لعبت دولة السلاجقة العظمى دورًا تاريخيًا حاسمًا في القرنين الخامس والسادس الهجريين، حيث تمكنت هذه الدولة الإسلامية من حفظ سلطان الدولة العباسية السنية أمام منازعة الدولة العبيدية الشيعية لها في مصر والشام، وخلصتها من سطوة البويهيين الشيعة الذين جثموا على صدور العباسيين وسيطروا عليهم مستغلين حالة ضعفهم.

كما ساهمت في توجيه الأحداث السياسية في المشرق الإسلامي بشكل بارز، وفي رسم سياسة توسعية باتجاه العالم النصراني، لنشر العقيدة الإسلامية [1].

وشكلت حصنًا منيعًا أمام الغزوات الصليبية الغربية، ولقنت دروسًا عظيمة للجيوش البيزنطية ومرتزقتها، واستمرت كذلك لعقود إلى انهيارها، ويكفي دلالة على دورها المصيري، النظر إلى تاريخ أول حملة صليبية على بلاد المسلمين في الشرق، حيث انطلقت في عام 491 هـ بأوامر من البابا أوربان الثاني في كليرمونت جنوب فرنسا من أجل انتزاع القدس وعموم الأراضي المقدسة من أيدي المسلمين وذلك بعد نحو 6 سنوات فقط من وفاة سلطان السلاجقة ملكشاه بن ألب أرسلان في عام 485 هـ أي بعد أن دخلت الدولة السلجوقية في مرحلة الانهيار والتنازع والانقسام مباشرة بعد وفاته.

كما لا ننسى إنجازات الدولة السلجوقية الفكرية وتقدمها في كثير من علوم الحضارة، وازدهار الحركة العلمية في عصرها حيث نشط العلماء في دحض شبهات الفرق الشاذة والمنحرفة والمبتدعة كالرافضة والإسماعيلية بالتوازي مع الجهود العسكرية في القضاء عليهم، مما ساهم في تقوية صف أهل السنة.

كما لمعت خلال حكمهم نجوم أسماء العديد من العلماء منهم أبو إسحاق الشيرازي وأبو حامد الغزالي وعبد الملك الجويني وغيرهم.

وبلغ أكبر امتداد لدولة السلاجقة العظام في عصرها الذهبي في عصر السلطان ملكشاه حيث حكم السلاجقة من حدود الصين شرقًا إلى البحر المتوسط غربًا، وضمت أقاليم ما وراء النهر وإيران وآسيا الصغرى والعراق والشام، وخضع لها قياصرة الروم فدفعوا الجزية المفروضة عليهم بشكل سنوي دون إخلاف أو تسويف، لكن كثرة التنازع على الملك بعد وفاة ملكشاه تسببت في تقلص رقعة الدولة السلجوقية وانقسامها.

ثم لابد أن نشير إلى أن السلاجقة انقسموا إلى عدة فروع رئيسة وهي:

  • السلاجقة العظام: وهم طغرلبك، وألب أرسلان، وملكشاه، حيث استقرت وازدهرت الدولة في عصورهم، وبعض المؤرخين أضاف لهم أبناء ملكشاه بركياروق ومحمد وسنجر أحمد رغم كثرة التنازع في عصرهم وتسلل الضعف لأركان الدولة.
  • سلاجقة العراق: وهم أمراء السلاجقة الذين سيطروا على العراق والري وهمذان وكردستان واستمر نفوذهم من سنة (511هـ- 1117م) إلى سنة (590هـ- 1194م) وانتهى عصرهم بتمكن الخوارزميين من القضاء عليهم.
  • سلاجقة كرمان: تركز نفوذهم في الجنوب الشرقي لفارس وفي بعض مناطق الوسط سنة (433هـ- 1042م) واستمر حتى سنة (583هـ- 1187م) وانتهى عصرهم بقضاء التركمان عليهم.
  • سلاجقة الشام: تمركز نفوذهم في المناطق التي استولى عليها السلاجقة من العبيديين أو الروم في الجزيرة والشام وانتهى نفوذهم سنة (511هـ- 1117م) على أيدي أتابكة الشام والجزيرة.
  • سلاجقة الروم: تمركز نفوذهم في أراضي الروم التي فتحها السلاجقة في آسيا الصغرى واستمر نفوذهم حتى سنة (700هـ- 1301م) وانتهى عصرهم بصعود العثمانيين الذين قضوا عليهم.

ونسافر الآن مع قصة البداية والنهاية منذ قيام دولة السلاجقة العظام إلى غاية سقوطها، لنستخلص العبر ونستلهم الدروس، (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ).

الواقع قبيل قيام الدولة السلجوقية

كان العالم الإسلامي يعيش حقبة التنازع بين الخلافة العباسية السنية في بغداد، والدولة العبيدية الشيعية في مصر والشام، ثم الدولة الأموية السنية في قرطبة بالأندلس، كما برزت على ساحة العالم الإسلامي دولًا أخرى كان أبرزها، الدولة الغزنوية في بلاد ما وراء النهر والهند والدولة السامانية الفارسية.

وعانت كل هذه المكونات لمشهد الواقع، قبيل قيام الدولة السلجوقية، من الاضطرابات الداخلية والخارجية والتي انتهت إلى تهيئة الأرض لظهور الدولة السلجوقية على مسرح الأحداث مع كل يوم تزداد فيه قوة.

ومما يجدر تسجيله هنا أن دولة السامانيين (204 – 395 هـ)، والتي ينحدر مؤسسوها من أسرة فارسية عريقة. وموطن أهلها الأصلي مدينة بلخ، قد دخلت في مرحلة الضعف والانهيار للدولة، منذ منتصف القرن الرابع الهجري، وانقسمت الأسرة السامانية الحاكمة، وتزامن هذا الضعف مع صعود البويهيين الشيعة والذين كانوا قد تمكنوا من العراق، وتطلعوا للسيطرة على أملاك الدولة السامانية، واشتبك الطرفان في سلسلة حروب شرسة انتهت بسقوط الدولة السامانية، فتقاسم تركتها ما وراء النهر القرخانيون وما تبقى ملكه الغزنويون.

أما الدولة الغزنوية (351 – 582 هـ) فأصل تسميتها من مدينة غزنة إحدى مدن أفغانستان أسسها سبكتكين بعد أن تولى منطقة غزنة من قبل السامانيين ثم مد سلطانه في الشرق وضم إليه خراسان سنة 384 هـ مكافأة له من الدولة السامانية على قمع حركات الخارجين عليها في بلاد النهر وقتاله للبويهيين الذين رغبوا في الاستيلاء على خراسان من أملاك السامانيين.

لكن طموحات سبكتكين اتجهت به نحو الهند فانطلق نحو الحدود الهندية وفتح القلاع وحفر الملاحم البطولية، فتمكن في الأرض وملك السلطان وخلفه من بعده ابنه محمود بن سبكتكين الغزنوي الذي عظم أمره مسطرًا سيرة بطل فاتح من كبار الفاتحين وذاع صيته في الآفاق لبطولاته وفتوحاته.

وفي ظل هذه المعطيات ظهر السلاجقة.

أصل السلاجقة

أسس السلاجقة دولتهم في القرن الخامس الهجري فكان لها الأثر البالغ في تغير الأوضاع السياسية في العالم الإسلامي. ولكن اسم السلاجقة ظهر لأول مرة تاريخيًا منذ أواخر القرن الرابع هجري (العاشر الميلادي).

وينحدر السلاجقة من قبيلة “قنق” التركمانية، وتشكل مع ثلاث وعشرين قبيلة أخرى من القبائل التركمانية ما يعرف بقبائل “الغز” [2] وكانت مواطنهم الأولى في منطقة ما وراء النهر وهي تركستان اليوم، وهي مساحة ممتدة من هضبة منغوليا وشمال الصين شرقًا إلى بحر الخزر (بحر قزوين) غربًا، ومن السهول السيبيرية شمالًا إلى شبه القارة الهندية وفارس جنوبًا.

وفي النصف الثاني من القرن السادس ميلادي، تحركت هذه القبائل باتجاه آسيا الصغرى في أسراب ضخمة مهاجرة، واختلفت الروايات التاريخية في تحديد سبب هذه الهجرة، فمنها من أرجعتها لأسباب اقتصادية بحثًا عن مصادر للعيش الكريم ومنها من فسرتها بأسباب سياسية، بحثًا عن الاستقرار والأمن.

واستمرت تلك القبائل المهاجرة في التوجه غربًا، ونزلت بالقرب من شواطئ نهر جيحون ثم استقرت بعض الوقت في طبرستان، وجرجان[3]، فأصبحت بمحاذاة الأراضي الإسلامية التي فتحها المسلمون بعد معركة نهاوند وسقوط الدولة الساسانية في بلاد فارس سنة 21ﻫ – 641م.

