن يشغل جنده المغول فنجحوا في ذلك ثم فروا إلى أصفهان واستقروا فترة حتى غلبهم المغول من جديد وأسروا قائدهم.

أما السلطان مع قلة معه ففر للبحث عن ملجأ ولكنه أخطأ المشورة مرة أخرى حين وثق من جديد في خاله أوترخان الذي سبق أن خذلته مشورته في اختيار الطرق، فتسلط عليهم اللصوص ثم هرب خاله في مشهد خيانة مؤسف، ليتركه لمصيره حيث أحاط به المغول في مفترق طرق، لكن جلال الدين تمكن من الإفلات منهم بينما قُتل وأُسر من كان معه، وانطلق جنود المغول من جديد يطاردون السلطان جلال الدين، حتى تمكن من قتل عدد منهم والتخلص من مطاردتهم ثم قفلوا عائدين يائسين من الإمساك به.

وانتهت خطوات السلطان إلى ميافارقين، ولما وصل إلى قرية بالقرب في جبال كردستان بقي هائمًا على وجهه لا يدري أين يذهب، فلقيه رجل كردي من المنطقة فقصّ عليه جلال الدين خبره وأعلمه بمن يكون، وطلب مساعدته مقابل جزاء سخي، فاستجاب له الكردي وأخذه لبيته لكنه عندما خرج ليجمع الخيل والعدة لجلال الدين دخل على السلطان كردي آخر صاحب الأول، كان قد قُتل أخوه في معركة مع جيش الخوارزميين، فعرف السلطان وانقض عليه وقتله بحربة كانت في يده، لفظ معها آخر سلاطنة الدولة الخوارزمية أنفاسه الأخيرة في شهر شوال من عام 628هـ (1231م).

وذكرت روايات أخرى لمقتله مع اختلاف في التفاصيل منها أن قاتليه كانوا لصوصًا من الأكراد. فكانت مدة سلطنته نحو اثنتي عشرة سنة، وسقطت بمقتله الدولة الخوارزمية للأبد.

أبناء جلال الدين خوارزم شاه

كان لجلال الدين العديد من الأبناء حيث يعرف له ابن أول قتله جنكيز خان بيديه في معركة نهر السند لا يتجاوز الثامنة من عمره، ثم ابن ثان من زوجته التي تزوجها بعد عودته من الهند وهي أخت شهاب الدين سليمان شاه حاكم أيوه، لكنه قتل أيضًا؛ حيث يقال إن مرضعة ابنة جلال الدين كانت أمها ابنة أتابك فارس قد سمته وأهلكته. ويقال إن له ابن آخر من جارية، اسمه دوشي لكنه توفي في حادثة عجيبة لذلك لم يخلفه أحد، وكان له أيضًا ابنة من بنت الأتابك سعد.

تقدير البطولة

رغم الخلافات التي كانت بين جلال الدين خوارزم شاه والعديد من حكام الإمارات والممالك الإسلامية التي وقعت تحت هجماته، إلا أنهم كانوا في صميم أنفسهم يكنون له الاحترام لما أبداه من بطولات خارقة أمام المغول ومن إخلاص في حفظ سلطانه واسترجاع دولته، ومما يدل على ذلك أن بعد وفاة جلال الدين أرسل الملك المظفر صاحب ديار بكر شخصًا إلى المنطقة التي كان السلطان قد قُتل فيها، فجمع كل ما يتعلق به من جواده الأصيل بسرجه وسلاحه وسيفه المشهور والعودة التي كان يربطها في وسط شعره حيث شهد معارفه منهم أمير الاصطبل أنها له، ثم حمل الملك المظفر عظام جلال الدين ودفنها.

وإن في ذلك لدلالة على أهمية البطولة في سير الرجال، فعندما تقرأ سيرة بطل من أبطال الإسلام حمل من العزة والشجاعة والقوة ما تعجز الأقلام عن إيفائه حقه من الوصف، تتلاشى كل أخطائه وكل نقائصه، ذلك أن البطولة مجد يلقي بظلاله في سيرة الرجل على امتداد الأزمنة والعصور. فحري أن نحارب الضعف بالبطولة وأن نمسح النقص بالبطولة فما رأيت مثلها في تاريخ الرجال.

وقد أعقب موت جلال الدين العديد من الشائعات والأساطير تعكس درجة حاجة المسلمين لبطولاته، وعدم استسلامه لخبر مقتله الذي بقي لغزًا لمدة 30 سنة، يمنون أنفسهم بأنه يجمع العدة للقتال من جديد لينقذهم من المغول، وبقي آخرون يعتقدون أنه لم يقتل وتخفى وطوى أرض الكرد حتى مماته. مما يدل على عظيم أثر الرجل في نفوس الناس، وحتى في نفوس المغول الذين كانوا يفزعون لخبر ظهور شبيه له، فلا يهدأ بالهم حتى يتأكدوا من حقيقة الخبر ويقضوا على من يشتبه به.

أسباب هزيمة جلال الدين

لم ينهزم جلال الدين أمام المغول بسبب أخطائه فحسب بل تداخلت الكثير من العوامل التي تسببت في ذلك من تراكم أخطاء والده وجدته ومن طمع القادة وسوء التدبير وأخطاء الأعوان وعصيان الوزير ونزاع الأخ وفرقة الملوك والأمراء وتنافسهم ثم انحدار مملكته في الاستهانة بشرب الخمر في آخر أيامها والجرأة على سفك الدماء المعصومة.