وبدأت قصة السلاجقة من جدهم دقاق الذي خدم مع أسرته أحد ملوك الترك، يعرف باسم بيغو [4]، وكان دقاق بمثابة شيخ قبائل الأتراك الغز، يأتمرون بأمره ويمضون بوصيته، وظهرت عليه أمارات القيادة الفذة، فأشعلت هذه الصفات نيران المكر في قلب زوجة الملك، وأوغرت صدره عليه لكي يقتله فلا يكون له منافسًا في يوم ما، خاصة مع تزايد شعبية دقاق وإقبال الناس عليه، فبلغ مسامع الأخير الخبر، فجمع كل من معه ورحل إلى دار الإسلام وأقام بنواحي جند قريبًا من نهر سيحون، حيث أعلن سلجوق إسلامه وأعلن الجهاد على الكفار الترك.

واستمر سلجوق كذلك إلى أن توفي في جند، وأكمل أولاده مسيرته من بعده في غزو الترك الوثنيين وحماية ثغور المسلمين، وقد تمرسوا فنون القتال والغزو فازدادت قوتهم وتوسعت أراضيهم وكسبوا احترام الحكام المسلمين المجاورين لهم ولا شك أن مقابل هذه الانجازات كان هناك التضحية والصبر والإصرار الذي غذى الرغبة في إقامة دولة لهم، وهذا ما تحقق بالفعل في عام 429ﻫ.

الصراع الغزنوي السلجوقي

بعد سقوط الدولة السامانية ارتفع ذكر الدولة الغزنوية، وهي دولة ذات آثار جليلة تستوجب تأليفًا منفردًا، ولمع نجمها بشكل لافت في عصر السلطان محمود الغزنوي الذي تمكن من توسيع حدود دولته فامتدت من شمال الهند في الشرق إلى العراق في الغرب، ومن خراسان وطخارستان وجزء من بلاد ما وراء النهر في الشمال إلى سجستان في الجنوب، وكانت مدينة لاهور مقرًا لحكمه في الهند حيث عين نائبًا له هناك.

لكن قوة السلاجقة في بلاد ما وراء النهر بدأت بالتعاظم في بداية القرن الخامس الهجري مما آثار مخاوف السلطان محمود الغزنوي وقرر في سنة 415ﻫ أن يكبح جماح السلاجقة فعبر نهر جيحون لمقاتلتهم، ونجح في القبض على زعيمهم أرسلان وولده قتلمش وعدد من كبار أصحابه ثم بعث بأرسلان إلى الهند وسجنه هناك حتى قضى نحبه بعد أربع سنوات من السجن [5].

وفي عام 419ﻫ خرج السلطان محمود لقتال السلاجقة مرة أخرى وأنزل بهم هزيمة ساحقة [6] حفظت سلطان دولته من تهديد دولة ناشئة.

وكان السلطان محمود الغزنوي الذي توفي سنة 421هـ – 1030م، صاحب سيرة عظيمة اشتهر بحبه للعمل والتقّرب إلى الله بحمل راية الدعوة وبث روح الجهاد والاستشهاد في جنده، ونشر السنة، وقمع البدع وما كان يتحلى به من قيم إسلامية مثلى كان لها أعمق الأثر في ازدهار مملكته والتفاف الناس حوله في محبة وتفان ووفاء [7].

وقد وصفة ابن كثير بالملك العادل الكبير المثاغر. المرابط المؤيد المنصور المجاهد يمين الدولة أبو القاسم محمود بن سبكتكين صاحب بلاد غزنة وتلك الممالك الكبار، وفاتح أكثر بلاد الهند قهرًا، وكاسر بُدودِهم، وأوثانهم كسرًا، وقاهر هنودهم وسلطانهم الأعظم قهرًا [8].

معركة دندانقان وقيام السلطنة السلجوقية

لم يهدأ السلاجقة بعد الهزيمة التي نالت منهم على يد الغزنويين فظلوا يتحينون الفرصة للثأر ولم يتحقق لهم ذلك إلا بعد وفاة السلطان محمود وتولية ابنه مسعود بمهام السلطنة عام 421 ﻫ، فأحرزوا انتصارات كبيرة على جيوشه، ومع ذلك عرضوا عليه الصلح والدخول في طاعته فقبل منهم، ومنح زعماءهم الإمارات والولايات، وكان سخيًا جوادًا معهم، ولكن في نفس الوقت دفعته المخاوف من ازدياد قوتهم إلى تكليف عامله على خراسان سنة 429 ﻫ بقتالهم فاقتتلوا قرب مدينة سَرخس.

وتحول السلاجقة في نفس العام بقيادة زعيمهم ظفر بك نحو نيسابور حيث بسط نفوذه عليها وأعلن نفسه سلطانًا على السلاجقة وجلس على عرش السلطان مسعود الغزنوي.

فاستثار هذا التصرف مسعود الذي زحف بجيوشه نحو خراسان واشتبك مع السلاجقة بمعركة حاسمة في مكان يعرف باسم دَنَدانقان، وكانت هذه المعركة إحدى المعارك الكبرى الفاصلة في التاريخ الإسلامي ونقطة النهاية لدولة الغزنويين حيث هزموا فيها هزيمة كبيرة، وكان ذلك عام 431 ﻫ، توفي بعدها بعام فقط أي في عام 432 السلطان مسعود، فخلفه ابنه مودود ولكن الغزنويين ضعفوا ضعفًا شديدًا بعد خسارتهم لجيوشهم والعديد من ممتلكاتهم. وهزم مسعود نفسيًا وعسكريًا فلم يقدم على أية مقاومة وانسحب تمامًا إلى الهند. وانتهى اسم دولته بعد أن استولى الغوريون على أملاكها هناك سنة 582 ﻫ.

بينما سجلت معركة دَنَدانقان بالنسبة للسلاجقة نقطة ميلاد لأكبر قوة في خراسان وتم تنصيب طغرل بك سلطانًا وتمت مبايعته. ثم ما لبث أن أرسل السلطان الأول للدولة السلجوقية رسائل إلى أمرائه المجاورين له يعلمهم بخبر انتصاره وتسلطنه. وطاردت قواته الغزنويين المنهزمين إلى غاية شواطئ نهر جيحون لإجبارهم على الهرب إلى ما وراء النهر.

وتقاسم قادة السلاجقة الأرض، واستفرد كل قائد بمملكته وكان هدفهم الإحاطة بالسلطنة الغزنوية ومنعها من محاولة استعادة خراسان ثم تأمين فتح طريق جيحون من أجل قدوم مهاجرين غز جدد [9].

وساهمت الغنائم التي حصلوا عليها من معركة دندانقان لكثرتها في تمديد توسعهم، وكلما ازدادت قوتهم كلما التحقت بهم جيوشهم المتفرقة من أطراف خراسان وأضحت قوتهم مضرب الأمثال.

كل ذلك دفع الأخوان جغري بك وطغرل بك للاجتماع مع عمهما موسى بن سلجوق المعروف باسم بيغو وأبناء أعمامهم وكبار السلاجقة وقاداتهم، وتعاهدوا على الاتحاد معًا، يقول الراوندي: “ولقد سمعت أن طغرل بك أعطى لأخيه سهمًا وقال له: اكسره. فتناول أخوه السهم وكسره في هوادة، ثم جمع له سهمين فكسرهما أيضًا في هوادة ثم أعطاه ثلاثة فكسرهما بصعوبة، فلما بلغ عدد السهام أربعة تعذر عليه كسرها، فقال له طغرل بك: إن مثلنا مثل ذلك فإذا تفرقنا هان لأقل الناس كسرنا وأما إذا اجتمعنا فلا يستطيع أحد أن يظفر بنا، فإذا نشأ خلاف بيننا لم يتيسر لنا فتح العالم، وتغلب علينا الأعداء وذهب الملك من أيدينا”[10].

وجدد السلاجقة العهد لطغرل بك كقائد أعلى لجيوشهم وسلطان لهم على دولتهم، مع أن أخوه جغري بك كان أكبر سنًا إلا أن طغرل بك تميز بشجاعته النادرة وقوة شخصيته مع تدين ملحوظ وذكاء حاد.

وباجتماع السلاجقة على زعامة طغرل بك، باشر مهامه السياسية والقيادية والإدارية لأول مرة في عام 429 ﻫ وسجل هذا التاريخ محطة البداية الفعلية لقيام الدولة السلجوقية في خراسان، واعترف به الخليفة العباسي في عام 432 ﻫ، وإن جاء الاعتراف متأخرًا إلا أنه يبقى اعترافًا شكليًا كون الخلافة في ذلك الزمان كانت تعاني الضعف ولا تملك قوة مادية تسمح بفرض أي قرار، وهذا ما يجعل الخليفة يعترف بالسلطان المنتصر والدولة المنتصرة سواء أراد ذلك أو لم يرده فهو خاضع للأقوى [11].

ومع تمكن السلطان السلجوقي توجهت أنظاره باتجاه العراق، وحاضرة الخلافة العباسية بغداد من جهة لبسط نفوذ دولته وتوسعها، ومن جهة أخرى لإنقاذ الخلافة والمذهب السنيَّ من السيطرة البويهية الشيعية [12].

الدولة السلجوقية في عصر مؤسسها طغرل بك

طغرل بك على العملة التركمانستانية.

هو السلطان أبو طالب محمد بن ميكائيل بن سلجوق التركي الملقب بـ “طغرل بك”، وكان هذا السلطان طوق نجاة للخلافة العباسية، حيث عمل على تقوية نفوذ الدولة السلجوقية بشكل مبهر حتى رجحت بقوتها كفة أهل السنة وأعادت الاعتبار لخلافتهم.

وكان أساس قوتها ابتداء من الفتوحات التي شملت كل من خراسان وكرمان وأذربيجان وهمدان وجرجان. التي تقاسمها كبار السلاجقة بينهم، وكانت بلخ من أقوى مراكزهم في الشرق ونيسابور في الغرب ومن هذين المركزين أخذ نفوذهم في الانتشار والتوسع وقد اختار طغرل بك مدينة الري لتكون حاضرة ملكه.

ولعب تنظيم إدارة الدولة دورًا أساسيًا في نجاحها وتوسعها، حيث تم تقسيمها بشكل أقاليم وعيّن على كل أقاليم حاكم من البيت السلجوقي لقب باسم شاه وملك، في حين حمل السلطان الأكبر للدولة لقب سلطان. وعمد طغرل بك إلى إشباع حاجات الأمراء، فأعطى لكل رأس سلجوقي أرضًا وجيشًا ووزراء وحجاب ومساعدون. لكن هذا الخيار كان له تداعيات كارثية مع انهيار الدولة حيث تنازع الأمراء الملك واشتعل القتال بينهم.

وشهدت الدولة السلجوقية في عصر طغرل بك تكريمًا كبيرًا للعلماء وشيوخ الصوفية، وكان لذلك تأثيرًا واضحًا على حضارة السلاجقة في كل أرض ملكوها.

ونحج طغرل بك في السيطرة على فارس والعراق حيث توجه إليهما على رأس جيش كبير في عام 433 هـ، فهزم الديالمة الذين كانوا يسيطرون آنذاك على معظم أجزاء بلاد فارس والعراق بسبب ضعفهم ونزاعهم الداخلي المستمر، فانتصر السلاجقة عليهم في جميع حروبهم معهم، وأنهوا حكمهم، وسيطروا على أملاكهم، ثم توجه طغرل بك إلى خوارزم ففتحها في عام 432 هـ، ثم سيطر على كل ما يجاورها وأصبح السلاجقة أكبر قوة في بلاد فارس وما وراء النهر.

وتوالت السيطرات السلجوقية فضموا الري إلى سلطانهم والتي تحولت إلى عاصمة لدولة طغرل بك. وخضعت مع هذا التمدد جميع الأقاليم الغربية من بلاد فارس، وأصبحت قزوين وأبهر وزنجان وهمذان وأذربيجان تحت سلطان الدولة السلجوقية. ومع فتح كرمان في عام 443 هـ، انتهت دولة الديالمة.

وبعد أن تمت للسلاجقة السيطرة على كامل بلاد فارس وأصبهان توجهت جيوشهم نحو الأناضول. وفي سنة 440 غزا إبراهيم ينال – أحد قادة السلاجقة- الروم وانتصر عليهم وغنم الكثير.

وتسجل الروايات التاريخية في عصر طغرل بك انتصارات كبيرة على الروم والأبخاز وأسر العديد من جنود الروم وحتى قاداتهم. كان منهم ملك الأبخاز الذي فدا نفسه بثلاثمائة ألف دينار وبهدايا قُدر ثمنها بمئة ألف ولكن لم يقبل ذلك منه [13]. واستمر إبراهيم ينال يغزو تلك البلاد ويجمع غنائمها حتى لم يبق بينه وبين القسطنطينية سوى خمسة عشر يومًا.

واستفادت كثيرًا دولة السلاجقة من هذه الانتصارات فأضحت بعدها أكبر قوة في العالم الإسلامي وذلك في عام 447 هـ وكان السلاجقة حينها قد بسطوا حكمهم على بلاد فارس وتغلبوا على الغزنويين والبويهيين، وتوغلوا داخل الأراضي البيزنطية وقاتلوا جيش الروم، فكانت هذه التطورات دفعة أمل كبيرة ورد اعتبار للعالم الإسلامي بعد امتهان الروم للخلافة العباسية الضعيفة.

وبفضل جهود السلاجقة، تخلصت الخلافة العباسية من النفوذ البويهي الشيعي في إيران والعراق ومن النفوذ العبيدي في مصر والشام. حيث استطاع طغرل بك من إسقاط الدولة البويهية عام 447 هـ، في بغداد، وأن يقضي على الفتن، كما أزال من على أبواب المساجد سب الصحابة وقتل شيخ الروافض أبا عبد الله الجلاب. وتزامن قضاء السلاجقة التام على البويهيين التصدي للعبيديين.

وبعد هذه الانتصارات والإنجازات دخل طغرل بك بغداد واستقبل استقبالًا عظيمًا وخلع عليه الخليفة خلعة سنية وأجلسه إلى جواره وأغدق عليه ألقاب التعظيم. ونقش اسمه على العملة وذُكر اسمه في الخطبة في المساجد، وهكذا حل السلاجقة محل البويهيين في السيطرة على أمر بغداد وتسيير الخليفة العباسي بحسب إرادتهم.

وتم توطيد العلاقات بين السلاجقة والعباسيين بشكل أكبر حيث تزوج الخليفة القائم بأمر الله من أرسلان خاتون خديجة ابنة داوود جفري بك، أخ طغرل بك، بينما تزوج طغرل بك من ابنة الخليفة العباسي وكان قد تألم حين طلبها منه، واستعفى فلم يعف، فزوجه بها لكن السلطان السلجوقي ما لبث أن توفي في شهر مضان (455هـ، 1063م). ولم يترك خلفه ولدًا.

وكان طغرل بك عاقلًا حليمًا كثير الاحتمال شديد الكتمان للسر محافظًا على الصلوات والصوم، مواظبًا على لبس البياض وبلغ عمره يوم موته سبعين سنة وكان كثير الصدقات حريصًا على بناء المساجد متعبدًا متهجدًا، ويقول:

أستحي من الله أن أبني دارًا ولا أبني بجنبها مسجدًا.

الدولة السلجوقية في عصر القائد البطل ألب أرسلان

بعد وفاة السلطان طغرل بك اجتمع الأمر على السلطان الكبير، والملك العادل، أبو شجاع ألب أرسلان، محمد بن السلطان جغر بك داود ميكائيل بن سلجوق بن تُقاق ابن سلجوق التركماني، الغُزَّي، من عظماء ملوك الإسلام وأبطالهم [14]، ملك بعد عمه طغرل بك، فسار في الناس سيرة حسنة، كريمًا رحيمًا، شفوقًا على الرعية رفيقًا على الفقراء، بارًا كثير الدعاء، كثير الصدقات، ولا يعرف في زمانه جناية ولا مصادرة، بل يقنع من الرّعايا بالخراج في قسطين، رفقًا بهم[15].

واعتمد ألب أرسلان في الوزارة على نظام الملك، وهو وزير صدق، أتقن عمله وأحسن إكرام العلماء والفقراء وساهم في حفظ وحدة الصف وإخماد الفتن بشكل مبهر.

وشهدت حقبة ألب أرسلان تثبيت أركان حكمه في البلاد الخاضعة لنفوذ السلاجقة، قبل التطلع إلى إخضاع أقاليم جديدة وضمها إلى دولته.

وكان متلهفًا للجهاد في سبيل الله ونشر دعوة الإسلام في داخل الدول النصرانية المجاورة له كبلاد الأرمن وبلاد الروم وفي الواقع، فقد كانت روح الجهاد الإسلامي هي المحركة لحركات الفتوحات التي قادها ألب أرسلان فأصبح قائد السلاجقة زعيمًا للجهاد في العالم الإسلامي وحريصًا على نصرة دين الله ونشره في تلك الديار ونجح في رفع راية الإسلام خفاقة على مناطق كثيرة من أراضي الدولة البيزنطية.