ومن العدل القول إنه ليس سهلًا أن يخرج جلال الدين بعد كل هذه الأهوال التي مرت عليه بدون أخطاء، وأن يحقق انتصارات تعلقت بها قلوب المسلمين رغم انطلاقه من العدم بعد وفاة والده، ومع ذلك فقد أثبت جسارته وذكاءه في اتخاذ القرارات الصائبة في أحلك الظروف وفي قلب الخذلان. ومهما بلغت الخلافات بينه وبين الممالك الإسلامية ما كان يجدر بالعقلاء إلا التنازل والوحدة فهي سبيل الخلاص الوحيد أمام المغول.

ورحل جلال الدين خوارزم شاه وانتهى كابوس المغول، لتبدأ مرحلة مظلمة في تاريخ العالم الإسلامي حيث اجتاح هؤلاء المغول بقيادة هولاكو حفيد جنكيز خان بغداد وحلب ودمشق، وحصلت مجازر يعجز القلم عن وصف فظاعتها، وسقطت الخلافة العباسية، ولكن الله ادّخر لهذه الأمة بطولات أخرى مبهرة انبعثت معها الأمة من جديد رغم هول المصاب والكارثة. ذلك أنها أمة منصورة.

9850

المصادر
الكاتب

د. ليلى حمدان

كاتبة وباحثة في قضايا الفكر الإسلامي، شغوفة بالإعلام وصناعة الوعي، صدر لي 10 كُتب حتى الآن (نجوم على الطريق، صفحات من دفتر الالتزام، إليكِ أنتِ، قبس من خاطر، أمريكا التي رأيت، قراءات مختصرات، المختصر في الملاحم والفتن، خربشات على جدار الصمت، القطوف (صيد المقالات) وصناعة الهمة).

التعليقات

  • Khalid Hashimi منذ 5 أشهر

    أمثال السلطان جلال الدين منكبرتي هم الذين تحتاجهم أمتنا، قرأت عنه كثيراً والسبب أنني بحثت في تاريخ امتنا المجيدة

    رد
  • Khalid Hashimi منذ 5 أشهر

    أمثال السلطان جلال الدين منكبرتي هم الذين تحتاجهم أمتنا، قرأت عنه كثيراً والسبب أنني بحثت في تاريخ امتنا المجيدة عن احداث مشابهة لما نعيشه اليوم من تشرذم وتفكك وضياع فلم أجد فترة شبيهة بالتي نعيشها اليوم مثل فترة الغزو المغولي على بلاد الإسلام منذ عام 617هـ وحتى القضاء عليهم في عين جالوت سنة 658هـ
    وسيرة السلطان جلال الدين من السير التي تدهشك فتتخيل أنك تقرأ عن أسطورة أو خارقة من خوارق ما وراء الطبيعة، فلك أن تتخيل أن رجلاً كان يحمل جميع أعباء الأمه على ظهره وحده، يحمل خذلان الخليفة العباسي النائم على كرسي الخلافة في بغداد ويحمل ضعف وخنوع قادة الممالك الإسلاميه المجاورة من حوله ويحمل هم غدر الجيران (الكرج) ويحمل هم مكر وتدبير جماعة الحشاشين الإسماعيلية وكيفية التصدي لهم، ويحمل هم الرعب النفسي الذي ألقي في نفوس المسلمين من جراء غزوات المغول البربرية ويحمل فوق ذلك سياسات أبيه السلطان علاء الدين خوارزمشاه الخاطئه التي ساهمت بشكل كبير في تدمير الدولة الخوارزميه والتعجيل بسقوطها
    كل هذه الهموم كان السلطان جلال الدين منكبرتي يحملها على ظهره وهو يمتطي صهوة جواده متوجهاً لقتال أعتى قوة عسكرية في العالم آنذاك ورغم كل هذا ينتفض السلطان كالأسد الهصور في كل معركة يقودها ضد جحافل المغول وكل مرة يثبت أنه رجل من طراز نادر لم يقدره المسلمون آنذاك حق قدره

    هذا السلطان كان يمكن لولا الظروف التي أبتلي بها ان يسير بالتاريخ الإسلامي مساراً آخر ولكنه ظلم كثيراً وهو نفسه لا نبرؤه من الأخطاء فقد أخطأ عندما حارب الجميع وأخطأ عندما لم يوحد كلمة المسلمين للجهاد تحت رايته وسفك الدماء ونهب المسلمين انفسهم مما جعل الكثيرين يكرهونه ولا يحبونه
    ولكن في كل الأحوال يبقى جلال الدين خوارزمشاه علامة فارقة في تاريخنا الإسلاميه لم نقدرها بعد الآن حق تقديرها ولم نعطها حجمها الكافي من الدراسة والبحث ويقيني أن هذا الرجل كان يملك كل مقومات النهوض بالدولة الإسلامية ثانية وتوحيدها لولا إفتقاده للقادة الأوفياء ولولا تعرضه للخيانة من أقرب المقربين إليه، تظل سيرته مصدر إعجاب كما اعجب به جنكيز خان من قبل في معركة نهر السند

    رد
  • ايمن منذ 3 أشهر

    اريد مزيد من كتب التاريخ بهذا الاسلوب الشيق

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.