وبقي السلطان ألب أرسلان 7 سنوات يتفقد أجزاء دولته المترامية الأطراف قبل أن يقوم بأي توسع خارجي، وعندما اطمأن على استتباب الأمن وتمكن حكم السلاجقة في جميع الأقاليم والبلدان الخاضعة له أخذ يخطط لتحقيق أهدافه البعيدة، وهي فتح البلاد النصرانية المجاورة لدولته. وإسقاط الخلافة العبيدية في مصر وتوحيد العالم الإسلامي تحت راية الخلافة العباسية السنية ونفوذ السلاجقة، فأعد جيشًا كبيرًا اتجه به نحو بلاد الأرمن وجورجيا فافتتحها وضمها إلى مملكته كما عمل على نشر الإسلام في تلك المناطق.

وأغار ألب أرسلان على شمال الشام وحاصر الدولة المرداسية في حلب، والتي أسسها، صالح بن مرداس على المذهب الشيعي سنة 414 هـ وأجبر أميرها محمود بن صالح بن مرداس على إقامة الدعوة للخليفة العباسي بدلًا من العبيدي سنة 462 هـ، ثم أرسل قائد الترك أتسنسر بن أوق الخوارزمي في حملة إلى جنوب الشام فانتزع الرملة وبيت المقدس من العبيديين، ولم يتمكن من عسقلان التي تعتبر بوابة الدخول إلى مصر وبذلك أضحى السلاجقة داخل بيت المقدس.

ومشى السلطان ألب أرسلان في استراتيجيته التي تعتمد على محورين، الأول: التوسع باتجاه الأراضي البيزنطية، والثاني: طرد العبيديين من بلاد الشام وسد مكانهم ثم استرجاع مصر منهم. ولأجل ذلك قام بخطوات استباقية كان منها حفظ ظهره من تحالف البيزنطيين مع العبيديين وكان ذلك بفتح أرمينية والاستقرار في ربوعها. ثم بدأ مشروعه الثاني هجومه على العبديين.

معركة ملاذ كرد التاريخية

بعد أن توسع السلاجقة في الشام وتمكنوا في نفس الوقت من صد الهجمات البيزنطية، قام ألب أرسلان في عام 463 هـ بحملة كبيرة على الأقاليم النصرانية المجاورة لحدود دولته، وقاد جيشه نحو جنوب أذربيجان واتجه غربًا لفتح بلاد الكرج والمناطق المطلة على بلاد البيزنطيين، وانضم إليه وهو في مدينة مرند في أذربيجان أحد أمراء التركمان ويدعى طغتكين وكان خبيرًا بالغزو في تلك المناطق، واجتاز الجيش السلجوقي نهر الرس في طريقه إلى بلاد الكرج وفصل ألب أرسلان أثناء زحفه قوة عسكرية بقيادة ابنه ملكشاه ووزيره نظام الملك، هاجمت حصونًا ومدنًا بيزنطية، واستمرت فتوحاته الكبيرة في الأراضي الأرمينية.

فخضع لها ملك الكرج وسارع لمهادنة ألب أرسلان ومصالحته على دفع الجزية، وأصبح الطريق بعد ذلك مفتوحًا أمام السلاجقة للعبور إلى الأناضول، فتقدموا وسيطروا على دروب الأمانوس في عام 459 هـ وهاجموا قيصرية حاضرة كبادوكية، في العالم التالي. واستمروا في تقدمهم إلى أن وصلوا نيكسار وعمورية في عام 461 هـ. وإلى قونية في العالم التالي وإلى خونية القريبة من ساحل بحر إيجه في عام 463 هـ. وهكذا فتح ألب أرسلان بلاد الكرج والقسم الأكبر من أرمينية، ليشكل تحديًا لبيزنطة التي دقت طبول الحرب.

فاجتمع ملوك الروم على حرب السلاجقة، وخرج ملك الروم رومانوس في جمع كبير من الروم والروس والكرج والفرنجة وغيرهم من الشعوب النصرانية، حتى قدر ذلك الجمع بثلاثمئة ألف جندي.

ومع أن جيش ألب أرسلان وكل من معه لم يتجاوز 15 ألف جندي، إلا أنه كانت مستعدًا للقاء الروم بعزيمة مبهرة وإقدام قتال. وقال مقولته الشهيرة في وقت لم يكن يمكنه استجلاب المدد من المناطق التابعة له:

أنا أحتسب عند الله نفسي وإن سعدت بالشهادة ففي حواصل الطيور الخضر من حواصل النسور الغبر رمسي، وإن نصرت فما أسعدني وأنا أمسي، ويومي خير من أمسي.

وهجم بمن معه على مقدمة الأعداء وكان فيها عشرون ألفًا معظمهم من الروس، فأحرز المسلمون عليهم انتصارًا عظيمًا وتمكنوا من أسر معظم قوادهم [16].

واجتمع الجمع في يوم الخميس 25 ذي القعدة 463 هـ، للمعركة الفاصلة فلما كان وقت الصلاة من يوم الجمعة صلى السلطان ألب أرسلان بالعسكر ودعا الله تعالى وابتهل وبكى وتضرع. وقال لهم: “نحن مع القوم تحت الناقص، وأريد أن أطرح نفسي عليهم في هذه الساعة التي يدعي فيها لنا وللمسلمين على المنابر، فإما أن أبلغ الغرض وإما أن أمضي شهيدًا إلى الجنة، فمن أحب أن يتبعني منكم فليتبعني، ومن أحب أن ينصرف فليمض مصاحبًا فما هاهنا سلطان بأمر ولا عسكر يؤمر فإنما أنا اليوم واحد منكم، وغاز معكم، فمن تبعني، ووهب نفسه لله تعالى فله الجنة أو الغنيمة ومن مضى حقت عليه النار والفضيحة”، فقالوا : “مهما فعلت تبعناك فيه وأعناك عليه” [17]، فبادر ولبس البياض وتحنط استعدادًا للموت وقال: “إن قُتلت فهذا كفني” [18].

وانطلق القتال بين الطرفين فنزل ألب أرسلان عن فرسه ومرغ وجهه بالتراب وأظهر الخضوع والبكاء لله تعالى وأكثر من الدعاء ثم ركب فرسه وانغمس في الأعداء.

ففتح الله عليه فتحًا مبينًا وقتل السلاجقة من الروم مقتلة عظيمة، وأسروا منهم جموعًا كبيرة، كان على رأسهم ملك الروم نفسه الذي أسره أحد غلمان المسلمين فأُحضِر ذليلًا إلى السلطان [19].

وقد قبل فيه السلطان الفداء، فاشترى نفسه بألف ألف دينار وخمس مئة ألف دينار، وإطلاق كل أسير في بلاده، فأطلق سراحه وبعث معه عدة وأعطاه نفقة توصله، لكن الروم بعد هزيمة قائدهم ملَّكوا آخر، وهو ميخائيل السابع بن قسطنطين العاشر دوقاس، وكان مصير رومانوس المنهزم الاعتقال وسمل عينيه.

ولم يكن النصر في ملاذ كرد نصرًا عسكريًا فحسب بل كان بمثابة دعوة للإسلام، حيث انتشر السلاجقة في آسيا الصغرى عقب المعركة، وضموا إلى ديار الإسلام مساحة تزيد على 400 ألف كم لتنيرها أنوار الإسلام لأول مرة.

وإن كانت معركة اليرموك ونتائجها قررت مصير بلاد الشام فقد قررت معركة ملاذكرد مصير آسيا الوسطى.

وقضت المعركة التي تعد أكبر كارثة حلت بالإمبراطورية البيزنطية حتى نهاية القرن الخامس هجري، قضت على التحالف البيزنطي العبيدي.

وسجل التاريخ غزو ألب أرسلان بلاد الروم مرتين فافتتح قلاعًا وأرعب الملوك ثم سار إلى أصبهان ومنها إلى كرمان وذهب إلى شيراز ثم عاد إلى خراسان وكاد يتملك مصر.

لكن قدر هذا الفاتح المسلم العظيم كان أن يلقى ربه قريبًا بعد نصره في ملاذ كرد، فقد توفي الأسد الشجاع ألب أرسلان في 465 هـ بعد أن غدر به علج يقال له يوسف الخوارزمي كان معتقلًا بين يديه، فضربه بسكين كانت معه في خاصرته، وانتقل ألب أرسلان إلى خيمة أخرى مجروحًا فاستدعى وزيره نظام الملك وأوصى إليه وجعل ولده ملكشاه ولي عهده وكان عمر ألب أرسلان أربعون سنة. وترك من الأولاد ملكشاه وإياز وتكشي وبوري برس وأرسلان أرغون وسارة وعائشة وبنتًا أخرى وقيل توفي عن 41 سنة، ودفن عند والده بالري، رحمه الله.

الدولة السلجوقية في عهد ملكشاه بن ألب أرسلان

وانتقل حكم الدولة السلجوقية إلى يد ابن ألب أرسلان، ملكشاه، وهو السلطان الكبير أبو الفتح ملكشاه بن السلطان ألب أرسلان محمد بن جغري بك السلجوقي التركي، ودبر دولته الوزير نظام الملك تحت وصية ألب أرسلان.

وكان ألب أرسلان والوزير نظام الملك قد أعدا ملكشاه إعدادًا ملكيًا ودرباه تدريبًا سلطانيًا، وعلماه من معين العلم، كما لم يكتف ألب أرسلان ونظام الملك بتدريبه نظريًا على العلوم العسكرية بل أنزلاه ميادين القتال حتى ألفها وتمرسها، ولقناه أصول الحكم وتدبير شؤون الرعايا بالممارسة وليس عن ظهر قلب فحكم كيلان بأمر رسمي من السلطان قبل أن يرث السلطنة.

وتولى ملكشاه السلطنة سنة 465 هـ، وعمره 18 سنة، وتتفق المصادر التاريخية جميعًا على أن نظام الملك الوزير كان له الفضل الأكبر في إرساء دعائم الدولة وانتصاراتها الحربية والفكرية والعقائدية على الباطنية والفلاسفة في عصر ملكشاه، وذلك باهتمامه الكبير بعلماء أهل السنة، ونشر المدارس النظامية في أرجاء الدولة السلجوقية، التي تعد مثالًا رائعًا يقتدى به في بناء الدول وصناعة الأجيال خاصة وأنها أخرجت للأمة كبار القادة منهم عماد الدين ونور الدين زنكي.

وعرف عصر ملكشاه نهضة علمية وعسكرية، فبرع في الحروب وارتفع العمران وانتشرت القناطر وظهرت معالم الحضارة الراقية في كل ربوع مملكته، وأسقط المكوس والضرائب. حتى عده أحد المؤرخين المؤسس الحقيقي للإمبراطورية السلجوقية المترامية الأطراف، ويرجع الفضل في ذلك لنشاط وحنكة وزيره نظام الملك.

وخطب المسلمون في عصره للسلاجقة من أقصى بلاد الترك إلى أقصى بلاد اليمن ومن حدود الصين إلى آخر الشام.

واهتم ملكشاه برعيته أيما اهتمام وأرسى قواعد الأمن والعدل بينهم، وكان يسمع احتياجاتهم بنفسه وإن بعدت المسافة، فقد كان يجوب أرض مملكته ليعاينها بنفسه ويرافقه في ذلك نظام الملك في جميع سفراته وجولاته وهو الذي يدبر الأمور له.

وفي عصر ملك شاه أكمل استراتيجية والده، فبعد أن ثبّت أركان ملكه واستتب الأمر له جميعًا، توجه طرفه إلى بلاد الشام فغزاها، وقضى على الدولة العبيدية، وولى على هذه المنطقة أميرًا سلجوقيًا أخاه تاج الدولة تتش وولاه أيضًا ما يفتحه في تلك النواحي. وأصبح تتش بن السلطان ألب أرسلان يسيطر على الأقاليم الوسطى من بلاد الشام، لكن بقيت المناطق الساحلية تدين بالطاعة للعبيديين.

وأرسل حملة للسيطرة على مصر والتي كانت بدورها تحت حكم العبيديين، فدخل أراضيها حتى وصل القاهرة وحاصرها، لكنه لم يتمكن من فتحها، ورجع إلى الشام.

وظهرت في زمان ملكشاه سلطنة سلاجقة الروم التي أسسها سليمان بن قتلمِش، الذي يعد بحق جد سلاطين آسيا الصغرى، وكانت سلطنته من بركات معركة ملاذ كرد، استقرت في قونية وآقسرا وقيصرية وغيرها من المدن في آسيا الصغرى وكانت تحت سيادة ملكشاه، ومدينة نيقية عاصمة له.

كما توفي في عهد ملكشاه الخليفة القائم بأمر الله العباسي سنة 467 هـ واستلم الخلافة بعده المقتدي بالله، لكن علاقته مع ملكشاه تدهورت كثيرًا، بسبب سوء الفهم بين المقتدي وزوجته خاتون ابنة السلطان ملكشاه، فأرجع الأخير ابنته إلى قصره في موكب عظيم من بغداد، وذلك بعد أن اشتكت له من زوجها الخليفة، ولكنها ما كادت تستريح في بيت والدها حتى فارقت الحياة في نفس السنة، فتمت التعزية بها في أصبهان وبغداد.

وتسبب موتها في إيغار صدر ملكشاه على المقتدي، فبدأ يضغط عليه ويذله وانتهى بطرده من بغداد، ولم يمهله ساعة للخروج منها ولولا تدخل وزير زوجة ملكشاه تركان خاتون، تاج الملك أبي الغنائم لما حصل على 10 أيام ليرتب خروجه.

فلم يجد المقتدي إلا اللجوء إلى الله يدعوه ليل نهار أن يفرج كربه ويخرجه من هذا المأزق فكان يقضي ليله قيامًا ونهاره صيامًا في خشوع وتضرع، وقبل أن تنتهي العشرة أيام، خرج السلطان ملكشاه للصيد لكنه رجع مريضًا بشدة ووافته المنية. فكان موته نجاة للمقتدي الذي تخلص من عار محقق ومأساة واقعة، وكان قد وصل لدرجة ضعف لا يحسده عليها عدو.

وبموت ملكشاه في 15 شوال سنة 485 هـ- 1092 م انقضى العصر الذهبي لدولة السلاجقة العظام وبدأ عهد الانقسامات السياسية والحروب بين ورثة العرش السلجوقي مما أدى إلى تشتيت صفوفهم وإضعاف سلطتهم.

وترك ملكشاه خلفه 4 أبناء ذكور من 3 زوجات، هم: بركياروق من زوجته زبيدة وكان أكبرهم، وابنيه الثاني والثالث، محمد وسنجر من جاريته المملوكة واسمها تاج الدين خاتون السفرية وابنه الرابع وهو أصغرهم، محمود، من زوجته تركان خاتون، فضلًا عن بناته.

الحسن بن الصباح والدعوة النزارية الإسماعيلية الحشيشية

كان أحد أبرز التحديات التي واجهت الصعود السلجوقي، دعوة النزارية الإسماعيلية الحشيشية، أو ما يعرف بالباطنية، ورئيسها الحسن بن الصباح، وتعود جذورها إلى سنة 478 هـ، حيث توفي الخليفة العبيدي المستنصر دون أن يبايع لابنه الأكبر نزار رغم أنه أبدى رغبته في ذلك، وبويع بعده ابنه الأصغر المستعلي بالله، فانشقت بذلك الدعوة الإسماعيلية لشقين، النزارية والمستعلية، وكان الحسن بن الصباح الحميري قد نشأ بالري في بلاد فارس وتأثر في شبابه بالدعوة الإسماعيلية العبيدية وزار مصر والتقى بالمستنصر.

وكان الحسن الصباح قد اتصل ببلاط ملكشاه قبل ذهابه لمصر، ثم هرب إلى الري بسبب انكشاف نشاطه مع الباطنية والعبيديين، وخرج إلى مصر ليحضر دروس عبد الملك بن عطاش في الباطنية ويقابل إمامهم المستنصر ويعلن الولاء له وأثناء مكوثه في مصر لأكثر من سنة مده المستنصر بالأموال وأمره بدعوة الناس إلى إمامته في بلاد العجم، وعزم على نشر دعوة المستنصر في فارس وخراسان وتكوين مجتمع إسماعيلي صرف.

وبالفعل، بعد أن رجع إلى فارس وبلغ أصفهان سنة 473 هـ، باشر دعوته السرية لكن نظام الملك ضيّق عليه الخناق، فرحل إلى قزوين واستولى على قلعة ألموت الحصينة فوق جبل ألموت العالي بنواحي قزوين، وجعلها مقرًا له ولجماعته فتوسعوا وأكثروا الفساد في البلاد.

وعمل الحسن الصباح على تحصين نفسه وأتباعه في قلاع متناثرة في أقاليم وعرة مثل أقاليم بحر قزوين وثبت مركزه في قلعة ألموت سنة 483 هـ، وكان صاحب غدر وخيانة، فقد بث الرعب في قلوب الناس بالاغتيالات الغادرة.

وتشير الروايات التاريخية إلى أن أهم ضحاياه كان الوزير نظام الملك الذي شدد على الدعوة النزارية وحاربها. مع أن عددًا من المؤرخين من أمثال ابن الجوزي والذهبي، قد أوردوا آراء أخرى تجعل عملية اغتيال الوزير مدبرة من السلطانة تركان خاتون زوجة ملكشاه، حيث نصبت مكانه وزيرها تاج الملك لتستفرد بالحكم لصالح ابنها الصغير.

وسجل التاريخ غدر الحشاشين الباطنية، وقتلهم للخليفتين العباسيين المسترشد والراشد وهددوا ملكشاه السلجوقي وصلاح الدين الأيوبي من بين أمراء المسلمين.

لقد كان عمل الحسن الصباح على هدم العقيدة من الداخل وكل صفات الألوهية والتوحيد، ورفض السنة وتعاليم النبي -صلى الله عليه وسلم- ونفي الفرائض بالاعتماد في ذلك على نظريات أرسطو وأفلاطون وفيثاغورس بتأثر واضح بالفلسفة اليونانية. فيخرج من يتبعهم من دين الله بالجملة. وقد شبهها بعض الباحثين بالماسونية في عصرنا الحاضر.

ورغم فساد دعوتهم إلا أن شدة تنظيم الساعين لها سمحت بنشر الحركة الإسماعيلية بشكل لم يسبق له مثيل وبقاءها إلى اليوم يعود لتلك الجهود في الباطل.

لقد استغفل الباطنيون الناس بالشعوذة والمخاريق والتظاهر بالولاية والتأله.

يقول فيهم ابن الجوزي رحمه الله: “إن الثنوية والمجوس أرادوا إرجاع مماليكهم وإبطال الإسلام ولكنهم رأوا ضرورة إخفاء مقاصدهم بالتستر بالإسلام [20].” فكانت فرقة ضلال وظلام وظلم.

 محاولات السلاجقة للتصدي للباطنية

تراوحت سياسة ملكشاه مع الصباح بين المهادنة والمقاومة، فلما استولى الصباح على قلعة ألموت في عام 483 هـ وأرسل أسراب فدائييه يفتكون بالآمنين بالاغتيالات، أرسل له السلطان السلجوقي الإمام أبا يوسف يعقوب بن سليمان، وكان فقيهًا عالمًا بالأصول على مذهب أهل السنة لمناظرتهم، لكن دون جدوى، فتحول ملكشاه إلى السلاح، فأرسل الأمير أرسلان طاش سنة 485 ﻫ فحاصر القلعة ولكنه هزم، وفشلت محاولته في حصار قلعة أخرى لهم وهي “ديرة”، واستمر دجلهم في الانتشار أوساط الجهلة الأغرار.

وأرسل ملكشاه للصباح رسالة تهديد فكان رده أمام الرسول أن طلب من أحد الشباب قتل نفسه فأخرج سكينًا فقتل نفسه وسقط ميتًا، وقال لآخر ألق نفسك من هذا الموضع فرمى نفسه من رأس القلعة إلى الأرض، فتقطع، وقال للرسول هذا الجواب، وفي رواية قال: “أخبر سيدك أن عندي من هؤلاء عشرين ألفًا هذا حد طاعتهم لي”، فعاد الرسول إلى السلطان فأخبره بما رأى فعجب من ذلك وترك كلامهم.

ويلاحظ أن ملكشاه لم يبذل في مقاومتهم جهدًا يتناسب مع قوته ومكانته فلم يتوجه بنفسه مثلًا لحربهم كما فعل في مناسبات كثيرة عندما كان يتهدد دولته خطر من الأخطار كما أنه تجاهل نصائح وزيره نظام الملك عندما حذره من أخطار هذه الفئة، ولم يدم السلطان في الحياة كثيرًا بعد استيلاء الحسن الصباح على القلعة، فبقي شر الأخير يؤرق حياة من خلفه من سلاطين.

من جانبه حاول الحسن الصباح التأثير في ملكشاه ولعله سبب رخوة يده عليه، حيث أرسل له رسالة حشوها الافتراء على بني العباس والطعن فيهم، وقد قال ابن الجوزي، ذكر عن ابن عقيل؛ “أن السلطان ملكشاه، كان قد فسدت عقيدته بسبب معاشرته بعض الباطنيّة، ثم تَنَصَّل من ذلك ورجع إلى الحق” [24]، وتتجه الأحداث الأخيرة في حياة ملكشاه إلى أن هيبة الخليفة والخلافة العباسية قد زالت من نفسه وأغلظ عليهم في آخر أيامه كما رأينا مع زوج ابنته الخليفة المقتدي بأمر الله.

قيام دولة الإسماعيلية في إيران

تمكن الحسن الصباح من السيطرة على القلاع المجاورة لقلعة ألموت حتى ضم لحكمه المنطقة الواقعة جنوبي بحر قزوين برمتها. قلاعها وأرجائها. والتي تبلغ نحو 60 قلعة، وسط أراضي صالحة للزراعة، ومصادر للمياه جميعها بالقرب من نهر شاهرود وفروعه وكانت بمثابة أول دولة للإسماعيلية في المناطق التي سيطر عليها الباطنية، إضافة إلى ولاية قهستان [25]، المجاورة لخراسان منُذ سنة 484 ﻫ التي رغم بعدها النسبي عن مركزهم كانت تابعة للدولة، وظل حكامها المحليون يتبعون ملوك الإسماعيلية في ألموت حتى قضى عليهم المغول [26].

ويعتبر أهل السنة، الإسماعيلية بجميع فروعها من فاطمية “عبيدية” أو قرامطة أو نزارية “حشيشية” أو غيرها، من فرق الغلاة الباطنية لأنهم تطرفوا في العقيدة وانحرفوا عن الإسلام الصحيح، وللرد على مزاعم الإسماعيلية الباطنية، ألف العلماء الكتب القيّمة التي تدحض ادعاءاتهم مثل أبو حامد الغزالي وكتابه ” الموسوم بفضائح الباطنية”.

الوزير نظام الملك

شخصية نظام الملك أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي نموذج رائع لنجاح رجل في صناعة مجد أمة، فقد تمكن هذا الوزير الملهم من إعادة هيبة الخلافة والدولة بذكاء وبصيرة، حيث قال أبو شامة في الروضتين عن آثار دولة السلاجقة ووزارة نظام الملك:

فَلَمَّا ملك السلجوقية جددوا من هَيْبَة الْخلَافَة مَا كَانَ قد درس، لَا سِيمَا فِي وزارة نظام الْملك، فَإِنَّهُ أعَاد الناموس والهيبة إِلَى أحسن حالاتها.

وشهد التاريخ لنظام الملك أنه كان أول من أنشأ المدارس فاقتدى به الناس. وشرع في عمارة مدرسته النظامية ببغداد سنة 457 هـ، وقال القزويني واصفًا حاله: “آثاره فِي بلاد الإسلام تثني عليه وعلى علو شأنه وينبئ عن غاية عدله وإحسانه ويكفي شهود لإحيائه السنن وإعلائه لمعالم العلم”.

وضبط نظام الدين الحكم لما تولى ملكشاه السلطة، حيث انفلت العسكر وبسطوا أيديهم على أموال الناس، وكان ملكشاه قد أوكل له المسؤولية الكاملة، وألقبه: أتابك، ومعناه الأمير الوالد، فنجح في عمله بشكل أثلج الصدور. وعملت جهود نظام الدين المضنية في نشر العلم وتقدير أهله، وتيسيره لطالبيه، على رفع مرتبة العلم والعلماء والمكتبات.

وأما عن علمه فقال أبو شامة في حقه: “وَبلغ من الدُّنْيَا مبلغًا عَظِيمًا لم ينله غَيره، وَكَانَ عَالما فَقِيهًا دينًا خيرًا متواضعًا عادلًا يحب أهل الدّين ويكرمهم ويجزل صلَاتهم، وَكَانَ أقرب النَّاس مِنْهُ وأحبهم إِلَيْهِ الْعلمَاء، وَكَانَ يناظرهم فِي المحافل، ويبحث عَن غوامض الْمسَائِل، لِأَنَّهُ اشْتغل بالفقه فِي حَال حداثته مُدَّة، وَأما صدقاته ووقوفه فَلَا حد عَلَيْهَا ومدارسه فِي الْعَالم مَشْهُورَة لم يخل بلد من شَيْء مِنْهَا حَتَّى جَزِيرَة ابْن عمر الَّتِي هِيَ فِي زَاوِيَة من الأَرْض لَا يؤبه لَهَا بنى فِيهَا مدرسة كَبِيرَة حَسَنَة وَهِي الَّتِي تعرف الْآن بمدرسة رَضِي الدّين، وأعماله الْحَسَنَة وصنائعه الجميلة مَذْكُورَة فِي التواريخ لم يسْبقهُ من كَانَ قبله وَلَا أدْركهُ من كَانَ بعده”.

وكان مجلسه عامرًا بالقراء، والفقهاء، وأئمة المسلمين، وأهل الخير والصلاح، وكان يقول: إني لست من أهل هذا الشأن -لما تولاه-، ولكني أحب أن أجعل نفسي على قطار نقلة حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

ويذكر من أخلاقه أَنه مَا جلس قطّ إِلَّا على وضوء، وَلَا تَوَضَّأ إِلَّا وتنفل، وَيقْرَأ الْقُرْآن وَلَا يتلوه مُسْتَندًا، إعظامًا لَهُ، ويستصحب الْمُصحف مَعَه أَيْنَمَا توجه..، ويصوم يَوْم الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس.

وكان نظام الملك يقول:

كنت أتمنى أن يكون لي قرية ومسجد أتخلى فيه بطاعة ربي، ثم تمنيت بعد ذلك قطعة من الأرض بشربها أقوت برفعها، وأتخلى في مسجد في جبل، ثم الآن أتمنى أن يكون لي رغيف كل يوم وأتعبد في مسجد.

قال عنه الذهبي : “الوزير الكبير، نظام الملك، قوام الدين، أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي، عاقل، سائس، خبير سعيد متدين، محتشم، عامر المجلس بالقّراء والفقهاء، وإنشاء المدرسة الكبرى ببغداد وأخرى بنيسابور، وأخرى بطوس، ورغب في العلم وأدّر على الطلبة الصلات، وأملى الحديث، وبعد صيته تنقلت به الأحوال إلى أن وزر للسلطان ألب أرسلان، ثم لابنه ملكشاه، فدبر ممالكه على أتم ما ينبغي، وخفف المظالم، ورفق بالرعايا، وبنى الوقوف، وهاجرت الكبار إلى جانبه، وأشار إلى ملكشاه بتعيين القواد والأمراء الذين فيهم خلق ودين وشجاعة وظهرت آثار تلك السياسة فيما بعد، ومن هؤلاء القواد الذين وقع عليهم الاختيار آق سنقر جد نور الدين محمود، الذي ولي على حلب وديار بكر، والجزيرة”.

وتعتبر المدارس النظامية التي أنشأها وسهر على نجاحها نظام الملك، أحد أبرز معالم القوم للأمة المسلمة منذ عصر السلاجقة إلى صلاح الدين، فقد كانت تهدف إلى صناعة الرجال، علمًا وخلقًا وكل ما ترتقي به النفوس والهمم. فخرج منها الشيرازى والجوينى والغزالي وابن عساكر والعز بن عبد السلام فضلًا عن عماد الدين ونور الدين وصلاح الدين الأيوبي.

لقد امتدت بركات هذه المدارس لأجيال لأن الإيمان هو القوة الهائلة والرافعة الكبرى لمقدرات الأمم ومستقبل الشعوب، ناهيك عن كونه القوة النفسية الكبرى التي تحيي القيم وثوابت الأخلاق في واقع الناس وحياتهم.

وقد عمل نظام الدين وفق مقولة أبو الحسن الماوردي: إنه «ليس دين زال سلطانه إلا بدلت أحكامه، وطمست أعلامه، وكان لكل زعيم فيه بدعة، ولكل عصر في وَهْيِهِ أثر» وما كان يردده ابن خلدون عن الإمام الغزالي: “الدين أس والسلطان حارس، وما لا أس له فمهزوم، وما لا حارس له فضائع”.

ولقي نظام الملك كل الدعم من أبو حامد الغزالي والجويني وبقية العلماء، كما دعمهم نظام الملك بدوره دعمًا معنويًا وماديًا.

واهتم الوزير العبقري بالتنظيمات الإدارية حيث أشرف بنفسه على رسم سياسة الدولة الداخلية والخارجية بشكل كبير، مستفيدًا من فهمه ومعرفته بنظم الإدارة، حيث ألف كتاب “سياست نامه” جمع فيه عصارة الآراء والنظريات الإدارية التي تعتبر أساسًا لنظام الحكم وإدارة الدول والممالك.

كما كان شديد الحرص على إرسال المخبرين إلى جميع الأطراف في هيئة التجار والسياح والمتصوفة والدراويش وغيرهم يتنسمون الأخبار ويرسلونها للسلطان أولًا بأول حتى لا يخفى عليه شيء من أمور مملكته.

وقد نجح نظام الملك في إحباط العديد من المؤامرات والفتن التي كانت تتربص بالدولة السلجوقية، وكان شوكة في حلوق المبتدعة والضالين، كما راقب العمال تحت حكمه حتى ينضبط الجميع بالنظام. وقد أشاد بفضله حتى من غير المسلمين مثل ول ديورانت في قصة الحضارة.

وعن وفاته فيروى أنه خرج مع السلطان ملكشاه في يوم العاشر من رمضان عام 485 هـ، من أصبهان قاصدًا بغداد، فاجتاز في بعض طريقه قرية بالقرب من نهاوند، وحان وقت الإفطار فصلى المغرب وَجلسَ على السماط وَعِنْده خلق كثير من الْفُقَهَاء والقراء والصوفية وَأَصْحَاب الْحَوَائِج، فَجعل يذكر شرف الْمَكَان الَّذِي نزلوه من أَرض نهاوند وأخبار الْوَقْعَة الَّتِي كَانَت بِهِ بَين الْفرس وَالْمُسْلِمين فِي زمَان أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب -رَضِي الله عَنهُ-، وَمن اسْتشْهد هُنَاكَ من الْأَعْيَان وَيَقُول: “هذا الموضع قُتل فيه خلق كثير من الصحابة زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنهم أجمعين- فطوبى لمن كان معهم”.

فلما أفطر جاءه صبي ديلمي في هيئة مستغيث فلما أجابه نظام الملك، غدر الصبي به بضربة بسكين في فؤاده، وهرب ثم عثر عليه فقُتل. وقيل أن عملية الاغتيال كانت من تدبير الحسن الصباح، وكنا أشرنا إلى أن ابن الجوزي والذهبي، قد أوردوا آراء تؤكد على أن مقتله كان بتدبير من زوجة ملكشاه تركان خاتون.

وجاء السُّلْطَان ملكشاه عند نظام الملك فبكاه وهُوَ يجود بِنَفسِهِ حَتَّى مَاتَ شهيدًا بعد أن عاش حميدًا. وَقَالَ بعض خُدَّامه: كَانَ آخر كَلَام نظام الْملك أَن قَالَ: “لَا تقتلُوا قاتلي فَإِنِّي قد عَفَوْت عَنهُ، وَتشهد وَمَات”. وحُمل رحمه الله إلى أصبهان ودفن بها.

ولما بلغ أهل بغداد موت نظام الملك حزنوا عليه، وجلس الوزير والرؤساء للعزاء ثلاثة أيام ورثاه الشعراء بقصائد، منهم مقاتل بن عطية، قال:

كَــانَ الْوَزِيرُ نِظَـامُ الْمُلْـكِ لُؤْلُؤَةً *** يَتِيمَةً صَاغَهَا الرَّحْمَنُ مِنْ شَرَفِ

عَزَّتْ فَلَمْ تَعـْرِفِ الْأَيَّامُ قِيمَتَهَا *** فَرَدَّهَـا غَيْرَةً مِنـْهُ إِلَى الصَّــدَفِ

تنازع ورثة ملكشاه الحكم بعد وفاته

بعد وفاة ملكشاه والتي سبقتها بقليل جدًا (أقل من شهر) وفاة الوزير نظام الملك، فقدت الدولة السلجوقية أهم ركائزها فتفككت وبدأت عوامل الضعف والانهيار تدب في أوصالها خاصة مع الاقتتال على الملك الذي نشب بين أبناء السلطان وإخوته وأحفاده فضعفت سيطرة الدولة على مختلف أقاليمها.

وكان أول انقسام كبير بعد وفاة ملكشاه، بين ابنه الأكبر بركياروق ابن زبيدة ابنة ياقوتي بن داود، وهي ابنة عم ملكشاه، وأخيه الأصغر محمود بن تركان خاتون، وكان نظام الملك قبل وفاته قد رشح بركياروق لخلافة والده، وكان يبلغ من العمر آنذاك 13 سنة، وكان في أصفهان، لكن تركان خاتون ورغم أن ابنها كان صغيرًا جدًا وعمره 4 سنوات كانت مصرة على أن يخلف والده ويحكم البلاد وكانوا في بغداد عقب موت السلطان في رحلة الصيد.

وكما كان في صف بركياروق أبناء نظام الملك وأنصاره، كان في صف محمد أمه ووزيرها تاج الملك أبو الغنائم الذي خلف نظام الملك، واستطاعت تركان خاتون بالاتفاق مع تاج الملك إخفاء نبأ موت السلطان ملكشاه حتى يتسنى لها ترتيب أمور البيعة لابنها محمود.

وبعد مبايعة الطفل محمود اعترف به الخليفة العباسي سلطانًا جديدًا للدولة السلجوقية تحت ضغط أمه وما كان يملك قدرة للاعتراض، وبايعه الجنود أيضًا حيث أن تركان خاتون كانت قد مهدت مسبقًا لهذه المرحلة وأغدقت الأموال والعطايا عليهم، وكانت امرأة صاحبة عقل ودهاء، من نسل الملوك الترك، قد توغلت في دهاليز السياسة وإدارة الحكم، وقيل أنها من نسل أفراسياب.

ولأن محمود كان صغيرًا ولا يمكنه الحكم فاشترط الخليفة العباسي لذلك، أن تكون السلطنة لمحمود والخطبة له ولكن يتولى قيادة الجيوش وتدبيرها ورعاية البلاد، وأما تاج الملك فله جباية الأموال وترتيب العمال، ورغم رفض تركان خاتون بداية تمكن أبو حامد الغزالي من إقناعها على مضض.

وحتى تضمن تركان خاتون السلطنة لابنها، سجنت بركياروق أخوه الأكبر إلا أن فرحتها لم تدم طويلًا حيث تمكن أنصاره من النظامية (نسبة لنظام الملك) إخراجه من السجن ونصبوه سلطانًا على أصفهان نكاية فيها. وأصبحت دولة السلاجقة على سلطانين، محمود في بغداد، وبركياروق في أصفهان وبدأت مرحلة المنازعة.

وكان أول المنازعة من جهة تركان خاتون حيث سارت في جيش مع ابنها وتاج الملك لقتال بركياروق، والتقى الجيشان في بروجود. في أواخر ذي الحجة 485 هـ، واشتعلت نيران الحرب، لكنه لم يكن في حسبان تركان خاتون أن ينحاز جمع من العسكر لصف بركياروق أثناء المعركة، فهزمت وعادت مع ابنها إلى أصفهان، لكن بركياروق تابعهم وحاصرهم فاتفقوا على الصلح بشرط أن تدفع تركان خاتون خمسمائة ألف دينار لبركياروق وأن تكون بلاده أصفهان وجميع البلاد تحت حكمه كسلطان عليها ويترك بلاد فارس لها ولابنها محمود.

ومع ذلك لم تهدأ شهوة الحكم في نفس تركان خاتون، فحاولت في محرم 486 هـ منازعة بركياروق بحرب جديدة لكنها هزمت مرة أخرى لدعم أبناء وأنصار نظام الملك لبركياروق وانحياز جماعة من الأمراء كانوا معها لصفه. فهُزم جيشها شر هزيمة وفرت هي إلى أصفهان بينما فر تاج الملك إلى نواحي بروجرد، لكن النظامية أمسكوا به فقتلوه، وفصلوا جسده أجزاءً، وحملت إلى بغداد إحدى أصابعه، في نفس العام 486 هـ.

ثم توجه بركياروق مع أنصار نظام الملك إلى همذان فكون جيشًا قويًا ورجع به إلى أصفهان فدخلها وقضى على حكم تركان وأنصارها. واتخذ بركياروق عز الملك الحسين بن نظام الملك وزيرًا له مكافأة على تضحيات النظامية ودعمهم له.

ومما يجدر ذكره أن تركان خاتون كانت قد وعدت خال بركياروق إسماعيل ياقوتي بالزواج منها مقابل أن يحارب بركياروق، وبالفعل قاد جيشه لمحاربة ابن أخته في رمضان 486 هـ لكنه هزم هو الآخر وأسره بركياروق وقتله في نفس العام.

وجرت الأسباب ليكون الملك بيد بركياروق، فعاجلت المنية أخوه الصغير محمود، حيث أنه مرض وأصيب بالحمى والجدري، ومات على إثر ذلك، وكذلك مرض بركياروق بالجدري لكنه شفي منه.

وقوي أمر السلطان بركياروق وارتفع ذكره بين الأمصار، فاعترف به المقتدي بأمر الله سلطانًا للدولة السلجوقية في 14 محرم عام 487 هـ ولقبله بركن الدين. وما لبث أن توفي المقتدي بأمر الله في ثاني يوم، أي 15 محرم، وخلفه ابنه وولي عهده أبو العباس أحمد المستظهر بالله، فاعترف بسلطان بركياروق أيضًا.

لكن التنازع على الملك استمر بعد ذلك حيث نازعه عمه تتش سنة 488 هـ وكان واليًا على دمشق وما جاورها في بلاد الشام، بأمر من ملكشاه إبان حكمه، ومن خطط تتش أنه نوى الزواج من تركان خاتون والتعاون معها لإسقاط بركياروق، فراسلها لتلحق به لكنها توفيت في الطريق قبل أن تصل إليه، فتفرق عساكرها وانضم أكثرهم إلى بركياروق.

ومع ذلك استمر تتش لوحده في خطته وسيطر على عدد من الديار فاستثار غضب بركياروق الذي قاد جيشه وانضم إليه آق سنقر بحيشه أيضًا فهزم جيش تتش شر هزيمة، واستمر النزاع بينهما حتى قضى عليه بركياروق في نهاية عام 488 هـ وقيل أنه قتل على يد أنصار آق سنقر برًا لقسم الثأر منه.

ورغم مقتله بقيت البلاد تعاني من حروب كثيرة واقتتال بين صغار الأمراء، واشتعلت الدسائس في البيت السلجوقي في بغداد حتى قيّض الله عماد الدين ونور الدين زنكي فوحدا هذه البلاد وأخضعاها لسلطة واحدة.

وكان من هذه النزاعات تمكن عم بركياروق أرسلان أرغون، وكان في بغداد، من انتزاع بعض الديار وكانت قد استعصت عليه نيسابور لأن أهلها رفضوه فسار إلى مرو، وسيطر عليها، وتوسعت مملكته في بلخ وترمذ ونيسابور وسائر خراسان وراسل بركياروق ووعده أنه قد اكتفى ولن يتمدد.

وكان بركياروق آنذاك مشغولًا بأخيه محمود فسلم له شكليًا لكنه أرسل عمه الآخر بوري برس بن ألب أرسلان لقتال أرسلان أرغون في حدود خراسان، والتقى العسكران فانهزم أرسلان أرغون وعاد إلى بلخ، فاجتمعت له حشود كبيرة من التركمان، فسار إلى مرو وفتحها عنوة بعد ما خرب أسوارها وقتل الكثير من أهلها، وتوجه لقتاله بوري برس عند مرو لكنه انهزم وأسره واعتقله أخوه أرسلان أرغون في ترمذ، وتم قتله.

واستبد أرسلان أرغون في حكم خراسان فهدم كل حصن فيها وخرب البلاد وظلم العباد، وكان أرسلان أرغون شديد الهيبة والظلم لغلمانه، فكانوا يخافونه خوفًا شديدًا، مما دفعهم إلى قتله في سنة 490 ﻫ. وكان مقتله قبيل وصول جيش بركياروق وكان قد أرسله إلى خراسان لمحاربة عمه أرسلان أرغون فوجده قد قتل.

وعين بركياروق أخاه معز الدين أبو الحارث سنجر بن ملكشاه على خراسان، وكان سنجر على رأس الجيش فدانت له بلاد خراسان في عام 490 ﻫ ثم وبقيت تحت حكم سنجر لمدة عشرين عامًا وكان واليًا على بلاد ما وراء النهر فسمي ملك المشرق.

واستقر ملك السلطان بركياروق نسبيًا حتى نشب الخلاف بينه وبين أخويه محمد وسنجر، وهو ما سنتناوله إلى غاية نهاية الدولة السلجوقية في الجزء الثاني بإذن الله.

ولابد أن التفكك الذي عرفته الدولة السلجوقية كان من أكبر العوامل التي نجحت بفضلها الحملة الصليبية الأولى على الشام، فلم تكن هناك قوة تردعها، وانشغل أهلها في التنازع، بينما نشط الشيعة في مصر، لذلك انتزع الصليبيون معظم بلاد الشام قال تعالى:

(وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ).

5196

المصادر
الكاتب

د. ليلى حمدان

كاتبة وباحثة في قضايا الفكر الإسلامي، شغوفة بالإعلام وصناعة الوعي، صدر لي 10 كُتب حتى الآن (نجوم على الطريق، صفحات من دفتر الالتزام، إليكِ أنتِ، قبس من خاطر، أمريكا التي رأيت، قراءات مختصرات، المختصر في الملاحم والفتن، خربشات على جدار الصمت، القطوف (صيد المقالات) وصناعة الهمة).

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.